🚘

كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين لأبي نصر الفارابي

الدكتور علي بو محلم

كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين لأبي نصر الفارابي

المؤلف:

الدكتور علي بو محلم


الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار ومكتبة الهلال للطباعة والنشر
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٨
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

المقدمة

يحتل كتاب «الجمع بين رأيي الحكيمين ، أفلاطون الإلهي وأرسطوطاليس» مرتبة خاصة بين مؤلفات الفارابي ، لأنه يطلعنا علي مدي استيعاب صاحبه للفلسفة اليونانية ، ومقدار فهمه اياها ، وموقفه منها ، وأسباب ذلك.

لقد وضع أبو نصر هذا الكتاب قبل تأليف «آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها» و «السياسة المدنية»، اللذين كتبهما في المرحلة الأخيرة من حياته. ولكنه مهد له بكتاب سابق هو «تحصيل السعادة» والدليل علي ذلك ما ورد في آخر كتاب «تحصيل السعادة» حيث يلعن عزمه الكلام علي الفيلسوفين اليونانيين افلاطون وارسطو. وكأن هذا الكتاب الذي نقدم له الآن تتمة لكتاب «تحصيل السعادة» ، أو كأن كتاب تحصيل السعادة ليس سوي مقدمة لكتاب «الجمع بين رأيي الحكيمين افلاطون الإلهي وارسطوطاليس».

تناول في الكتاب السابق الطريق المؤدية الي السعادة ضالة الانسان المنشودة ، وغايته الأخيرة ، وخيره الأقصي ، فوجدها في تحصيل العلوم

٥

المختلفة من طبيعيات ورياضيات واخلاقيات ومنطق والهيات وسياسة مدنية. بيد ان هذه العلوم ليست سوي اجزاء من علم أم هو الفلسفة. والفلسفة هي العلم بالموجودات بما هي موجودة ، وقد ظهرت ، أول ما ظهرت ، في بلاد الرافدين عند الكلدانيين ثم انتقلت الي مصر ، حتي انتهت الي بلاد اليونان ، لتبلغ أوج ازدهارها ونضجها. وأكبر الفلاسفة اليونانيين اثنان هما افلاطون وارسطو ، ولذا دعوت الضرورة الي وضع كتاب يبين تقدمهما في هذا المضمار.

هذا ملخص كتاب «تحصيل السعادة» الذي مهد به لكتاب (الجمع بين رأيي الحكيمين). ولذا نلقاه يبدأ كتابه هذا من حيث انتهي كتابه السابق. ويذكر الغرض من الكتاب وهو تبيان فضل هذين الحكيمين المقدمين المبرزين وعدم الاختلاف بين آرائهما في المنطق والاخلاق والسياسة المدنية والنفس وقدم العالم وحدوثه واثبات وجود الله ، واسقاط دعوي من وجد اختلافاً بينهما من أهل زمانه.

بيد ان العبارات الواردة في مطلع الكتاب تميط لنا اللثام عن مسألة هامة. انها تقول (اما بعد ، فإنّي لما رأيت أكثر أهل زماننا قد خاضوا وتنازعوا في حدوث العالم وقدمه ، وادعوا ان بين الحكيمين المقدمين المبرزين اختلافاً في اثبات المبدع الاول ، وفي وجود الاسباب منه ، وفي امر النفس والعقل ، وفي المجازات علي الافعال خيرها وشهرا ، وفي كثير من الأمور المدنية والخلقية والمنطقية ، أردت في مقالتي هذه ، ان اشرع في الجمع بين رأييهما ، والابانة عما يدل عليه فحوي

٦

قوليهما ، ليظهر الاتفاق بين ما يعتقدانه ، ويزول الشك والارتياب عن قلوب الناظرين في كتبهما ...).

