فرسان الهيجاء - ج ١

الشيخ ذبيح الله المحلاتي

فرسان الهيجاء - ج ١

المؤلف:

الشيخ ذبيح الله المحلاتي


المحقق: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : التراجم
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-503-145-7
ISBN الدورة:
978-964-503-144-0

الصفحات: ٤٩٥
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ابن زياد فاستدعى اللعين سجّانه وأمره بسجنهما وبالتضييق عليهما ومنعهما من لذيذ الزاد ومريء الماء ، فأطاعه وتركهما في ضيق السجن ، فكانا يصومان في النهار فإذا جنّ عليهما الليل أعطاهما السجّان قرصين من الشعير وكوزاً من الماء فكان إفطارهما على ذلك ، فامتدّ بهما الحبس سنة بأكملها ، فقال أحد الغلامين لأخيه بعد مرور هذه المدّة الطويلة : إنّ حبسنا هنا قد طال وأوشك عمرنا الفاني وجسدنا الواهي على الدثور ، فإذا جاءك هذا السجّان الشيخ فاشكو له حالنا وعرّفه بنسبنا وقربنا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلّه يخفّف عنّا.

فلمّا جنّ عليهما الليل أقبل السجّان كعادته بإفطارهما المعهود ، فقال له الأصغر : أيّها الشيخ ، أتعرف محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال : نعم وكيف لا أعرفه وهو نبيّي. فقال : أو تعرف جعفراً بن أبي طالب عليه‌السلام ؟ فقال : نعم ذلك هو الرجل الذي أنعم الله عليه بجناحين يطير بهما في الجنّة مع الملائكة. فقال : وعليّ بن أبي طالب هل تعرفه ؟ فقال : كيف لا أعرفه وهو ابن عمّ رسول الله وأخوه. عند ذلك قال : أيّها الشيخ ، نحن عترة نبيّك ، نحن غلامان لمسلم بن عقيل والآن وقعنا في سجنك ، فلا تضيّق علينا واعرف لنا حرمتنا.

فلمّا سمع الشيخ قولهما وقع على أقدامهما يقبّلهما وهو يقول : بأبي أنتم وأُمّي ، ونفسي لكم الفداء يا أبناء المصطفى وعترته ، هذا باب السجن مفتوح لكم فاذهبا أنّى شئتما.

فلمّا خيّم ظلام الليل على الوجود كلّه أعطاهما قرصين من الشعير وكوز الماء

__________________

= الملعون فمتى كانت له الصلة الوطيدة بمسلم بحيث يترك مسلم خيار الشيعة في الكوفة ويأتمنه على ولديه ؟ وهل يؤتمن الذئب على الحمل ؟ أرجو مخلصاً من القارئ أن يحتاط لدينه ويعرض عن هذه الموضوعات ، وأنا أتعجّب من المؤلّف الفاضل كيف ساغ له نقل هذه المناكير. (المترجم)

٤١
 &

ودلّهما على الطريق وقال لهما : يا نور عينيّ إنّ لكم عدوّاً كثيراً فلا تأمنوهم ، فسيرا في الليل واكمنا في النهار حتّى يفرّج الله عنكما.

فعمد الطفلان إلى الطريق وسارا فيه حتّى بلغا منزل امرأة عجوز وإذا بالعجوز واقفة على باب بيتها ، ففرحا برؤيتها لما نالهما من التعب والنصب ، فاقتربا منها وقالا لها : نحن طفلان غريبان لا نهتدي الطريق ، فهل لك في أجر وثواب تؤوينا هذه الليلة عندك فإذا أصبحنا خرجنا ؟ فقالت : يا نور عيني من تكونان ؟ فلقد شممت عطركما فما شممت عطراً مثله ؟ فقالا : نحن عترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هربنا من سجن ابن زياد ، فقالت امرأة : يا نور عيني إنّ لي صهراً خبيثاً فاسقاً وكان قد حضر واقعة كربلاء وأخشى أن يغشى بيتي هذه الليلة ويراكما عندي ويؤذيكما ، فقالا : الليل مظلم وقد أظلّنا ولعلّه لا يأتي هذه الليلة ونحن خارجان عند الصبح من هنا ، فأنزلتهما في بيتها وأطعمتهما فأكلا الطعام واضطجعا في بيتها.

وفي رواية أُخرى أنّهما قالا : لا حاجة لنا بالطعام ونريد الصلاة ونقضي منها ما فات ، ثمّ صلّيا وبعد ذلك رقدا في مكان أعدته لهما العجوز ، فقال الأصغر لأخيه الأكبر : أيّها الأخ ، لعلّ هذه الليلة هي ليلة الراحة لنا ، وليلة الأمن والدعة ، فهلمّ للعناق وليشمّ أحدنا طيب الآخر قبل أن يفرق بيننا الموت ، فاعتنقا. فلمّا مضى هزيع من الليل وإذا بصهر العجوز قد أقبل إلى بيتها.

وفي رواية حسين الكاشفي في روضة الشهداء (١) : إنّ زوج هذه المرأة طرق الباب بشدّة ، فقالت له المرأة : أين كنت في هذا الوقت من الليل ؟ فقال لها : أعياني الكلال ، فلقد هرب من سجن ابن زياد ولدان لمسلم ونادى منادي ابن زياد : من جاء بهما فله ألفا دينار ذهباً جائزة ، وأنا اليوم فليت الصحراء أبحث عنهما حتّى

__________________

(١) في كلّ واد أثر من ثعلبة ، لن تجد هذه العجائب إلّا عند هذا الوضّاع الكاذب. (المترجم)

٤٢
 &

أعيت فرسي ونفقت وجئتك تعباً جائعاً ظمآن ، لم يبق من نفسي إلّا رمق أو رمقان حتّى أوصلت نفسي إليك.

فقالت العجوز : اتّق الله يا رجل ولا تؤذي ذرّيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّ النبيّ خصمك يوم القيامة.

