قصص الأنبياء

قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي [ قطب الدين الراوندي ]

قصص الأنبياء

المؤلف:

قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي [ قطب الدين الراوندي ]


المحقق: الميرزا غلامرضا عرفانيان
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: مجمع البحوث الاسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فصل ـ ٢ ـ

٢٨٢ ـ وبالاسناد المذكور ، عن أبي حمزة ، عن الباقر عليه السلام قال : لمّا خرج ملك القبط يريد هدم بيت المقدس اجتمع النّاس إلى حزقيل النّبي ، فشكوا إليه ، فقال : إنّي أُناجي ربّي اللّيلة فناجى ربّه ، فأوحى الله إليه : قد كفيتم وكانوا قد مضوا ، فأوحى الله تعالى إلى ملك الهواء أن امسك عليهم أنفاسهم ، فماتوا كلّهم وأصبح حزقيل عليه السلام فأخبر قومه ، فخرجوا فوجدوهم قد ماتوا (١).

٢٨٣ ـ وعن ابن بابويه ، عن أبيه ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، قال : سأل عبد الأعلى مولى بني سام الصّادق عليه السلام وأنا عنده : حديث يرويه النّاس ، فقال : وما هو ؟ قال : يروون أنّ الله تعالى أوحى إلى حزقيل النّبيّ عليه السلام أن أخبر فلان الملك أنّي متوفيك يوم كذا ، فأتى حزقيل عليه السلام إلى الملك فأخبره بذلك ، قال : فدعا الله وهو على سريره حتّى سقط ما بين الحائط والسّرير ، وقال : يا ربّ أخّرني حتّى يشبّ طفلي وأقضي أمري ، فأوحى الله إلى ذلك النّبيّ أن ائت فلاناً وقل له : إنّي أنسأت في عمره خمس عشرة سنة ، فقال النّبيّ : يا ربّ وعزّتك إنّك تعلم أنّي لم أكذب كذبة قطّ ، فأوحى الله إليه : إنّما أنت عبد مأمور فأبلغه (٢).

_________________________________

(١) بحار الانوار (١٣ / ٣٨٣) ، برقم : (٥) مثلاً عن المحاسن. وفيه بعد قوله ، ربّي اللّيلة : فلمّا جنّه اللّيل ناجى ربّه ... مع فرق جزئيّ آخر إلى قوله : قد ماتوا. وبعده زيادة للخبر عن المحاسن وهي : ودخل حزقيل النّبي العجب فقال في نفسه : ما فضل سليمان النّبي عليّ وقد أُعطيت مثل هذا. قال : فخرجت قرحة على كبده فآذته. فخشع لله وتذلّل وقعد على الرّماد فأوحى الله إليه : أن خذ لبن التّين فحكّه على صدرك من خارج ففعل فسكن عنه ذلك.

(٢) البحار ، الجزء (٣ / ١١٤ ـ ١١٣) ، برقم : (٣٣) والجزء (١٣ / ٣٨٢) ، برقم : (٣). وانت ترى أنّ الحديث من حيث جواب الامام عليه السلام عن سؤال عبد الاعلى مبتور والعجب من العلّامة المجلسي حيث مرّ عليه هذا كالحديث التّالي فنبّه بسقوط ظاهر فيه ولم ينبّه عليه هنا ، اللّهم إلّا أن يجعل سكوت الإِمام تقريراً لكلام السّائل وهذا لا يمكن فانّه سلام الله عليه لا يقرّر الباطل فانّ النّبي ما هو نبيّ لا يردّ الرّسالة أو لا يتوقف فيها بخشية تخلّف الوعد من قبل الله سبحانه فيقول : يا ربّ بعزّتك أنّك تعلم أنّي لم أكذب ألخ إذ هذا كلام من يخاف صدق الانساء المذكور وتحققه ويعلم من سياق الخبر أنّه عاميّ ومفاده كذب والمطمئن به أنّه لو جاء تماماً كاملاً لكان جواب الامام عليه السلام نفي صحته ويأتي في الباب الآتي أنّ شعيا أُمر بابلاغ الإزادة إلى ملك بني إسرائيل في عمره بمدة خمس عشرة سنة بعد إخباره عن الله سبحانه بحلول أجله وأنّه قابضه عن قريب فشعيا ـ على ما نطق به الخبر ـ لم يتوقف في أداء

٢٤١
 &

٢٤٨ ـ وبالإِسناد المذكور ، عن الحسن بن محبوب ، عن عمر بن يزيد عنهما صلوات الله عليهما في قوله تعالى : « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّـهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ » (١) قال : إنّ هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشّام من بني إسرائيل ، وكانوا سبعين ألف بيت ، وكان الطّاعون يقع فيهم في كلّ أوان ، وكانوا إذا أحسّوا به خرج من المدينة الأغنياء وبقي فيها الفقراء لضعفهم ، وكان الموت يكثر في الّذين أقاموا ، ويقلّ في الّذين خرجوا (قال : فأجمعوا على أن يخرجوا جميعاً من ديارهم إذا كان وقت الطّاعون ، فخرجوا بأجمعهم ، فنزلوا على شطّ بحر ، فلمّا وضعوا رحالهم ناداهم الله : موتوا فماتوا جميعاً ، فكنستهم المارّة عن الطّريق فبقوا بذلك ما شاء الله) فصاروا رميماً عظاماً ، فمرّ بهم نبيٌّ من الأنبياء يقال له : حزقيل فرآهم وبكى وقال : يا ربّ لو شئت أحييتهم السّاعة ، فأحياهم الله.

وفي رواية : أنّه تعالى أوحى إليه أن رشّ الماء عليهم ، ففعل فأحياهم الله (٢).

فصل ـ ٣ ـ

٢٨٥ ـ وباسناده عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن موسى ، عن الصّادق عليه السلام قال : كان في زمان بني إسرائيل رجل يسمّى إليا رئيس على أربعمائة من بني إسرائيل ، وكان ملك بني إسرائيل هوى امرأة من قوم يعبدون الأصنام من غير بني إسرائيل فخطبها فقال : على أن أحمل الصّنم فأعبده في بلدتك ، فأبى عليها ، ثمّ عاودها مرّة بعد

_________________________________

الرّسالة خوفاً من أن يُكذّب.

(١) البقرة : ٢٤٣.

(٢) بحار الانوار (١٣ / ٣٨٢) ، برقم : (٤). أقول : قوله : « فصاروا رميماً عظاماً » فيه تقديم وتأخير والأصل فيه : عظاماً رميماً. قال العلّامة المجلسي في ذيل هذا الخبر : بيان : السّقط ظاهر في هذا الخبر ، كما سيظهر من رواية الكافي مع توافق آخر سنديهما. ثم بعد فصل أورد رواية الكافي (ص ٣٨٥ برقم : ٦) وأنت ترى أنّه لا توافق مع آخر سنديهما والمتنان طولاً وقصراً متقابلان (راجع روضة الكافي الخبر المرقم (٢٣٧) ص ١٩٨ ـ ١٩٩) وأمّا دعوى السّقوط فنعم ، ولكن عن أكثر النّسخ ففي نسخة ، ق ٣ جاء المتن تماماً فأخذنا منها المقدار السّاقط عن الأكثر ووضعناه بين الهلالين في المتن الحاضر.

