فرسان الهيجاء - ج ١

الشيخ ذبيح الله المحلاتي

فرسان الهيجاء - ج ١

المؤلف:

الشيخ ذبيح الله المحلاتي


المحقق: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : التراجم
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-503-145-7
ISBN الدورة:
978-964-503-144-0

الصفحات: ٤٩٥
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

حرف الألف

١ ـ أبو ثَمامة الصائدي

اسمه عمرو بن عبدالله الصائدي ، من فرسان قبيلة همدان وجنود أمير المؤمنين المتشيّعين له ، لم يفارق الإمام في مشهد من مشاهده ، ملازماً لركابه ، وصحب الإمام الحسن بعد شهادة أبيه عليهما‌السلام إلى أن هلك معاوية ، وكان يسكن الكوفة ، ولمّا بلغ أهلها موت معاوية وانتشر الخبر ، اجتمع الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي ، وكان من الحاضرين معهم أبو ثمامة ، وكتبوا إلى الإمام كتباً حتّى أرسل إليهم مسلماً بن عقيل عليه‌السلام.

وفي الإرشاد للشيخ المفيد : إنّ أبا ثَمامة كان يشتري السلاح لمسلم بن عقيل ويجمع له العُدّة والعتاد ، وكانت مساعيه في هذا السبيل موفّقة ، ويستلم الأموال الموجّهة إلى مسلم ، وكان بصيراً بالسلاح ، يعرفه معرفة تامّة.

وفي رواية الكامل لابن الأثير : لمّا دخل ابن زياد الكوفة وثار أصحاب مسلم عليه ، عقد مسلم لأبي ثَمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان ، فلمّا بلغ ابن زياد إقباله تحرّز في القصر وأغلق الباب وأحاط مسلم بالقصر ، وامتلأ المسجد والسوق من الناس ، وما زالوا يجتمعون حتّى المساء ، وضاق بعبيدالله أمره (١).

__________________

(١) الكامل ، ج ٣ ، ص ٣٩٣.

٢١
 &

حرف الألف

١ ـ أبو ثَمامة الصائدي

اسمه عمرو بن عبدالله الصائدي ، من فرسان قبيلة همدان وجنود أمير المؤمنين المتشيّعين له ، لم يفارق الإمام في مشهد من مشاهده ، ملازماً لركابه ، وصحب الإمام الحسن بعد شهادة أبيه عليهما‌السلام إلى أن هلك معاوية ، وكان يسكن الكوفة ، ولمّا بلغ أهلها موت معاوية وانتشر الخبر ، اجتمع الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي ، وكان من الحاضرين معهم أبو ثمامة ، وكتبوا إلى الإمام كتباً حتّى أرسل إليهم مسلماً بن عقيل عليه‌السلام.

وفي الإرشاد للشيخ المفيد : إنّ أبا ثَمامة كان يشتري السلاح لمسلم بن عقيل ويجمع له العُدّة والعتاد ، وكانت مساعيه في هذا السبيل موفّقة ، ويستلم الأموال الموجّهة إلى مسلم ، وكان بصيراً بالسلاح ، يعرفه معرفة تامّة.

وفي رواية الكامل لابن الأثير : لمّا دخل ابن زياد الكوفة وثار أصحاب مسلم عليه ، عقد مسلم لأبي ثَمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان ، فلمّا بلغ ابن زياد إقباله تحرّز في القصر وأغلق الباب وأحاط مسلم بالقصر ، وامتلأ المسجد والسوق من الناس ، وما زالوا يجتمعون حتّى المساء ، وضاق بعبيدالله أمره (١).

__________________

(١) الكامل ، ج ٣ ، ص ٣٩٣.

٢٢
 &

وثبت أبو ثَمامة مع مسلم حتّى تفرّق الناس عنه ، واستخفى مسلم عليه‌السلام ، عند ذلك لجأ أبو ثَمامة إلى قبيلته (١). فجدّ عبيدالله بن زياد في طلبه وبالغ في ذلك حتّى اضطرّه للخروج من الكوفة مستخفياً إلى أن لحق بالحسين مع نافع بن هلال حين تلاقيا في الطريق.

وروى الطبري وآخرون أنّ عمر بن سعد لمّا بلغ بعسكره كربلاء أراد أن يرسل إلى الحسين يستطلع رأيه ، ويقف على السبب الذي حمله على القدوم إلى العراق ، فكلّ من أراده على ذلك يأبى المصير إليه عليه‌السلام ويقول : أنا أستحيي من الحسين لأنّني كتبت إليه ، وامتنع رؤساء الجيش كلّهم إلى أن قام كثير بن عبدالله الشعبي وقال : أرسلوني إليه ، وإن شئت لأفتكنّ به. فقال عمر بن سعد : ما أُريد أن تفتك به ولكن ائته فسله ما الذي جاء به.

فأقبل اليه (وكان رجلاً فتّاكاً خبيثاً) (٢) ، فلمّا رآه أبو ثَمامة الصائدي قال للحسين : أصلحك الله أبا عبدالله ، قد جاءك شرّ أهل الأرض وأجرأه على دم وأفتكه ، قام إليه فقال : ضع سيفك ، قال : لا والله ولا كرامة ، إنّما أنا رسول ، فإن سمعتم منّي أبلغتكم ما أُرسلت به إليكم ، وإن أبيتم انصرفت عنكم. فقال له : فإنّي آخذ بقائم سيفك ثمّ تكلّم بحاجتك ، قال : لا والله ولا تمسّه. فقال : أخبرني

__________________

(١) إنّ ابن عساكر ذكر في تاريخ الشام وقال : هو عمرو بن عبدالله بن سعد بن حنظلة بن دارم بن عبدالله بن كعب بن صائد بن شرحبيل بن عمرو بن جشم بن حاشد بن جشم بن حيزوم بن حمدان ، أبو ثَمامة ـ بالثاء المثلّثة المفتوحة وميمين بينهما ألف ـ. والصائدي منسوب إلى بني صائد ، بطن من همدان ، ومثل ذلك في الإصابة. وذكره الأسترآبادي في رجاله الكبير وقال : هو من أصحاب الحسين وشهد مع عليّ مشاهده كلّها ، وبعده صحب الحسين ثمّ بقي في الكوفة إلى أن هلك معاوية. وذكره الطبري والجزري وأبو مخنف وغيرهم.