فقال : من يقدر على تضييع الجائزة والتفريط بألفي دينار. فقالت : ما أهونها ، ولو أُعطيت الدنيا برمّتها ما كنت صانعاً بها ، فكان قولها للرجل كالماء في الغربال أو الريح في الشباك لم يؤثّر فيه أبداً ، ثمّ قال لها : ما لي أراك تناصرتيهما فكأنّك على علم بمكانهما ، قومي معي إلى عبيدالله لأنّه يطلبك.

فقالت المرأة : أما تخشى الله أو تستحي منه ، ما أنا وعبيدالله بن زياد ؟ وهل أنا إلّا عجوز طاعنة في السنّ ، قضيت عمري في هذه القفار الموحشة.

فقال الحارث : إذن قومي واصنعي لي طعاماً لكي أتعشّى وأنام ، فإذا أصبحنا جدّدت الطلب ، فقامت العجوز متهالكة حتّى أحضرت له طعامه فأكل ثمّ أخلد إلى الوسادة ونام ولكن ولدي مسلم استيقظ محمّد وهو الأصغر ونادى إبراهيم أخاه : لا تنم يا أخي فإنّنا قتيلان لأنّي رأيت الساعة في نومي رسول الله وعليّاً المرتضى وفاطمة الزهراء والحسنين وهم يمرّون إلى الجنّة فرآنا رسول الله على بعد فأقبل على أبينا مسلم وقال : كيف أطاعك قلبك على ترك هذه الطفلين عند العدوّ وأتيتنا ؟ فقال مسلم : سيلحقان بنا قريباً وغداً يكونان معنا. فقال إبراهيم : والله لقد رأيت ما رأيت بلا زيادة ولا نقصان ، فتركا العناق وأقبلا يبكيان. فأيقظ لبكائهما الحارث ورفع رأسه من الوسادة ونادى العجوز : ما هذا العويل في بيتنا ؟ فقالت : بل هو عند جيراننا.

فاعترى الحارث الشكّ وطلب منها الضوء ، فماطلته ، وقام الخبيث ووضع يده على الجدار وسار هكذا حتّى بلغ مكانهما وسألهما : من تكونان ؟ فقالا له : وأنت

٤٣
 &

من تكون ؟! فقال : أنا ربّ هذا البيت ، فمن أنتما ؟ وماذا تفعلان هنا ؟ فقالا : أيّها الشيخ ، إن أخبرناك فنحن في أمان ؟! فقال : نعم ، قالا : في أمان الله ورسوله ؟ قال : نعم أنتما في أمان الله ورسوله ، فقالا : إنّ الله ورسوله شاهدان على ما نقول ؟ فقال : نعم ، فقالا : نحن عترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وطفلان لمسلم بن عقيل ، فررنا من سجن عبيدالله وهذه الليلة نحن ضيفاك. فقال اللعين بقلب أقسى من الحجر الصلد : لقد فررتما من الموت ووقعتما عليه ، الحمد لله الذي أظفرني بكما ، لقد فليت نواحي البلد والصحراء فلياً ونفقت فرسي وأنتما تقيمان في بيتي وتنامان بأمن ودعة فيه ، ثمّ ضربهما على رأسيهما وأوثقهما كتافاً وألقاهما في مكان مظلم من البيت وأحكم إغلاق الباب.

فأسرعت المرأة إليه وشفعت فيهما وقبّلت يده ورأسه وخوّفته من الله ورسوله ، وأطمعته بالأجر والثواب ولكنّه لم يصغ لقولها فكأنّه الماء في الغربال ، ولمّا أصبح الصباح أفرغ عليه لامة حربة وأخذ طفلي مسلم معه وذهب باتجاه النهر ليضرب عنقيهما ، وكانت المرأة تعدو خلفه وهي صارخة ، فإذا دنت منه حمل عليها بالسيف فتراجعت عنه ، وهكذا حتّى بلغ النهر فترجّل واستدعى غلامه.

أقول : اختلفوا في هذا الموضع فقال قوم : إنّ غلامه وولده ما أطاعا أمره ولكن ألقيا بنفسيهما في الفرات خوفاً منه ، وخرجا إلى الضفة الأُخرى. وقال بعضهم : بل قتلهما الحارث كليهما ، وأنا (١) أنقل عبارة الناسخ بنصّها وأكتفي بها :

فقال الحارث لغلامه : خذ السيف واضرب عنق الغلامين ، فقال العبد : أنا أستحي من المصطفى أن أقتل طفلين من عترته لا ذنب لهما ولن أفعل ذلك أبداً. فقال الحارث : إنّي أقتلك ، وصاح به فعلم المولى أنّ الله لم يدع في قلبه شيئاً من

__________________

(١) أي المؤلّف.

٤٤
 &

الرأفة أو الرحمة أو الصفح ، وأنّه قاتله لا محالة ، فاعتنق الحارث وألقى الحارث بنفسه على الغلام فأراد الغلام سلّ سيفه فأسرع الحارث وضرب المولى على يده فأبانها ووصلت زوجته وولده إليه وهما على هذه الحالة.

فأسرع الولد وأمسك المولى من خصره وقال : يا أبتاه ، هذا المولى أخي من الرضاع وهو متبنّي أُمّي ، مالك وله ؟ فلم يجبه وضرب الغلام بالسيف حتّى قتله وقال لولده : عجّل وانحر الولدين ، فقال ابنه : لا أفعل لأنّهما أهل بيت رسول الله ولا أدعك تفعل ذلك ، وكانت امرأته تعول وتبكي وتقول : لماذا تقتل هذين الولدين البريئين ؟ ما الضرر في أخذهما حيّين إلى ابن زياد لترى ما يصنع بهما ؟ فقال اللعين : إنّ لهما أنصاراً في الحيّ وأخشى أن يسلبوهما منّي ويحرموني من جائزة ابن زياد ، وسلّ سيفه وأقبل على الولدين ، فركضت المرأة أمامه وتعلّق به وقالت : اتّق الله واحذره يوم الجزاء ، ما هذا العمل القبيح الذي تفعله الآن ؟ فغضب الحارث وضرب المرأة حتّى جرحها جرحاً منكراً ، فأسرع الفتى لئلّا يعجّل على أُمّه بضربة ثانية ، وقضي عليها ، وقبض على يده وقال له : يا أبتى ، عُد إلى صوابك ، إنّك جننت فما تعرف قريباً من بعيد ولا عدوّاً من صديق ، واستبدّ بالحارث الغضب وضرب ولده أيضاً بسيفه فقضى عليه ، وحمل على ابني مسلم كالذئب المسعور ، فما عطفه عليهما بكائهما ولا تضرّعهما.

