فرسان الهيجاء - ج ١

الشيخ ذبيح الله المحلاتي

فرسان الهيجاء - ج ١

المؤلف:

الشيخ ذبيح الله المحلاتي


المحقق: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : التراجم
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-503-145-7
ISBN الدورة:
978-964-503-144-0

الصفحات: ٤٩٥
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

من قولك ، ثمّ قال : وأنا والله الذي لا إله إلّا هو على مثل ما هذا عليه ... (١).

وقال الطبري (٢) : لمّا بايع أهل الكوفة مسلماً وازدحموا على بيعته كتب إلى الحسين كتاباً يحثّه فيه على القدوم ويستعجله ، وأعطى الكتاب عابساً بن شبيب فتناولها عابس وأقبل مع شوذب مولى شاكر إلى مكّة وعادا مع الحسين إلى كربلاء يوم عاشوراء.

وفي بحار الأنوار عن محمّد بن أبي طالب (١) قال : وجاء عابس بن أبي شبيب الشاكري ومعه شوذب مولى شاكر ، وقال : يا شوذب ، ما في نفسك أن تصنع ؟ قال : ما أصنع ؟ أُقاتل حتّى أُقتَل. قال : ذلك الظنّ بك ، فتقدّم بين يدي أبي عبدالله حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك ، فإنّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكلّ ما نقدر عليه (٢) وإنّما هو الحساب ، فقتدّم فسلّم على الحسين عليه‌السلام وقال : يا أبا عبدالله ، أما والله ما أمسى على وجه الأرض قريب ولا بعيد أعزّ عليّ ولا أحبّ إليّ منك ، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعزّ عليّ من نفسي ودمي لفعلت ، السلام عليك يا أبا عبدالله ، أُشهد أنّي على هداك وهدى أبيك (٣) ثمّ مضى بالسيف نحوهم.

قال ربيع بن تميم : فلمّا رأيته مقبلاً عرفته وقد كنت شاهدته في المغازي وكان أشجع الناس ، فقلت : أيّها الناس ، هذا أسد الأُسود ، هذا ابن [ أبي ] شبيب ، لا يخرجنّ اليه أحد منكم ، فأخذ ينادي : ألا رجل ؟ ألا رجل ؟ فقال ابن سعد : أرضخوه بالحجارة من كلّ جنب ، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثمّ شدّ على

__________________

(١) مقتل أبي مخنف ، ص ٢٠.

(٢) تاريخ الطبري ، ج ٤ ص ٢٥٧ وفيه ذكر الكتاب الذي أرسله مسلم عليه‌السلام للحسين عليه‌السلام.

٢٤١
 &

الناس ، فوالله لقد رأيته يطرد أكثر من مأتين من الناس ثمّ تعطّفوا عليه من كلّ جانب ، فقُتل (١).

وقت آن آمد که من عريان شوم

جسم بگذارم سراسر جان شوم

آنچه غير از شورش و ديوانگى است

اندر اين ره روى در بيگانگى است

آزمودم مرگ من در زندگى است

چو رهم زين زندگى پايندگى است

تقريب الشعر بالعربيّة :

آن لي أستقبل الموت

بعيداً عن سلاحي

أنزع الجسم إلى روحي

وريحاني وراحي

أنا في الهيجاء في أهلي

وإخوان الكفاح

لا أرى الغربة إلّا

في التخلّي عن طماحي

قد خبرت العيش في الموت

على وخز الرماح

فهو عيشٌ أبديٌّ

لظلام الذلّ ماحي

يلقي الرماح الشاجرات بنحره

ويقيم هامته مقام المغفر

ما إن يريد إذا الرماح شجرنه

درعاً سوى سربال طيب العنصر

__________________

(١) بحار الأنوار ، ج ٤٥ ص ٢٩. وبما أنّ المؤلّف مزج مع متن البحار كلمات جدّاً نفيسة من النثر الفارسي الجميل وكان المؤلّف معروفاً بحسن الديباجة ومتانة الأُسلوب لذلك آثرت أن أُترجمها في الهامش خارج المتن وللقارئ أن يلحقها في مواضعها إن شاء ذلك.

(١) لمّا عزم عابس بن شبيب على نيل السعادة بالشهادة أقبل على شوذب وخاطبه قائلاً.

(٢) لأنّه يوم بإمكان المرء أن يضع قدمه من تحت الثرى على فرق الثريّا ، وأن يتجرّد من صفته الهيولائيّة إلى حقيقته العقلانيّة ، وهو يوم لا بديل له عنه.

(٣) قال هذا وهجم على الميدان كأنّه شجاع فاغر فمه ، ودار في الميدان كأنّه اللهيب المضطرم ، وجال فيه جولان الرحى ، وقلب اليمين على الشمال ، وأذاقهم الويل والوبال.

٢٤٢
 &

ويقول للطرف اصطبر لشبا القنا

فهدمت ركن المجد إن لم تعفر (١)