(٢) زيادة من المؤلّف.

٢٣
 &

ما جئت به وأنا أُبلّغه عنك ولا أدعك تدنو منه فإنّك فاجر.

قال : فاستبّا ثمّ انصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر ، قال : فدعا عمر قرّة بن قيس الحنظلي فقال له : ويحك يا قرّة ، ألق حسيناً فسله ما جاء به ؟ وماذا يريد ؟ قال : فأتاه قرّة بن قيس فلمّا رآه مقبلاً ، قال : أتعرفون هذا ؟ فقال حبيب بن مظاهر : نعم ، هذا رجل من حنظلة تميميّ وهو ابن أُختنا ، ولقد كنت أعرفه بحسن الرأي وما كنت أراه يشهد هذا المشهد.

قال : فجاء حتّى سلّم على الحسين وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه له ، فقال الحسين عليه‌السلام : كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم ، فأمّا اذا كرهوني فأنا أنصرف عنهم. قال : ثمّ قال له حبيب بن مظاهر : ويحك يا قرّة بن قيس ! أنّة ترجع إلى القوم الظالمين ؟! انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيّدك الله بالكرامة وإيّانا معك. فقال له قرّة : أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي. قال : فانصرف إلى عمر بن سعد وأخبره الخبر .. (١).

ونقلت أكثر الكتب أنّه في يوم عاشوراء حين حاصر العدوّ بجيوشه الجرّارة وتهاوى أصحابه كالنجوم الواحد تلو الآخر في الشهادة ، فكان النقص يبيّن في جماعتهم إذا قتل منهم الواحد والإثنان لقلّتهم ، ولا يبيّن النقص في جيش ابن سعد لكثرتهم ، فلمّا شاهد ذلك أبو ثَمامة قال للحسين : يا أبا عبدالله ، نفسي لك الفداء ، إنّي أرى هؤلاء القوم قد اقتربوا منك ولا والله لا تقتل حتّى أُقتل دونك إن شاء الله ، وأُحبّ أن ألقى ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة وقد دنى وقتها.

قال : فرفع الحسين رأسه ثمّ قال : ذكرت الصلاة ، جعلك الله من المصلّين الذاكرين ، نعم هذا أوّل وقتها. ثمّ قال : سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي.

__________________

(١) تاريخ الطبري ، ج ٤ ص ٣١٠ و ٣١١.

٢٤
 &

فتقدّم حبيب بن مظاهر عليه‌السلام إلى عسكر ابن سعد ورفع عقيرته فيهم وصاح بهم : يابن سعد ، أنسيت شرائع الإسلام ؟! هلّا أوقفت الحرب وتركتمونا نصلّي وتصلّون ، ثمّ قاتلونا إن شئتم.

فقال الحصين بن نمير لعنه الله : صلّ يا حسين فإنّ صلاتك لا تقبل ، فأجابه حبيب : لا تقبل صلاة ابن رسول الله وتقبل صلاتك يا حمار ، وأخيراً أجابهم أصحاب الحسين جواباً شديداً بعد هذا الحوار ، نشبت الحرب العوان بينهم واستشهد فيها حبيب بن مظاهر كما سنذكره في موضعه إن شاء الله.

واستعدّ أبو ثَمامة بعد أداء صلاة الخوف لمواجهة الحتوف ، فقال للحسين عليه‌السلام : إنّي قد هممت أن ألحق بأصحابي وكرهت أن أتخلّف وأراك وحيداً من أهلك وقتيلاً. فقال الحسين عليه‌السلام : تقدّم يا أبا ثَمامة فإنّا لاحقون بك عن ساعة. عند ذلك انحدر أبو ثَمامة عليهم كالسيل المنصبّ من أعلى ووثب عليهم كالنمر الشرس وحمل عليهم ذات اليمين وذات الشمال حتّى خضّب الأرض من دمائهم ، حتّى أُثخن بالجراح وعجز عن القتال ، فقتله ابن عمّه قيس بن عبدالله لعداء كان بينهما.

وقال في نفس المهموم : ثمّ برز أبو ثَمامة الصائدي وقال :

عزاء لآل المصطفى وبناته

على حبس خير الناس سبط محمّد

عزاءاً لبنت المصطفى وزوجها (١)

خزانة علم الله من بعد أحمد

وجاء في الزيارة الرجبيّة وزيارة الناحية المقدّسة : « السلام على أبي ثَمامة عمرو بن عبدالله الصائدي ... ».

__________________

(١) هذا الصدر فيه زحاف ، ولو قال : « ثمّ زوجها » لاستقام الوزن. (المترجم)

٢٥
 &

٢ ـ أبو بكر بن عليّ بن أبي طالب عليهما‌السلام

ذكر العلّامة المجلسي في البحار : إن أوّل من خرج منهم أبو بكر بن عليّ واسمه عبيدالله ، وأُمّه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعي التميميّة ، فتقدّم وهو يرتجز :

شيخي عليّ ذو الفخار الأطول

من هاشم الصدق الكريم المفضل

هذا حسين ابن النبيّ المرسل

عنه نحامي بالحسام المصقل

تفديه نفسي من أخٍ مبجَّل (١)

وفي الناسخ : فقتل منهم واحداً وعشرين رجلاً ، فلم يزل يقاتل حتّى قتله زحر ابن بدر النخعي ، وقيل : عبدالله بن عقبة الغنوي.

وذكره ابن شهر آشوب في المناقب بعد شهادة القاسم بن الحسن بهذا الاسم (٢).

أقول : أقوال المجلسي وابن شهر آشوب تعارض ما ذكره أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيّين (٣).

وقال في أعيان الشيعة في ترجمة أبي بكر هذا : وهو الذي يسمّونه عبيدالله ، وهذا خطأ لأنّ عبيدالله قتل يوم المذار ، قتله أصحاب المختار.