وفي رواية أُخرى أنّ الغلامين قالا له : خذنا حيّين إلى ابن زياد يعمل بنا ما يشاء ، فقال اللعين : وهذا لا يكون أبداً ، فقالا : نحن نقرّ لك بالعبوديّة فبعنا وانتفع بثمننا (١) ، فقال : وهذا لا يكون أصلاً ، فقالا له : احفظ قرابتنا من رسول الله ، فقال :

__________________

(١) قبّح الله الكاذب الوضّاع ، أكان عترة الرسول يتفوّهون بهذا وقد جاء مشرِّفهم لتحرير الأرقّاء فكيف يصحّ رضا عترته بالرقّ ؟! ولكن الكاذب لا عقل له ولا دين. (المترجم)

٤٥
 &

ما بينكم وبين رسول الله قرابة ، فقالا : ارحم صغرنا ، فقال : ما وضع الله رحمة في قلبي وإنّي بقتلكما أتقرّب إلى الأمير عبيدالله ، فقالا : الآن حين عزمت على قتلنا فأمهلنا نصلّي ، فقال صلّيا إن نفعتكما صلاتكما ، فصلّى الغلامان ركعتين وبسطا أيديهما بالدعاء ودعوا الله قائلين : يا عدل ، يا حكيم ، يا أحكم الحاكمين احكم بيننا وبينه بالحقّ.

وفي رواية الناسخ : لم يمهلهما يصلّيان ، وكان كلّما قبض على واحد منهما سعى الآخر إليه وقال : اقتلني فإنّي لا أستطيع رؤية أخي ذبيحاً ، فبدأ الحارث بمحمّد فأبان رأسه عن جسمه ورماه على التراب وألقى جسده في النهر ، فأسرع إبراهيم إلى رأس أخيه ووضعه في حجره وراح يعول عليه ، فانتزع الحارث رأس محمّد منه وضربه فقتله وألقى جسده في الماء.

وفي رواية أُخرى : إنّ إبراهيم ألقى بنفسه على جسد أخيه محمّد وتمرّغ بدمه وقال : هكذا ألقى رسول الله ، فأراد الحارث فصله عن جسد أخيه فما استطاع فضربه ضربة أبان رأسه بها من القفا ووضع الرأسين في المخلاة وأقبل ينحو قصر الإمارة ، ووضع الرأسين بين يدي ابن زياد ، فقال ابن زياد : ما هذا ؟ قال : رأسا عدوّيك قتلتهما وأقبلت برأسيهما إليك لتنعم عليّ بالعطاء الموعود وتفي به ، فقال ابن زياد : وأيّ عدوّ هذا ؟ قال : غلامان لمسلم بن عقيل ، فقام ابن زياد من مجلسه ثلاث مرّات وأمر بغسل الرأسين ووضعهما أمامه في طبق ثمّ أقبل على الحارث وقال : أما خفت الله قتلت طفلين لا ذنب لهما ؟ بينما كنت أنا قد كتبت إلى يزيد بأنّي أسرت طفلين لمسلم وهما عندي فمرني بأمرك بشأنهما ؛ إن شئت بعثت بهما حيّين فماذا لو أمرني بإرسالهما على قيد الحياة فما كنت فاعلاً ؟ لماذا لم تأت بهما حيّين إليّ ؟

قال الحارث : خفت من الناس أن ينتزعوهما من يدي وأخسر صفقة الأمير ،

٤٦
 &

فقال ابن زياد : كنت قادراً على حفظهما عندك وإخباري بأمرهما لأرسل من يقبضهما منك ويخفيهما عن عيون الناس حتّى يوصلهما إليّ ، فأُلقم الحارث حجراً وبقي ساكتاً.

فقال ابن زياد : وأين عثرت عليهما ؟ قال : في بيتي أخفتهما عجوز عندي ، فقال ابن زياد : تبّاً لك خفرت ذمّة الضيف ، فقال الحارث : كلّا ، فقال ابن زياد : ماذا قالا لك حين عزمت على قتلهما ، فأخبره بما قالا إلى أن استمهلاني حتّى يصلّيا ركعتين ، ولمّا فرغا رفعا رؤوسهما إلى السماء وقالا : يا عدل يا حكيم يا أحكم الحاكمين ، احكم بيني وبين من ظلمني. فقال ابن زياد : لقد حكم الله بينكما.

ثمّ أقبل ابن زياد على غلام له يُدعى مقاتل وقيل نادر ، وقال بعضهم : بل كان من ندمان عبيدالله ، وكان ابن زياد يعرفه بحبّ أهل البيت عليهم‌السلام ولكنّه لمّا كانت سيرته حسنة وكان من أهل الخير والصلاح لم يتشدّد عليه ابن زياد ، وقال له : إنّ الحارث قتل ابني مسلم بدون إذني فخذه إليك وغُلّ يديه من خلفه ثمّ خذه إلى مكان قتل الطفلين واقتله بأيّ نحو شئت ولا تترك دمه يمازج دمائهما ، وخُذ سلبه إليك وهذه عشرة آلاف درهم أُجيزك بها وأنت حرّ لوجه الله ، وآتني برأس عدوّ الله هذا وارم برأسي الطفلين هناك حيث رمى بجسديهما.