هذه المسألة الهامة هي أن أهل زمانة ، أي أهل القرن العاشر الميلادي الذي عاش فيه الفارابي ، أدركوا الاختلافات الموجودة بين فلسفتي افلاطون وارسطو ، وبحثوها وتناقشوا فيها. وهذا الواقع يسمح لنا بالاستنتاجات التالية :

أولاً : إن الفارابي لم يكن أكثر وعياً من مفكري عصره ولا اثقب نظراً ، ولا أوسع ثقافة ، وانه كان يوجد في القرن العاشر مفكرون آخرون أصح رؤية للأمور منه يجدر بنا التنقيب عنهم ودراستهم.

ثانياً : رد الادعاء القائل ان المفكرين العرب لهم يفهموا الفلسفة اليونانية عل حقيقتها قبل ابن رشد. ان هذا الادعاء يننطبق علي الفارابي وابن سينا والغزالي ... الخ ، ولكنه لا ينطبق علي سائر المفكرين الذين اشار اليهم الفارابي في هذا النص ، ولم يسمهم ، وليته فعل ذلك.

ونري انفسنا مناسقين الي التساؤل عن الاسباب التي تضافرت علي تضليل الفارابي ، وحجبت عنه الحقيقة.

اننا لا نستطيع أن نعزو ذلك الي عصره أو مجتمعه. لأنه يعترف ان أكثر أهل زمانه كانوا يتجادلون حول الاختلاف الكبير بين آراء قطبي الفلسفة اليونانية الكبيرين في مختلف الموضوعات.

ولا نستطيع أن نرجع ذلك اي استهانته بالاجماع ، اجماع الآراء

٧

حول مسألة من المسائل. فهو يقول في الفقرة الخامسة من الكتاب إن اجماع العقول المختلفة حجة. لنسمعه يقول نه أ: «فإما ان يكون رأي الجميع أو الأكثرين ، واعتقادهم في هذين الحكيمين انهما المنظوران والامامان المبرزان في هذه الصناعة ، سخيفاً مدخولاً ، فذلك بعيد عن قبول العقل اياه وإذعانه له ، اذ الموجود يشهد بضده ، لأنا نعلم يقيناً انه ليس شيء من الحجج أقوي وانفع واحكم من شهادات المعارف المختلفة بالشيء الواحد ، واجتماع الآراء الكثيرة ، اذ العقل عند الجميع حجة». انه يقبل بحكم رأي الجميع أو الأكثرين في أن افلاطون وارسطو امامان مبرزان في الفلسفة ، ولكنه يهمل حكم الجيمع أو الاكثرين في ان بينهما خلافاً في الآراء ، ويزدريه ، ولا يعبأ به. انه يطبق قاعدة أو مبدأ هنا ولا يطبقه هناك.

انني اعتقد ان أسباب خطأ الفارابي ترجع الي ثلاثة أمور رئيسة هي : شدة اعجابه بافلاطون وارسطو ، وكتاب اثالوجيا أو الربوبية ، وتأثره بالافلاطونية المحدثة.

أما اعجابه الشديد بافلاطون وأرسطوا فواضح من النعوت التي يضفيها عليهما. انهما «الحكيمان المقدمان المبرزان» ، وهما مبدعا الفلسفة ومنشئا أصولها ومتمما فروعها وأواخرها ؛ وهما المرجع في مسير الفلسفة وخطيرها ، وما ذهبا اليه هو الحجة والحقيقة لخلوه من الشوائب والكدر ، اذ عندهما يتناهي الوصف بالحكم العميقة والعلوم اللطيفة والاستنباطات العجيبة ، والغوص في المعاني الدقيقة المؤدية في كل شيء الي المحض والحقيقة.

