الوثائق الرسميّة لثورة الإمام الحسين

عبد الكريم الحسيني القزويني

الوثائق الرسميّة لثورة الإمام الحسين

المؤلف:

عبد الكريم الحسيني القزويني


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مكتبة الشهيد الصدر
المطبعة: نمونه
الطبعة: ٣
الصفحات: ٢٦٤
  نسخة غير مصححة

ولا أيضاً بدافع العامل الاقتصادي كما يذهب إليه البعض من أنّها نتيجة لظروف اقتصادية معينة دفعت بالحسين إلى ثورته.

وليس أيضاً بصحيح ما يقوله البعض من أنّها نتيجة مرحلة زمنية اقتضتها التطوّرات التاريخية آنذاك ، بل الدافع الرئيس الوحيد للإمام الحسين (عليه السّلام) هو تطبيق الشريعة الإسلاميّة والمحافظة عليها وإن أدّى ذلك إلى سفك دمه.

ويسند قولنا هذا ما جاء في بعض نصوص خطبه ورسائله مثل :

١ ـ «ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمان ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرموا حلاله» (١).

٢ ـ «وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب ، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ؛ فإنّ السنّة قد اُميتت ، والبدعة قد اُحييت» (٢).

__________________

(١) انظر الوثيقة رقم ٤٤ من هذا الكتاب.

(٢) انظر الوثيقة رقم ١١ من هذا الكتاب.

٢١

٣ ـ «ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به ، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟» (١).

٤ ـ «وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (صلّى الله عليه وآله) ؛ اُريد أن آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّي وأبي» (٢).

فإنّ هذه المقتطفات من خطب ورسائل الإمام الحسين (عليه السّلام) لهي نصوص صريحة واضحة ، لا شبهة ولا غموض فيها لبيان غرضه وهدفه (عليه السّلام).

فإنّها جميعاً تدل على أنّ الحكم القائم آنذاك كان يعمل بكل قواه على تقويض الشريعة الإسلاميّة من جذورها بإشاعة المنكر والباطل ، ومخالفة الكتاب والسنة ، «فإنّ السنّة قد اُميتت ، والبدعة قد اُحييت».

والحسين (عليه السّلام) لم يخرج لغيّر مقاومة المنكر والباطل ، وإحياء السنّة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يطلب الحكم والمنصب قط لأنّه من أهل بيت النبوة الذين لم يأتوا للملك إلاّ أن يقوّموا

__________________

(١) انظر الوثيقة رقم ٦٣ من هذا الكتاب.

(٢) انظر الوثيقة رقم ١٧ من هذا الكتاب.

٢٢

المعوّج ، ويدعوا إلى الحق ، ويدفعوا الباطل. فهذا جدّه رسول الله محمّد (صلّى الله عليه وآله) في بداية دعوته ، عَرضت عليه رجالات قريش الملك والسيادة والمال على أن يترك دعوته وقول الحقّ ، فأبى (صلّى الله عليه وآله) وقال لعمّه أبي طالب (رض) : «يا عمّاه ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» (١).

وهذا أبوه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) القائل : «اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنردّ المعالم من دينك ، ونظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، وتُقام المعطلة من حدودك» (٢).

وقد عرضت عليه الخلافة في قضية الشورى بشروط فأبى (عليه السّلام) لئلاّ يخالف الشروط التي لا يرتضيها. في حين أنّ الخلافة الإسلاميّة في وقتها كانت الدنيا بأسرها ، وخصوصاً بعد أن انهارت دولة

__________________

(١) انظر تاريخ الكامل لابن الأثير ص ٤٣ ج ٢.

(٢) نهج البلاغة ـ ج ٢ ص ١٩محمد عبده.

٢٣

الروم والفرس. فعلي (عليه السّلام) أبى أن يقبلها مع أهمّيتها في مقابل أن لا يخالف شرطاً ، فرفض الدنيا بأسرها في رفضه إياها إزاء عدم مخالفة شرط واحد.