فسرّ مقاتل من ذلك سروراً عظيماً وقال : لو أعطاني ابن زياد سرير الملك لما اغتبطت هذه الغبطة ، وأمر عندئذ بغلّ يديه إلى عنقه ، وانتزع عمامته من رأسه ، وأخذ به على سوق الكوفة ومرّ به من هناك وكان قد أخرج رأسي الطفلين يريهما للناس ويخبرهم بما صنع الحارث وهم يلعنونه ويبكون ، ولمّا بلغوا المكان وجدوا فتى قتيلاً وغلاماً غارقاً بدمائه ، وامرأة مجروحة جرحاً بليغاً ، ولمّا علم بما جرى لهم عجب من خبث الحارث وقسوته ، عند ذلك أقبل الحارث على مقاتل ،

٤٧
 &

فقال : أطلق سراحي لأتواري وأنا أعطيك عشرة آلاف دينار في مقابل ذلك ، فقال مقاتل : لو أعطيتني الدنيا جميعاً ما تركتك لأنّي أرجو النعيم بقتلي إيّاك.

ولمّا وقعت عين مقاتل على مكان مقتل الطفلين وعلى دمائهما بكى بكاءاً شديداً وتمرّغ بدمائهما ثمّ عمد إلى الحارث فقطع يديه ثمّ ثنّى برجليه ثمّ قلع عينيه ثمّ خرق بطنه ووضع داخلها ما أبانه من جسده وربط به صخرة ثمّ رماه في النهر فلم يقبله الماء ، ورماه إلى الساحل ، فوضعوه في بئر وطمّوها بالحجارة والصخر والتراب ثلاث مرّات فكانت الأرض تلفظه ، عند ذلك أحرقه وصيّره رماداً ثمّ ذرّاه في الريح ، ولمّا رموا بالرأسين في الماء خرج الجسدان وأخذ كلّ جسد رأسه واعتنق أحدهما الآخر وغاصا في الماء (١).

كأنّ رسول الله من حكم شرعه

على أهله أن يُقتّلوا أو يُصلَّبوا

أبادوهم قتلاً وأسراً ومثلة

كأنّ رسول الله ليس لهم أب

وفي كلّ نجد والبلاد وحاجر

لهم قمرٌ يهوي وشمس تغيّب

كأن لم يكن هدي النبيّ هداهم

ولا حبّهم فرض من الله يوجب

__________________

(١) أقول : ما وضعت هذه الحكاية الكاذبة إلّا لتبييض وجه ابن زياد لعنه الله وسوّد وجهه ، إذ متى كان ابن زياد يملك هذه الإنسانيّة فيعطف على الطفلين ويأسى لحالهما ويلوم قاتلهما ويقرعه ويعاتبه على تهاونه بالأخلاق حيث خفر ذمّة الضيف وقسى على الطفلين فيأمر بقتله بيد شيعة أهل البيت وهو الذي أباد خضراء الشيعة واستأصل شأفتهم في الكوفة وكان في ضراوة الذئب على كلّ أحد بمن فيهم الطفل الصغير والشيخ الكبير والمرأة الضعيفة ، إنّي لا أملك إزاء هذه الطامّات إلّا لعن واضعها والاستغفار لشيخنا الجليل المرحوم ذبيح الله المحلّاتي على نقله مثل هذا الكذب ، ولكنّ المعروف عن الشيخ التساهل برواية القصص. (المترجم)

٤٨
 &

١٠ ـ الأدهم بن أُميّة العبدي

ذكر السماوي في إبصار العين والمامقاني في رجاله والعاملي في أعيان الشيعة أنّ الأدهم من شيعة البصرة وأبوه أبو أُميّة من الصحابة وكان يسكن البصرة وأولاده هناك ومنهم أدهم صاحب الترجمة.

قال الإمام ... : كان شيعة البصرة وفيهم أدهم يجتمعون في بيت مارية بنت منقذ العبدي وكان بيتها مألفاً للشيعة يجتمعون ليلاً عندها لأنّ هذه المرأة كانت من الشيعة وقد ذكرتها في كتابي « رياحين الشريعة في ترجمة نساء الشيعة ».

وصفوة القول أنّ ابن زياد لمّا علم خروج الحسين عليه‌السلام أمر عامله بوضع العيون والمراصد والجواسيس في جميع المسالك لئلّا يخرج أحد من البصرة لنصرة الحسين عليه‌السلام. فاجتمع في بيت مارية ذات ليلة يزيد بن ثبيت وأولاده العشر وأدهم ابن أُميّة واتّعدوا على الخروج من البصرة لنصرة الحسين عليه‌السلام ، وأقبل يزيد بن ثبيت على أولاده وقال لهم : ماذا ترون أنتم ؟ فأجابه اثنان منهم عبدالله وعبيدالله وخرجوا مع أدهم بن أُميّة يتنكّبون الطريق حتّى وصلوا إلى الحسين عليه‌السلام.

وروى عن الحدائق الورديّة أن أدهم استشهد يوم عاشوراء في الحملة الأُولى رضي‌الله‌عنه.

١١ ـ أبو الحتوف بن الحارث

أبو الحتوف بن الحارث ، وقيل : الحرث بن سلمة الأنصاري الخزرجي العجلاني (١).

__________________

(١) عجلان نسبة إلى بني عجل بطن من عامر بن صعصعة ، سمّي بذلك لتعجيله بالقِرى للضيف

=

٤٩
 &

ذكر في الكنى والألقاب والمامقاني في رجاله وصاحب أعيان الشيعة عن الحدائق الورديّة في أئمّة الزيديّة أنّ أبا الحتوف وأخاه سعد بن الحارث كانا على مذهب الخوارج وحضرا مع ابن سعد لحرب الحسين ، فلمّا كان اليوم العاشر وقتل أصحاب الحسين عليه‌السلام وجعل الحسين ينادي : ألا ناصر فينصرنا ؟! فسمعته النساء والأطفال فتصارخن.