٨

ويقدم الفارابي الدليل علي تقدمهما ونبوغهما وهو شهادة أكثر الناس والمفكرين لهما. يقول : «بذلك نطقت الألسن وشهدت العقول ، ان لم يكن الكافة فمن الأكثرين من ذوي الالباب الناصعة والعقول الصافية». وهذه الشهادة صحيحة لا ينبغي الشك فيها لأنها صادرة عن الاجماع أو الأكثرية ، والاجماع العاقل حجة بنظره. وهو اذ يعتمد الاجماع يوافق علم اصول الفقه الاسلامي الذي جعل الاجماع مصدراً من مصادر التشريع الي جانب القرآن والسنة والاجتهاد. يقول معبراً عن رأيه : «وأما العقول المختلفة ، اذا اتفقت ، بعد تأمل منها ، وتدرب ، وبحث ، وتنقير ومعاندة ، وتبكيت ، واثارة الاماكن المتقابلة ، فلا شيء أصح مما اعتقدته ، وشهدت به ، واتفقت عليه. ونحن نجد الألسنة المختلفة متفقة بتقديم هذين الحكيمين ، وفي التفلسف بهما تضرب الأمثال ، وإليهما يساق الاعتبار ...».

ولعل القارئ يلاحظ من سياق الجمل وانسيابها وتدفقها ، علي غير ما عهدناه في كتابة الفارابي أو خطابه ، شدة اعجابه بأفلاطون وأرسطو ، وانفعاله بهما ، حتي يخيل الينا انه شاعر يكيل المديح لبعض العظماء الذين سحروه واثاروا عاطفته فاندفع يثني عليهم ويعدد مآثرهم ويسبغ عليهم الصفات الرفيعة الموجودة فيهم وغير الموجودة علي عادة الشعراء المداحين في الأدب العربي. وإلا كيف نوفق بين قوله فيهما انهما أبدعا الفلسفة وأنشأا أوائلها وأصولها ... الخ ، وقوله في كتاب تحصيل السعادة إن الفلسفة بدأت مع الكلدان في العراق ثم انتقلت الي مصر ، ومنها الي بلاد اليونان ... الخ.

٩

ان نظرة الاعجاب هذه ، التي نظر بها الفارابي ، وقبله الكندي ، وبعده ابن سينا وابن رشد وسواهم من فلاسفة العرب ، إلي الفلسفة اليونانية هي السبب الرئيس في ما وقعوا فيه من أخطاء ، وفي ضآلة حضهم من الاصالة والابداع. ولو نظروا نظرة نقدية الي تلك الفلسفة علي نحو ما فعل المعتزلة والأشاعرة امثال الجاحظ والغزالي ، لنجوا من اقتراف مثل خطأ الفارابي ، ولجاء نتاجهم أكثر أصالة وابداعاً.

والسبب الثاني في غلطة الفارابي هو كتاب الربوبية المعروف بأثالوجيا. وهذا الكتاب قسم من تساعيات أفلوطين التي ترجمها عبد المسيح بن ناعمة الحمصي الي العربية ونسبها خطأ الي ارسطو.

قرأ الفارابي هذا الكتاب واعجب به واعتبره احد مؤلفات ارسطو ، وبما ان افلوطين تأثر كثيراً بافلاطون واورد الكثير من آرائه في فلسفته لذا اعتقد الفارابي أن ما يقوله ارسطو في هذا الكتاب لا يخالف ما قاله افلاطون.

وقد اعتمد الفارابي علي كتاب الربوبية لاثبات عدم الاختلاف بين الرجلين في مسألتين هامتين تباينا فيهما كل التباين هما مسألة قدم العالم وحدوثه ، ومسألة المثل. يقول في سياق حديثه عن المسألة الأولي : «ومن نظر في اقاويله في الربوبية في الكتاب المعروف باثالوجيا ، لم يشبه عليه أمره في اثبات الصانع المبدع لهذا العالم ... فان الامر في تلك الأقاويل أظهر من ان يخفي. وهناك تبين ان الهيولي ابدعها الباري جل ثناؤه لا عن شيء ، وانها تجسمت عن الباري سبحانه وعن ارادته ، ثم ترتبت».

