نقض فتاوى الوهابية

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

نقض فتاوى الوهابية

المؤلف:

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء


المحقق: السيد غياث طعمة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-93-0
الصفحات: ٨٦
  نسخة غير مصححة

١

٢

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين.

وبعد :

فلم يعد ثمة شك لمستريب أن ما جهدت في ترويجه والدعوة إليه ـ ولسنين طويلة ـ حملة ومروجو الفكر الوهابي ، بل وما استفرغوا فيه الطاقة والمال ، والعبارات المزوقة الجوفاء ـ التي أصم ضجيجها الآذان ، وأقرح سقمها النفوس ـ قد أتت عليه الحقائق الثابتة ، والدلائل القاطعة المرتكزة والمتجذرة في عمق العقيدة الإسلامية المباركة ، فعرته من كل دعاواه ، وجردته من كل مدعياته ، وبات ذلك الهاجس الذي شكل في يوم من الأيام ـ إبان فورة الاندفاع الأولي المتجلبب برداء التقوى والورع ، والذب عن الدين الحنيف ، وتشذيبه من كل ما علق به من غيره ـ هاجساً أرق بعض الأجفان الساذجة ، مجرد حكاية سمجة ، وشبهات باهتة ، لا يعسر على مبتدئ في العلوم الدينية ردها ودحضها بالأدلة المرتكزة على القرآن الكريم والسنة المطهرة ، والآثار الثابتة في كتب الفرق الإسلامية المختلفة ، لا في اسفار الشيعة

٥

ومؤلفاتهم فحسب.

ولعل من شبهاتهم الساقطة التي أقاموا من اجلها الدنيا ولم يقعدوها ما ابتدعوه من القول بحرمة البناء على القبور وزيارتها ، ومايتصل بها ، وحيث افتوا في ذلك بما خالفوا فيه إجماع المسلمين ، وما عرف من سيرتهم القطعية بذلك في عموم البلاد الإسلامية دون استثناء ، وحيث تصدى لإبطال تقولاتهم هذه ـ التي ادعوا فيها استنادها إلى الإجماع تارة ، وإلى الحديث تارة أخرى ، والى الإجماع المستند إلى الحديث ثالثة ـ جملة واسعة من علماء المسلمين ، من السنة كانوا أم من الشيعة.

ومن هؤلاء الأعلام الإمام المصلح الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء رحمه الله تعالى ، في موارد كثيرة ومنها هذه الرسالة القيمة الماثلة بين يدي القارئ الكريم ، والتي سبق ان نشرت على صفحات « تراثنا » في عددها الثالث عشر ( شوال/١٤٠٨ هـ ) تحقيق السيد غياث طعمة ، حيث عمدنا إلى إخراجها مستقلة ضمن مستلات (ذخائر تراثنا) المتلاحقة.

كما انا الحقنا بهذه الرسالة القيمة معجماً لما الفه علماء الامة الاسلامية للرد على خرافات الدعوة الوهابية ، الذي قام بإعداده السيد عبد الله محمد علي ـ والذي سبق ان نشر في العدد السابع عشر من مجلة « تراثنا » ( شوال/ ١٤٠٩ هـ ) ـ إتماما‎ً للفائدة ، وتسهيلاً للباحث والمستقرئ.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبيين الطاهرين.

مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام

لإحياء التراث

٦

على اعتاب الذكرى

منذ ان روى الاسلام رمال الجزيرة بدماء الأبرار ، فاخضرت أزهاره ونشر أريجه ، وطمح أن يزيح كابوس الظلام والظلم عن صدر العالم ، كانت جحافل الشر والكفر والنفاق تحاول قلع ما يغرسه الإسلام ، وتقف سداً امام مد النور الساطع ، لأنه إن انتشر ماتت ، وما برحت تكيد الدسائس لمحو الإسلام ، والإ فلتحجيمه على أضعف الآمال ...

وبالفعل عصفت بالامة الإسلامية عواصف هوجاء ، كل عاصفة تحمل لوناً وطريقة ، لكنها تلتقي في هدف القضاء على الإسلام ...

واذا كانت تلك النكبات قد جرت على أيدي اناس انتحلوا الإسلام وتولوا زمامه وهم يطعنونه صباح مساء ، فلا غرو ان يشهر الغرب والشرق سلاحه ويعلن عداءه وهدفه بعد ان مهد ادعياء الإسلام له ذلك.