ويقول المامقاني في باب الكنى من كتاب رجاله : وعدّه قوم من أصحاب

__________________

(١) بحار الأنوار ، ج ٤٥ ص ٣٦.

(٢) المناقب ، ج ٣ ، ص ٢٥٥.

(٣) قال : وأبو بكر بن علي لم يعرف اسمه ، وأُمّه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك (بن ربعي) بن سلم بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم ، وأُمّ ليلى بنت مسعود (أحد أجدادها) سلمى ، وفيه يقول الشاعر :

تسود أقوام وليسوا بسادة

بل السيّد الميمون سلم بن جندل

راجع : مقاتل الطالبّيين ، ص ٥٧ ، والمؤلّف أخذ من عبارة أبي الفرج موضع الحاجة وأشار إلى الصفحة. (المترجم)

٢٦
 &

الحسين الذين قُتلوا معه في كربلاء ، وأُمّه ليلى بنت مسعود بن خالد. وفي بعض النسخ : اسمه محمّد.

ويقول المامقاني أيضاً في ترجمة عبدالله بن أمير المؤمنين : قال ابن إدريس في مزار السرائر : كان عبيدالله مع مصعب بن الزبير وقتله أصحاب المختار ، واعتباره من شهداء كربلاء خطأ محض ، وقبره مشهور في المذار وخبره متواتر.

ويؤيّده ما قاله المبرّد في الكامل ، بناءاً على ما قاله الفاضل المعاصر السيّد علي الهاشمي في كتاب محمّد بن الحنفيّة عن بحار المجلسي عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : جمع أمير المؤمنين عليه‌السلام بنيه وهم اثنا عشر ذكراً ، فقال لهم : إنّ الله أحبّ أن يجعل فيّ سنّة من يعقوب إذ جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكراً ، فقال لهم : إنّي أُوصي إلى يوسف فاسمعوا له وأطيعوا ، وأنا أُوصي إلى الحسن والحسين فاسمعوا له وأطيعوا ، فقال له عبدالله ابنه : دون محمّد بن عليّ ؟ يعني محمّد بن الحنفيّة ، فقال له : أجرأة عليَّ في حياتي ؟ كأنّي بك وقد وجدت مذبوحاً في فسطاطك لا يدرى من قتلك.

فلمّا كان في زمان المختار أتاه فقال : لست هناك ، فغضب فذهب إلى مصعب ابن الزبير وهو بالبصرة ، فقال : ولّني قتال أهل الكوفة ، فكان على مقدّمة مصعب فالتقوا بحروراء ، فلمّا حجز الليل بينهم أصبحوا وقد وجدوه مذبوحاً في فسطاطه لا يدرى من قتله .. (١). والمذار ناحية من نواحي البصرة ، فقتل وهو نائم في خيمته ولم يعرف قاتله ، وقبره إلى اليوم في المذار معروف مشهور يزار.

__________________

(١) بحار الأنوار ، ج ٤٢ ص ٨٧ والمؤلّف نقل في الهامش عبارة السيّد علي الهاشمي ونحن نسوقها هنا لأنّ بها زيادة لم تكن في المتن : « ... فقال عبدالله ابنه : دون محمّد بن الحنفيّة ، فقال له أميرالمومنين عليه‌السلام : أجرأة عليَّ في حياتي ، كأنّي بك قد وجدت مذبوحاً في فسطاطك لا يدرى من قتلك ». وقال المبرّد : هذه من الغيبيّات التي تكلّم بها أمير المؤمنين عليه‌السلام.

٢٧
 &

وبناءاً على هذا لا حجّة لمن زعم بأنّ أصحاب المختار قتلوه ، فإن كان استند إلى هذه الرواية فلا دلالة فيها على ذلك ، وإن كانت رواية أُخرى فلم نقع عليها لحدّ الآن ، ولو أنّها وجدت فإنّها فاقدة للاعتبار لأنّ أصحاب المختار كلّهم شيعة فلا يلطّخون أيديهم بدماء آل عليّ عليه‌السلام.

وتردّد العلّامة السماوي في إبصار العين في اسم أبي بكر بين محمّد الأصغر أو عبدالله ، وهذا غير صحيح لأنّ أمير المؤمنين ليس له من أولاده من اسمه عبدالله إلّا واحد وهذا أُمّه أُمّ البنين وليست ليلى ، وكنيته أبو محمّد لا أبو بكر.

وعلى أيّة حال فإنّ ما قاله أبو الفرج في مقاتل الطالبيّين أرجح حيث قال : أبو بكر اسمه أو كنيته .. ؟ وقتله رجل من همدان ، قال المدائني : وُجِدت جنازته في ساقية ولم يعرف قاتله.

ولكن المامقاني يقول في ترجمة عبيدالله بن أمير المؤمنين : عدّة جماعة من أهل السير وكتب المقاتل من شهداء كربلاء ، وورد السلام عليه في الزيارة الرجبيّة ، والله العالم (١).

٣ ـ أبو بكر بن الحسن بن عليّ أمير المؤمنين عليهم‌السلام

قال في مقاتل الطالبيّين : أبو بكر بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، قُتل مع عمّه الحسين في كربلاء ، أُمّه أُمّ ولد لا يعرف اسمها ، وهو أخو القاسم من أُمٍّ واحدة ، مع أنّ اسم أُمّ القاسم معروف نجمة أو رملة ، ويمكن أن يكون الضمير مذكّراً (٢)

__________________

(١) من هؤلاء أبو عبدالله محمّد بن يوسف بن محمّد القرشي الكنجي الشافعي المتوفّى ٦٥٨ في كتاب « كفاية الطالب » ٢٩٨ ، قال : قتل ستّة نفر من إخوة الحسين : جعفر والعبّاس وعثمان وأبو بكر وهو محمّد الأصغر ، وعبدالله وعبيدالله. (هامش الأصل)

(٢) أي في قوله : « اسمها » فيكون « اسمه ». (المترجم)

٢٨
 &

يعود إلى أبي بكر أي أنّ اسمه غير معروف.