١٠

وفي المسألة الثانية ، أعني المثل ، يعتمد الفارابي أيضاً علي كتاب الربوبية ليثبت ان ارسطو ـ صاحب الكتاب خطأ ـ يقول بالمثل الافلاطونية. يقول في ذلك : «وقد نجد ان ارسطو في كتابه في الربوبية المعروف باثالوجيا يثبت الصور الروحانية ويصرح انها موجودة في عالم الربوبية».

وعندما يصل الي هذه النقطة يبدو انه يستيقظ من غفوته فيشك في نسبة هذه الاقوال الي ارسطو ، ويضع احتمالاً هو ان تكون منحولة ويقول : «فلا تنحلوا هذه الاقاويل ، اذا اخذت علي ظاهرها ، من احدي ثلاث حالات : اما ان يكون بعضها مناقض بعضها ، واما ان يكون بعضها لارسطو وبعضها ليس له ، واما ان يكون لها معان وتأويلات تتفق بواطنها وان اختلفت ظاهرها ، فتتطابق عند ذلك وتتفق ، فاما ان يظن بارسطو ، مع براعته وشدة يقظته وجلالة هذه المعاني عنده ـ اعني الصور الروحانية ـ انه يناقض نفسه في علم واحد ، وهو العلم الربوبي ، فبعيد ومستنكر ، واما ان بعضها لأرسطو وبعضها ليس له ، فهو ابعد جداً ، إذ الكتب الناطقة بتلك الاقاويل اشهر من أن يظن ببعضها انه منحول ، فبقي ان يكون لها تأويلات ومعانٍ ، إذا كشف عنها ارتفع الشك والحيرة».

بيد ان هذه اليقظة جاءت عارضة ، فما لبث الفارابي ان اغمض عينيه من جديد واستسلم لغفوته التي رانت عليه حتي نهاية الكتاب.

والسبب الثالث لغلطة ابي نصر هو تأثره بالمدرسة الأفلاطونية

١١

الجديدة التي عرف اعلامها وقرأ لهم ، وقرر الانضمام إليهم في التوفيق بين افلاطون وارسطو أو الجمع بينهما ، وانتقاء بعض الأفكار التي وجدها عند المفكرين العرب ولا سيما المعتزلة والأشاعرة واضافتها الي ذلك التراث او تلقيحه بها.

وقد ذكر منهم امونيوس ابرز ممثلي الافلاطونية الجديدة في القرن الثالث الميلادي (١٧٥ ـ ٢٥٠ م) ، وعرف بأمونيوس ساكاس اي الحمال لأنه كان يعمل حمالاً في الإسكندرية حيث ولد ونشأ من أبوين مسيحيين ، بيد أنه رغب عن المسيحية بعد اطلاعه علي الفلسفة. وقد نسب اليه الفارابي رسالة لم يسمها يذكر فيها أقاويل هذين الحكيمين في اثبات الله ويوفق بينهما ويسلك طربق التوسط بينهما علي حد تعبيره.

ومن اعلام هذه المدرسة أفلوطين (٢٠٥ ـ ٢٧٠ م) وهو تلميذ امونيوس ساكاس وأكبر فلاسفة الافلاطونية الحديثة علي الاطلاق. ولد في مصر وتعلم علي يد أمونيوس وسافر الي فارس والهند ليطلع علي أفكار أهلها ، ثم قفل راجعاً إلي روما حيث مات. وتمثلت آثاره بأربع وخمسين رسالة جمعت في ستة أقسام ، كل قسم تسع رسائل ، لذا دعيت بالتساعيات ، تدور حول الموضوعات التالية : الإنسان (المجموعة الأولي) ، العالم المحسوس (الثانية والثالثة) النفس (الرابعة) العقل (الخامسة) العالم العلوي (السادسة). تصور العالم مؤلفاً من الواحد (الله) والعقل الكلي ، والنفس الكلية ، والكائنات الحسية. والواحد ليس عقلاً (عكس ما قال ارسطو) ، ولا يعقل شيئاً ، ولا يتحرك (كما

١٢

قال ارسطو) ، وقد خلق الله العالم بطريقة الفيض ، أي ان العالم فاض عنه لأنه تام كامل ، وكل موجود يصل الي كماله يلد ، ويشبه فيضان العالم عنه فيضان النور عن الشمس.