وبالفعل فقد شمر عن الساعد ووضع كل إمكاناته في سبيل خدمة هدفه الأصلي ... القضاء على الإسلام العزيز ... ولأجل تحاشي الاصطدام ما امكن بدأ بزرع جراثيمه في الاصقاع الاسلامية ، وكلما كان البلد أكثر عراقة واشد التزاماً بتعاليم دينه كان لابد ان تكون الشجرة الملعونة الحاكمة في ذلك البلد اشد سماً

٧

وأكثر انزلاقاً في بحر الرذيلة ، وعالمنا المعاصر انموذج حي لذلك ، ففي فلسطين تبذر إسرائيل ، وفي مصر لابد ان يحكم السادات واضرابه ليمر يد الذل ويمسح بها على يد تلطخت بدماء المسلمين الابرار وليجري اجل كلام ... كلام الله ... على افحش لسان ويدعي الاستناد الى القرآن في عمله ... وفي العراق وو ...

ولما كانت ارض الحجازتضم اقدس مقدسات المسلمين ... بيت الله وحرمه الآمن وحرم رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ... كان لابد أن يكون الخنجر امضى من غيره ... وهكذا كان حيث ترعرت الوهابية في رحم الكفر وولدت وتربت في احضانه ، لتكون كما يريد وتطبق ما يأمر ، وتقاتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله باسم دين الله ارضاء لربها الانگلو أمريكي ، ولتفتري ما يحلو لها على الله ورسوله وتفتي على اُصول الملَكة التي البست خادم الحريم! لا الحرم الصليب وهو يبتسم ولا يستطيع اخفاء فرحه بهذا الوسام ...

قد يكون ما حدث بالامس بعيداً حينما يكون الحدث ميتاً ... ولكنه حين يرتبط بالمقدسات يبقى حياً ماحيي الضمير في المجتمع المسلم وتبقى كل لحظات الحدث شاخصة امام الاعين والقلوب.

اجل ... نحن على ابواب الذكرى السنوية الاولى لمجزرة البيت الحرام ... البيت الذي يأمن فيه النمل والجراد ... يأمن فيه القاتل من القصاص حتى يخرج منه ، ويتعرض حجاج بيت الله الى مجزرة لم يشهد التاريخ لها نظيراً حتى ايام الجاهلية الاولى‍! ولا في جاهلية القرن العشرين ...!!

اخذوا وقتلوا تقتيلاً ، لا لذنب جنوه ، إلا أنهم كبروا وهللوا وتبرؤوا من أعداء الله كما امر الله وتطبيقاً لشريعة الله ... لكن امن الاسلام وخلافة الله قتل زوار الله وهم على مائدة الله وفي ضيافته؟!

كيف يعرف الإسلام من ليس بمسلم؟

هل الوهاببيون مسلمون؟! فأي إسلام يأمر ان تبقى لحوم الاضاحي طعمة لحرارة الشمس حتى تنفسخ ... وملايين البشر من المسلمين وغيرهم عيدهم ان

٨

يشبعوا من رائحة الطعام فضلاً عن تناوله ...؟!

هل هم مسلمون ... وهم يهينون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حينما يعتبر زعيمهم عصاه افضل من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة ...؟!

اهم يخدمون البيت ويطهرونه ... وهم قد نجسوه بكل منكر استطاعوا فعله ..؟!

وأي شيء فيهم يمت الى الاسلام بصلة ولو كخيط بيت العنكبوت .. فكرهم .. أخلاقهم .. معاملتهم .. عدلهم .. ام ماذا ..؟!

اجل ، تمر الايام لتكمل سنة على المجزرة ، لكنها سنة في حساب الزمن وهي لحظات في حساب الوجدان والضمير لانها ماثلة ما صعد نفس ونزل وما غمضت عين وفتحت ...

لقد تصدى الكثير من العلماء الابرار للرد على هذه الفرقة الضالة وبدعها ، والفت في ذلك المؤلفات مثل : كشف الارتياب في اتباع محمد بن عبد الوهاب ؛ فتننة الوهابية ؛ هكذا رأيت الوهابيين ، وغيرها ، ومن جملة من الف الشيخ كاشف الغطاء ـ طاب ثراه ـ حيث كتب رسالة « نقض فتاوى الوهابية »

* * *

٩
١٠

رسالة

نقض فتاوى الوهابية

وهي رسالة من خمس ـ او اربع رسائل ـ جمعت في كتاب « الآيات البينات في قمع البدع والضلالات » من تأليف علم من اعلام هذا القرن ، غطت سمعته الأرجاء ، واقر بفضله العلماء ، ألا وهو الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ـ طاب ثراه ـ.