جوشن زبر فکند که ما هم نه ماهيم

مغفر ز سر فکند که باز نيم خروس

بى خود وبى زره بدر آمد که مرگ را

در پيش خويش مى کشم اينک چه نو عروس

رمى بالدرع حرّ لا يبارى

ومغفره فقد كان الأُسارا

وجاء إلى القتال بغير درع

مجيء الصقر يصطاد الحبارى

فما من حاجة يحميه درع

فلم يضمن له الدرع انتصارا

لأنّ الحرب عرشٌ ليس يهوى

مطالع حسنها إلّا الغيارى

زره انداخت از تن شير افکن

تن خود داد از جرأت بکشتن

شفق كون از غضب روي قمر شد

به اندام برهنه حمله ور شد

ز هر سو همچه شير شرزه مى‌تاخت

سر دست يا ... بر خاک انداخت

أسدٌ لم يرتضِ الدرع إذا

كان للحرب أوار مستعر

صبغ الغيّظ محيا بدره

عندما كالشفق القاني انهمر

حاسراً يفتتح الحرب فما

ظهر الرجس له إلّا اندحر

وهو لم يرفع على كثرته

بحسام ساعداً إلّا انبتر

قلب الحرب على رأس العدى

وغدا الأبطال كالنخل انقعر

آنکه مردن پيش چشمش تهلکه است

نهى لا يلقوا بگيرد او بدست

آنکه مردن شد مرو را فتح باب

شارعوا آمد مرا او را در خطاب

الصلا اى حشر بنيان سارعوا

البلا اى مرگ بنيان سارعوا

__________________

(١) أخذ المؤلّف الشعر الفارسي والأبيات العربيّة لحسّان بن ثابت وما بعدها من الشعر الفارسي من الكنى والألقاب للشيخ عبّاس وما أشار إلى ذلك ، راجع الكنى والألقاب ، ج ١ ص ١٩٧.

٢٤٣
 &

من ظنّ أنّ الموت مهلكة

تنساب لا تلقوا بأنفاسه

من ظنّه خلداً بوارفه

تجلّى على أفراح أعراسه

في سارعوا آماله اتّحدت

وقضيت على آلام وسواسه

لا تذعر الآلام مهجته

أنّى يلوح الذعر في رأسه

*       *      *

لله قوم إذا ما اللّيل جنّهم

قاموا من الفرش للرحمن عبّادا

ويركبون مطايا لا تملّهم

إذا هم بمنادي الصبح قد نادى

إذا هم ما بياض الصبح لاح لهم

قالوا من الشوق ليت الليل قد عادا

هم المطيعون للدنيا لسيّدهم

وفي القيامة سادوا كلّ من سادا

الأرض تبكي عليهم حين تفقدهم

لأنّهم جعلوا للأرض أوتادا

وحمل على قطيع الثعالب كالأسد الجائع الفرثان ، وملأ البيداء بجثث القتلى.

قال الربيع بن تميم : يمين الله لقد رأيته أينما ثنى عنان جواده يطّرد بين يديه من الرجال مأتين ولم يزل على هذا الحال يقاتل حتّى أثخنته الجراح من رضخ الحجارة وطعن الأسنّة ، فوقع واحتزّ الكوفيّون رأسه.

قال ربيع بن تميم : فرأيت رأسه في أيدي الرجال ذوي عدّة ، هذا يقول : أنا قتلته ، وهذا يقول : أنا قتلته ، فأتوا عمر بن سعد ، فقال : لا تختصموا ، هذا لا يقتله سنان واحد ، ففرّق بينهم بهذا القول (١).

كسته القنا حُلّة من دم

فأضحت لرآئيه من أرجوان

جزته معانقة الدارعين

معانقة القاصرات الحسان

__________________

(١) مقتل الحسين ، ص ١٥٥.

٢٤٤
 &

٩٥ ـ عامر بن حسان

نقل صاحب أعيان الشيعة في ج ٤ ص ٢٨٩ عن النجاشي أنّه ذكر في ترجمة حفيده أحمد بن عامر أنّه قُتل مع الحسين عليه‌السلام وهو غير عامر بن مسلم العبدي الآتي فذاك ابن مسلم وهذا ابن حسان ، وذاك عبديّ وهذا طائي (١).

٩٦ ـ عامر بن خليده

ورد اسمه في الزيارة الرجبيّة : « السلام على عامر بن خليد » وفي بعض النسخ بالحاء المهملة.

٩٧ ـ عامر بن مالك

ذكر في الزيارة الرجبيّة فحسب : « السلام على عامر بن مالك » ولم أقف منه ومن سابقه في كتب الرجال على أثر.

٩٨ ـ عامر بن مسلم العبدي

عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين (٢).

وفي زيارة الناحية المقدّسة وكذلك الزيارة الرجبيّة : « السلام على عامر بن مسلم ومولاه سالم » وسبق ذكر له في حرف السين.

قال ابن شهر آشوب في المناقب (٣) وعن الحدائق الورديّة : كان عامر من الشيعة

__________________

(١) أعيان الشيعة ، ج ١ ص ٦١١.

(٢) رجال الطوسي ، ص ١٠٣ وفيه عامر بن مسلم ، مجهول.

(٣) ج ٤ ص ١٢٢.

٢٤٥
 &

في البصرة ، فخرج هو ومولاه مسلم مع يزيد إلى الحسين وانضمّ إليه حتّى وصلوا كربلاء وقد انضمّا إليه من الأبطح وقُتِل عامر بن مسلم في الحملة الأُولى.

وذكر العلّامة السماوي نحواً من ذلك في إبصار العين (١) ، ومثله فعل المامقاني في رجاله ، ونقول : إنّ جدّه حسان بن شريح استشهد مع الإمام في صفّين.

أقول : حسان أبو عامر بن حسان الطائي سابق الذكر وليس عامر بن مسلم ، والله العالم.