وذكر الفارابي اسم علم ثالث من اعلام الافلاطونية المحدثة هو فورفوريوس الصوري صاحب الكتاب الشهير «المدخل الي مقولات ارسطو» والمعروف باسم كتاب «فيساغوجي». عاش في القرن الثالث الميلادي (٢٣٣ ـ ٣٠٥ م) وقد غادر موطنه صور الي روما حيث اتصل بأفلوطين وتتلمذ عليه وتصوف مثله. وله شروحات لكتب افلاطون وارسطو.

لماذا اختار الفارابي الافلاطونية الجديدة دون سائر المذاهب الفلسفية؟ لم يوضح لنا ذلك ، ولكن يمكن القول انه وجد الطريق ممهداً أمامه فسلكه. والذي مهد له الطريق ، طريق الأفلاطونية الجديدة ، هو سلفه يعقوب بن اسحق الكندي (٧٩٦ ـ ٨٧٣ م) الذي سبقه بقرن من الزمان. ونجده في رسائله يجمع بين آراء افلاطون وارسطو ويقول بشكل سافر بنظرية الفيض الأفلوطينية ، وينعت الله بالواحد الذي لا يتكثر ، كما يقول بحدوث العالم وخلقه من لا شيء. وهذه الآراء نجدها جميعاً في كتاب الفارابي «الجمع بين رأيي الحكيمين».

وربما حمله علي الجمع بين الفيلسوفين المختلفين مبدأ فلسفي ألفاه عند سلفه الكندي يقول ان غاية افلاطون الحق لأن الفلسفة هي العلم

١٣

بحقائق الموجودات ، وغاية ارسطو الحق أيضاً. ولقد أصاب كل منهما الحق ولو لا ذلك لم يكن كل منهما فيلسوفاً عظيماً معترفاً به من الأجيال اللاحقة والمفكرين المتأخرين. وبما ان الحق لا يضاد الحق لذلك لا يمكن ان يكون خلاف بينهما.

وقد ذهب البعض في تعليل اعتناق الفلاسفة العرب الأفلاطونية الجديدة الي سمة من سمات العقلية العربية ، تلك السمة هي التوسط والتوفيق في الأمور. وقد دمغت هذه السمة بعض الفرق الكلامية الكبيرة كالمعتزلة والاشعرية. والمبدأ الذي انطلقت منه يتلخص في القول المشهور الذي نسب لأحدهم وهو «خير الأمور الوسط». فالمعتزلة ادعوا انهم الفرقة التي رفضت تطرف الخوارج من جهة والمرجئة من جهة ثانية ، الافراط والتفريط علي ما يقول الجاحظ. والاشعري عندما ارتد علي المعتزلة واسس مذهباً جديداً له حاول التوسط بين المعتزلة الذين افرطوا في الاعتماد علي العقل والحشوية الذين فرطوا فيه ، واعتمدوا اعتماداً كلياً علي النقل.

واذا كانت النزعة الي التلفيق والجمع والتوسط قد غلبت علي كثرة من الفلاسفة العرب وهو الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن طفيل ، فان فيلسوفاً كبيراً واحداً علي الأقل لم يستجب لها ولم يتأثر بها ، أعني به ابن رشد (١١٢٦ ـ ١١٩٨ م) ، فقد انتقدها نقداً عنيفاً ، واختار مذهباً آخر غير الافلاطونية الجديدة ، هو فلسفة أرسطو الصافية المشائية.