وذكر في أعيان الشيعة عن المدائني عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد أنّ عبدالله بن عقبة الغنوي قتله ، وذكره سليمان بن قتّة في شعره ، فقال :

وعند غنّى قطرة من دمائنا

وفي أسد أُخرى تُعَدّ وتُذْكَر

وروى عمر بن شمر عن جابر بن يزيد الجعفي عن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّ عبدالله بن عقبة الغنوي قتله.

وفي زيارة ناحية : السلام على أبي بكر بن الحسن بن عليّ الزكي الولي المرميّ بالسهم الردي ، لعن الله قاتله عبدالله بن عقبة الغنوي.

ولمّا خرج المختار جدّ في طلب الغنوي ، قيل : هرب إلى الجزيرة ، فأمر المختار بهدم داره وساواها بالأرض.

وفي نفس المهموم والطبري والجزري ـ الكامل ـ وغيرهم أنّه استشهد بعد شهادة أخيه القاسم.

ويقول في الناسخ : أُمّه أُمّ ولد ، سمّاها بعضهم نفيلة.

وجاء في شرح قصيدة أبي فراس : فبرز أبو بكر بن الحسن فقاتل حتّى قُتل رضي‌الله‌عنه.

فلمّا رأوا بعض الحياة مذلّة

عليهم وعزّ الموت غير محرَّم

أبوا أن يذوقوا العيش والذمّ واقع

عليهم وماتوا ميتة لم تُذَمَّم

ولا عجب للأسد إن ظفرت بها

كلاب الأعادي من فصيح وأعجم

فحربة وحشيّ سقت حمزة الردى

وحتف عليّ في حسام ابن ملجم (١)

__________________

(١) نسب القاضي النعمان في الجزء الثاني من شرح الأخبار (ص ٤٣٣) البيتين الأخيرين إلى الفرزدق وكذلك فعل المجلسي في بحار الأنوار (ج ٢ ص ٢٩٠) واستشهد بهما المسترشد لمّا أسر (ذيل تاريخ بغداد ، ج ٥ ص ١٤٦) ، وفي الأنوار العلويّة لجعفر النقدي أنّهما له أيضاً (ص ٤٠٠).

٢٩
 &

٤ ـ إبراهيم بن الحسين

قال ابن شهر آشوب وهو يحصي الشهداء : وستّة من بني الحسين مع اختلاف فيهم (١) منهم إبراهيم بن الحسين وأحصاه منهم.

وذكر صاحب أعيان الشيعة مثله ، ولم أعثر على أكثر من هذا التاريخ.

٥ ـ إبراهيم بن الحصين

ذكره في المناقب وعدّه صاحب أعيان الشيعة من شهداء الطفّ ، وجرى اسمه على لسان الحسين عليه‌السلام وهو يستنصر قائلاً : يا أسد الكلبي ، يا إبراهيم بن الحصين ، إلى آخره.

وفي نفس المهموم : ثم ّبرز إبراهيم بن الحصين وهو يرتجز ويقول :

أضرب منكم مفصلاً وساقا

ليهرق اليوم دمي إهراقا

ويرزق الموت أبو إسحاقا

أعني بني الفاجرة الفسّاقا

ثمّ حمل عليهم وقتل منهم أربعاً وثمانين رجلاً وجعلهم حطب جهنّم.

وأضاف صاحب الناسخ عن أبي مخنف لوط بن يحيى أنّ إبراهيم بن الحصين هجم على الأعداء ، ولمّا كان يحيى من أصحاب أمير المؤمنين ويعتبر ابنه لوط من أصحاب الإمامين الحسن والحسين وكان حاضراً وقعة الطفّ فما كان رآه أو سمعه لا ينبغي أن يجرّد من الصّحة مرّة واحدة.

ومجمل القول أنّ إبراهيم حمل وهو يرتجز بهذا الرجز :

أقدم الحسين اليوم تلق أحمدا

ثمّ أباك الطاهر المؤيّدا

__________________

(١) المناقب ، ج ٤ ص ١٢٢.

٣٠
 &

والحسن المسموم ذاك الأسعدا

وذا الجناحين حليف الشهدا

وحمزة الليث الكميّ السيّدا

في جنّة الفردوس فازوا سُعدا

وحمل عليهم كالليث الغضبان ، وغاص في أوساطهم فقتل منهم خمسين رجلاً ، وفي رواية : أربعاً وثمانين من أبطالهم ، قتلهم بالسيف والسنان ، ثمّ ودّع الوجود الفاني وفاز بالجنان والرضوان ، واستشهد مع الحسين عليه‌السلام.

٦ ـ إبراهيم بن عليّ بن أبي طالب عليهما‌السلام

ذكر أبو الفرج في مقاتل الطالبيّين عن المدائني أنّ محمّداً بن عليّ بن حمزة قال : قتل يومئذٍ إبراهيم بن عليّ بن أبي طالب وأُمّه أمّ ولد ، وما سمعت بهذا من غيره ولا رأيت لإبراهيم في شيء من كتب الأنساب ذكراً (١).

وذكر السياق نفسه في « نفس المهموم » ولم يضف شيئاً زائداً عليه ، ومثله فعل صاحب الناسخ من أنّ محمّد بن عليّ بن حمزة انفرد بذكر الخبر ، والله أعلم.

قوم إذا نودوا لدفع ملمّة

والقوم بين مدعّس ومكردس (٢)

لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا

يتهافتون على ذهاب الأنفس

٧ ـ ابن أخى حذيفة بن أُسيد الغفاري

روى الشيخ الجليل محمّد بن الحسن الصفّار القمّي المتوفّى بقم سنة مأتين

__________________

(١) مقاتل الطالبيّين ، ص ٨٧.