وذكره في الناسخ من المقتولين في الحملة الأُولى. وقول الفضل بن العبّاس بن ربيعة في مرثيّته التي يقول فيها :

* ارجعوا عامراً وردّوا زهيراً *

يريد بعامر عامراً هذا ابن مسلم العبدي. ويظهر ممّا ذكرنا أنّ بعض علماء الرجال نسبوا إلى عامر بن مسلم كونه ضعيفاً أو مجهولاً محض غفلة وعدم تبحّرٍ. وأيضاً لا ينبغي أن يشتبه بينه وبين عامر الذي ذكره في إيضاح الاشتباه فقال : من أحفاد عامر بن أحمد عامر المكنّى بأبي الجعد لأنّ هذا عامر بن حسان لا عامر بن مسلم ، قال النجاشي : أدرك الرضا عليه‌السلام أحمد بن عامر بن سليمان بن صالح بن وهب بن عامر الذي قُتل مع الحسين وله مؤلّفات منها كتاب أخبار البصرة ، وكتاب مقتل أمير المؤمنين عليه‌السلام.

٩٩ ـ عباد بن مهاجر الجهني

ذكر الممقاني في رجاله ، والسيّد عبدالمجيد الحائري في ذخيرة الدارين ، والسماوي في إبصار العين ثلاثتهم نقلوا عن الحدائق الورديّة أنّ عباد بن مهاجر

__________________

(١) ص ١١١.

٢٤٦
 &

الجهني كان فيمن تبع الحسين عليه‌السلام من مياه جهينة وقُتل معه في الطّفّ رضي‌الله‌عنه (١).

ولمّا بلغ الحسين عليه‌السلام في مسيره إلى العراق « زبالة » وبلغته أخبار مقتل مسلم وهاني عليهما‌السلام تفرّق عنه الأعراب إلّا عباد بن مهاجر فإنّه أقام معه حتّى استشهد في الحملة الأُولى.

١٠٠ ـ العبّاس بن جعدة

قال حميد بن أحمد في الحدائق الورديّة : من شيعة عليّ عليه‌السلام ، كان قد بايع مسلم وأخذ له البيعة من أهل الكوفة.

قال أبو مخنف : حدّثني يوسف بن بريد عن عبدالله بن حازم قال : أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر إلى ما صار أمر هانئ ، قال : فلمّا ضرب وحبس ركبت فرسي وكنت أوّل أهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر ، فأمرني أن أُنادي في أصحابه وقد ملأ منهم الدور ... فقعد مسلم لعبيدالله بن عمرو بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة ... وعقد لعبّاس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة (٢).

قال الطبري : وقبض محمّد بن الأشعث بعد قتل مسلم وهانئ على العبّاس بن جعدة الجدلي وسلّمه إلى ابن زياد ، فقال له ابن زياد : أنت عبّاس بن جعدة الذي عقد له مسلم راية على ربع المدينة ؟ فقال : نعم أنا هو ، فأمر اللعين عبيدالله بضرب عنقه.

وفي رجال المامقاني ورد ذكره أيضاً بهذا السياق.

__________________

(١) إبصار العين ، ص ١١٥. وجهينة بضمّ الجيم وفتح الهاء وسكون الباء المثنّاة والنون المفتوحة اسم واد فوق ينبع ممّا يلي المدينة ومائها يجري إلى ينبع وتلك المياه حول المدينة يقال : واد الصفراء وهو وادٍ كثير النخل والزرع ومائها عيون كلّها وهي لجهينة والأنصار ولبني فهد. (منه)

(٢) مقتل أبي مخنف ، ص ٤١.

٢٤٧
 &

١٠١ ـ مولانا باب الحوائج أبو الفضل العبّاس عليه‌السلام

ولادته عليه‌السلام :

قال العلّامة الخبير السيّد محسن الأمين في المجالس السنيّة : ولد العبّاس بن أمير المؤمنين عليهما‌السلام سنة ستّ وعشرين من الهجرة وعاش مع أبيه أربعة عشرة سنة وحضر بعض الحروب فلم يأذن له أبوه في النزال ، وقُتل مع أخيه الحسين عليه‌السلام بكربلاء وعمره أربعة وثلاثون سنة (١).

ولد في الرابع من شعبان في مدينة طيبة كما ذكر السيّد عبدالرزّاق الموسوي المقرّم النجفي المعاصر في كتابه « العبّاس » ص ٧٤ وروي ذلك في عدّة كتب رجع السيّد إليها (٢).

والدته الماجدة :

هي أُمّ البنين عليها‌السلام بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر الكلابي.

واستدعى الإمام أخاه عقيلاً لعلمه بأنساب العرب وقال : استطلع لي أحوال العرب وانظر أيّها أشجع لأنّي أُريد مصاهرته ليولد لي ولد شجاع يكون ناصراً لولدي الحسين عليه‌السلام.

قال : بغيتك في أُمّ البنين الكلابيّة ، لأنّ قومها من بين العرب أُسود ضارية شجاعة ، وهم أهل نجدة معروفة لهم عند كافّة العرب ، ولا يوجد فيهم مثلهم ، فقد قال لبيد فيهم بيتاً من الشعر لم ينكره عليه أحد من العرب :

ونحن خير عامر بن صعصعه

الضاربين الهام وسط الجعجعه

__________________

(١) المجالس السنيّة ، ص ١١٠.

(٢) مثل وقايع الأيّام للبيرجندي ، وأنيس الشيعة للسيّد محمّد عبدالحسين الهندي ، والأنوار النعمانيّة والمجدي قمر بني هاشم. (منه)

٢٤٨
 &

ومنهم ملاعب الأسنّة أبو براء الذي ليس له نظير في الشجاعة ، أخيراً تزوّج الإمام أمير المؤمنين أُمّ البنين عليهما‌السلام فاطمة واشتهرت بكنيتها وولدت للإمام أربعة أولاد وهم : العبّاس وعبدالله وجعفر وعثمان ، وبكر أولادها قمر بني هاشم وكانت في المدينة بعد واقعة الطفّ ورجوع السبايا (١).