١٤

وربما كان اقرب الي الصواب الرأي القائل ان الفلاسفة العرب آثروا الافلاطونية الجديدة لأنها مشربة بروح الديانات الشرقية كاليهودية والمسيحية ، ولذا كانت أقرب الي الاسلام من المشائية البحتة التي تقوم علي العقل وحده. والاسلام هو دين هؤلاء الفلاسفة ، ودين المجتمع الذي يعيشون فيه ولا يستطيعون ان يديروا ظهرهم له ، ولا ان يخرجوا عليه ، فهم مظطرون الي ان يبقوا علي مسافة قريبة منه لكي يتجنبوا التضييق والنقد والتنكيل والنبذ من مجتمعهم.

ولنا أن نتساءل : هل نجح الفارابي في محاولته الجمع بين افلاطون وارسطو؟ الجواب هو التالي : لم ينجح مطلقاً. والسبب واضح وهو استحالة الجمع بين النقيضين عملاً بقول المتنبي الذي كان معاصراً للفارابي ، ومن اصحاب سيف الدولة الحمداني مثله :

وما الجمع بين الماء والنار في يدي

بأصعب من أن أجمع الحظ والفهما

لقد حاول أولاً أن يوفق بين نظرتي افلاطون وارسطو الي الحياة والمجتمع والسياسة ، وهذه محاولة عقيمة ، لأن افلاطون كان خيالياً وارسطو كان واقعياً حسياً. فدعا الاول الي اقامة دولة تتألف من ثلاث طبقات هي طبقة الحكام وطبقة الجنود وطبقة العامة ، تقاب قوي النفس الثلاث : العقلية والغضبية والشهوانية ، وتفرز هذه الطبقات في الامتحانات المدرسية. وتتكون طبقة الحكام من المفكرين ، ويرأسها فيلسوف. ويعيش الحراس حياة اشتراكية في النساء والأموال ، أي انه ألغي الأسرة والملكية.

١٥

أما ارسطو فذهب عكس ذلك ، إذ أقر الاسرة كخلية اجتماعية لا بد منها ، وأيد الملكية الخاصة لأن الانسان لا ينشط الي العمل والانتاج بدون ملكية. وقال ان خير الحكومات هي التي تعمل لخير الشعب ، ولذا وجد ثلاثة أنواع من الحكومات الصالحة هي الملكية والارستقراطية والديموقراطية ، تقابلها ثلاثة انواع من الحكومات الطالحة هي حكومة الطغيان او حكومة الفرد المستبد ، والاوليغركية او حكومة الاغنياء والاعيان الجشعين ، والديماغوجية او حكومة العامة التي تتبع اهواءها المتقلبة. والملكية هي حكومة الفرد العادل ، والأرستقراطية هي حكومة الأقلية العادلة ، والديموقراطية هي حكومة الاغلبية الفقيرة ، تمتاز بالمساواة والحرية واحترام القانون. والحكومة المثلي بنظره هي حكومة الطبقة المتوسطة التي تجمع بين الارستقراطية والديموقراطية وتتقيد بالدستور وتتلاءم مع طبيعة البلاد والشعب.

وعملاً بنظريتيهما المختلفتين هاتين لم يؤسس افلاطون اسرة ولم يتزوج ، بينما تزوج ارسطو مرتين وأنجب ابنة وابناً. واغري افلاطون أحد الامراء في احدي الجزر بتطبيق جمهورية الخيالية ، ففشل وقبض عليه وبيع في سوق النخاسة حتي افتداه أحدهم واعتقه. اما ارسطو فاتصل بفيليب ملك مقدونيا وعهد اليه بتأديب ابنه الاسكندر فاضطلع بالمهمة وتخرج علي يديه ملك عظيم ، وعندما دالت دولة المقدونيين عزم أهل اثينا علي الانتقام منه فهرب قائلاً : لن اعطي الاثينيين فرصة ثانية للاجرام ضد الفلسفة.