اسمه ونسبه :

هو الشيخ محمد حسين بن شيخ العراقين علي بن الحجة الشيخ محمد رضا ابن المصلح بين الدولتين موسى بن الشيخ الاكبر جعفر بن العلامة الشيخ خضر ابن يحيى بن سيف الدين المالكي الجناجي النجفي.

ولادته ونشأته :

ولد في النجف الاشرف سنة ١٢٩٤ هـ ، ونشأ في بيت جليل عرف بالعلم وربى العلماء ، وشرع بدروسه حين بلغ العاشرة من عمره ، وأنهى دراسة سطوح الفقه والاصول وهو بعد شاب ، ثم بدأ الحضور في دروس أكابر العلماء كالشيخ محمد كاظم الخراساني والسيد اليزدي وآغا رضا الهمداني واضرابهم ، ولازمهم سنين طوالاً حتى برز بين اقرانه وحظي باحترام واهتمام اساتذته ، ودرس الفلسفة على يد الميرزا محمد باقر الاصطهباناتي والشيخ احمد الشيرازي وغيرهما من الفحول.

ولما لمع نجمه ونبغ شرع في التدريس في مسجد الهندي وكان درسه يضم من الفضلاء مايربو على المائة.

* * *

١١

رحلاته ونشاطاته :

ومن السمات المميزة لحياة الشيخ كاشف الغطاء قدس‌سره رحلاته المتعددة واستثمارها ، ونشاطاته المتنوعة ، خصوصاً في نشر صوت مذهب الإمامية والدعوة الى وحدة الكلمة بين المذاهب الإسلامية عموماً من خلال النقاش الموضوعي ، فعندما طبع الجزء الاول من كتابه « الدين والاسلام » وهم بأن يطبع الثاني إذا بالسلطة تأمر بمهاجمته ومنعه من الطبع ، فسافر الى الحج ، ومنه الى الشام فبيروت وطبع الجزءين بصيدا ، واتصل بكبار العلماء ورجلات الفكر وجرت عدة محاورات ومراسلات معهم من جملتها محاورته مع فيلسوف الفريكة امين الريحاني ، وناقش ضمن هذه المحاورات جرجي زيدان حول مؤلفه « تاريخ آداب اللغة العربية » واظهر الكثير من شطحاته ، وناقش كذلك الشيخ يوسف الدجوي احد مدرسي الجامع الازهر ، والشيخ جمال الدين القاسمي عالم دمشق حينها ، ونشر خلال هذه السفرة عدة مؤلفات له ، ونشر عدة كتب لعدة مؤلفين واشرف على تصحيحها والتعليق عليها ، وقضى ثلاث سنوات في سوريا ولبنان ومصر.

ووافق عودته الى العراق سنة ١٣٣٢ نشوب الحرب العالمية الاولى فقضى سنيها في سوح الجهاد بصحبة السيد محمد ـ ولد استاذه السيد اليزدي ـ ورجع الى النجف الاشرف عند انتهائها.

وفي سنة ١٣٣٨ هـ رجع في التقليد الى المترجم له خلق كثير.

وفي سنة ١٣٥٠ انعقد المؤتمر الاسلامي العام في القدس الشريف ، ودعي من قبل لجنة المؤتمر مراراً فأجاب الدعوة ، والقى في المؤتمر خطبة ارتجالية ظهر فيها فضله وعظمته ، فقدمه العلماء وائتموا به في الصلاة ، وفي عام ١٣٥٢ زار ايران وبقي فيها حدود ثمانية اشهر داعياً الناس الى التمسك بمبادئ الدين الحنيف.

وفي سنة ١٣٧١ هـ حضر المؤتمر الاسلامي في كراجي.

١٢

مؤلفاته :

إضافة الى المقالات النفيسة والقصائد البديعة التي نشرت في امهات الكتب ، فقد ترك المؤلف آثاراً جليلة نذكر ما وقفنا عليه :

١ ـ الآيات البينات في قمع البدع والضلالات.