٢٤٢
 &

مرّة ، حتّى صار إلى ما أرادت ، فحوّلها إليه ومعها صنم ، وجاء معها ثمانمائة رجل يعبدونه.

فجاء إليا إلى الملك ، فقال ملّكك الله ومدّ لك في العمر فطغيت وبغيت. فلم يلتفت إليه ، فدعا الله إليا أن لا يسقيهم قطرةً ، فنالهم قحط شديد ثلاث سنين ، حتّى ذبحوا دوابّهم ، فلم يبق لهم من الدّوابّ إلّا برذون يركبه الملك ، وآخر يركبه الوزير ، وكان قد استتر عند الوزير أصحاب إليا يطعمهم في سرب.

فأوحى الله تعالى جلّ ذكره إلى إليا : تعرّض للملك ، فإنّي أريد أن أتوب عليه ، فأتاه فقال : يا إليا ، ما صنعت بنا قتلت بني إسرائيل ، فقال إليا : تطيعني فيما آمرك به ؟ فأخذ عليه العهد ، فأخرج أصحابه وتقرّبوا إلى الله تعالى بثورين ، ثمّ دعا بالمرأة فذبحها وأحرق الصّنم ، وتاب الملك توبة حسنة حتّى لبس الشّعر وأرسل إليه المطر والخصب (١).



_________________________________

(١) بحار الانوار (١٣ / ٣٩٩ ـ ٤٠٠) ، برقم : (٦). والسّرب : الحفرة تحت الأرض.

٢٤٣
 &

الباب السّابع عشر

( في ذكر شعيٰا وأصحاب الأخدود وإلياس واليسع ويونس وأصحاب الكهف والرّقيم )

٢٨٦ ـ وباسناده عن جابر ، عن الباقر عليه السلام قال : قال عليّ عليه السلام أوحى الله تعالى جلّت قدرته إلى شعيا عليه السلام أنّي مهلك من قومك مائة ألف ، أربعين ألفاً من شرارهم ، وستّين ألفاً من خيارهم ، فقال عليه السلام : هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار ؟ فقال : داهنوا أهل المعاصي ، فلم يغضبوا لغضبي (١).

٢٨٧ ـ وبالاسناد المذكور عن وهب بن منبّه ، قال : كان في بني إسرائيل ملك في زمان شعيا وهم متابعون مطيعون لله ، ثمّ إنّهم ابتدعوا البدع ، فأتاهم ملك بابل ، وكان نبيّهم يخبرهم بغضب الله عليهم ، فلمّا نظروا إلى ما لا قبل لهم به من الجنود تابوا وتضرّعوا.

فأوحى الله تعالى إلى شعيا عليه السلام : إنّي قبلت توبتهم لصلاح آبائهم وملكهم كان قرحة بساقه ، وكان عبداً صالحاً ، فأوحى الله تعالى إلى شعيا أن مر ملك بني إسرائيل فليوص وصيّه وليستخلف على بني إسرائيل من أهل بيته ، فإِنّي قابضه يوم كذا فليعهد عهده ، فأخبر شعيا عليه السلام برسالته عزّ وجل.

فلمّا قال له ذلك ، أقبل على التّضرع والدّعاء والبكاء ، فقال : اللّهم ابتدأتني بالخير من أوّل أمري وسبّبته لي وأنت فيما أستقبل رجائي وثقتي ، فلك الحمد بلا عمل صالح سلف منّي وأنت أعلم منّي بنفسي وأسألك أن تؤخّر عنّي الموت ، وتنسأ لي في عمري ، وتستعملني بما تحبّ وترضى.

_________________________________

(١) بحار الانوار (١٤ / ١٦١) ، برقم : (١).

٢٤٤
 &

فأوحى الله تعالى إلى شعيا عليه السلام : إنّي رحمت تضرّعه ، واستجبت دعوته ، وقد زدت في عمره خمس عشرة سنة ، فمره فليداوِ قرحته بماء التّين ، فإنّي قد جعلته شفاءً ممّا هو فيه ، وإنّي قد كفيته وبني إسرائيل مؤونة عدوّهم.

فلمّا أصبحوا وجودا جنود ملك بابل مصروعين في عسكرهم موتى لم يفلت منهم أحد إلّا ملكهم وخمسة نفر ، فلمّا نظروا إلى أصحابهم وما أصابهم كرّوا منهزمين إلى أرض بابل ، وثبت بنو إسرائيل متوازرين على الخير ، فلمّا مات ملكهم ابتدعوا البدع ودعا كلٌّ إلى نفسه وشعيا عليه السلام يأمرهم وينهاهم ، فلا يقبلون حتّى أهلكهم الله (١).

٢٨٨ ـ وعن أنس أنّ عبد الله بن سلام سأل النّبي صلّى الله عليه وآله عن شعيا عليه السلام فقال : هو الّذي بشّر بي وبأخي عيسى بن مريم عليه السلام (٢).

فصل ـ ١ ـ

٢٨٩ ـ وعن ابن بابويه ، حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل ، حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن مالك بن عطيّة ، عن معروف بن خربوذ ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : أخبرنا أبي عليّ بن الحسين عليهما السلام حدّثني جابر بن عبد الله ، قال : سمعت سلمان الفارسي رضي الله عنه يحدّث أنّه كان في ملوك فارس ملك يقال له : روذين جبّار عنيد عات ، فلمّا اشتدّ في ملكه فساده في الأرض ، ابتلاه الله بالصّداع في شقّ رأسه الأيمن حتّى منعه من المطعم والمشرب ، فاستغاث وذلّ ودعا وزراءه ، فشكى إليهم ذلك فأسقوه الأدوية وآيس من سكونه.

فعند ذلك بعث الله نبيّاً فقال له : اذهب إلى روذين عبدي الجبّار في هيئة الأطبّاء وابتدئه بالتّعظيم له والرّفق به ، ومَنَّه سرعة الشّفاء بلا دواءٍ تسقيه ولا كيٍّ تكويه ، وإذا رأيته قد أقبل وجهه إليك ، فقل : إنّ شفاء دائك في دم صبيّ رضيع بين أبويه يذبحانه لك طائعين غير مكرهين ، فتأخذ من دمة ثلاث قطرات فتسعط به في منخرك الأيمن تبرأ من ساعتك ،

_________________________________

(١) بحار الانوار (١٤ / ١٦١ ـ ١٦٢) ، برقم : (٢).

(٢) نفس المصدر ص (١٦٢).

٢٤٥
 &

ففعل النّبي ذلك فقال الملك : ما أعرف في النّاس هذا ، فقال : إن بذلت العطيّة وجدت البغية قال : فبعث الملك بالرّسل في ذلك ، فوجدوا جنيناً بين أبويه محتاجين ، فأرغبهما في العطيّة ، فانطلقا بالصّبي إلى الملك ، فدعا بطاس فضّة وشفرة ، وقال لأمه : امسكي ابنك في حجرك.