وسمع سعد وأخوه أبو الحتوف النداء من الحسين والصراخ من عياله ، قالا : إنّا نقول : لا حكم إلّا لله ولا طاعة لمن عصاه ، وهذا الحسين ابن بنت نبيّنا محمّد ونحن نرجو شفاعة جدّه يوم القيامة فكيف نقاتله وهو بهذا الحال لا ناصر له ولا معين ؟! فمالا بسيفهما مع الحسين عليه‌السلام على أعدائه وجعلا يقاتلان قريباً منه حتّى قتلا جمعاً وجرحا آخرين ثمّ قُتلا معاً في مكان واحد وختم لهما بالسعادة الأبديّة بعد ما كانا من المحكّمة وإنّما الأُمور بخواتيمها (١).

١٢ ـ أبو الشعثاء الكندي

اسمه يزيد بن زياد. قال في نفس المهموم : قال أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي : إنّ أبا الشعثاء من بني بهدلة (٢) جثى على ركبتيه بين يدي الحسين عليه‌السلام فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم ، وكان كلّما رمى قال : أنا ابن بهدلة فرسان المرجلة ، ويقول الحسين : اللهمّ سدّد رميته واجعل ثوابه الجنّة. (قال الفضل بن خديج : قتل بها خمسة) وكان رجزه يومئذٍ :

__________________

= وهو عجلان بن عبدالله بن عامر بن صعصعة وهو جدّ تيم بن أبي مقيل بن عوف ، وأبو الحتوف هذا غير أبي الحتوف الجعفي الملعون الضارب بالحجر على جبهة أبي عبدالله. (المؤلف) أقول : كيف يكون خزرجيّاً إذا كان من بني عامر بن صعصعة. (المترجم)

(١) الكنى والألقاب ، ج ١ ص ٤٥.

(٢) قبيلة من كندة. المامقاني : كان رجلاً شريفاً شجاعاً فاتكاً. (منه)

٥٠
 &

أنا يزيد وأبي مهاجر

أشجع من ليث بغيل خادر (١)

(والطعن عندي للطغاة حاضر

يا ربّ إنّي للحسين ناصر

ولابن سعد تارك وهاجر

(وفي يميني صارم بواتر) (٢)

وذكر ابن شهر آشوب المصرع الثاني هكذا :

* ليث هصور في العرين خادر * (٣)

ويقول في منتهى الآمال : وذلك أوقع في النفس بلحاظ أنّ مهاصر تناسب هصور وتعني صفة من صفات الأسد أي أنّه كالأسد (٤).

أقول : وهذا معارض بما ذكره المجلسي في عاشر البحار عن أبي مخنف : فلم يزالوا يتسايرون كذلك حتّى انتهوا إلى نينوى بالمكان الذي نزل به الحسين عليه‌السلام فإذا راكب على نجيب له عليه سلاح متنكّب قوساً مقبلاً من الكوفة ، فوقفوا جميعاً ينتظرون ، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ وأصحابه ولم يسلّم على الحسين وأصحابه ودفع إلى الحرّ كتاباً من عبيدالله بن زياد لعنه الله فإذا فيه : أمّا بعد ، فجعجع بالحسين حين بلغك كتابي هذا ويقدم عليك رسولي ولا تنزله إلّا بالعراء من غير خضر وعلى غير ماء ، وقد أمرت أن يلزمك ولا يفارقك حتّى تأتيني بإنفاذك أمري ، والسلام.

فنظر يزيد بن المهاجر الكندي ـ وكان مع الحسين عليه‌السلام ـ إلى رسول ابن زياد فعرفه ، فقال له : (ألست مالكاً بن اليسر ؟ قال : نعم) ثكلتك أُمّك ماذا جئت فيه ؟

__________________

(١) اسم فاعل من خدر الأسد يعني الأسد الذي استخفى في أجمة القصب. « والخدار أجمة الأسد ـ المنجد ». (منه)

(٢) مقتل الحسين لأبي مخنف ، ص ١٥٨ وما بين القوسين من إضافات المؤلّف.

(٣) المناقب ، ج ٣ ص ٢٥٢.

(٤) الظاهر أنّ الشيخ صحّف كلمة « المهاجر » إلى المهاصر ثمّ استنبط منه هذا المعنى. (المترجم)

٥١
 &

قال أطعت إمامي ووفّيت ببيعتي. فقال له ابن مهاجر : بل عصيت ربّك وأطعت إمامك في هلاك نفسك وكسبت العار والنار وبئس الإمام إمامك ، قال الله عزّ وجلّ : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنْصَرُونَ ) (١) فإمامك منهم (٢).

وهذه العبارة تدلّ بصراحة على أنّ أبا الشعثاء كان مع الحسين عليه‌السلام قبل الواقعة ، ولا يمكن غير ذلك ، لأنّ أبا الشعثاء مع كونه بطلاً ورامياً حاذقاً فهو عالم ومحدّث كما نقل في منتهى الآمال ذلك من كتاب القاموس .. (٣).

وصرّح العلّامة السماوي بهذا أيضاً في إبصار العين ، فقال : كان يزيد رجلاً شريفاً شجاعاً فاتكاً ، خرج إلى الحسين من الكوفة من قبل أن يتّصل به الحر (٤).

إلى أن يقول : ثمّ سلّ سيفه وحمل على الأعداء حتّى عقروا به فرسه وعند ذلك جثى بين يدي الحسين على ركبتيه ورمى بمائة سهم نحو العدو ما سقط منها خمسة .. (٥).

وذكره الصدوق وابن طاووس وجاء في زيارة الناحية المقدّسة السلام على يزيد بن زياد بن المهاجر الكندي ، وذكر الكميت الشاعر في قصيدته فقال :

ومال أبو الشعثاء أشعث رامياً

وإنّ أبا حجل قتيل مرمّل

__________________

(١) القصص : ٤١.

(٢) بحار الأنوار ٤٤ : ٢٨٠.

(٣) جاء في القاموس : وصحّف عبدالملك بن مروان فقال لقوم من اليمن : ما الميل منكم ؟ فقالوا يا أمير المؤمنين ، كان ملك لنا يقال له المثل فخجل وبنو المثل قبيلة منهم « أبو الشعثاء يزيد الكندي .. الخ ». لم يزد على غير هذا. راجع : القاموس المحيط ، ج ٤ ص ٤٩.