وهذا أيضاً سفير الحسين (عليه السّلام) مسلم بن عقيل ، بعثه (عليه السّلام) إلى الكوفة لأخذ البيعة من أهلها ، وجاء عبيد الله بن زياد ودخل الكوفة ، فذهب مسلم إلى دار هاني بن عروة ، وكان في داره شريك بن الأعور مريضاً ، فأراد ابن زياد عيادة شريك في دار هاني ، فاتفق شريك مع مسلم أن يقتل عبيد الله عندما يأتي لعيادته ، والإشارة بينهما رفع شريك عمامته. ثمّ جاء ابن زياد ودخل على شريك ومسلم مختبئ في الخزانة ، فأخذ شريك يرفع عمامته مراراً فلم يخرج مسلم ، وقال : اسقنيها ولو كان فيها حتفي. فقال ابن زياد : إنّه يخلط في علّته. ثمّ خرج من دار هاني ، فخرج مسلم ، وقال له شريك : ما منعك منه؟! فقال مسلم : تذكّرت حديث علي (عليه السّلام) ، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «إنّ الإيمان قيد الفتك ، فلا يفتك مؤمن» (١). فلو كان مسلم يريد الإمارة

__________________

(١) مقتل الحسين ـ عبد الرزاق المقرّم ص ٢٤٦ ، الكامل ـ ابن الأثير ج ٣ ص ٢٧٠.

٢٤

والملك لخرج وفتك بابن زياد وأراح الأمّة من شرّه ، ولكنّه يخشى على إيمانه وعقيدته لأنّ الإيمان قيد الفتك ، والمؤمن لا يفتك.

وهكذا لو أردنا أن نستعرض أهل البيت (عليهم السلام) ، لرأيناهم لا ينشدون ملكاً ولا سلطاناً بالذات ، وإنّما غايتهم من الحكم هي تطبيق أحكام الشريعة الإسلاميّة وتركيز دعائمها ؛ فلهذا نرى الإمام الحسين (عليه السّلام) يقول : «وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (صلّى الله عليه وآله) ؛ اُريد أن آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّي وأبي» (١).

فهذه هي سيرة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وسيرة أبيه علي بن أبي طالب (عليه السّلام).

__________________

(١) انظر الوثيقة رقم ١٧ من هذا الكتاب.

٢٥

الإسلام والخلافة

اهتم الإسلام بالخلافة اهتماماً كبيراً ، لأنّ عليها يقوم بنيانه ويبني مجتمعه ، وإنّها القاعدة الأساسية لحفظ شريعته ، وصيانة مجتمعه من الانهيار والتشتت والتفرّق ، وبدونها لا تقوم للإسلام قائمة ،

«فهي ضرورة من ضروريات الحياة الإسلاميّة لا يمكن الاستغناء عنها ؛ فبها يُقام ما اعوجّ من نظام الدين ، وبها تتحقّق العدالة الكبرى التي ينشدها الله في الأرض» (١).

فلهذا نرى أنّ الرسول الأعظم قرنها ببداية التشريع الإسلامي ، وبدء نزول الوحي ، حيث أمر (صلّى الله عليه وآله) بإبلاغ دعوته أهله وعشيرته كما جاء في

__________________

(١) نظام الحكم ـ باقر القرشي ص ٢١٢.

٢٦

تاريخ الكامل لابن الأثير ، حين نزلت هذه الآية : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) (١).

فجمع النبي عشيرته على وليمة ، وخطب خطبته المشهورة : «إنّ الرائد لا يكذب أهله ، والله الذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول الله إليكم خاصّة ، وإلى الناس عامّة ، إلى أن قال : يا بني عبد المطلب ، إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به ، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟» (٢).

فأحجم القوم عن الجواب إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، فقام وقال : «أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه». فأخذ (صلّى الله عليه وآله) برقبة الإمام علي وقال : «هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا» (٣).

ولأهميتها أيضاً أمر الله العباد بإطاعة مَنْ تسلّم قيادتها إذا كان كامل الأهلية ، حيث قال تعالى : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ) (٤).

__________________

(١) سورة الشعراء ص ٢١٤.

(٢) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الكامل ـ ابن الأثير ج ٢ ص ٤٢.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) سورة النساء ص ٥٩.

٢٧

فجعل الله طاعة الخليفة الذي يتقلّد زمام أمرها من طاعته وطاعة رسوله.

وقد أوجبها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم شيعة وسنّة ، ولا نستطيع أن نستعرض هنا الآراء بشكل مفصّل في هذه الوريقات ، وإنّما نلمح إليها برأي واحد لكلّ من المذهبين.