١٦

وحاول الفارابي ثانياً ان يوفق بين منهجي افلاطون وارسطو في البحث والتأليف ، فوجد انهما مختلفان في الظاهر ومتفقان في الغاية ، والغاية التي ابتغاها كل منهما هي التعمية والاغلاق والتعقيد. وهذا حكم بعيد عن الصواب لأنهما متباينان في النهج تبايناً كاملاً. فمنهج أفلاطون هو الحوار حيث نجد شخصين أو أكثر يتحادثان حول مسألة من المسائل الفلسفية ويتبادلان الرأي ويتناقشان. وغالباً ما يكون سقراط احدهما ، والآخر أحد المفكرين اليونان ممن يخالف سقراط الرأي. ويستمر الحوار الرشيق الشيق المثمر بينهما حتي ينتهيا الي النتيجة التي يريدها افلاطون. وقد يستعين اثناء الحوار باساطير او أمثلة خرافية كانت شائعة في عصره علي الأغلب لايضاح فكرته وليس لتعميتها وتغطيتها كما يظن الفارابي.

أما منهج ارسطو فمختلف كل الاختلاف ، انه ليس حواراً قصيصاً ، بل نثر علمي جاف ، دقيق العبارات ، يتبع مراحل أربع : في المرحلة الأولي يعين موضوع البحث «لأن الباحث الذي لا يبدأ بوضع المسألة كالماشي الذي لا يدري الي أيه جهة هو متوجه» وفي المرحلة التالية يسرد الآراء حول الموضوع ويناقشها لأن «الذي يسمع الحجج المتعارضة جميعاً يكون موقفه أفضل للحكم» ، وفي المرحلة الثالثة يسجل الصعوبات أو المشاكل التي يثيرها الموضوع ، ويعرف الصعوبة بأنها «وضع رأيين متعارضين لكل منهما حجته في الجواب عن مسألة بعينها». (أنظر كتاب الجدل من منطق ارسطو ، وكتاب ما بعد الطبيعة) وأخيراً يبحث عن حلول للمسألة التي يعالجها.

١٧

وحالو الفارابي ، ثالثاً ، التوفيق بين افلاطون وارسطو في المنطق فلم يجد تعارضاً بينهما في شيء من مسائله ، لا في مفهوم الجوهر ولا في مفهوم القسمة ولا في مفهوم القياس. ولاواقع ان علم المنطق وضعه ارسطو بعد موت افلاطون ، فلم يكن ثمة متسع للخلاف بينهما ، وقد اشار الفارابي الي هذه الحقيقة.

ولكن باباً من أبواب المنطق طرقة افلاطون قبل ارسطو هو الجدل ، وقد اعتبره منهجاً علمياً صحيحاً ، وهو عبارة عن المناقشة التي تجري بين شخصين حول مسألة من المسائل وتؤدي الي توليد المعرفة. وقد حدده بأنه المنهج الذي به يرتفع العقل من المحسوس الي المعقول دون أن يستخدم شيئاً حسياً بل بالانتقال من معانٍ الي معانٍ بواسطة معان (الجمهورية ص ٥١١) ، وبأنه العلم الكلي بالامور الدائمة والمباديء الاولي يصل إليه العقل بعد العلوم الجزئية ، ثم ينزل منه الي هذه العلوم يربطها بمبادئها ، وإلي المحسوسات يفسرها. وهكذا يميز افلاطون بين نوعين من الجدل : الجدل الصاعد الذي يرتقي من المحسوسات الي المعقولات مروراً بالمظنونات والمستدلات. فيكون لدينا اربعة أنواع من المعرفة هي الاحساس او ادراك عوارض الأجسام ، والظن أو الحكم علي المحسوسات بما هي كذلك ، والاستدلال أو علم الماهيات الرياضية المتحققة من المحسوسات ، والتعقل أو ادراك الماهيات المجردة من كل مادة أو المثل.