(٤) إبصار العين ، ص ١٠٢.

(٥) العبارة في إبصار العين كما يلي : وروى أبو مخنف أنّ أبا الشعشاء قاتل فارساً فلمّا عقرت فرسه جثى على ركبتيه بين يدي الحسين عليه‌السلام فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة وكان رامياً. (ص ١٠٢)

٥٢
 &

وفي شرح قصيدة أبي فراس : قتل يزيد بن المهاجر نيّفاً وأربعين رجلاً ثمّ استشهد ، ولقد أجاد الشاعر المفلق الشيخ علي بن الشيخ جعفر :

ولله أقوام فدته نفوسهم

فكان لهم عزّ على الدهر خالد

كأنّهم والخيل تعثر بالقنا

أُسودٌ رعت أشبالها وأساود

بهاليل منّاعون للضيم أحسنوا

بلائهم في الله عزّ أماجد

وفرسان موت مقدمون كأنّما

قفاها لآجال الرجال مقاود

وما كلّ مفتول الذراعين باسل

ولا كلّ سام في السماء فراقد

فوا لهفتاكم من نفوس كريمة

إليها وإلّا ليس تنمى المحامد

توفّوا عطاشا بالعراء كأنّما

لهم في المنايا في الطفوف مواعد

١٣ ـ أحمد بن الحسن عليهم‌السلام

يقول المامقاني في آخر باب أحمد : ختامه مسك ، سقط من القلم ترجمة اثنين من شهداء الطفّ ثمّ ذكر اثنين أحدهما أحمد بن الحسن والآخر أحمد بن محمّد ابن عقيل بن أبي طالب ، يقول :

أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين أُمّه أُمّ بشر بنت أبي مسعود الأنصاري ، جاء مع عمّه الحسين وأخيه القاسم وأُختين لهما أُمّ الحسن وأُمّ الخير من المدينة إلى مكّة ومن مكّة إلى كربلاء ، وعمره يومئذٍ ستّة عشر عاماً وقاتل القوم يوم عاشوراء فقتل منهم ثمانين رجلاً حتّى أثخنته الجراح واستشهد عليه‌السلام.

وساق ابن قتيبة في المعارف وصاحب تاريخ الخميس خبره على هذا المنوال (١).

__________________

(١) لم يذكر ابن قتيبة أحمد في أولاد الحسن (المعارف ، ص ٩٢) وقال عن أبي مسعود : عقبة بن مسعود البدري ولم يكنه.

٥٣
 &

وقال أبو مخنف في مقتله : ولمّا نادى الحسين : واغربتاه ! مستغيثاً ، خرج إليه من الخيمة غلامان كأنّههما قمران أحدهما اسمه أحمد والآخر اسمه القاسم .. الخ.

وقال في نواسخ التواريخ : وحمل أحمد بن الحسين على ميدان القتال وكان معروفاً بشجاعة القلب وسماحة الطبع وصباحة الطلعة وكان داهية الدهر وحادثة العصر ، ولم يتخطّ العقد السادس عشر من عمره ، فهجم عليهم كالليث الجريح وهو يرتجز ويقول :

إنّي أنا نجل الإمام بن علي

أضربكم بالسيف حتّى يفلل

نحن وبيت الله أولى بالنبي

أطعنكم بالرمح وسط القسطل

وسلّ سيفه كشعلة نار ، وعرض رمحه بسنان كلسان الشهاب ، وقلّب الميمنة على الميسرة والميسرة على الميمنة فقتل في حملته ثمانين فارساً وعاد للإمام يشكو العطش وقد غارت عيناه من شدّته ، وصاح بأعلى صوته : يا عمّاه ، هل من شربة ماء أبرد بها كبدي وأتقوّى بها على أعداء الله ورسوله ؟! فقال الحسين عليه‌السلام : يابن الأخ ، اصبر قليلاً حتّى تلقى جدّك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيسقيك شربة من الماء لا تظمأ بعدها أبداً ، فلمّا سمع أحمد قوله أقبل على ميدان القتال وهو يرتجز :

اصبر قليلاً فالمنى بعد العطش

فإنّ روحي في الجهاد تنكمش

لا أرهب الموت إذا الموت وحش

ولم أكن عند اللقاء ذا رعش

وحمل عليهم حملة منكرة وقتل منهم خمسين رجلاً آخرين ، ثمّ أنشأ يقول :

إليكم من بني المختار ضرباً

يشيب لهوله رأس الرضيع

يبيد معاشر الكفّار جمعاً

بكلّ مهنّد عضب قطيع

وقتل في هذه الحملة ستّين فارساً ثمّ استشهد عليه‌السلام ، فكان مجموع من قتلهم بسيفه مائة وتسعين رجلاً.

جادوا بأنفسهم في حبّ سيّدهم

والجود بالنفس أقصى غاية الجود

٥٤
 &

١٤ ـ أحمد بن محمّد بن عقيل

يقول في ناسخ التواريخ : وخرج أحمد إلى ميدان القتال كأنّه الليث الغضبان وهو يرتجز ويقول :

اليوم أتلو حسبي وديني

بصارم تحمله يميني

أحمي به عن سيّدي وديني

ابن عليّ طاهر أمين

ووضع فيهم السيف والسنان وقاتل حتّى قتل ثمانين رجلاً من أهل الكوفة ثمّ قتل عليه‌السلام.

وقال في أعيان الشيعة : لم يذكر أصحاب المقاتل أحمد بن محمّد بن عقيل (١) والذي ذكره ابن شهر آشوب : أحمد بن محمّد الهاشمي لا يمكن حمله على أحمد بن محمّد بن عقيل ، والله العالم.