الخلافة في رأي الشيعة

فالذي عليه إجماع الشيعة ، أنّ الخلافة أو الإمامة هي منصب إلهي بنصّ من الرسول (صلّى الله عليه وآله) وبوحي من الله. يقول الإمام محمّد حسين كاشف الغطاء : «نحن الشيعة نعتقد أنّ الإمامة منصب إلهي كالنبوّة ، فكما أنّ الله سبحانه وتعالى يختار مَنْ يشاء من عباده للنبوّة والرسالة ، ويؤيّده بالمعجزة التي هي كالنصّ من الله عليه ، فكذلك يختار للإمامة مَنْ يشاء ، ويأمر نبيّه بالنصّ عليه ، وأن ينصّبه إماماً للناس من بعده للقيام بالوظائف التي كان على النبي أن يقوم بها ، سوى أنّ الإمام لا يوحى إليه كالنبي ، وإنّما يتلقى الأحكام من النبي» (١).

__________________

(١) أصل الشيعة ـ الإمام محمد حسين كاشف الغطاء ص ٧٥.

٢٨

الخلافة في نظر أهل السنّة

والذي عليه إجماع المذاهب السنّية ، من أنّها ضرورة من ضروريات الدين إلاّ مَنْ شذّ منها ، فيقول الماوردي : «الإمامة موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ، وعقدها ممّن يقوم بها واجب بالإجماع» (٢).

أهلية الخلافة

بعد أن عرفنا أهمية الخلافة في الإسلام ، بقي الآن أن نعرف هل هناك شروط فيمَنْ يتقلّد زمامها وأمرها حتّى نرى أنّ يزيد بن معاوية كان أهلاً لها أم لا؟ فالمذاهب الإسلاميّة على اختلاف آرائها وأفكارها تشترط في الخليفة شروطاً معينة لا مجال هنا لذكرها جميعاً ، ولكنّها قد اتفقت على شرطين أساسيين ؛ الإيمان والعدالة.

الخليفة ورأي الشيعة

تعتبر الشيعة في الخليفة أن يكون منصوصاً

__________________

(١) الأحكام السلطانية ص ٣ ، راجع نظام الحكم ـ باقر القرشي ص ٢١٣.

٢٩

عليه من الله تعالى عن طريق النبي (صلّى الله عليه وآله) كما ذكرنا ، وأنّها تشترط في الخليفة شروطاً بالإضافة إلى إيمانه وعصمته «أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال ؛ من شجاعة وكرم ، وعفّة وصدق وعدل ، ومن تدبير عقل وحكمة وخلق» (١).

وإنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أوصى لعلي بن أبي طالب بالخلافة في عودته من حجّة الوداع في مكان يُقال له : (غدير خم) ، ولهم أدلّة على ذلك في كتبهم.

فعلى هذا ، فالشيعة لا ترى ليزيد ولا لأبيه معاوية أيّ حقّ بالخلافة ، بالإضافة إلى عدم توفّره على أهليتها ؛ لفسقه وفجوره ، وعدم إيمانه كما سنذكره.

الخليفة في رأي أهل السنة

أمّا أهل السنّة فالذي عليه الرأي العام منهم ، أنّ الخليفة يجب أن تتوفّر فيه العدالة. يقول ابن حزم الأندلسي : «اتّفق جميع أهل السنّة ، وجميع المرجئة ، وجميع الشيعة ، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة

__________________

(١) عقائد الإماميّة ـ الشيخ محمد رضا المظفر ص ٦٦.

٣٠

وأنّ الأمّة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يُقيم فيها أحكام الله ، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله» (١).

واشترطوا في الخليفة أيضاً :

البلوغ ، والعقل ، والذكورة ، والإسلام ، والعلم بفرائض الدين ، والتقوى ، وعدم الضعف والسفاهة. ثمّ يقول ابن حزم شارحاً معنى ما تقدّم :

١ ـ على الخليفة أن يكون عالماً بما يخصّه من أمور الدين ؛ من العبادات والسياسة والأحكام.

٢ ـ أن يكون مؤدياً للفرائض كلّها ، لا يخلّ بشيء منها.

٣ ـ أن يجتنب جميع الكبائر سرّاً وجهراً.

٤ ـ أن يتستر بالصغائر ، إن كانت تصدر منه (٢).

يزيد وأهلية الخلافة

هذه هي أهم الصفات التي يجب أن يتحلّى بها

__________________

(١) الملل والأهواء ج ٤ ص ٨٧.