(٢) دعسه بالرمح طعنه ، والمدعّس الرمح يطعن به ، جمعه مداعس ومداعيس (المنجد). والكردوس من كردس وهو قطعة عظيمة من الخيل ، والمكردس ملزز الخلق أي مجتمعاً شجاعاً. (المؤلّف)

٣١
 &

وتسعين في بصائر الدرجات بسنده عن حذيفة بن أُسيد الغفاري (١) قال : لمّا وادع الحسن معاوية وانصرف إلى المدينة صحبته في منصرفه وكان بين عينيه حمل بعير لا يفارقه حيث توجّه ، فقلت له ذات يوم : جعلت فداك يا أبا محمّد ، هذا الحمل لا يفارقك حيثما توجّهت ! فقال : يا حذيفة ، أتدري ما هو ؟ قلت : لا ، قال : هذا الديوان ، قلت : ديوان ماذا ؟ قال : ديوان شيعتنا فيه أسمائهم ، قلت : جعلت فداك ، فأرني اسمي ، قال : اغد بالغداة.

قال : فغدوت إليه ومعي ابن أخ لي وكان يقرأ ولم أكن أقرأ ، فقال : ما غدا بك ؟ قلت : الحاجة التي وعدتني ، قال : ومن ذا الفتى معك ؟ قلت : ابن أخٍ لي وهو يقرأ ولست أقرأ ، قال : فقال لي : اجلس ، فجلست ، فقال : علَيّ بالديوان الأوسط ، قال : فأُتي به ، قال : فنظر الفتى فإذا الأسماء تلوح ، قال : بينهما هو يقرأ إذ قال : هو ذا يا عمّاه هو ذا اسمي ، قلت : ثكلتك أُمّك ! انظر أين اسمي ، قال : فصفح ثمّ قال : هو ذا اسمك ، فاستبشرنا واستشهد الفتى مع الحسين بن عليّ عليهما‌السلام (٢).

٨ ـ أربعة من فتيان اليمن

أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري الآملي وهو من أجلّ علماء أهل السنّة في القرن الرابع الهجري ذكر في كتابه معجزات الأئمّة وبلغ بالسند إلى جابر ابن عبدالله الأنصاري رضي‌الله‌عنه أنّه قال : بينما أمير المؤمنين جالس على مسند القضاء

__________________

(١) حذيفة المذكور عدّه الشيخ في رجاله تارة من أصحاب رسول الله وأُخرى من أصحاب الحسن. وفي أُسد الغابة : بايع رسول الله تحت الشجرة ونزل الكوفة وتوفّي بها. وذكره المقاماني وقال : إنه من حواري الحسين عليه‌السلام يوم القيامة. (منه).

(٢) بصائر الدرجات ، ص ١٧٢ و ١٧٣.

٣٢
 &

في مسجد الكوفة بعد واقعة صفّين وأمر الحكمين إذ دخل المسجد أربع فتيان طوال القامة تخالهم نخلات أربعة ، فسلّموا على الإمام أمير المؤمنين ، فألقى عليهم الإمام نظرة وقال : كأنّكم لستم من أرضنا ؟! فقالوا : أجل ، نحن من أهل اليمن وأقبلنا من جيش معاوية ، فقال الإمام عليه‌السلام : وماذا تصنعون هنا في بلادنا وأنتم من بلاد العدوّ ؟ فقالوا : معاذ الله أن نكون لك عدوّاً مع ما نعلم من أنّ رسول الله استخلفك بحفظ بيضة الدين وكشف الكربات ، والآن وقعنا في مصيبة شديدة وأمر عظيم ، فقال الإمام عليه‌السلام : وما ذاك ؟! فقالوا : لنا أُخت عذراء وفي بطنها جنين يضطرب وهي تقسم لنا أنّ أحداً لم يرفع ذيلها ، فقال الإمام عليه‌السلام : وأين هي الآن ؟ فقالوا : هي عند رحالنا على باب المسجد ، فقال عليه‌السلام : عليَّ بها.

فلمّا وقعت عين الإمام عليها ، قال لها : اقبلي وأدبري بعشر خطوات ، ففعلت الفتاة ، ثمّ أمر الإمام أن يضرب طنب في المسجد ، وأحضروا قابلة الكوفة وهي امرأة عطّارة تدعى خولة فأمرها بفحص الفتاة وكشف حالها وإخباره بما ترى منها ، وأمر ديناراً الخصيّ وهو ثقة الإمام أن يهتمّ بها ، فأقبلت القابلة بعد الفحص الشديد على الإمام وهي تقول : الفتاة ما تزال بكراً ويظهر أنّ في أحشائها جنيناً مضطرباً ، فأمرها الإمام أن تجلس الفتاة على كرسيّ مرتفع ، وتضع تحتها طشتاً وتخرج من عندها وتتركها وحدها ، ففعلت القابلة ، وأقبل الإمام على أصحابه يحدّثهم والفتاة تستمع إليه ، فالتفت إلى جانبها وهو يتحدّث ثمّ زعق زعقة هايلة وصاح صيحة مرعبة فاضطربت الفتاة خوفاً من صيحته فافتضّت بكارتها على أثر اضطرابها وألقت كائناً بقدر القطّ من بطنها ، فأمر الإمام عليه‌السلام ديناراً الخصيّ أن يقبل بالطشت ، فلمّا وضعه بين يديه ورأى الناس ذلك الكائن فيه عند ذلك اختلف فيه الأقوال ؛ فغلى بعضهم في الإمام عليه‌السلام ، وقال الإمام لإخوان الفتاة : هل كان في بيتكم مستنقع ماءٍ آسن ؟ فأجابوه : نعم ، فقال عليه‌السلام : إنّ فتاتكم هذه استنقعت في تلك

٣٣
 &

البركة في صغرها ، ونفذت إلى أحشائها هذه العلقة وإلى رحمها وتغذّت بدمها حتّى بلغت هذا الحجم.

ثمّ أقام هؤلاء الفتيان الأربعة في الكوفة وأعرضوا عن معاوية وترسّخت عقيدتهم بالإمام وزاد يقينهم به ، زوّجوا أُختهم في الكوفة ، ولازموا الإمام وأقاموا معه ، وصحبوا الإمام الحسن بعد شهادة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ثمّ صحبوا الحسين سيّد الشهداء بعد وفاة الإمام الحسن عليه‌السلام إلى أن استشهدوا معه بأرض كربلاء رضوان الله عليهم (١).