٢ ـ اصل الشيعة واصولها.

٣ ـ الفردوس الاعلى.

٤ ـ الارض والتربة الحسينية.

٥ ـ العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية ( مخطوط ).

٦ ـ تحرير المجلة.

٧ ـ المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون.

٨ ـ شرح على العروة ، كتبه في حياة استاذه ( مخطوط).

٩ ـ الدين والاسلام ، او الدعوة الاسلامية الى مذهب الامامية ( اربعة اجزاء طبع منها اثنان ).

١٠ ـنزهة السمر ونهزة السفر ( مخطوط ).

١١ ـ المراجعات الريحانية ، الموسوم بالمطالعات والمراجعات او النقود والردود.

١٢ ـ وجيزة الاحكام.

١٣ ـ السؤال والجواب.

١٤ ـ زاد المقلدين (فارسي ).

١٥ ـ حاشية التبصرة.

١٦ ـ حاشية العروة الوثقى.

١٧ ـ تعليقة على سفينة النجاة.

١٨ ـ مناسك الحج.

١٣

١٩ ـ تعليقة على عين الحياة.

٢٠ ـ حاشية على مجمع الوسائل (فارسي).

٢١ ـ التوضيح في بيان حال الإنجيل والمسيح.

٢٢ ـ عين الميزان ، في الجرح والتعديل.

٢٣ ـ محاورة مع السفيرين.

٢٤ ـ ملخص الاغاني (مخطوط ).

٢٥ ـ رحلة الى سورية ومصر ( مخطوط ).

٢٦ ـ ديوان شعر ( مخطوط).

٢٧ ـ جنة المأوى.

وغيرها كثير.

وفاته ومدفنه :

دبّت في بدن الشيخ الجليل كاشف الغطاء اواخر ايامه عدة اسقام ، لكنه لم يتوان لحظة ولم يأل جهداً في سبيل خدمة الدين والمسلمين ، ولما اشتد عليه مرضه سافر الى بغداد ورقد في المستشفى شهراً فاقترح عليه البعض الذهاب الى (كرند ) لطلب الصحة ، فقصدها في ذي القعدة سنة ١٣٧٣ لكن الاجل لم يمهله ، فوافاه يوم الاثنين ١٨ ذي القعدة ١٣٧٣ هـ بعد صلاة الفجر فنقل جثمانه الشريف الى النجف ودفن في مقبرته الخاصة التي اعدها سلفاً في وادي السلام وبذلك ودع الاسلام احد افذاذه وثلم به ثلمة عظيمة (*). وأليك ـ اخي المسلم ـ الرسالة كاملة ...

__________________

(*) لمزيد من الاطلاع على ترجمته انظر : الدليل العراقي الرسمي لسنة ١٩٣٦ ، الموسوعة العربية ، المكتبة البلدية ، فهرس التوحيد ، المنجد ، نقباء البشر ، الاعلام للزركلي ، معجم المؤلفين ، مقدمة الفردوس الاعلى ، مقدمة جنة المأوى ، المثل العليا في الاسلام لافي بحمدون ، اصل الشيعة واصولها ، مجلة « الاديب » عدد١٢ سنة١٣ ، صوت البحرين/ ذي القعدة ـ ذي الحجة ١٣٧٣ ، العرفان ٣٦و٤٣ وآب/ ٥٤ ، المعارف عدد٢سنة ١ ، المقتبس/ عبدالفتاح العسكري ٧ : ٧٧٦ ـ ٧٧٨ و٨ : ٢١٢ ـ ٢١٣.

١٤

بسم الله الرحمن الرحيم

( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. )

رسالة

نقض فتاوى الوهابية

ورد كلية مذهبهم

بسم الله الرحمن الرحيم

ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على مافي قلبه وهو ألد الخصام. واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد. وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد.

وحي معجز

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما القاه علينا استاذنا الاكبر ، وشيخنا الاعظم ، حجة الاسلام ، آية الله في الانام ، علامة الدهر ، مولانا الشيخ محمد حسين دامت بركاته في شأن الوهابية ، واستفتاء علماء المدينة المتضمن تهديم القبور وغير ذلك في عدة مجالس ضممنا بعضها الى بعض وجلوناها مجموعة عليك.