(٢) نظام الحكم ـ باقر القرشي ص ٢٢٠.

٣١

الخليفة الإسلامي ، فأين (يزيد) منها؟ وهل فيه من هذه الصفات التي ذُكرت وقد أجمع معاصروه ومَن بعدهم على خلوّه منها ، وأنّه ليست له هذه الأهلية ، لأنّه متّصف بجميع الصفات القبيحة ، كشرب الخمر ، ولعب القمار ، وضرب الملاهي ، واللعب بالكلاب الهراش ، وإلى ما هنالك من صفات منافية؟ فلنستمع إلى ما يذكره المؤرّخون عنه :

١ ـ هذا ابن قتيبة ينقل ردّ الحسين على معاوية عندما جاء إلى المدينة المنوّرة لأخذ البيعة لابنه يزيد من بعده من رجالات المدينة ، فبعد أن خطب فيهم وأثنى على ولده يزيد ، قام إليه الحسين (عليه السّلام) وأجابه بعد كلام طويل قائلاً لمعاوية : «كأنّك تصف محجوباً ، أو تنعت غائباً ، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه ؛ من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش ، والحمام السبق لأترابهن ، والقيان ذوات المعازف ، وضرب الملاهي ، تجده باصراً ، ودع عنك ما تحاول ، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه» (١).

__________________

(١) الإمامة والسياسة ـ ابن قتيبة ١ ص ١٨٦.

٣٢

٢ ـ ذكر الطبري أنّ عثمان بن محمّد بن أبي سفيان ، والي يزيد على المدينة آنذاك ، بعث بجماعة من أهل المدينة إلى يزيد وفيهم عبد الله بن حنظلة والمنذر بن الزبير وآخرون من أشراف المدينة ، فقدموا على يزيد ، فأكرمهم وأحسن إليهم ، وأعظم جوائزهم ، ثمّ رجعوا إلى المدينة وهم على رأي واحد ، فقالوا : «إنّا قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، ويعزف بالطنابير ، ويضرب عنده القيان ، ويلعب بالكلاب ، ويسامر الحراب والفتيان ، وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه. فتابعهم الناس» (١).

٣ ـ ويقول الشوكاني في ردّه على بعض وعّاظ السلاطين : «لقد أفرط بعض أهل العلم فحكموا بأنّ الحسين السبط (رضي الله عنه وأرضاه) باغٍ على الخمير السكير ، الهاتك لحرمة الشريعة المطهّرة ، يزيد بن معاوية (لعنهما الله). فيا للعجب من مقالات تقشعرّ منها الجلود!» (٢).

هذا بعض ما قيل في يزيد بن معاوية ، بل ذهب

__________________

(١) تاريخ الطبري ج ٤ ص ٣٦٨.

(٢) نيل الأوطار ج ٧ ص ١٤٧.

٣٣

بعض العلماء إلى كفره والتشكيك في إيمانه ، وجواز لعنه ، «وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة من العلماء ، منهم القاضي أبو يعلى ، والحافظ ابن الجوزي ، والتفتازاني ، والسيوطي» (١).

وقال التفتازاني : «الحقّ إنّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره به ، وإهانته أهل بيت النبي ممّا تواتر معناه وإن كان تفاصيله آحاد ، فنحن لا نتوقّف في شأنه بل في إيمانه ، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه» (٢).

وقد بلغت الوقاحة والاستهتار بيزيد إلى درجة لا يتصوّرها إنسان ، وذلك أنّ معاوية أرسله إلى الحجّ في حياته ، فلمّا بلغ يزيد المدينة المنوّرة جلس على مائدة الخمر ، فاستأذن عليه ابن عباس فأذن له ، وكان مكفوف البصر ، فقيل له : إنّ ابن عباس إن وجد ريح الشراب عرفه. فحجبه عنه (٣).

إلى ما هنالك من عشرات أقوال الصحابة والتابعين

__________________

(١) مقتل الحسين ـ عبد الرزاق المقرّم ص ١٠.

(٢) شرح العقائد النسفية ص ١٨١ ، طبع الاستانة.

(٣) الكامل ـ ابن الأثير ج ٣ ص ٤١٧.

٣٤

والعلماء في يزيد بن معاوية ، ولو توسّعنا لاحتجنا إلى مجلّدات.