فانطق الله الصّبيّ وقال : أيّها الملك كفّهما عن ذبحي فبئس الوالدان هما ، أيّها الملك : إنّ الصّبي الضّعيف إذا ضيم (١) كان أبواه يدفعان عنه ، وأنّ أبويّ ظلماني ، فايّاك أن تعينهما على ظلمي. ففزع الملك فزعاً شديداً ، أذهب عنه الدّاء ، ونام روذين في تلك الحالة ، فرآى في النّوم من يقول له : الإِله الأعظم أنطق الصّبيّ ، ومنعك ومنع أبويه من ذبحه ، وهو ابتلاك الشّقيقة لنزعك من سوء السّيرة في البلاد ، وهو الّذي ردّك إلى الصّحة ، وقد وعظك بما أسمعك. فانتبه ولم يجد وجعاً ، وعلم أنّ كلّه من الله تعالى ، فسار في البلاد بالعدل (٢).

فصل ـ ٢ ـ

٢٩٠ ـ وعن ابن بابويه ، حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه ، عن عمّه محمّد بن القاسم ، حدّثنا محمد بن عليّ الكوفي ، عن أبي جميلة ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إنّ أسقف نجران دخل على أمير المؤمنين عليه السلام فجرى ذكر أصحاب الأخدود ، فقال عليه السلام : بعث الله نبيّاً حبشيّاً إلى قومه وهم حبشة ، فدعاهم إلى الله تعالى ، فكذّبوه وحاربوه وظفروا به وخدّوا أخدوداً ، وجعلوا فيها الحطب والنّار.

فلمّا كان حَرّاً قالوا لمن كان على دين ذلك النّبي عليه السلام : اعتزلوا وإلّا طرحناكم فيها ، فاعتزل قوم كثير ، وقذف فيها خلق كثير ، حتّى وقعت (٣) امرأة ومعها ابن لها من شهرين ، فقيل لها : إمّا أن ترجعي وإمّا أن تقذفي في النّار ، فهمّت أن تطرح نفسها في النّار ، فلمّا رأت ابنها رحمته ، فأنطق الله تعالى الصّبي ، وقال : يا اماه أُلق نفسك وإيّاي في النّار ، فانّ هذا في الله قليل (٤)

_________________________________

(١) في ق ٣ : أضيم. والضّيم بمعنى الظّلم.

(٢) بحار الانوار (١٤ / ٥١٤ ـ ٥١٥) ، برقم : (٣).

(٣) في ق ٣ : أوقعت.

(٤) بحار الانوار (١٤ / ٤٣٩) ، برقم : (٢).

٢٤٦
 &

٢٩١ ـ وتلا عند الصّادق عليه السلام رجل « قتل أصحاب الأخدود » فقال : قتل أصحاب الأخدود.

وسئل أمير المؤمنين عليه اسلام عن المجوس أيّ أحكام تجري فيهم ؟ قال : هم أهل الكتاب كان لهم كتاب ، وكان لهم ملك سكر يوماً ، فوقع على أخته وأمّه ، فلمّا أفاق ندم وشقّ ذلك عليه ، فقال للنّاس : هذا حلال فامتنعوا عليه ، فجعل يقتلهم وحفر لهم الأخدود ويلقيهم فيها (١).

٢٩٢ ـ وعن ابن ماجيلويه ، حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن محمّد بن أورمة ، عن عليّ بن هلال الصّيقل ، عن شريك بن عبد الله ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن الباقر عليه السلام قال : ولّى عمر رجلاً كورة من الشّام ، فافتتحها وإذا أهلها أسلموا ، فبنى لهم مسجداً فسقط ثمّ بنى لهم فسقط ثمّ بناه فسقط.

فكتب إلى عمر بذلك ، فلمّا قرأ الكتاب سأل أصحاب محمّد صلّى الله عليه وآله هل عندكم في هذا علم ؟ قالوا : لا ، فبعث إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام فأقرأه الكتاب فقال : هذا نبيّ كذّبه قومه ، فقتلوه ودفنوه في هذا المسجد ، وهو متشحّط في دمه ، فاكتب إلى صاحبك فلينبشه ، فانّه سيجده طريّاً ليصلّ عليه وليدفنه في موضع كذا ، ثمّ ليبن مسجداً ، فانّه سيقوم ، ففعل ذلك ، ثمّ بنى المسجد فثبت.

وفي رواية : اكتب إلى صاحبك أن يحفر ميمنة أساس المسجد ، فانّه سيصيب فيها رجلاً قاعداً يده على أنفه ووجهه ، فقال عمر : من هو ؟ قال عليّ عليه السلام : فاكتب إلى صاحبك فليعمل ما أمرته ، فان وجده كما وصفت لك أعلمتك إنشاء الله ، فلم يلبث إذ كتب العامل أصبت الرّجل على ما وصفت ، فصنعت الّذي أمرت فثبت البناء ، فقال عمر لعليّ عليه السلام : ما حال هذا الرّجل ؟ فقال : هذا نبيّ أصحاب الأخدود (٢).

_________________________________

(١) نفس المصدر. قال في البحار هنا : بيان : لعلّ الصّادق عليه السلام قرأ « قتل » على بناء المعلوم. فالمراد بأصحاب الأخدود الكفّار كما هو أحد احتمالي القراءة المشهورة ولم ينقل في الشّواذ. أقول : يحتمل عكس ما احتمله كما يحتمل التّأكيد وهذا أقوى فانّ الآية في البروج : (٤) في مقام الدّعاء عليهم.

(٢) بحار الانوار (١٤ / ٤٤٠) ، برقم : (٣ و ٤). واثبات الهداة (٢ / ٣٦٤) ، برقم : (٢١٤) من الباب (١١) الفصل (٢١).

٢٤٧
 &

وقصّتهم معروفة في تفسير القرآن (١).

فصل ـ ٣ ـ

٢٩٣ ـ وعن ابن بابويه ، حدّثنا ابوعبد الله محمّد بن شاذان بن أحمد بن عثمان البرواذي ، حدّثنا ابوعلي محمّد بن محمّد بن الحارث بن سفيان الحافظ السّمرقندي ، حدّثنا صالح بن سعيد التّرمذي ، عن منعم بن إدريس ، عن وهب بن منبّه ، عن ابن عباس (رض) قال : إنّ يوشع بن نون بوّأ بني إسرائيل الشّام بعد موسى عليه السلام وقسّمها بينهم ، فصار منهم سبط ببعلبك بأرضها ، وهو السّبط الّذي منه إلياس النّبي عليه السلام فبعثه الله إليهم وعليهم يومئذ ملك فتنهم بعبادة صنم يقال له : بعل ، وذلك قوله تعالى : « وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّـهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ » (٢) وكان للملك زوجة فاجرة يستخلفها إذا غاب فتقضي بين النّاس ، وكان لها كاتب حكيم قد خلص من يدها ثلاثمائة مؤمن كانت تريد قتلهم ، ولم يعلم على وجه الأرض أنثى أزنا منها ، وقد تزوّجت سبعة ملوك من بني إسرائيل حتّى ولدت تسعين ولداً سوى ولد ولدها.

وكان لزوجها جار صالح من بني إسرائيل وكان له بستان يعيش به إلى جانب قصر الملك ، وكان الملك يكرمه ، فسافر مرّة ، فاغتنمت امرأته وقتلت العبد الصّالح ، وأخذت بستانه غصباً من أهله وولده وكان ذلك سبب سخط الله عليهم ، فلمّا قدم زوجها أخبرته الخبر ، فقال لها : ما أصبت.