قال دامت ايام إفاداته : وقفنا من جريدة العراق في العدد الموافق منها ١٣ ذي القعدة سنة ١٣٤٤ على سؤال قاضي الوهابيين ابن بليهد مستفتياً علماء المدينة عن البناء على القبور ، واتخاذها مساجد ، وإيقاد السرج عليها وما يفعل عند الضرائح ، من التمسح والتقرب إليها بالذبائح والنذور ، وتقبيلها وعن التكبير والترحيم والتسليم في اوقات مخصوصة ...

١٥

هذا ملخص السؤال وكان الجواب من علماء المدينة بالمنع مطلقاً ووجوب الهدم ، مستدلين على المنع في بعضها ، ومرسلين الفتوى بغير دليل في الباقي.

وقد رغب إلينا الكثير من الاعلام والافاضل في إبداء ملاحظتنا على تلك الفتوى ، ووضعها في معيار الاختبار وميزان الصحة والسقم ، وعرضها على محك النقد ، ومطرقة القبول أو الرد ايضاحاً للحقيقة وطلباً للصواب ، كي لا تعرض الاوهام والشكوك وتعلق الشبهة باذهان البسطاء من المسلمين ، فإن البلية عامة ، والمصيبة شاملة ، والرزية على الجميع عظيمة ؛ وعليه فنذكر نص الفتوى جملة جملة حسبما ذكر في تلك الجريدة ، ثم نعقب كل جملة منها بما يحق لها من البيان ، وبالله المستعان.

قالوا في الجواب : اما البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً لصحة الاحاديث الواردة في منعه ، وبهذا افتى كثير من العلماء بوجوب هدمه ، مستندين على ذلك بحديث علي ـ رضي الله عنه ـ انه قال لابن الهياج : « الا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الاادع تمثالاً الاطمسته ، ولا قبراً مشرفاً الا سويته » (١) رواه مسلم. انتهى.

فتراهم قد تمسكوا تارة بالإجماع ، واخرى بالحديث ، او بالاجماع المستند الى الحديث.

اما دعوى الاجماع فهي مدحوضة مرفوضة ولكن لاتتسع اعمدة الصحف والمجلات لنقل كلمات العلماء في جوازه ، بل رجحانه ، وفساد توهم الاجماع وبطلانه من اول الاسلام والى هذه الايام ، واي حاجة بك الى ان اسرد لك او املي عليك ما يوجب الملل ( قال فلان وقال فلان ) ، وهذا عمل المسلمين وسيرتهم القطعية في جميع الاقطار والامصار ملء المسامع والابصار ، على اختلاف

__________________

(١) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٦ باب ٣١ ح ٩٣ ، مسند احمد ١/ ٩٦ و ١٢٩ ، سنن النسائي ٤/ ٨٨ وفيه : ولاصورة في بيت الا طمستها‎ ، سنن ابي داود ٣/ ٢١٥ح ٣٢١٨ ، الجامع الصحيح للترمذي ٣/ ٣٦٦ باب ٥٦ح ١٠٤١.

١٦

طبقاتهم وتباين نزعاتهم ، من بدء الاسلام إلى هذه الغاية من العلماء وغيرهم ، من الشيعة والسنة وغيرهم ، وأي بلاد من بلاد الاسلام من مصر أو سوريا أو العراق أو الحجاز وهلم جراً ليس لها جبانة شاسعة الاطراف واسعة الاكناف ، وفيها القبور المشيدة والضرائح المنجدة؟!

وهؤلاء أئمة المذاهب : الشافعي في مصر ، وأبو حنيفة في بغداد ، ومالك بالمدينة وتلك قبورهم من عصرهم الى اليوم سامقة المباني شاهقة القباب ، وأحمد بن حنبل مباءة الوهابية ومرجعهم في الفروع كان له قبر مشيد في بغداد جرفه شط دجلة حتى قيل : « أطبق البحر على البحر ». وكل تلك القبور قد شيدت وبنيت في الازمنة التي كانت حافلة بالعلماء وأرباب الفتوى وزعماء المذاهب ، فما أنكر منهم ناكر ، بل كل منهم محبذ وشاكر.