الكنية :

أشهر كناه أبو الفضل ، وذلك حين أنعم الله عليه بولد سمّاه « الفضل ».

وفي كتاب (العبّاس) سابق الذكر : له كنيتان أُخريان : الأولى أبو قربة وقد نقلها من كتاب مزار السرائر لابن إدريس ومقاتل الطالبيّين لأبي الفرج والأنوار النعمانيّة للسيّد الجزائري وتاريخ الخميس لأبي الحسن الدياربكري. والثانية : « أبو القاسم » وحجّتهم زيارة الأربعين المنقولة عن جابر فقد توجّه إلى قبره وقال : « السلام عليك يا أبا القاسم ، السلام عليك يا عبّاس بن عليّ ... الخ ». ولمّا كان جابر من عيون الصحابة وقد رُبّي في هذا البيت فهو أعلم بوجهها لأنّ العبّاس ليس له ولد اسمه القاسم حتّى يُكنّى به كأبي الفضل ، وما أحسن قول أبي فراس الحمداني في شرح القصيدة :

__________________

(١) وقف كثير من المؤرّخين والرواة عند هذه الروايات الواردة في سيّدتنا أُمّ البنين عليها‌السلام ولم يخرج أحد منهم على نظام الرتابة المتبع في النقل وليتهم أجروا عليها شيئاً من النقد لكي يقفوا على الجانب الصحيح من شخصيّة هذه البطلة الجليلة أُمّ الشهداء ، وأنا أحيل على كتاب العلّامة المحقّق المدقّق الشيخ البيرجندي « الكبريت الأحمر » وقد أعانني الله سبحانه بلطفه فترجمته إلى العربيّة مع التحقيق ، والشيخ رضي الله عنه وأرضاه أنصف الحقّ بكتابه عن سيّدتنا أُمّ البنين وأثبت أنّها صحابيّة وليست أعرابيّة بدويّة كما يرى غالب المؤرّخين ذلك بل هاجرت إلى النبيّ وحضرت مجلسه وصلّت ورائه وروت حديثه وروى عنها أولادها عليهم وعليها أتمّ الصلوات والسلام ؛ فمن أراد المزيد من المعرفة فليرجع إلى ذلك الكتاب ولا يجمد على ما نقله المؤرّخون.

٢٤٩
 &

بذلت أيا عبّاس نفساً نفيسة

لنصر حين عزّ بالنصر من مثل

أبيت التذاذ الماء قبل التذاذه

فحسن فعال المرء فرع عن الأصل

فأنت أخو السبطين في يوم مفخر

وفي يوم بذل الماء أنت أبو الفضل

ألقابه الشريفة :

ذكرنا في تاريخ سامرّاء الجزء الثالث منه فصلاً في ألقاب الإمام عليّ الهادي (النقي) وقلنا : إنّ اللقب تارة يكون سماويّاً مثل بعض ألقاب الأئمّة في خبر « اللوح » ، وتارة يختاره الأبوان لولدهما ، وتارة يكون صاحب اللقب جامعاً للفضائل وحائزاً لمكارم الأخلاق فتشيع له ألقاب على ألسنة الناس. من هذا المنطلق وبما أنّ أبا الفضل عليه‌السلام له جميع مكارم الأخلاق ومستجمع لجميع الفضائل التكوينيّة والتشريعيّة كثرت ألقابه ولكن أشهرها هو (قمر بني هاشم) لأنّ ضياء غرّته تضيء حالك كلّ ظلام ، وجمال صورته وكمال هيئته بلغت حدّاً إلى أنّه متى ما ساير ابن أخيه عليّ الأكبر في دروب المدينة خرج العواتق من خدورهنّ وتشوّف الرجال إليهما ليشاهدوا جمال طلعتي هذين الشّابّين ويستبقوا للفوز بذلك.

ولقبه الآخر : (باب الحوائج) لكثرة قضائه الحاجات وظهور الكرامات منه اشتهر بهذا اللقب على ألسنة العامّة والخاصّة وأفواههم :

كالشمس عبّاس يريهم وجهه

والوفد ينظر باسماً محتاجها

باب الحوائج ما دعته مروعة

في حاجة إلّا ويقضي حاجها

بأبي أبي الفضل الذي من فضله

السامي تعلّمت الورى محتاجها

ولقبه الآخر « الشهيد » وذكر في كتب الأنساب كأبي الحسن العمري في كتابه المجدي ، بعد أن ذكر أولاده عليه‌السلام يقول : هذا آخر نسب بني العبّاس السقّا الشهيد ابن عليّ بن أبي طالب.

٢٥٠
 &

ولقب آخر له « العبد الصالح » فقد جاءت في جملة من زيارته : « السلام عليك أيّها العبد الصالح المطيع لله ولرسوله الخ ».

ولقب آخر هو « السقّا » فقد جلب الماء إلى عيالات الحسين بعد أن منع أهل الكوفة الماء عليهم وسيأتي تفصيله بإذن الله.

ومن ذلك اليوم اشتهر بهذا اللقب وصار يُعرف بالسقّا أو سقاء كربلاء ، وهذا اللقب يشاهد كثيراً في كتب الأنساب والمقاتل مثل عمدة الطالب ومزار سرائر ابن إدريس وتاريخ الخميس ونور الأبصار للشبلنجي والكبريت الأحمر :

هو البحر من أيّ النواحي أتيته

فلجته المعروف والجود ساحله

*       *      *

في كربلا لك عصبة تشكو الظما

من فيض كفّك تستمدّ روائها

وأراك يا ساقي عطاشا كربلا

وأبوك ساقي الحوض تمنع مائها

ومن ألقابه « المستجار (به) » فقد استبعد الشيخ محمّد رضا الأُزري قوله في القصيدة التي نظمها في رثائه : « يومٌ أبو الفضل استجار به الهدى » وخشي أن يردّه الإمام عليه‌السلام فلا يقبله ، فأعرض عن إتمام البيت ، فرأى الإمام الحسين في عالم الرؤيا وهو يقول له : « صحّ ما قلته يا شيخ إنّي استجرت بأخي أبي الفضل ، وأكمل له المصراع بقوله : « والشمس من كدر العجاج لثامها ».