ثم الجدل النازل الذي ينزل من المعقولات الي المحسوسات ليحكم

١٨

بالكليات (الانواع والاجناس) علي الجزئيات الحسية. والحكم الذي يتجلي به الجدل النازل هو ادراك العلاقة بني الموضوع والمحمول ، أو اشتراكهما في صفة من الصفات. فالجدل اذن هو الذي يتبين ملاءمة الماهيات او المثل بعضها لبعض ، ويراها مرتبة في انواع واجناس ، ويري هذه المثل مرتبطة بمثل اعلي أعم هو مثل الخير بالذات (الله) ، ويري أخيراً أن ثمة مبدأين أساسيين للعلوم هما مبدأ عدم التناقض أو الهوية ، ومبدأ العلية الفاعلية والغائية.

والطريقة التي يرتب بها الجدل المثل أو الماهيات في أنواع وأجناس هي طريقة القسمة ، وأفضلها القسمة الثنائية ، فتقسم الجنس إلي أنواع ، ويقسم النوع الي فصول ، وكل فصل إلي أجزاء بسيطة.

أما ارسطو فقد اعتبر الجدل نوعاً من الاستدلال يقوم علي مقدمتين ونتيجة وتكون مقدماته محتملة ، أي آراءً متواترة مقبولة عند العامة أو العلماء. وبذا ينماز عن أنواع الاستدلال الاخري : البرهان ، والمغالطة. فمقدمات الاستدلال البرهاني يقينية ومقدمات البرهان المغالطة. فمقدمات الاستدلال البرهاني يقينية ومقدمات البرهان المغالطي مموهة او غير صحيحة. وقد حده بقوله : «الجدل استدلال باليجاب او بالسلب في مسألة واحدة بالذات مع تحاشي الوقوع في التناقض ، والدفاع عن النتيجة الموجبة أوالسالبة».

والذي يسمح للمجادلين بالدفاع عن القضية السالبة والقضية الموجبة في وقت واحد هو المقدمة المحتملة ، لأن المقدمات اليقينية لا تنتج النقيضين في آن واحد. وعلي هذا الاساس يخالف ارسطو

١٩

افلاطون ولا يعتبر مثله الجدل علماً او منهج علم ، بل استدلالاً احتمالياً يستعمل غالباً في الخطابة.

والفرق الآخر بينهما في المنطق هو أن أفلاطون يعتبر الماهيات التي في الذهن صوراً للمثل التي رأتها النفس في السماء قبل حلولها الجسد ، أما ارسطو فيعتبر تلك الماهيات صوراً للأشياء الحسية جردها الذهن بواسطة الحواس منها.

ولا خلاف بين الرجلين في مباديء المنطق : مبدأ عدم التناقص ومبدأ العلية ، ولا في القسمة. بيد ان ارسطو حصر فائدة القسمة في نطاق ضيّق من القياس ، بينما اعتمدها افلاطون منهجاً عاماً للجدل.

وأراد الفارابي ، رابعاً ، أن يوفق بين رأيي الحكيمين اليونانيين في الابصار : رأي افلاطون القائل ان الابصار يتم بخروج شيء من العين الي الشيء المبصر ، ورأي ارسطو المعاكس القائل ان الابصار يتم بخروج شيء من الشيء المبصر الي العين. فأرجع الخلاف الظاهر بينهما الي استعمال لفظ الخروج المشترك. فهو يحمّل اللغة وزر التناقض الحاصل بين الفيلسوفين. وقد كان الفارابي رائداً في التخريج اللغوي لحل الاشكالات والتناقضات الفلسفية ، وتبعه في ذلك الغزالي وابن رشد من الفلاسفة العرب ، ثم اصحاب المذهب التحليلي في الفلسفة المعاصرة.

والمسألة الخامسة التي ابتغي ابو نصر ان يوفق فيها بين افلاطون وارسطو هي الاخلاق. وتوقف عند مسألة خلقية واحدة هي مبدأ

٢٠