وليس هذا من خواص الاسلام ، بل هو من جار في جميع الملل والاديان ، من اليهود والنصارى وغيرهم ، بل هو لعمر الحق من غرائز البشر ومقتضيات الحضارة والعمران وشارات التمدن والرقي ، والدين القويم المتكفل بسعادة الدارين إذا كان لايؤكده ويحكمه فما هو بالذي ينقضه ويهدمه ، وإذا كان كل هذا لايكفي شاهداً قاطعاً ودليلاً بيناً على فساد دعوى الاجماع فخير أن تكسر الاقلام ويبطل الحجاج والخصام ولا يقول على شيء دليل ولابينة ولاحجة ولابرهان :

وليس يصح في الاذهان شيء

إذا احتاج النهار الى دليل

هذا حال الاجماع ، اما حديث مسلم : « لا تدع تمثالاً الا طمسته ، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته » فها هي نسخة من صحيح مسلم بين يدي ، طبع بولاق القديمة سنة ١٢٩٠ ، وقد روى الحديث المزبور صفحة ٢٥٦ ج ١ في باب الامر بتسوية القبر ، ولكن بعد هذا بقليل صفحة ٢٦٥ قال : ( باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها ) وروى فيه بسنده الى عائشة : ان النبي كان يخرج الى البقيع فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين (٢) الى الآخر في حديثين طويلين.

__________________

(٢) صحيح مسلم ٢/٦٦٩ ‎باب ٣٥ ح ١٠٢ و ١٠٣.

١٧

وروى بعدهما بسنده الى سليمان بن بريدة عن ابيه ، قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يعلمهم اذا خرجوا الى المقابر فكان قائلهم يقول في رواية ابي بكر : السلام على اهل الديار (٣). وفي رواية زهير : السلام عليكم اهل الديار من المؤمنين والمسلمين والمسلمات وانا ان شاء الله للاحقون ، أسأل الله لنا ولكم العاقبة (٤).

ثم بعد ان فرغ من هذا الباب قال تلوه : « باب استئذان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ربه عز وجل في زيارة قبر امه » ، وروى فيه اربعة احاديث صريحة في الامر بزيارة القبور :

أولها : بسنده الى ابي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : استاذنت ربي ان أستغفر لامي فلم يأذن لي ، واستأذنته ان أزور قبرها فأذن لي (٥).

ثانيها : بسند آخر الى ابي هريرة ، قال : زار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قبر امه فبكى وابكى من حوله فقال : استاذنت ربي ان استغفر لها فلم يأذن لي واساذنته ان ازور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت(٦).

ثالثها : بسنده عن ابن بريدة ، عن ابيه ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ونهيتكم عن لحوم الاضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا (٧) لكم ، الى آخر الحديث.

رابعها : بسند آخر بالمعنى المتقدم أيضاً (٨).

وبين يدي كذلك كتابان جليلان لعالمين جليلين من كبار مشاهير علماء

__________________

(٣) صحيح مسلم ٢/ ٦٧١ باب ٣٥ ح ١٠٤.

(٤) صحيح مسلم ٢/ ٦٧١ باب ٣٥ ح ١٠٤.

(٥) صحيح مسلم ٢/ ٦٧١ باب ٣٥ ح ١٠٥.

(٦) صحيح مسلم ٢/ ٦٧١ باب ٣٥ ح ١٠٥.

(٧) صحيح مسلم ٢/ ٦٧١ باب ٣٦ ح ١٠٦.

(٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٧١ باب ٣٦ ح ١٠٦.

١٨

السُنّة والجماعة : أحدهما كتاب « شفاء السقام في زيارة خير الانام ، للامام الحافظ قاضي قضاة المسلمين في القرن الثامن الشهير بتقي الدين ابي الحسن السبكي ، ويسمى ايضاً ب : شن الغارة على من انكر فضل الزيارة » وقد نشر هذا الكتاب ومثله للطبع سنة ١٣١٨ في مطبعة بولاق لعالم الفن العلامة الجليل احد اكابر علماء مصر القاهرة الشيخ محمد بخيت المطبعي ، رئيس المحكمة الشرعية العليا بمصر ، وقد حضرنا دروسه بمصر سنة ١٣٣٠ فوجدناه في اكثر العلوم بحراً مواجاً ، وسراجاً وهاجاً ، شعلة ذكاء وفهم ، وإحاطة وحزم ؛ ودفع الينا جملة من مؤلفاته منها ذلك الكتاب الذي نشر في صدره مقدمة في بعض احوال ابن تيمية مؤسس مذاهب الوهابية وبعض بدعه في الدين وتكفيره من جمهور علماء المسلمين ، وقد اجاد في تلك المقدمة ، واحسن النظر في الموضوع وعلله واسبابه.