وجملة القول أنّ مولانا أبا الفضل هو قائد الجيش والحامي والفادي والمؤثر الضيغم وكبش الكتيبة وصاحب اللواء ، ظهر الولاية (١) وغيرها ، وهو حاوٍ لها حائز عليها.

__________________

(١) لعلّه يريد بظهر الولاية أنّه ظهر الحسين ، يظهر ذلك من قوله عند مصرعه : « الآن انكسر ظهري ».

٢٥١
 &

شمائله عليه‌السلام :

كان عليه‌السلام وسيماً جسيماً ، يركب الفرس المطهّم ورجلاه يخطّان في الأرض ، ويقال له قمر بني هاشم ، وكان لواء الحسين عليه‌السلام معه.

يقول المرحوم فرهاد ميرزا في القمقام : وكان أبو الفضل وسيماً جميلاً (مديد القامة) يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض ... وكان لصباحة منظره وجمال صورته يُدعى قمر بني هاشم ، وقد مدح العرب جماعة بطول القامة .. الخ (١).

وفي الجلد الثاني من وقائع الأيّام للخياباني التبريزي عن كتاب « مظاهر الأنوار » لميرزا رضا قلي خان المتخلّص بـ « هدايت » : كانت قامة أبي الفضل مديدة ، وعضلاته منفتلة شديدة ، ويقال عنه : إذا ركب الفرس الشديد تصل ركبتاه إلى عرف الفرس ، كان في مظهره يحكي الجلال والجبروت ، ولكنّه يحكي في أخلاقه تواضع العبيد ، وكان في الشجاعة تالي الحسين من أولاد أمير المؤمنين ، وكان قائد الحسين وحامل لوائه.

قطرة من بحر فضائله :

قال العلّامة النوري في المستدرك ج ٢ ص ٦٣٥ في كتاب النكاح عن مجموعة الشهيد : قيل : لمّا كان العبّاس وزينب ولدي عليّ صغيرين ، قال عليّ عليه‌السلام للعبّاس : قل واحد ، فقال : واحد ، فقال له : قل اثنان ، قال : استحي أن أقول باللسان الذي قلت واحد اثنان ، فقبّل عليّ عليه‌السلام عينيه ، ثمّ التفت إلى زينب ، وكانت على يساره والعبّاس عن يمينه ، فقالت : يا أبتاه ، أتحبّنا ؟ قال : نعم يا بنيّ ، أولادنا أكبادنا ، فقالت : يا أبتاه ، حبّان لا يجتمعان في قلب المؤمن : حبّ الله وحبّ الأولاد ، وإن

__________________

(١) القمقام الزخّار ، ترجمة محمّد شعاع فاخر ، ج ٢ ص ١٩.

٢٥٢
 &

كان لا بدّ لنا فالشفقة لنا والحبّ لله خالصاً ؛ فازداد عليّ عليه‌السلام بهما حبّاً (١).

وهذه الرواية رواها الشهيد الثالث في « مجالس المؤمنين » وكذلك فعل سيّدنا المعاصر في كتاب العبّاس ص ٩٢ نقلاً عن مقتل الخوارزمي في الفصل السادس من النسخة الخطّيّة التي استند إليها السيّد ، والآن طبع الكتاب في زماننا الحاضر ولم تمكنّي الفرصة من ملاحظة الفصل السادس منه.

وغاية القول أنّ قمر بني هاشم تالي الحسنين عليهما‌السلام في صلابة الإيمان وشريف الآداب والأخلاق ، وهو الأوّل من أولاد أمير المؤمنين عليه‌السلام بعدهما في جميع الصفات الكماليّة ولم يدانه مخلوق في هذه الصفات ، شهد بذلك العبارات الواردة في زياراته المرويّة ، والأخبار المرويّة عن الإمام زين العابدين والإمام الصادق عليهما‌السلام التي تصفه بكلّ صفات حميدة وأخلاق جميلة المختصّة به دون من عداه من أئمّة الهدى.

__________________

(١) مستدرك الوسائل ، ج ١٥ ص ٢١٥ مؤسسة آل البيت ـ بيروت ، ط ١٤٠٨ ، وكان على شيخنا الجليل أن ينفد هذه الحكاية الباردة ، فينظر في عامي ولادتهما فإنّ سيدتنا زينب ولدت في السنة السادسة للهجرة ، وأبو الفضل في سنة السادسة والعشرين ، فالفارق بينهما عشرون عاماً ، فكيف يقرن بينهما أمير المؤمنين في مجلس واحد ويساوي بينهما في السؤال ؟ إلّا أن يكون لأمير المؤمنين ابنة أُخرى من امرأة ثانية تُدعى زينب لدة أبي الفضل من جانب آخر ، وهل في هذا الجواب فضل يُذكر عندما يكون بمثابة إظهار النقص في كلام الإمام فقد أدركا من الخطاب ما لم يدركه أبوهما ، ولذلك ردّا عليه قوله ، وبماذا يستفيضان عن عدد « اثنان » إذا لم يجز في شريعة التأدّب مع الله قولهما ، وهل سقط هذا العدد لهذا السبب من الحساب ؟ ثمّ عن الحبّ أترى يحرم على المرء أن يحبّ أولاده أنّه يحبّ الله ولا ينبغي أن يتداخل الحبّان ؟ وماذا يقول واضع هذه الحكاية المضحكة المبكية في تصريح النبيّ بحبّه للحسنين وأبيهما وأُمّهما وهو سيّد أهل المعرفة ؟ ألا ينافي حبّ الله ؟ أنا أدعو علمائنا الأحياء حين فاتني دعوة الأموات منهم لتنقية هذه الكتب الشريفة من هذه الروايات الباطلة ، لأنّ الرواية الموضوعة ليس فيها سوى الضرر للمذهب لا سيّما حين يرويها رجال في وزن المحدّث النوري رحمه‌الله.