وبعد هذا العرض ، فهل يجد إنسان ما في يزيد أهلية الخلافة؟ اللّهمّ إلاّ بعض الحاقدين من أعوان السلطان ، وتجّار المادة الذين لا يخلو زمان ومكان منهم.

إنّ جميع ما تقدّم هو نزر يسير ممّا فعله يزيد بن معاوية ، وما ارتكبه الحكم الأموي من هتك حرمة الإسلام ، والتعدّي على الشريعة المقدّسة ، وتقويض أركانها ، ومن ثمّ الإجهاض عليها من جذورها (١). فلم تجد منقذاً ولا مخلّصاً لها إلاّ الحسين (عليه السّلام) ابن بنت صاحب الرسالة ، فقام (عليه السّلام) مغيثاً لها بثورته المقدّسة ، في اليوم العاشر من محرّم سنة ٦١ هجرية ، وأنقذها من الحكم الأموي الجائر قائلاً : «فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً».

وقد أبدع في تصوير هذا الموقف الشاعر ، حينما يرثي الحسين (عليه السّلام) في قصيدة طويلة تضمّ عشرات الأبيات ، منها :

__________________

(١) انظر تفصيل الجرائم الاُمويّة في كتابنا (الوثائق الرسميّة لنتائج ثورة الحسين (عليه السّلام) القسم الثاني) ، لم يطبع حتّى الآن.

٣٥

يومٌ بحاميةِ الإسلامِ قد نهضتْ

بهِ حميّةُ دينِ اللهِ إذ تُركا

رأى بأنّ سبيلَ الغي متّبعٌ

والرشدُ لم تدرِ قومٌ أيه سلكا

والناسُ عادت إليهم جاهليتُهم

كأنّ مَنْ شرّعَ الإسلامَ قد أفكا

وقد تحكّمَ بالإيمانِ طاغيةٌ

يُمسي ويُصبحُ بالفحشاءِ مُنهمكا

لم أدرِ أينَ رجالُ المسلمينَ مضوا

وكيفَ صارَ يزيدٌ بينهم ملكا

العاصرُ الخمرِ من لؤمٍ بعنصره

ومن خساسةِ طبعٍ يعصرُ الودكا

أم كيفَ يسلمُ من شركٍ ووالده

ما نزّهت حملهُ هندٌ عن الشركا

لئن جرت لفظةُ التوحيدِ في فمِه

فسيفهُ بسوى التوحيدِ ما فتكا

قد أصبحَ الدينُ منهُ شاكياً سقماً

وما إلى أحدٍ غير الحسينِ شكا

فما رأى السبطُ للدينِ الحنيفِ شفاً

إلاّ إذا دمهُ في نصرهِ سُفكا

وما سمعنا عليلاً لا علاجَ له

إلاّ بنفسِ مداويهِ إذا هلكا

بقتلهِ فاحَ للإسلامِ طيبُ هدىً

فكلّما ذكرتهُ المسلمونَ ذكا (١)

هل انتصر الحسين؟ ولمَنْ النصر؟

الإمام الحسين (عليه السّلام) إنسان عقائدي ، وصاحب مبدأ ، وحامل رسالة ، والإنسان الذي يتّصف بهذه الصفة هو إنسان فدائي لعقيدته ومبدئه ورسالته ، ويكون لديه الاستعداد الكامل للتضحية والبذل والفداء ،

__________________

(١) انظر ديوان سحر بابل وسجع البلابل ـ السيد جعفر الحلّي ص ٣٥٠.

٣٦

فهو لا يفكّر في البقاء والحياة إلاّ إذا كانت الحياة تكسب نصراً لعقيدته ورسالته ، وإذا كان الموت والفداء يحقّقان النصر للمعتقد وللهدف المنشود ، فالموت لديه أفضل من الحياة ، التي لا تقدّم نصراً للعقيدة والرسالة.

وهذا المفهوم تجسّد في الحسين (عليه السّلام) والحسين تجسّد فيه ، فهو سبط الرسول الأكرم محمّد (صلّى الله عليه وآله) الذي عرض عليه المشركون الدنيا بأبعادها ، قائلين لأبي طالب عمّه وناصره ، ومؤمن قريش : قل لابن أخيك : إن كان يريد مالاً أعطيناه مالاً لم يكن لأحد من قريش ، وإن كان يريد ملكاً توّجناه على العرب ... إلخ.