فبعث الله إلياس النّبي عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله ، فكذّبوه وطردوه وأهانوه وأخافوه ، وصبر عليهم واحتمل أذاهم ، ودعاهم إلى الله تعالى فلم يزدهم إلّا طغياناً ، فآلى الله على نفسه أن يهلك الملك والزّانية إن لم يتوبوا إليه ، وأخبرهما بذلك ، فاشتدّ غضبهم (٣)

_________________________________

(١) هذا من كلام الشّيخ الرّاوندي فإن كان مراده الارجاع إلى تفسير نفسه فلم يصل إلينا ومن الأحسن الارجاع إلى مجمع البيان (١٠ / ٤٦٤ ـ ٤٦٦).

(٢) سورة الصّافات : (١٢٣ ـ ١٢٧).

(٣) في ق ١ : غضبهما.

٢٤٨
 &

عليه وهمّوا بتعذيبه وقتله ، فهرب منهم ، فلحق بأصعب جبل ، فبقي فيه وحده سبع سنين ، يأكل من نبات الأرض وثمار الشّجر ، والله يخفي مكانه.

فأمرض الله ابنا للملك مرضاً شديداً حتّى يئس منه ، وكان أعزّ ولده عليه ، فاستشفعوا إلى عبدة الصّنم ليستشفعوا له فلم ينفع ، فبعثوا النّاس إلى حدّ الجبل الّذي فيه إلياس عليه السلام وكانوا يقولون : اهبط إلينا واشفع لنا ، فنزل إلياس من الجبل.

وقال : إنّ الله أرسلني إليكم وإلى من وراءكم ، فاسمعوا رسالة ربّكم يقول الله : ارجعوا الى الملك ، فقولوا له : إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا إله بني إسرائيل الّذي خلقهم ، وأنا الذي أرزقهم وأُحييهم وأُميتهم وأضرّهم وأنفعهم ، وتطلب الشّفاء لابنك من غيري ، فلمّا صاروا إلى الملك وقصّوا عليه القصّة امتلأ غيظاً.

فقال : ما الّذي منعكم أن تبطشوا به ؟ حين لقيتموه وتوثقوه وتأتوني به فانّه عدوّي ، قالوا : لمّا صار معنا قذف في قلوبنا الرّعب عنه ، فندب خمسين من قومه من ذوي البطش وأوصاهم بالاحتيال له وإطماعه في أنّهم آمنوا به ليفترّ بهم فيمكّنهم من نفسه.

فانطلقوا حتّى ارتقوا ذلك الجبل الّذي فيه إلياس عليه السلام ثمّ تفرّقوا فيه ، وهم ينادونه بأعلى صوتهم ، ويقولون : يا نبيّ الله ابرز لنا ، فانّا آمنّا بك ، فلمّا سمع إلياس مقالتهم طمع في إيمانهم وكان (١) في مغار ، فقال : اللّهمّ إن كانوا صادقين فيما يقولون فأذن لي في النّزول إليهم ، وان كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم ، فما استتمّ قوله حتّى حصبوا بالنّار من فوقهم فاحترقوا.

فبلغ الملك خبرهم ، فاشتدّ غيظه ، فانتدب كاتب امرأته المؤمن وبعث معه جماعة إلى الجبل ، وقال له : قد آن أن أتوب ، فانطلق لنا إليه حتّى يرجع إلينا يأمرنا وينهانا بما يرضى ربّنا وأمر قومه فاعتزلوا الأصنام.

فانطلق كاتبها والفئة الّذين أنفذهم معه حتّى علا إلى الجبل الّذي فيه إلياس ، ثمّ ناداه فعرف إلياس صوته ، فأوحى الله تعالى إليه أن ابرز إلى أخيك الصّالح وصافحه وحيّه ، فقال المؤمن : بعثني إليك هذا الطّاغي وقومه وقصّ عليه ما قالوا.

_________________________________

(١) كذا في ق ١ ، وفي بقيّة النّسخ : فكان.

٢٤٩
 &

ثمّ قال : وإنّي لخائف إن رجعت إليه ولست معي أن يقتلني ، فأوحى الله تعالى إلى إلياس عليه السلام : أنّ كلّ شيء جاءك منهم خداع ليظفروا بك وأنّي أشغله عن هذا المؤمن بأن اُميت ابنه فلمّا قدموا عليه شدّد الله الوجع على ابنه ، وأخذ الموت يكظمه (١) ، ورجع إلياس سالماً إلى مكانه فلمّا ذهب الجزع عن الملك بعد مدّة سأل الكاتب عن الّذي جاء به فقال : ليس لي به علم.

ثمّ إنّ إلياس عليه السلام نزل واستخفي عند أمّ يونس بن متى ستّة أشهر ويونس عليه السلام مولود ثمّ عاد إلى مكانه فلم يلبث إلّا يسيراً حتّى مات ابنها حين فطمته فعظمت مصيبتها فخرجت في طلب إلياس ورقت الجبال حتّى وجدت إلياس فقالت : إنّي فجعت بموت ابني وألهمني الله تعالى عزّ وجلّ الاستشفاع بك إليه ليحيي لي ابني ، فانّي تركته بحاله ولم أدفنه وأخفيت مكانه فقال لها : ومتى مات ابنكِ قالت : اليوم سبعة أيّام.

فانطلق إلياس وصار سبعة أيّام أخرى حتّى انتهى إلى منزلها ، فرفع يديه بالدّعاء واجتهد حتّى أحيى الله تعالى جلّت عظمته بقدرته يونس عليه السلام ، فلمّا عاش انصرف إلياس ، ولمّا صار ابن أربعين سنة أرسله الله تعالى إلى قومه ، كما قال : « وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ » (٢).

ثم أوحى الله تعالى إلى إلياس بعد سبع سنين من يوم أحيى الله يونس عليه السلام : سلني أعطك ، فقال : تميتني فتلحقني بآبائي ، فانّي قد مللت بني إسرائيل وأبغضتهم فيك ، فقال تعالى جلّت قدرته : ما هذا باليوم الّذي أعري منك الأرض وأهلها ، وإنّما قوامها بك ، ولكن سلني أعطك ، فقال الياس : فأعطني ثاري من الّذين أبغضوني فيك ، فلا تمطر عليهم سبع سنين قطرةً إلّا بشفاعتي ، فاشتدّ على بني إسرائيل الجوع ، وألحّ عليهم البلاء ، وأسرع الموت فيهم ، وعلموا أنّ ذلك من دعوة إلياس ، ففزعوا إليه وقالوا : نحن طوع يدك ، فهبط إلياس معهم ومعه تلميذ له اليسع وجاء إلى الملك فقال : أفنيت بني إسرائيل بالقحط ، فقال : قتلهم الّذي أغواهم ، فقال : ادع ربّك يسقهم.

_________________________________

(١) أي : يأخذ مخرج نفسه.

(٢) سورة الصّافات : (١٤٧).