٢٥٣
 &

(قال الإمام زين العابدين عليه‌السلام) : رحم الله عمّي العبّاس فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه حتّى قطعت يداه ، فأبدله الله بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة ، كما جعل لجعفر بن أبي طالب ، وإنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة.

(وقال الإمام الصادق عليه‌السلام) : كان عمّي العبّاس بن عليّ عليه‌السلام نافذ البصيرة ، صلب الإيمان ، جاهد مع أخيه الحسين وأبلى بلاءاً حسناً ومضى شهيداً (١). (٢)

أحقُ الناس أن يُبكى عليه

فتًى أبكى الحسين بكربلاء

أخوه وابن والده عليّ

أبو الفضل المضرّج بالدّماء

ومن واساه لا يُثنيه شيء

وجاد له على عطش بماء (٣)

وقال الكميت :

وأبو الفضل إنّ ذكرهم الحلو

شفاء النفوس والأسقام

__________________

(١) شهداء أهل البيت لحسين شاكر ، ص ٣٠ ؛ وذخيرة الدارين ، ص ١٢٣ نقلاً عن عمدة الطالب. والمؤلّف ذكر أقوال الإمامين مترجمة ونحن ذكرناهما كما نسبا إليهما.

(٢) وفي زيارة الناحية المقدّسة : « السلام على أبي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين ، والمواسي أخاه بنفسه ، الآخذ لغده من أمسه ، الفادي الواقي له ، الساعي إليه بمائه ، المقطوعة يداه ، لعن الله قاتله يزيد بن ورقاء الجُهَني وحكيم بن الطفيل السنبسي ».

وفي زيارة الرجبيّة : « السلام على العبّاس بن أمير المؤمنين ».

وروى الشيخ الأجل بن قولويه في كامل الزيارة بسند صحيح عن أبي حمزة عن الصادق عليه‌السلام زيارة معروفة للعبّاس عليه‌السلام وفيها كلمات تنبئ عن مقام كريم له مثل قوله : « أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود ... الخ » ، ومثل : « أشهد أنّك لم تَهِنْ ، ولم تَنْكُل ، وأنّك مضيت على بصيرة من أمرك .. الخ » ، وقوله : « فنعم الصابر المجاهد ، المحامي الناصر ، والأخ المدافع عن أخيه ، المجيب إلى طاعة ربّه ، الراغب فيما زهد فيه غيره من الثواب الجزيل .. الخ ». (منه) راجع كامل الزيارات ، ص ٤٤٢.

(٣) نسبها في الأعيان إلى شاعر ، ج ٧ ص ٤٣١.

٢٥٤
 &

قتل الأدعياء إذ قتلوه

أكرم الشاربين صوب الغمام (١)

وذكر العلّامة البيرجندي في الكبريت الأحمر ج ٢ ص ٤٥ أنّ العبّاس كان من أكابر الفقهاء وأفاضل أهل البيت بل إنّه عالم غير متعلّم ، وليس في ذلك منافاة لتعليم أبيه إيّاه.

وقال سيّدنا المعاصر السيّد عبدالرزّاق المقرّم في كتاب « العبّاس » : جاء المأثور من المعصومين أنّ العبّاس بن عليّ زُقّ العلم زقّاً. ثمّ قال : وهذا الكلام من ألطف التشبيهات لأنّه يُستعمل في زقّ الطائر لفرخه عند إطعامه ، ولمّا كان الإمام عارفاً بأساليب استعمال الكلام فقد أراد أن يوحي للسامعين بأنّ ابنه العبّاس رضع في طفولته من ثدي العلم والحكمة ، ورُبِّي في حجرهما ، ونشأ عليهما.

أهله وحرمه :

زوجته السيّدة لبابة بنت عبدالله بن العبّاس بن عبدالمطّلب ، وأُمّها أُمّ حكيم وقد كتبت عنها ترجمة في كتاب « رياحين الشريعة » وهو في تراجم عالمات النساء من الشيعة ، فأولدها قمر بني هاشم ولدين : الأوّل منهما هو الفضل ، والثاني

__________________

(١) مقاتل الطالبيّين ، ص ٥٦.

وروى الصدوق في الخصال بإسناده على عليّ بن الحسين عليهما‌السلام قال : رحم الله عمّي العبّاس فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطِعت يداه فأبدله الله عزّ وجلّ منهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعلا لجعفر بن أبي طالب عليه‌السلام ، وإنّ للعبّاس عند الله منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة. (منه) الخصال ، ص ٦٨.