أقول : في الكتاب المذكور رواية أُخرى تشبه الرواية المتقدّمة بسنده عن عمّار ابن ياسر ، وقد رواها المجلسيّ في تاسع البحار ونقلها السيّد البحراني في مدينة المعاجز ، وأنا أذكر ملخّصاً لها هنا لمناسبتها للرواية التي سلفت وإن كان موضوعها خارجاً عمّا نحن فيه ، وربّما كانت الروايتان واحدة لشدّة شبه أحدهما بالأُخرى.

عن بصير بن مدرك قال : حدّثني عمّار بن ياسر ذو الفضل والمآثر ، قال : كنت بين يدي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وكان يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت في صفر وإذا بزعقة قد ملأت المسامع وكان عليّ عليه‌السلام على دكّة القضاء ، فقال : يا عمّار ، ائت بذي الفقار ، وكان وزنه سبعة أمنان وثلثا منّ بالمكّيّ ، فجئت به ، فانتضاه من غمده ـ فصاح من عمده ـ وتركه وقال : يا عمّار ، هذا يوم يكشف

__________________

(١) أقول ما تزال حكاية عالقة بذهني عن الرازي الطبيب ، فقد جائه مريض لا يشكو إلّا من خروج قطع من الدم في أخلاطه ، ففكّر الرازي ثمّ قال له : هل اجتزت بماء آسن فشربت منه ؟ قال : أجل ، فأعطاه الرازي نباتاً شديد المرارة وأمره بمضغه بين الحين والحين حتّى خرجت علقة من حلقه ، وجاء الرازي فأخبره ، فقال له : نعم إنّ علقاً في ذلك الماء دخل إلى حلقك وما زال به حتّى كبر ، وبمضغك للمرّ تقلّص الحلق حتّى اقتلعه ورمى به. (المترجم)

٣٤
 &

فيه لأهل الكوفة جميعاً الغمّة ، ليزداد المؤمن وفاقاً ، والمخالف نفاقاً ، يا عمّار ، ائت بمن على الباب.

قال عمّار : فخرجت وإذا بالباب امرأة في قبّة على جمل وهي تصبح : يا غياث المستغيثين ويا غاية الطالبين ويا كنز الراغبين ، ويا ذا القوّة المتين ، ويا مطعن اليتيم ، ويا رازق العديم ، ويا محيي كلّ عظم رميم ، ويا قديماً سبق قدمه كلّ قديم ، ويا عون من لا عون له ، ويا طود من لا طود له ، وكنز من لا كنز له ، إليك توجّهت وإليك توسّلت ، بيّض وجهي وفرّج عليَّ كربي.

قال : وحولها ألف فارس بسيوف مسلولة ، قوم لها وقوم عليها ، فقلت : أجيبوا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فنزلت عن الجمل ونزل القوم معها ودخلوا المسجد ، فوقعت المرأة بين يدي أمير المؤمنين عليه‌السلام وقالت : يا عليّ ، إيّاك قصدت فاكشف ما بي من غمّة إنّك وليّ ذلك والقادر عليه. فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : يا عمّار ، نادِ في الكوفة لينظروا إلى قضاء أمير المؤمنين عليه‌السلام.

قال عمّار : فناديت ، فاجتمع الناس حتّى صار القدم عليه أقدام كثيرة ، ثمّ قام أمير المؤمنين عليه‌السلام وقال : سلوا عمّا بدا لكم يا أهل الشام ، فنهض من بينهم شيخ أشيب عليه بردة أتحميّة وحلّة عدنيّة وعلى رأسه عمامة خزسويّة ، فقال : السلام عليك يا كنز الضعفاء ويا ملجأ اللهفاء ، ويا مولاي ، هذه الجارية ابنتي وما قرّبتها ببعل قطّ وهي عاتق حامل وقد فضحتني في عشيرتي وأنا معروف بالشدّة والنجدة والبأس والسطوة والشجاعة والبراعة والنزاهة والقناعة ، أنا قلمس بن غفريس ، وليث غسوس ووجهه على الأعداء عبوس ، لا تخمد لي نار ولا يضام لي جار ، عزيز عند العرب ، بأسي ونجدتي وحملاتي وسطواتي ، أنا من أقوام بيت آبائهم بيت مجد في السماء السابعة ، فينا كلّ عبوس لا يرعوي ، وكلّ حجّاج

٣٥
 &

عن الحرب لا ينتهي ، وقد بقيت يا عليّ حائر في أمري ، فاكشف هذه الغمّة فهذه عظيمة لا أجد أعظم منها.

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : ما تقولين يا جارية فيما قال أبوك ؟ قالت : أمّا قوله إنّي عاتق فقد صدق فيما يقول ، وأمّا قوله إنّي حامل فوالله ما أعلم من نفسي خيانة قطّ يا أمير المؤمنين وأنت أعلم به منّي ، وتعلم أنّي ما كذبت فيما قلت ، ففرّج عنّي غمّي يا عالم السرّ وأخفى.

فصعد أمير المؤمنين عليه‌السلام المنبر وقال : الله أكبر ( جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) (١) فقال عليه‌السلام : عليَّ بداية الكوفة ، فجائت امرأة يقال لها لبنى وكانت قابلة نساء أهل الكوفة ، فقال : اضربي بينك وبين الناس حجاباً وانظري هذه الجارية أعاتق حامل ؟ ففعلت ما أمرها أمير المؤمنين عليه‌السلام وقالت : نعم يا أمير المؤمنين ، عاتق حامل. فقال : يا أهل الكوفة ، أين الأئمّة الذين ادّعوا منزلتي ؟ أين من يدّعي في نفسه أنّ له مقام الحقّ فيكشف هذه الغمّة ؟

فقال عمرو بن حريث كالمستهزئ : ما لها غيرك يابن أبي طالب ، واليوم تثبت لنا إمامتك.

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام لأبي الجارية : يا أبا الغضب ، ألستم من أعمال دمشق ؟ قال : بلى يا أمير المؤمنين. قال : من قرية يقال لها أسعاد طريق بإيناس الجولة ؟ فقال : بلى يا أمير المؤمنين ، قال : هل فيكم من يقدر على قطعة من الثلج ؟ قال أبو الغضب : الثلج في بلادنا كثير ، قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : بيننا وبين بلادكم مائتا فرسخ وخمسون فرسخاً ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين.