٢٥٠
 &

فلمّا جنّ اللّيل قام إلياس عليه السلام ودعا الله ، ثمّ قال لليسع : انظر في أكناف السّماء ماذا ترى ؟ فنظر ، فقال : أرى سحابةً ، فقال : أبشروا بالسّقاء ، فيحرزوا أنفسهم وأمتعتهم من الغرق ، فأمطر الله عليهم السّماء وأنبت لهم الأرض ، فقام إلياس بين أظهرهم وهم صالحون.

ثمّ أدركهم الطّغيان والبطر ، فحجدوا حقّه وتمرّدوا ، فسلّط الله تعالى عليهم عدوّاً قصدهم ولم يشعروا به حتّى رهقهم (١) فقتل الملك وزوجته وألقاهما في بستان الّذي قتلته زوجة الملك ، ثمّ وصّى إلياس إلى اليسع وأنبت الله لإِلياس الرّيش (٢) وألبسه النّور ورفعه إلى السّماء وقذف بكسائه من الجّو على اليسع ، فنبّاه الله على بني إسرائيل ، وأوحى إليه وأيّده ، فكان بنو إسرائيل يعظّمونه ويهتدون بِهُداه (٣).

فصل ـ ٤ ـ

٢٩٤ ـ وبالاسناد المتقدّم عن الحسن بن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن أبي عبيدة الحذّاء ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : وجدنا في بعض كتب عليّ عليه السلام أنّه قال : حدّثني رسول الله صلى الله عليه وآله أنّ جبرئيل عليه السلام حدّثه أنّ يونس بن متى بعثه الله تعالى إلى قومه ، وهو ابن ثلاثين سنة ، وأنّه أقام فيهم يدعوهم إلى الله تعالى فلم يؤمن به إلّا رجلان.

أحدهما روبيل وكان من أهل بيت العلم والحلم ، وكان قديم الصّحبة ليونس عليه السلام قبل أن يبعثه الله بالنّبوة ، وكان صاحب غنم يرعاها ويتقوّت منها.

والثّاني ـ تنوخا : رجلٌ عابد زاهد ليس له علم ولا حكمة ، وكان يحتطب ويأكل من كسبه ، فلمّا رآى يونس أنّ قومه لا يجيبونه ، وخاف أن يقتلوه ، شكى ذلك إلى ربّه تعالى.

فأوصى الله تعالى إليه : أنّ فيهم الحبلى والجنين والطّفل الصّغير والشّيخ الكبير والمرأة الضّعيفة ، أحبّ أن أرفق بهم وأنتظر توبتهم ، كهيئة الطّبيب المداوي العالم بمداواة الدّاء ، فانّي أنزل العذاب يوم الأربعاء في وسط شوّال بعد طلوع الشّمس.

_________________________________

(١) أي : حملهم على مالا يطيقون.

(٢) أي : اللّباس الفاخر.

(٣) بحار الانوار (١٣ / ٣٩٣ ـ ٣٩٦) ، برقم : (٢).

٢٥١
 &

فأخبر يونس عليه السلام تنوخا العابد به وروبيل ليعلماهم ، فقال تنوخا : أرى لكم أن تعزلوا الأطفال عن الأمّهات في أسفل الجبل في طريق الأدوية ، فاذا رأيتم ريحاً صفراء أقبلت من المشرق ، فعجّوا بالصّراخ والتّوبة إلى الله تعالى جلّت قدرته بالاستغفار ، وارفعوا رؤوسكم إلى السّماء ، وقولوا : ربّنا ظلمنا أنفسنا فاقبل توبتنا.

ولا تَمُلُّن (١) من التّضرّع إلى الله جلّت عظمته والبكاء حتّى تتوارى الشّمس بالحجاب ويكشف الله عنكم العذاب ، ففعلوا ذلك فتاب عليهم ولم يكن الله اشترط على يونس أنّه يهلكهم بالعذاب إذا أنزله.

فأوحى الله جلّ جلاله إلى إسرافيل : أن اصرف عنهم ما قد نزل بهم من العذاب ، فهبط إسرافيل عليهم ، فنشر أجنحته فاستاق (٢) بها العذاب حتّى ضرب بها الجبال الّتي بناحية الموصل ، فصارت حديداً إلى يوم القيامة ، فلمّا رآى قوم يونس أنّ العذاب صرف عنهم حمدوا الله وهبطوا إلى منازلهم وضمّوا إليهم نساءهم وأولادهم.

وغاب يونس عليه السلام عن قومه ثمانية وعشرين يوماً ، سبعة في ذهابه ، وسبعة في بطن الحوت ، وسبعة بالعراء ، وسبعة في رجوعه إلى قومه ، فأتاهم فآمنوا به وصدّقوه واتّبعوه عليه السلام (٣).

فصل ـ ٥ ـ

٢٩٥ ـ وباسناده عن ابن أرومة ، عن الحسن بن عليّ بن محمّد ، عن رجل ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : خرج يونس عليه السلام مغاضباً من قومه لما رأى من معاصيهم ، حتّى ركب مع قوم في سفينة في اليمّ ، فعرض لهم حوت ليغرقهم ، فساهموا ثلاث مرّات ، فقال يونس : إيّاي أراد ، فاقذفوني ، فلمّا أخذت السّمكة يونس عليه السلام أوحى الله تعالى إليها : إنّي لم أجعله لك رزقاً ، فلا تكسري له عظماً ولا تأكلي له لحماً.

_________________________________

(١) ولا تملّوا : البحار وق ١.

(٢) وفي النّسخ الخطيّة : فاستلقى. وهو غلطٌ والصّحيح ما وضعناه في المتن عن البحار. أي دفع باجنحته العذاب إلى الخلف. عكس : جرّه بها.

(٣) بحار الانوار (١٤ / ٣٩٩) مثله باختصار عن تفسير العيّاشي مطوّلاً ومفصّلاً.

٢٥٢
 &

قال : فطافت به البحار : « فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » (١) وقال : لمّا صارت السّمكة في البحر الّذي فيه قارون سمع قارون صوتاً لم يسمعه ، فقال للملك الموكّل به : ما هذا الصّوت قال : هو يونس النّبي عليه السلام في بطن الحوت ، قال : فتأذن لي أن أكلّمه ، قال : نعم ، قال : يا يونس ما فعل هارون ؟ قال : مات فبكى قارون ، قال : ما فعل موسى ؟ قال : مات فبكى قارون ، فأوحى الله جلّت عظمته إلى الملك الموكّل به أن خفّف العذاب عن قارون لرقّته على قرابته.

وفي خبر آخر : ارفع عنه العذاب بقيّة أيّام الدّنيا ، لرقّته على قرابته.

وفي هذا الخبر شيءٌ يحتاج إلى تأويل.

ثم قال ابوعبد الله عليه السلام : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله يقول : ما ينبغي لأحد أن يقول : أنا خيرٌ من يونس بن متى عليه السلام (٢).