وروى المجلسي في البحار ، والمامقاني في رجاله ، وصاحب شرح القصيدة لأبي فراس وغيره أنّ العبّاس كان شجاعاً فارساً وسيماً جسيماً جميلاً ، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان الأرض ، وقد كان من فقهاء أولاد الأئمّة. وقال الصادق عليه‌السلام : كان عمّنا العبّاس نافذ البصيرة ، صلب الإيمان ، جاهد مع أخيه الحسين وأبلى بلاءاً حسناً ومضى شهيداً. (منه)

٢٥٥
 &

عبيدالله ، وعقبه من عبيدالله وهذا هو المشهور إلّا أنّ السيّد في كتاب العبّاس قال : لقمر بني هاشم من الولد خسمة بل ستّة : فضل الله ، وعبيدالله وهما من لبابة ، والحسن وأُمّه أُمّ ولد عن معارف ابن قتيبة وحديقة النسب للشيخ الفتوني ، والرابع : القاسم ذكره بعض كتب المقاتل ولم يثبت ، والخامس بنت لم يذكر أحد منهم اسمها ، ونقل ذلك من حدائق الأُنس ، والسادس : محمّد ، وعدّه ابن شهرآشوب من شهداء الطفّ.

ومجمل القول أنّ السيّد المشار إليه تتبّع أولاد العبّاس واحداً بعد الآخر ولا يسعنا تفصيل ذلك هنا.

ومن جملة أحفاد قمر بني هاشم عليه‌السلام « أبو يعلى حمزة بن القاسم بن عليّ بن الحمزة بن الحسن بن عبيدالله بن العبّاس بن أمير المؤمنين » المدفون بالقرب من الحلّة وقد شيّدت على قبره قبّة وهو مزار معروف ، ومن جهة ثانية فإنّه ثقة جليل القدر.

موقفه قبل وقعة الطفّ :

قال العلّامة البيرجندي في الكبريت الأحمر ج ٣ ص ٢٤ : نعم جاء في بعض الكتاب الذي يظهر من صاحبه التتبّع أنّ العبّاس عليه‌السلام كان عضداً وعوناً لأخيه الحسين عليه‌السلام لمّا أزاح معاوية جيش الإمام عن الفرات فحمل الحسين عليه‌السلام بأصحاب الإمام وأزالوا أصحاب معاوية عن مراكزهم.

وروي أنّ في أحد مواقع صفّين وفي يوم من أيّامه شابّاً في الخامسة عشرة أو السابعة عشرة من عسكر أمير المؤمنين خرج متنقّباً يدعو للبراز ، وكان شديد الصدمة ، عظيم الصولة ، ظاهر الشجاعة ، فتحامته الشجعان وتراجعت عنه الأقران ، فاستدعى معاوية شجاعاً مقداماً من عسكره يُدعى أبا الشعثاء ، وقال له : اخرج

٢٥٦
 &

للقاء هذا الحدث ، فقال : يا أمير ، إنّ أهل الشام يعدّونني بعشرة آلاف فارس ولي من الولد سبعة وإنّي مخرج إليه أحدهم ليقتله ، ثمّ أرسل إليه أولاده واحداً واحداً فكان لا يرجع إليه منهم أحد ويرسلهم الشابّ إلى جهنّم وبئس المصير ، وحينئذٍ تقدّم أبو الشعثاء إلى مبارزته وتلقّاه الشابّ بالسيف فما هو بأسرع من أن ألحقه بأولاده في أسفل درك من النار ، فلم يجرأ أحد بعد ذلك على مبارزته ، عند ذلك استدعاه أمير المؤمنين إليه ، فلمّا دنى منه ألقى النقاب عن وجهه وإذا به قمر بني هاشم أبو الفضل العبّاس أرواحنا له الفداء.

ويقول العلّامة المذكور في صدر الخبر : وصحّة هذا الخبر لا تستبعد اذ أنّ الإمام أمير المؤمنين استشهد سنة أربعين من الهجرة وحدثت واقعة الطفّ في سنة واحد وستّين منها وكان أبو الفضل برواية الخوارزمي يوم صفّين رجلاً مكتمل الرجولة ، وبعضهم يراه في الخامسة والعشرين (١).

وظهور مثل هذه الشجاعة من أبي الفضل لا موضع لإنكارها فالقاسم ابن الحسن عليهما‌السلام كان له من العمر ثلاثة عشر عاماً في حرب كربلاء وبعث إلى جهنّم من جيش العدوّ خمساً وثلاثين شخصاً.

ويقول سيّدنا المعاصر في « العبّاس » أنّ الخوارزمي ذكر في مناقبه أنّ رجلاً يُدعى كريب من عسكر معاوية توجّه إلى ميدان القتال وكان من القوّة بحيث لو وضع إبهامه على السكّة لمحاها وقال : ليبرز لي عليّ بن أبي طالب ، وكان قد قتل عدداً من أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فاستدعى الإمام ولده العبّاس وكان تامّاً كاملاً من الرجال ، فأمره بالترجّل وأن يخلع ثياب نفسه ويرتدي ثياب والده

__________________

(١) الكبريت الأحمر ، تعريب وتحقيق محمّد شعاع فاخر ، ج ٢ ص ٣٠١ و ٣٠٢.

٢٥٧
 &

واعتلا غارب جواده ودخل إلى ميدان القتال وبضربة واحدة من حسامه قضى على « كريب » وأوصله إلى جهنّم.

كما أنّ الخوارزمي ذكر نظيراً لهذه الحادثة حادثة أُخرى للعبّاس بن الحارث بن عبدالمطّلب وعلى هذا الأساس يرى إنكار العلّامة النوري لحضور أبي الفضل العبّاس لا محلّ له ، والله العالم.