قال عمّار رضي‌الله‌عنه : فمدّ عليه‌السلام يده وهو على منبر الكوفة وردّها وفيها قطعة من الثلج

__________________

(١) الإسراء : ٨١.

٣٦
 &

تقطر ماءاً ثمّ قال لداية الكوفة : ضمّي هذا الثلج ممّا يلي فرج هذه الجارية ، سترمي علقة وزنها خمس وخمسون درهماً ودانقان.

قال : فأخذتها وخرجت بها من الجامع وجائت بطشت ووضعت الثلج على الموضع منها ، فرمت علقة كبيرة فوزنتها الداية فوجدتها كما قال عليه‌السلام.

وكان قد أمسك المطر عن الكوفة منذ خمس سنين ، فقال أهل الكوفة : استسق لنا يا أمير المؤمنين ، فأشار بيده قبل السماء فدمدم الجوّ وأسجم وحمل مزناً فسال الغيث ، وأقبلت الداية مع الجارية فوضعت العلقة بين يديه ، فقال : وزنتها ؟! فقالت : نعم يا أمير المؤمنين وهي كما ذكرت ، فقال عليه‌السلام : ( وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ) (١) ثمّ قال : يا أبا الغضب ، خذ ابنتك فوالله ما زنت ولكن دخلت الموضع فدخلت فيها هذه العلقة وهي بنت عشر سنين فربت في بطنها إلى وقتنا هذا ، فنهض أبوها وهو يقول : أشهد أنّك تعلم ما في الأرحام وما في الضمائر (٢).

__________________

(١) الأنبياء : ٤٧.

(٢) الرواية مذكورة في البحار ومدينة المعاجز واختصرها المؤلّف كما قال ولكنّي ذكرتها بطولها لأنّي لا يمكنني متابعته مع الحفاظ على النصّ ونقلتها من مدينة المعاجز لأنّ المؤلّف ذكر عمّاراً وحده في السند وفي رواية البحار ذكره مع زيد بن أرقم مِن ثَمّ آثرت رواية البحراني في مدينة المعجزات ، وفي هذه الرواية طامّات لا يمكن السكوت عنها وأرجو أن يعتبر القارئ من الأخبار الضعيفة بل متناهية الضعف ، وليس بعيداً أن يكون لها أصل ولكن الرواة حملوها من عندهم فقرات كثيرة خلطت الحقّ منها بالباطل ، وأعجب ما فيها اسم الشيخ والد الفتاة الذي ما سمّي به أحد من الإنس والجنّ أعني قلمس بن غفريس ، ثمّ الألف فارس الذين حملوها من الشام إلى الكوفة وكأنّهم قادمون لفتح الكوفة ، وعلى كلّ حال راجع مدينة المعجزات ٢ : ٥٤ ـ ٥٧ وبحار الأنوار ، ج ٤٠ ص ٢٧٨ ـ ٢٨٠. (المترجم)

٣٧
 &

٩ ـ إبراهيم بن مسلم بن عقيل

الاختلاف حاصل في إبراهيم وأخيه من عدّة جهات :

الجهة الأُولى : هل هما أولاد مسلم بن عقيل كما ذكر الصدوق في الأمالي والمشهور على ألسنة الناس ذلك أو هما ولدا عبدالله بن جعفر أو ولدا جعفر نفسه .. (١) أو هما ولدا عقيل ؟ ونحن نكتفي هنا برواية الصدوق التي رواها في الأمالي عن أبيه ، وأبوه عن عليّ بن إبراهيم بن رجاء ، عن جابر ، عن عثمان بن داود الهاشمي ، عن محمّد بن مسلم ، عن حمران بن أعين ، عن أبي محمّد ، عن شيخ من أهل الكوفة ، قال :

__________________

(١) ذكر محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي في « كفاية الطالب » أنّهما ولدا جعفر إلّا أنّ ذلك لا دليل عليه من التاريخ ، ولو كانا لجعفر شيخين في واقعة الطفّ ، نظير عبدالله بن جعفر مضافاً إلى أنّ أسماء أولاد جعفر محفوظة ولا دليل على كونهما ولدي عقيل من غير واسطة من التاريخ لأنّ أولاد عقيل أُحصيت أسمائهم وصفاتهم في التاريخ. وذكر المجلسيّ في عاشر البحار في رواية عن

٣٨
 &

هرب غلامان لمسلم بن عقيل من عسكر الحسين عليه‌السلام (١) وقبض عليهما شرطة

__________________

(١) واختلفوا في هذين الغلامين هل كانا مع مسلم حين خرج من الكوفة ولمّا أيقن بالقتل دفعهما إلى شريح القاضي أو أنّهما كانا مع الحسين عليه‌السلام وفرّا من المخيّم حين جرت الغارة عليهم من العدو أو أنّهما هربا من الكوفة بعد وصول السبايا إليها ؟ لا يزال الأمر عنهما غامضاً.

يقول صاحب ناسخ التواريخ : لم أعثر على شهادة محمّد وإبراهيم ابني مسلم في كتب القدماء إلّا نادراً لكن ابن الأعثم الكوفي يقول : لمّا حبس ابن زياد هانياً بن عروة وخرج مسلم من دار هاني وعبّأ شيعته للهجوم على دار الإمارة أودع ولدين له عند شريح القاضي ليكونا بمأمن من شرطة ابن زياد في جواره مع أنّ صاحب روضة الشهداء يقول : كان الغلامان بأمر أبيهما في دار شريح القاضي إلى أن استشهد مسلم عليه‌السلام ، فأُخبر ابن زياد بأنّ أهل الكوفة خبّئا ولدي مسلم بن عقيل وإنّهم يحتفظون بهما ، فأمر ابن زياد مناديه ينادي في الكوفة : برئت الذمّة ممّن يعلم مكانهما ولا يدلّ عليهما ، تهدم داره ويهدر دمه وتنهب أمواله.