فصل ـ ٦ ـ

٢٩٦ ـ وبالاسناد المذكور عن ابن أورمة ، عن الحسن بن محمّد الحضرمي ، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي ، عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر أصحاب الكهف ، فقال : لو كلّفكم قومكم ما كلّفهم قومهم : فافعلوا فعلهم. فقيل له : وما كلّفهم قومهم ؟ قال : كلّفوهم الشّرك بالله ، فأظهروه لهم وأسرّوا الإِيمان حتّى جاءهم الفرج وقال : إنّ أصحاب الكهف كذبوا فآجرهم الله وصدقوا فآجرهم الله. وقال : كانوا صيارفة كلام ولم يكونوا صيارفة الدّارهم.

وقال : خرج أصحاب الكهف على غير ميعاد ، فلمّا صاروا في الصّحراء أخذ هذا على هذا وهذا على هذا العهد والميثاق ، ثمّ قال : إظهروا أمركم فأظهروه ، فاذاهم على أمرٍ واحد.

_________________________________

(١) سورة الانبياء : (٨٧).

(٢) بحار الانوار (١٤ / ٣٩١ ـ ٣٩٢) ، برقم : (١١). هكذا سياق الخبر وتركيبه في جميع النّسخ ولكنّ الظّاهر أنّ قوله : وفي هذا الخبر شيء يحتاج إلى تأويل ، مربوط بما يعده أي مرتبط بقول النّبي : ما ينبغي لأحد ... فكان موضعه بعد انتهاء الخبر فغيّر عن موضعه من قبل مستنسخ غير مطّلع وكونه من كلام الشّيخ الرّاوندي ايضاً غير معلوم ولذا ضرب عنه صفحاً في البحار وإنّما فسّر كلامه صلّى الله عليه وآله بما يصحّ تفسيره وتأويله به. راجعه واغتنم.

٢٥٣
 &

وقال : إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإِيمان وأظهروا الكفر ، فكانوا على إظهارهم الكفر أعظم أجراً منهم على إسرارهم الإِيمان.

وقال : ما بلغت تقيّة أحد ما بلغت تقيّة أصحاب الكهف وإن كانوا ليشدّون الزّنانير ويشهدون الأعياد ، فأعطاهم الله أجرهم مرّتين (١).

٢٩٧ ـ وعن ابن أورمة ، عن الحسن بن عليّ ، عن ابراهيم بن محمّد ، عن محمّد بن مروان ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إنّ اصحاب الكهف كذبوا الملك فاُجروا ، وصدقوا فأجروا (٢).

٢٩٨ ـ وعن ابن أورمة ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى : « أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا » (٣) قال : هم قوم فقدوا فكتب ملك ذلك الزّمان أسماءهم وأسماء آبائهم وعشايرهم في صحف من رصاص (٤).

فصل ـ ٧ ـ

٢٩٩ ـ وعن ابن بابويه ، حدّثنا أبي ، حدّثنا سعد بن عبد الله ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن القاسم بن يحيى ، عن جدّه الحسن بن راشد ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : صلّى النبيّ صلّى الله عليه وآله ذات ليلة ، ثمّ توجّه إلى البنية (٥) ، فدعا أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً عليه السلام فقال : امضوا حتّى تأتوا أصحاب الكهف وتقرؤهم منّي السّلام ، وتقدّم أنت يا أبا بكر فانّك أسنّ القوم ، ثمّ أنت يا عمر ، ثمّ أنت يا عثمان ، فان أجابوا واحداً منكم ، والّا فتقدّم أنت يا عليّ كن آخرهم ، ثمّ أمر الرّيح فحملتهم حتّى وضعتهم على باب الكهف ، فتقدّم ابوبكر فسلّم فلم يردّوا عليه فتنحّى ، فتقدّم عمر فسلّم

_________________________________

(١) بحار الانوار (١٤ / ٤٢٥ ـ ٤٢٦) ، برقم : (٥).

(٢) بحار الانوار (١٤ / ٤٢٦) ، برقم : (٦).

(٣) سورة الكهف : (٩).

(٤) بحار الانوار (١٤ / ٤٢٦) ، برقم : (٧).

(٥) في البحار : إلى البقيع. وفي إثبات الهداة : إلى الثّنيّة.

٢٥٤
 &

فلم يردّوا عليه ، وتقدّم عثمان فسلّم فلم يردّوا عليه.

فتقدّم عليّ عليه السلام وقال : السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل الكهف الّذين آمنوا بربّهم وزادهم هدى وربط على قلوبهم ، أنا رسول رسول الله إليكم فقالوا : مرحباً برسول الله وبرسوله ، وعليك السّلام يا وصيّ رسول الله ورحمة الله وبركاته.

قال : فكيف علمتم أنّي وصيّ النّبي صلّى الله عليه وآله ؟ فقالوا : إنّه ضرب على آذاننا أن لا نكلّم إلّا نبيّاً أو وصيّ نبيّ ، فكيف تركت رسول الله صلّى الله عليه وآله وكيف حشمه وكيف حاله ؟ وبالغوا في السّؤال ، وقالوا : خبّر أصحابك هؤلاء إنّا لا نكلّم إلّا نبيّاً ، أو وصيّ نبيّ ، فقال لهم : أسمعتم ما يقولون ؟ قالوا : نعم ، قال : فاشهدوا ثمّ حوّلوا وجوههم قبل المدينة فحملتهم الرّيح حتّى وضعتهم بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله فأخبروه بالذّي كان.

فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه وآله : قد رأيتم وسمعتم فاشهدوا ، قالوا : نعم فانصرف النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى منزله ، وقال لهم : احفظوا شهادتكم (١).

فصل ـ ٨ ـ

٣٠٠ ـ وعن ابن بابويه ، حدّثنا ابوعلي محمّد بن يوسف بن عليّ المذكّر ، حدّثنا ابوعلي الحسن بن علي بن نصر الطّرسوسي ، حدّثنا ابوالحسن بن قرعة القاضي بالبصرة ، حدّثنا زياد بن عبد الله البكّائي ، حدّثنا محمّد بن إسحاق ، حدّثنا إسحاق بن يسار ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس (رض) قال : لمّا كان في عهد خلافة عمر أتاه قوم من أحبار اليهود ، فسألوه عن أقفال السماوات ما هي ؟ وعن مفاتيح السّماوات ما هي ؟ وعن قبر سار بصاحبه ما هو ؟ وعمّن أنذر قومه ليس من الجنّ ولا من الإنس ، وعن خمسة أشياء مشت على وجه الأرض لم يخلقوا في الأرحام ، وما يقول الدّراج في صياحه وما يقول الدّيك والفرس والحمار والضّفدع والقنبر ، فنكس عمر رأسه.

فقال : يا أبا الحسن ما أرى جوابهم إلّا عندك ، فقال لهم عليّ عليه السلام : إنّ لي

_________________________________

(١) بحار الانوار (١٤ / ٤٢٠ ـ ٤٢١) ، برقم : (٢) واثبات الهداة (٢ / ١٣٠) ، برقم : (٥٦٤).

٢٥٥
 &

عليكم شريطة إذا أنا أخبرتكم بما في التّوراة دخلتم في ديننا ؟ قالوا : نعم.

فقال عليه السلام : أمّا أقفال السماوات فهو الشّرك بالله ، فانّ العبد والأمة إذا كانا مشركين ما يرفع لهما إلى الله سبحانه عملٌ. فقالوا : ما مفاتيحها ؟ فقال عليّ عليه السلام : شهادة أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله.