اما ذات كتاب الامام السبكي فقد رتبه على عشرة ابواب :

الاول : في الاحاديث الواردة في الزيارة.

الثاني : في الاحاديث الدالة على ذلك وان لم يكن فيها لفظ الزيارة.

الثالث : فيما ورد في السفر اليها.

الرابع : في نصوص العلماء على استحبابها.

الخامس : في كونها قربة.

السادس : في كون السفر لها قربة.

السابع : في دفع شبه الخصم وتتبع كلماته.

الثامن : في التوسل والاستغاثة.

التاسع : في حياة الانبياء.

العاشر : في الشفاعة.

وذكر في الباب الاول من الاحاديث الواردة في زيارة قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفضلها ، والحث عليها خمسة عشر حديثاً ، واطنب في تصحيح سند كل واحد منها ، عن رجال السند وعلله فصحح اسانيد اكثرها ، مثل : « من

١٩

زار قبري وجبت له شفاعتي » (٩) ، وقد افاض في البحث عن سند هذا الحديث في خمس اوراق وبمضمونه حديثان آخران ومثل : ‎ « من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي » (١٠) وافاض في النظر والبحث عن سنده في اربع اوراق ومثل : « من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني » (١١) الى امثال ذلك من الاحاديث التي آخرها في هذا الباب : « من اتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة » و « من مات في احد الحرمين بعث آمنا » (١٢).

ثم استوفى القول والحديث في الباب الثاني ، ودخل بعده في الباب الثالث وذكر مفصلاً زيارة بلال من الشام التي هاجر اليها بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ وانه راى في المنام وهو يقول له : « ما هذه الجفوة يا بلال ، اما آن لك ان تزورني؟! » فانتبه حزيناً وجلاً ، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الى آخر الحديث. وكان ذلك في زمن اكابر الصحابة كالشيخين وغيرهما ، وعقّبه بذكر زيارة جماعة من الصحابة والتابعين لقبره ـ وشد الرحال اليه.

الكتاب الثاني بين ايدينا كتاب « الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي المكرم » تأليف العالم الشهير صاحب المؤلفات الطائرة الصيت ، ـ أحمد بن حجر

__________________

(٩) سنن الدار قطني ٢/ ٢٧٨ ح ١٩٤ ، الجامع الصغير للسيوطي ـ نقلاً عن البيهقي ـ ٢/ ٦٠٥ ح ٨٧١٥ ، كنز العمال ١٥/ ٦١٥ ح ٤٢٥٨٣ ، وفاء الوفاء ٤/ ١٣٣٦ ، الكامل لابي احمد بن عدي ٦/ ٢٣٥٠ ، واورد العلامة الاميني في الغدير ٥/ ٩٣ ـ ٩٦ « ٤١ » مصدراً ، فراجع.

(١٠) سنن الدار قطني ٢/ ٢٧٨ ح ١٩٢ ، سنن البيهقي ٥/ ٢٤٦ ، كنز العمال ٥/ ١٣٥ ح ١٢٣٦٨ و ١٥/ ٦٥١ ح ٤٢٥٨٢ ، وفاء الوفاء ٤/ ١٣٤٠ وفيه : كان كمن زارني ، الكامل لأبي احمد بن عدي ٢/ ٧٩٠ ، الجامع الصغير للسيوطي ـ نقلاً عن الطبراني ـ ٢/ ٥٩٤ ح ٨٦٢٨ ، واورد العلامة الاميني في الغدير ٥/ ٩٩ ـ ١٠٠ « ٩ » مصادر ، فراجع.

(١١) كنزالعمال ٥/ ١٣٥ ح ١٢٣٦٩ ، وفاء الوفاء ٤/ ١٣٤٢ ، شفاء السقام : ٢٣ ، واورد الاميني « ٩ » مصادر في الغدير ٥/ ١٠٠.

(١٢) وفاء الوفاء ٤/ ١٣٤٨ ، شفاء السقاء : ٣٤ ، وقد اورد السبكي في شفاء السقام كل الاحاديث السابقة في الفصل الاول.

٢٠