فلمّا سمع شريح هذا النداء أحضر محمّداً وإبراهيم عنده وشرع في البكاء ، فقيل له : ما هذا يا شريح ؟ فقال : اعلموا أنّ أباكما مسلم قد استشهد وذهب من هذه الدار الفانية إلى الجنان الدائمة الباقية ، فصرخ الغلامان وعمدا إلى جيبهما فشقّاه وحثيا التراب على رأسيهما وصاحا : وا أبتاه وا غريباه ، فقال شريح : يا ابني أخي ، لا تبكيا ، ولا تهتمّا لقتلي وسجني ، لأنّ ابن زياد يطلبكما الآن أين ما كنتما ، ولا يهدأ له بال حتّى يأسركما ، ويهلك من أجاركما ، فسكتا خوفاً من ابن زياد ، وجلسا صامتين خوفاً من ابن زياد لعنه الله ، فقال شريح : أنتما قرّتا عيني ونور فؤادي ، وإنّي رأيت أن أُودعكما بيد أمينة توصلكما إلى المدينة وتسلّمكما إلى قومكما ، وقال لابنه ويُدعى أسد : إنّي سمعت على باب المدينة قافلة عراقيّة تنوي السفر إلى المدينة فأوصل الطفلين إليها وسلّمهما إلى رجل مؤتمن ليوصلهما إلى هناك ، وأعطى كلّ واحد منهما خمسين ديناراً.

فلمّا جنّ الظلام خرج بهما أسد إلى خارج الكوفة فوجد قافلة قد غادرت المكان ، وألقى أسد نظرة على الطريق فوجد شبح القافلة يبدو لعينيه من بعيد ، وقال للغلامين : هذا السواد الذي تريانه شبح القافلة فأسرعا حتّى تلحقا بها ثمّ تركهما وانصرف ، فخرج الغلامان وراء القافلة وكانا لا يعرفان الطريق فأضلّاه وضيّعا القافلة ولم يعثرا لها على عين ولا أثر ، ورآهما جماعة من أهل الكوفة فعلما أنّهما ابنا مسلم بن عقيل عليه‌السلام فأخذوهما إلى ابن زياد لعنه الله فأمر بسجنهما وكتب إلى يزيد كتاباً يستشيره بأمرهما وكان السجّان واسمه مشكور من محبّي أهل البيت عليهم‌السلام فنالته

=

٣٩
 &

..........................................

__________________

= رحمة لهما لمّا شاهد بكائهما ولوعتهما ، فمهّد لهما الفراش وأطاب لهما الطعام وبالغ بإكرامهما ، ولمّا أتت عليهما ليلة أُخرى وأرخى الليل سدوله خرج بهما إلى طريق القادسيّة وأعطاهما خاتمه وقال : صيّراه معكما فإنّه العلامة بيني وبينكما ، فإذا بلغتما القادسيّة فأخبرا أخي هناك وأعطياه الخاتم لكي يرفق بكما ويخدمكما ، فعاد مشكور من حيث أتى.

وأخذ الغلامان طريق القادسيّة فأضلّا الطريق مرّة أُخرى وبقيا يحومان حول البلد الليل كلّه فلمّا انكشف عمود الصبح علما أنّهما بالقرب من الكوفة ، فخافا خوفاً شديداً وخشيا أن يقعا في الأسر مرّة ثانية ، فقصدا ناحية السواد وأخفيا أنفسهما في غابة نخل عندها عين ماء ، فأقبلت جارية حبشيّة تستقي من العين ، فرأت خيالهما في ماء العين فأقبلت عليهما وأظهرت الودّ لهما واللطف بهما وأخبرتهما عن سيّدتها وعنها بمحبّتهما لأهل البيت وأقبلت بهما إلى بيت سيّدتها ، فقامت إليهما السيّدة فغسلت وجهيهما بعد أن قبّلتهما وأعتقت الجارية وخبّأتهما في بيتها وبالغت بإكرامهما وإطعامهما ، وأسرّت إلى الجارية بكتمان الأمر عن زوجها.

وأرسل ابن زياد خلف السجّان « مشكور » وسأله عن الغلامين ، فقال : أطلقت سراحهما قربة إلى الله تعالى ، قال : أما خفتني ؟ قال : إنّي لا أخاف إلّا الله ، ويحك يابن زياد ! بالأمس قتلت أباهما ، فما تريد من هذين الطفلين ، فغضب ابن زياد وقال : لأضربنّ عنقك ، فقال : لا أُريد عنقاً ليست للمصطفى ، ثمّ أمر ابن زياد بجلده خمسمائة سوط ثمّ تضرب عنقه ، ولمّا وقع بين العقابين وابتدأوا بجلده ، قال عند أوّل سوط يمسّ جسده : « بسم الله الرحمن الرحيم » ، وعند الثاني قال : « اللهمّ ألهمني الصبر » ، وفي الثالث قال : « اللهمّ إليك المشتكى فإنّهم يقتلوني على حبّ آل بيت نبيّك » ، وقال عند الرابع والخامس : « اللهمّ أدركني برحمتك » ثمّ أخلد إلى الصمت حتّى استوفى الضارب خمسمائة سوط من جسمه وهنا نطق طالباً شربة من الماء ، فقال ابن زياد : اضربوا عنقه وهو عطشان ، فطلب عمرو بن حريث من ابن زياد أن يهبه له ويذهب به إلى البيت ليعالج جراحه ، ففتح مشكور عينه وجاؤوه بالماء ، فقال : لا حاجة لي به لقد ارتويت الساعة من ماء الكوثر ، قال هذا وأسلم الروح.

تعليق المترجم : آثار الصنعة ظاهرة على هذه الحكاية ولا أظنّ عاقلاً يشكّ في وضعها لا سيّما إذا أدرك أنّ راويها صاحب روضة الشهداء وقد قيل عنه أنّه تذبذب بين السنّة والشيعة في سبزوار وهراة وشاهد ذلك ثنائه البالغ على شريح القاضي ، وهل قتل مسلم وهاني إلّا بتدبير من هذا

=

٤٠