فقالوا : أخبرنا عن قبر سار بصاحبه قال : ذاك الحوت حين ابتلع يونس عليه السلام فدار به في البحار السّبعة.

فقالوا : أخبرنا عمّن أنذر قومه لا من الجنّ ولا من الإنس ، قال : تلك نملة سليمان إذ قالت : « يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ » (١).

قالوا : فأخبرنا عن خمسة أشياء مشت على الأرض ما خلقوا في الأرحام. قال : ذاك آدم وحوّا وناقة صالح وكبش إبراهيم وعصا موسى عليهم السّلام.

قالوا : فأخبرنا ما تقول هذه الحيوانات ؟ قال : الدّراج يقول : « الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ » (٢) والدّيك يقول : اذكروا الله يا غافلين. والفرس يقول : اللّهمّ انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين. والحمار يلعن العشّار وينهق في عين الشّيطان. والضّفدع يقول : سبحان ربّي المعبود المسبَّح في لجج البحار. والقنبر يقول : اللّهمّ العن مبغضي محمّد وآل محمّد.

قال : وكانت الأحبار ثلاثة ، فوثب اثنان وقالا : نشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله.

قال : فوقف الحبر الآخر ، وقال يا عليّ لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوب أصحابي ، ولكن بقيت خصلة واحدة أسألك عنها ، فقال عليّ عليه السلام : سل ، قال : أخبرني عن قوم كانوا في أوّل الزّمان ، فماتوا ثلاثمائة وتسع سنين ، ثمّ أحياهم الله ما كان قصّتهم ؟ فابتدأ عليٌّ وأراد أن يقرأ سورة الكهف ، فقال الحبر : ما أكثر ما سمعنا قرآنكم ، فان كنت عالماً فأخبرنا بقصّة هؤلاء وبأسمائهم وعددهم واسم كلبهم واسم كهفهم واسم ملكهم واسم مدينتهم.

_________________________________

(١) سورة النّمل : (١٨).

(٢) سورة طه : (٥).

٢٥٦
 &

فقال عليّ عليه السلام : لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم ، يا أخا اليهود حدّثني محمّد صلّى الله عليه وآله أنّه كان بأرض الرّوم مدينة يقال لها : اُفسوس (١) ، وكان لها ملك صالحٌ ، فمات ملكهم ، فاختلفت كلمتهم ، فسمع ملك من ملوك فارس يقال له : دقيانوس (٢) فسار في مائة ألف حتّى دخل مدينة أفسوس ، فاتّخذها دار مملكته واتّخذ فيها قصراً طوله فرسخ في فرسخ ، واتّخذ في ذلك القصر مجلساً طوله ألف ذراع في عرض مثل ذلك من الزّجاج المًمَرَّد ، واتّخذ في ذلك المجلس أربعة آلاف أسطوانة من ذهب ، واتّخذ ألف قنديل من ذهب لها سلاسل من اللّجين تسرج بأطيب الأدهان ، واتّخذ في شرقي المجلس ثمانين كُوّة ، وكانت الشّمس إذا طلعت طلعت في المجلس كيف ما دارت ، واتّخذ فيه سريراً من ذهب له قوائم من فضّة مرصّعة بالجواهر وعلاه بالنّمارق ، واتّخذ من يمين السّرير ثمانين كرسيّاً من الذّهب مرصّعة بالزّبرجد الأخضر فأجلس عليها بطارقته ، واتّخذ عن يسار السّرير ثمانين كرسيّاً من الفضّة مرصّعة بالياقوت الأحمر فأجلس عليها هراقلته ثمّ قعد على السّرير فوضع التّاج على رأسه.

فوثب اليهوديّ ، فقال يا عليّ : ممّ كان تاجه ؟ قال : من الذّهب المشبّك ، له سبعة أركان ، على كلّ ركن لؤلؤة بيضاء كضوء المصباح في اللّيلة الظّلماء ، واتّخذ خمسين غلاماً من أولاد الهراقلة ، فقرطقهم بقراطق الدّيباج الأحمر ، وسرولهم بسراويلات الحرير الأخضر ، وتوّجهم ، ودملجهم ، وخلخلهم ، وأعطاهم أعمدة من الذّهب ، وأوقفهم على رأسه ، واتّخذ ستّة غلمة وزراءه ، فأقام ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن يساره.

فقال اليهودي : ما كان اسم الثّلاثة والثّلاثة ، فقال عليّ عليه السلام : الّذين عن يمينه أسماؤهم : تمليخا ، ومكسلمينا ، ومنشيلينا (٣) ، وأما الّذين عن يساره ، فأسماؤهم : مرنوس ، وديرنوس ، وشاذريوس. وكان يستشريهم في جميع أموره.

وكان يجلس في كلّ يوم في صحن داره والبطارقة عن يمينه والهراقلة عن يساره ، ويدخل ثلاثة غلمة في يد أحدهم جام من ذهب مملوّ من المسك المسحوق ، وفي يد الآخر جام من

_________________________________

(١) في ق ٢ وق ٣ والبحار : أقسوس.

(٢) في ق ٢ و ٣ والبحار عن نسخة : دقيوس.

(٣) في البحار : وميشيلينا.

٢٥٧
 &

فضّة مملوّ من ماء الورد ، وفي يد الآخر طائر أبيض له منقار أحمر ، فاذا نظر الملك إلى ذلك الطّائر صفر به ، فيطير الطّائر حتّى يقع في جام ماء الورد فيتمرّغ فيه ، فيحمل ما في الجام بريشه وجناحه ، ثمّ يصفر به الثّانية ، فيطير الطّائر على تاج الملك ، فينفض ما في ريشه على رأس الملك.

فلمّا نظر الملك إلى ذلك عتا وتجبّر فادّعى الرّبوبيّة من دون الله ، ودعا إلى ذلك وجوه قومه ، فكلّ من أطاعه على ذلك أعطاه وحباه وكساه ، وكلّ من لم يبايعه قتله فاستجابوا له رأساً ، واتّخذ لهم عيداً في كلّ سنة مرّة.

فبينما هم ذات يوم في عيد ، والبطارقة عن يمينه ، والهراقلة عن يساره ، إذ أتاه بطريق ، فأخبره أنّ عساكر الفرس قد غشيته فاغتم لذلك حتّى سقط التّاج عن ناصيته (١) ، فنظر إليه أحد الثّلاثة الّذين كانوا عن يمينه يقال له : تمليخا وكان غلاماً ، فقال في نفسه : لو كان دقيوس إلهاً كما يزعم إذاً ما كان يغتم ولا يفزع وما كان يبول ولا يتغوّط وما كان ينام ، وليس هذا من فعل الإِله.