موقف العبّاس في كربلاء وشهادته :

ذكر أبو مخنف وغيره أنّ ابن زياد لمّا كتب إلى ابن سعد بتعجيل الحرب وقتل الحسين عليه‌السلام إلّا إذا بايع يزيد وأعطى الكتاب إلى شمر ، قام عبدالله بن أبي المحل ابن حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر الوحيدي من مكانه وقال : أيّها الأمير ، إنّ عليّاً ابن أبي طالب تزوّج عمّتي اُمّ البنين وأولدها أربعة أولاد وهم الآن مع أخيهم الحسين فاكتب لهم كتاب أمان ، فقال ابن زياد : نعم وكرامة ، فقام الشمر وصدّق ما قاله ابن أبي المحل لأنّه من قبيلة أُمّ البنين ، فكتب ابن زياد كتاب أمان وأعطاه عبدالله بن أبي المحل ، فأعطى الكتاب إلى مولاه ليحمله إلى كربلاء ، ولمّا دفع الكتاب إلى قمر بني هاشم قال له : أبلغ ابن خالي السلام وقل له : أمان الله خير من أمان ابن سميّة فعاد من فوره وأبلغهم الردّ.

وقال السيّد في اللهوف : وأقبل شمر بن ذي الجوشن لعنه الله فنادى : أين بنو أُختنا ؛ عبّاس وعبدالله وجعفر وعثمان ؟ فقال الحسين عليه‌السلام : أجيبوه وإن كان فاسقاً فإنّه بعض أخوالكم ، فقالوا له : ما شأنك ؟ فقال : يا بني أُختي ، أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد ، قال : فناداه العبّاس بن عليّ عليه‌السلام : تبّت يداك ولعن ما جئتنا به من أمانك ، يا عدوّ الله أتأمرنا أن نترك أخانا وسيّدنا الحسين ابن فاطمة عليها‌السلام وندخل في طاعة اللُّعناء ،

٢٥٨
 &

قال : فرجع الشمر لعنه الله إلى عسكره مغضباً (١).

وقال الشيخ المفيد في الإرشاد : ثمّ نادى عمر بن سعد : يا خيل الله اركبي وأبشري ، فركب الناس ثمّ زحف نحوهم بعد العصر وحسين عليه‌السلام جالس أمام بيته محتب بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه ... وقال له العبّاس بن عليّ رحمة الله عليه : يا أخي ، أتاك القوم ، فنهض ثمّ قال : يا عبّاس ، اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم وتقول لهم : ما لكم وما بدا لكم ؟ وتسألهم عمّا جاء بهم.

فأتاهم العبّاس فقال لهم : ما بدا لكم وما تريدون ؟ قالوا : جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم ، قال : فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبدالله فأعرض عليه ما ذكرتم ، فوقفوا وقالوا : ألقه فأعلمه ، ثمّ ألقنا بما يقول لك ، فانصرف العبّاس راجعاً يركض إلى الحسين عليه‌السلام يخبره الخبر ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفّونهم عن قتال الحسين عليه‌السلام.

فجاء العبّاس إلى الحسين عليه‌السلام فأخبره بما قال القوم ، فقال : ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى الغدوة وتدفعهم عنّا العشيّة لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أنّي قد أُحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه والدعاء والاستغفار ، فمضى العبّاس إلى القوم ورجع من عندهم ومعه رسول من قبل عمر ابن سعد يقول : إنّا قد أجّلناكم إلى غد فإن استسلمتم سرحناكم إلى أميرنا عبيدالله ابن زياد وإن أبيتم فلسنا تاركيكم (٢).

وفي اللهوف أنّهم اختلفوا فقال عمرو بن الحجّاج الزبيدي : والله لو أنّهم من

__________________

(١) اللهوف ، ص ٥٤.

(٢) الإرشاد ، ج ٢ ص ٨٩ و ٩٠ و ٩١.

٢٥٩
 &

الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم فكيف وهم من آل محمّد !! فأجابوهم إلى ذلك (١).

ليلة عاشوراء :

ولمّا تكلّم الإمام الحسين يوم العاشر وخاطب أصحابه وأذن لهم بتركه بالتفصيل الذي مرّ في ترجمة زهير بن القين ، قام قمر بني هاشم فقال : لا أرانا الله ذلك اليوم أبداً.

قال في الناسخ : أوّل من بدأه بالكلام أخوه العبّاس ، فقال : لا والله ، لا نفعل ذلك أبداً ، وكيف يطيب لنا العيش بعدك ، ثمّ تكلّم بقيّة بني هاشم وقالوا : سبحان الله ! ماذا يقول لنا الناس ، وبماذا نجيبهم إن تركنا سيّدنا ومولانا وابن عمّنا ، قد أحاط به العدوّ كلّ يريد قتله ، وتفرّقنا من حوله ، كلّا ، لا نفعل ذلك فإنّه فعل نأنف منه ما لم نبذل في سبيلك النفس والمال والأهل والعيال ، ونلازمك حتّى نقاتل معك عدوّك حتّى تزهق أرواحنا ونذوق ما تذوقه ، ونلاقي ما تلاقيه.

قال الطبري : ولمّا اشتدّ على الحسين وأصحابه العطش دعا العبّاس بن عليّ أخاه فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ، وبعث معهم بعشرين قربة ، فجاؤوا حتّى دنوا من الماء ليلاً استقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي ، فقال عمرو ابن الحجّاج الزبيدي : من الرجل ؟ [ فقال : نافع ] ، فقال : ما جاء بك ؟ قال : جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه ، قال : فاشرب هنيئاً ، قال : لا والله لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن ترى من أصحابه ، فقال : لا سبيل إلى سقي هؤلاء ، إنّما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء.

فلمّا دنى من أصحابه قال لرجاله : املأوا قربكم وثار إليهم عمرو بن الحجّاج

__________________

(١) اللهوف ، ص ٥٤.

٢٦٠