فجاء إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فأخبره بمقالة القوم :

فاستعبر النبيّ قائلاً :

«يا عمّاه ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» (١). وهذا أبوه

__________________

(١) انظر تاريخ الكامل ـ ابن الأثير ج ٢ ص ٤٣.

٣٧

علي بن أبي طالب (عليه السّلام) الفدائي الأوّل للإسلام ، ولنبيّه محمد (صلّى الله عليه وآله) في كلّ الحروب والمواطن.

وهذا عمّه حمزة سيد الشهداء ، وهذا أيضاً عمّه جعفر الطيار (رضوان الله عليهما) ، نصروا الإسلام بكلّ ما يملكون ، فالموت في مفهوم هؤلاء الأبرار الشهداء حياة إذا نصروا المبدأ والعقيدة ، والحياة ممات إذا كانت بلا هدف ولا عقيدة.

فالحسين (عليه السّلام) ينطلق من مفهوم جدّه وأبيه وأعمامه الخيّرين ، فرأى لا بدّ أن يمزّق الخناق الذي فرضه يزيد على الإسلام ، ويغذّي شجرة الشريعة التي كادت أن تنضب وتجفّ في ظل الحكم الأموي وإن كان ذلك يسبب له إزهاق الأرواح ، وقتل الأنفس ، وجريان الدماء على وجه الأرض لترتوي الغصون الذابلة للشجرة الإسلاميّة من هذه الدماء الزكية ؛ دم الحسين وأهل بيته وأنصاره. ولأنّه أيضاً جهاد في سبيل الله ونصرة دينه ، فاستجاب أبو الفداء الحسين لذلك ، ووقف في صبيحة عاشوراء يقدّم فتيانه من آله وأنصاره ضحية بعد ضحية ، وقرباناً بعد قربان ، قائلاً :

«اللّهمّ إن كان هذا يرضيك فخذ حتّى ترضى».

٣٨

ولأنّه يرى أنّ النصر لا يتمّ إلاّ بهذه القرابين وبهذه الضحايا. وأخيراً نرى الإمام الحسين (عليه السّلام) انتصر على عدوّه بعد استشهاده من ناحيتين :

الناحية الاُولى : إنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) كانت العامل الرئيسي الذي لعب دوراً هامّاً في كشف أباطيل الحكّام المنحرفين عن الخطّ الإسلامي السليم ، وانتزاع السلطة التشريعية من أيديهم بعد أن كان الخليفة يحكم ويشرّع كما يحبّ ويرغب وفق ميوله وأهوائه ، فيحرّم ما أحلّه الله ورسوله ، ويحلّل ما حرّم الله ورسوله.

فالإمام الحسين (عليه السّلام) استطاع بثورته الخالدة أن ينتزع تلكم السلطة من يد الخليفة المنحرف بأفكاره وسلوكه آنذاك ، وأفهم الرأي العام الإسلامي بأنّ الخليفة ليس له حقّ في تشريع أيّ حكم ، وإنّما التشريع منحصر في الكتاب والسنّة وما يؤدي إليهما ، كما قال تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (١).

__________________

(١) سورة الأحزاب ص ٣٦.

٣٩

ولولا ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) لرأينا كثيراً من الأحكام الإسلاميّة قد غُيرت وبُدلت كما هو الحال في المسيحيّة وتحريف ديانتها.

ولكن الله تعالى حيث قد ضمن حفظ التشريع الإسلامي من الانحراف والضياع بقوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (١) ؛ ولهذا ثار الحسين ليضع حدّاً للتلاعب بأحكام الشريعة الإسلاميّة الغرّاء من قبل المستهترين والحاقدين ، وبهذا انتصر الإمام الحسين (عليه السّلام) بثورته المباركة.

الناحية الثانية : إنّه قد يتبادر لذهن القارئ كيف انتصر الإمام الحسين مع أنّه قُتل؟ والجواب قد يكون غريباً وغير مألوف لذهن السائل ، لأنّه على خلاف المفهوم المادي للنصر ، ولكن نقول : هناك معركة بين إرادتين :

ا ـ الإرادة الحسينيّة :

وهي التي لم تملك إلاّ اليسير من العدّة والعدد ، مع الالتزام الكامل بالوسائل التي أباحها الإسلام.

__________________

(١) سورة الحجر ص ٩.

٤٠