قال : وكان الفتية السّتة كلّ يوم عند أحدهم وكانوا ذلك اليوم عند تمليخا ، فاتّخذ لهم من أطيب الطّعام ، ثمّ قال لهم : يا إخوتاه (٢) قد وقع في قلبي شيءٌ منعني الطّعام والشّراب والمنام ، قالوا : وما ذاك يا تمليخا ؟ قال : أطلت فكري في هذه السّماء ، فقلت : من رفع سقفها محفوظاً بلا عمد ولا علاقة من فوقها ؟ ومن أجرى فيها شمساً وقمراً آيتان مبصرتان ؟ ومن زيّنها بالنّجوم ؟ ثمّ أطلت الفكر في الأرض فقلت : من سطحها على صميم الماء الزّخار ؟ ومن حبسها بالجبال أن تميد على كلّ شيء ؟ وأطلت فكري في نفسي من أخرجني جنيناً من بطن أمّي ؟ ومن غذاني ؟ ومن ربّاني ؟ أنّ لها صانعاً ومدبراً غير دقيوس الملك ، وما هو إلّا ملك الملوك وجبّار السّماوات.

فانكبت الفتية على رجليه يقبّلونهما ، وقالوا : بك هدانا الله من الضّلالة إلى الهدى فأشر علينا ، قال : فوثب تمليخا فباع تمراً من حائط له بثلاثة آلاف درهم وصرّها في ردنه (٣) ،

_________________________________

(١) في البحار : عن رأسه.

(٢) في ق ٣ : يا اخوتي.

(٣) في ق ٢ : في رداء له ، وفي البحار عن نسخة : في ردائه. والرِّدَن أصحّ وأوضح وهو بمعني : الطّرف الواسع من الكم.

٢٥٨
 &

وركبوا خيولهم وخرجوا من المدينة ، فلمّا ساروا ثلاثة أميال قال لهم تمليخا : يا إخوتاه (١) جاءت مسكنة الآخرة وذهب ملك الدّنيا ، انزلوا عن خيولكم وامشوا على أرجلكم لعلّ الله أن يجعل لكم من أمركم فرجاً ومخرجاً فنزلوا عن خيولهم ومشوا على أرجلهم سبعة فراسخ في ذلك اليوم ، فجعلت أرجلهم تقطر دماً.

قال : فاستقبلهم راع ، فقالوا : يا أيّها الراعي هل من شربة لبن أو ماء ؟ فقال الرّاعي : عندي ما تحبّون ، ولكن أرى وجوهكم وجوه الملوك ، وما أظنّكم إلّا هراباً من دقيوس الملك ، قالوا : يا أيّها الرّاعي لا يحلّ لنا الكذب ، أفينجينا منك الصّدق ؟ فأخبروه بقصّتهم ، فانكبّ الرّاعي على أرجلهم يقبّلها ، ويقول : يا قوم لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوبكم ، ولكن أمهلوني حتّى أردّ الأغنام على أربابها ، وألحق بكم ، فتوقّفوا له ، فردّ الأغنام وأقبل يسعى فتبعه كلب له.

قال : فوثب اليهوديّ ، فقال يا عليّ : ما كان اسم الكلب ؟ وما لونه ؟ فقال عليّ عليه السلام : لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم أمّا لون الكلب ، فكان أبلق بسواد وأمّا اسم الكلب فقطمير ، فلمّا نظر الفتية إلى الكلب قال بعضهم : إنّا نخاف أن يفضحنا بنباحه فانحوا عليه (٢) بالحجارة فأنطق الله تعالى الكلب : ذروني أحرسكم من عدوّكم.

فلم يزل الرّاعي يسير بهم حتّى علاهم جبلاً ، فانحطّ بهم على كهف يقال له : الوصيد ، فاذا بفناء الكهف عيون وأشجار مثمرة ، فأكلوا من ثمارها وشربوا من الماء وجنّهم اللّيل ، فأووا إلى الكهف.

فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ملك الموت بقبض أرواحهم ، ووكّل الله بكلّ رجلين ملكين يقلّبانهما من ذات اليمين إلى ذات الشّمال. وأوحى الله عزّوجلّ إلى خزّان الشّمس ، فكانت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وتقرضهم ذات الشّمال.

فلمّا رجع دقيوس من عيده سأل عن الفتية ، فأُخبر انّهم خرجوا هراباً فركب في ثمانين ألف حصان ، فلم يزل يقفوا أثرهم حتّى علا فانحطّ إلى كهفهم ، فلمّا نظر إليهم إذا هم

_________________________________

(١) في ق ٢ وق ٣ : يا اخوتي.

(٢) في البحار : فألحّوا عليه.

٢٥٩
 &

نيام ، فقال الملك : لو أردت أن أعاقبهم بشيءٍ لما عاقبتهم بأكثر ممّا عاقبوا أنفسهم ، ولكن ائتوني بالبنّائين ، فسدّ باب الكهف بالكلس والحجارة ، وقال لأصحابه : قولوا لهم : يقولوا لإلههم الّذي في السّماء لينجيهم ، وأن يخرجهم من هذا الموضع.

قال عليّ عليه السلام : يا أخا اليهود ، فمكثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين ، فلمّا أراد الله أن يحييهم أمر إسرافيل أن ينفخ فيهم الرّوح ، فنفخ ، فقاموا من رقدتهم ، فلمّا بزغت الشّمس ، قال بعضهم : قد غفلنا في هذه اللّيلة عن عبادة إله السّماء ، فقاموا فاذا العين قد غارت واذا الأشجار قد يبست ، فقال بعضهم : إنّ أمورنا لعجب مثل تلك العين الغزيرة قد غارت والأشجار قد يبست في ليلة واحدة ، ومسّهم الجوع فقالوا : « ابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا » (١).

قال تمليخا : لا يذهب في حوائجكم غيري ، ولكن ادفع أيّها الرّاعي ثيابك إليّ ، قال : فدفع الرّاعي ثيابه ومضى يؤمّ المدينة ، فجعل يرى مواضعاً لا يعرفها وطريقاً هو ينكرها حتّى أتى باب المدينة واذا علم أخضر مكتوب عليه : لا إله إلّا الله عيسى رسول الله ، قال : فجعل ينظر إلى العلم وجعل يمسح به عينيه ، ويقول : أراني نائماً ، ثمّ دخل المدينة حتّى أتى السّوق ، فأتى رجلاً خبّازاً فقال : أيّها الخبّاز ما اسم مدينتكم هذه ؟ قال : أفسوس قال : وما اسم ملككم ؟ قال : عبد الرّحمن ، قال ادفع إليّ بهذه الورق طعاماً فجعل الخبّاز يتعجّب من ثقل الدّراهم ومن كبرها.

قال : فوثب اليهوديّ ، وقال يا عليّ : ما كان وزن كلّ درهم منها ؟ قال : وزن كلّ درهم عشرة دراهم وثلثي درهم.

فقال الخبّاز : يا هذا أنت أصبت كنزاً ؟ فقال تمليخا : ما هذا الّا ثمن تمر بعتها منذ ثلاث وخرجت من هذه المدينة ، وتركت النّاس يعبدون دقيوس الملك.

قال : فأخذ الخبّاز بيد تمليخا وأدخله على الملك ، فقال : ما شأن هذا الفتى ؟ قال الخبّاز : إنّ هذا رجل أصاب كنزاً ، فقال الملك : يا فتى لا تخف ، فانّ نبيّنا عيسى عليه السلام أمرنا أن لا نأخذ من الكنز الّا خمسها ، فأعطني خمسها وامض سالماً ، فقال تمليخا :

_________________________________

(١) سورة الكهف : (١٩).

٢٦٠