١٥ ـ أسد الكلبي

قال أبو مخنف : جعل الحسين ينظر يميناً وشمالاً فلم ير أحداً من أنصاره إلّا من صافح التراب جبينه ، ومن قطع الحمام أنينه ، فنادى عليه‌السلام : يا مسلم بن عقيل ، ويا هاني بن عروة ، ويا حبيب بن مظاهر ، ويا زهير بن القين ، ويا يزيد بن

__________________

(١) قال في أعيان الشيعة في ترجمة أحمد بن محمّد بن عقيل : ولم نجد أحداً ذكره فيمن استشهد مع الحسين عليه‌السلام ، نعم ذكر ابن شهر آشوب : جعفر بن محمّد بن عقيل ، والبيت الأوّل من هذا الرجز نسبه ابن شهر آشوب إلى أحمد بن محمّد الهاشمي ، وقال : إنّه استشهد مع الحسين ، وكونه المراد به هذا الرجل لا دليل عليه ، والتعبير بالهاشمي في أولاد أبي طالب لعلّه غير متعارف ، والمعروف أن يقال « الطالبي » ، كما أنّه لم يذكر النسّابون لمحمّد بن عقيل ولداً اسمه أحمد ، ففي عمدة الطالب : العقب من عقيل ليس إلّا في رجل واحد وهو عبدالله ، وكان لمحمّد ولدان آخران هما القاسم وعبدالرحمن أعقبا ثمّ انقرضا. (منه رحمه‌الله)

٥٥
 &

(مصاهر) ، ويا يحيى بن كثير ، ويا نافع بن هلال الجملي ، ويا إبراهيم بن الحصين ، ويا عمرو بن المطاع ، ويا أسد الكلبي ، ويا عبدالله بن عوسجة ، ويا داود ابن الطرمّاح ، ويا حرّ الرياحي ، ويا أبطال الصفا ويا فرسان الهيجاء ، ما لي أُناديكم فلا تجيبون ، وأدعوكم فلا تسمعون ، أنتم نيام أرجوكم تنتبهون ، أم حالت موتتكم عن إمامكم فلا تنصرونه ، فهذه نساء الرسول قد علاهنّ النحول ، فقوموا عن نومتكم أيّها الكرام وادفعوا عن حرم الرسول الطغاة اللئام ، ولكن صرعكم والله ريب المنون ، وغدر بكم الدهر الخؤون ، وإلّا لما كنتم عن دعوتي تقصرون ، ولا عن نصرتي تحجبون ، فها نحن عليكم مفتجعون ، ونحن بكم لاحقون ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

نقل أبو مخنف هنا أسماء خمسة عشر رجلاً من أصحابه سمّاهم الحسين عليه‌السلام منهم « أسد الكلبي » ولا يوجد له اسم في غيره من كتب الرجال ولا علامة تدلّ عليه إلّا الفاضل القزويني في رياض الشهادة فقد ذكر من اسمه « أسد » في الشهداء ، ونقل عنه « مصاف غريبي » وهو مستبعد (١). وفي موضع آخر سمّاه أسد ابن أبي دجانة ، والله العالم ، ولم أعثر عليه في مكان آخر ، وليس في كتب الرجال لغير أبي دجانة الأنصاري ذكر لأبي دجانة آخر وهو ليس من قبيلة كلب وترجمته في التاريخ وكتب الرجال معروفة حيث استشهد في حرب أُحد أو في قتال مسيلمة الكذّاب ، ولا يعرف له ولد اسمه أسد ...

١٦ ـ أسلم بن عمرو

قال المامقاني : هو مولى الحسين عليه‌السلام اشتراه بعد وفاة أخيه الحسن وأهداه إلى

__________________

(١) لم أتثبّت من الكلمة المحصورة ولم أحط بمعناها علماً فأرجوا أن يكون القارئ على علم بذلك.

٥٦
 &

ولده زين العابدين ، وكان غلاماً تركيّاً ، وكتب للحسين عليه‌السلام ، ولمّا خرج الحسين إلى مكّة خرج أسلم معه ولزم ركابه ونزل في كربلاء ، ولمّا استقرّت الحرب يوم عاشوراء استأذن الحسين في القتال فأذن له ، وهجم على العدوّ كالليث الغضبان وهو يرتجز ويقول :

البحر من طعني وضربي يصطلي

والجوّ من سهمي ونبلي يمتلي

إذا حسامي في يميني ينجلي

ينشقّ قلب الحاسد المبنحلي

وجاء في بحر اللئالي وروضة الأحباب : لمّا استأذن هذا المولى من الإمام الحسين عليه‌السلام ، قال له الإمام : استأذن من ولدي السجّاد ، فاستأذنه هذا الغلام التركي وودّع الأهل والحرم ثمّ حمل عليهم مجرّداً سيفه وقتل منهم سبعين شخصاً ، ولمّا علم الإمام السجّاد أنّ مولاه مقبل على الحرب والضرب ، أراد أن يستطلع حاله ويرى قتاله ، فأمر برفع سجف الخيمة ، وعاد الغلام بعد طول الجهاد ومشقّة الجلاد إلى الإمام السجّاد وودّع السيّد الإمام وعاد إلى القتال ثانية ، وفي هذه المرّة هوت به جراحه الكثيرة وعطشه الشديد على التراب .. فأجرى الإمام الحسين فرسه ملأ فروجه واقبل كالصقر المنقضّ ، ونزل من ظهر جواده وبكى عليه ووضع خدّه الميمون على خدّ الغلام ، وكان في السياق ، ففتح عينيه ورأى الحسين إلى جانبه فتبسّم في وجهه وفاضت نفسه الشريفة صلّى الله عليه ولعن قاتليه.

وذكره الكنجي الشافعي وأبو نعيم الاصفهاني في حلية الأولياء.

وفي نفس المهموم أنّ هذا الغلام التركي كان مقرئاً للقرآن تالياً له رضي‌الله‌عنه.

سقى الله أرواح الذين تئآزروا

على نصره سقيا من الغيث دائمه

وقفت على أطلالهم ومحالهم

فكادهم الحشا ينقضّ والعين ساجمه

لعمري لقد كانوا سراعاً إلى الوغى

مصاليت في الهيجا حماة ضراغمه

٥٧
 &

فإن يقتلوا في كلّ نفس نقيّة

على الأرض قد أضحت لذلك واجمه

وما أن رأى الراؤون أفضل منهم

لدى الموت سادات وزُهر قماقمه

١٧ ـ أسلم بن كثير الأزدي

ولا يخفى أنّ عبارة ابن طاووس في الإقبال كما يلي عندما يروي زيارة الناحية : « السلام على أسلم بن كثير الأزدي الأعرج ».

وفي كتب الرجال وأصحاب المقاتل يذكرون مكان « أسلم » ، مسلم بن كثير الأزدي الأعرج ، ثمّ لا يذكرون له ترجمة وحتّى إشارة ، ولم يذكره صاحب ذخيرة الدارين في شرحه للزيارة ، وقد ذكر أسماء الشهداء فيها وشيئاً من ترجمتهم ، ولم يرو شيئاً عن أسلم فلذلك ينبغي أن يكون اسمه مسلماً لا أسلماً ، والله العالم.

وفي الرجال الكبير يقول الأسترآبادي : مسلم بن كثير الأزدي من أصحاب الحسين ، قُتل معه بكربلاء ، ومثل هذا قاله أبو علي في رجاله ، وكذلك الشيخ الطوسي قال مثل ذلك في رجاله.

وقال المامقاني في رجاله : أصابه سهم في حرب الجمل برجله ، فأُصيب بالعرج على أثر ذلك ، وادرك صحبة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ويقول العسقلاني في الإصابة : مسلم بن كثير بن قليب الصدفي الأزدي الأعرج الكوفي ، له إدراك للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحضر فتح مصر.

ويقول أحمد بن داود الدينوري في الأخبار الطوال : رماه عمرو بن ضبّة يوم الجمل بسهم في رجله فجرحه وأُصيب بالعرج على أثرها.

وذكره الطبري وابن شهر آشوب وقال : استشهد في الحملة الأُولى.

٥٨
 &

١٨ ـ أُميّة بن سعد الطائي

قال المامقاني : أُميّة بن سعد بن زيد الطائي. قال علماء السير والمقاتل : إنّه كان فارساً شجاعاً تابعيّاً من أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام ، نازلاً في الكوفة ، له ذكر في المغازي والحروب خصوصاً يوم صفّين ، فلمّا سمع بقدوم الحسين عليه‌السلام إلى كربلاء خرج من الكوفة مع من خرج أيّام المهادنة حتّى جاء إلى الحسين ليلة الثامن من المحرّم وكان ملازماً له إلى يوم العاشر ، فلمّا نشب القتال تقدّم بين يدي الحسين فقتل في الحملة الأُولى.

وذكره العلّامة السماوي في إبصار العين وصاحب ذخيرة الدارين وصاحب الحدائق بهذا السياق ، ولكن صاحب الأعيان قال : لم أعثر في كتب السير على ذكر لأُميّة بن سعد الطائي.

أقول : عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود ، ويكفي وروده في الحدائق الورديّة.

١٩ ـ أُمّ وهب

يأتي ذكرها في ترجمة ولدها وهب مع أنّي ذكرتها في كتاب « رياحين الشريعة » في ترجمة نساء الشيعة.

٢٠ ـ أنس بن الحرث الكاهلي

في زيارة الناحية : « السلام على أنس بن الحرث الكاهلي .. (١) الأسدي ».

__________________

(١) قال العسقلاني في الإصابة : أنس بن الحرث بن بنيه بن كاهل بن عمرو بن مصعب بن أسد بن

=

٥٩
 &

كتب أبو مخنف يقول : إنّ الإمام الحسين عليه‌السلام بعث أنس بن الحرث الكاهلي إلى عمر بن سعد ليستطلع رأيه وأمره بنصحه وموعظته ، وقال له : ذلك لإتمام الحجّة لأنّي أعلم أنّ القوم لا يرتدعون. فأقبل أنس حتّى دخل على ابن سعد ولم يسلّم عليه ، فقال ابن سعد : يا أخا كاهل ، ما لك لا تسلّم عليَّ سلام المسلم على المسلم فإنّي لم أُشرك بالله طرفة عين ولا أتيت ببدعة ولم أنكر رسالة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ! فقال أنس : كيف عرفت الله وأدّيت حقّ رسوله وأنت عاقد العزم على سفك دم أولاد النبي وأصحابهم ؟! فأطرق عمر برأسه إلى الأرض ثمّ قال : أُقسم بالله إنّي لأعلم أنّ قاتلهم في نار جهنّم لا محالة ولكن لا مناص من أمر الأمير عبيدالله. فرجع أنس إلى الحسين وأبلغه ما سمعه من ابن سعد.

ويقول في إبصار العين : استأذن الحسين فأذن له وكان شيخاً كبيراً ، فبرز وهو يقول :

قد علمت كاهلها ودودان

والخندفيّون وقيس عيلان

بأنّ قومي آفة للأقران

( لدى الوغى وسادة في الفرسان ) (١)

__________________

= خزيمة الأسدي الكاهلي. ثمّ حدّث عن سعيد بن عبدالملك الحرّاني عن عطاء بن مسلم عن أشعث بن سجيم عن أبيه عن أنس بن الحرث بن نبيه الكاهلي ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد ذلك فلينصره. قال : فخرج أنس بن الحرث إلى كربلاء فقتل بها مع الحسين.

وقال ابن عساكر : أنس بن الحرث كان صحابيّاً كبيراً ممّن رأى النبيّ وسمع حديثه ، وذكره عبدالرحمن لاسلمي في أصحاب الصفّة وعامّة أرباب الرجال ذكروه مثل الشيخ في رجاله وابن عبدالبرّ في الاستيعاب والزري في أُسد الغابة والأسترآبادي في رجاله والعلّامة في الخلاصة وأبو علي في رجاله ، والتفرشي في نقد الرجال ، وابن مندة وأبو أحمد العسكري والبغوي وابن السكن والمزّي والماوردي والمامقاني وأبو مخنف وصاحب أعيان الشيعة وغيرهم. (منه رحمه‌الله)

(١) إبصار العين ، ص ٥٦ ، والشطر الرابع ليس في الكتاب.

٦٠