موسوعة حديث الثقلين - ج ١

مركز الأبحاث العقائديّة

موسوعة حديث الثقلين - ج ١

المؤلف:

مركز الأبحاث العقائديّة


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-63-8
ISBN الدورة:
978-600-5213-62-1

الصفحات: ٦٢٠
  الجزء ١   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

التنزيل(١) .

والظاهر من كتابه ومن الروايات التي نقلت عنه ، أنّه كان كثير الحديث ، ومن طبيعة ومضمون هذه الروايات وأنّ أغلبها مسندة إلى الإماميين الباقر والصادق عليهما‌السلام ، يظهر أنّه كان إماميّ المذهب .

فقد قال عنه العلّامة المجلسي (ت ١١١١ هـ) : وتفسير فرات وإن لم يتعرّض الأصحاب لمؤلّفه بمدح ولا قدح ، لكن كون أخباره موافقة لما وصل إلينا من الأحاديث المعتبرة ، وحسن الضبط في نقلها ، ممّا يعطي الوثوق بمؤلّفه وحسن الظنّ به ، وقد روىٰ الصدوق رحمه‌الله عنه أخباراً بتوسّط الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمي ، وروىٰ عنه الحاكم أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل ، وغيره(٢) .

وقال الميرزا محمّد باقر الخوانساري الإصبهاني (ت ١٣١٣ هـ) : صاحب كتاب التفسير الكبير الذي هو بلسان الأخبار ، وأكثر أخباره في شأن الأئمّة الأطهار عليهم سلام الملك الغفّار ، وهو مذكور في عداد تفسيري العيّاشي وعلي بن إبراهيم القمّي ، ويروي عنه في الوسائل والبحار علىٰ سبيل الاعتماد والاعتبار ، ذكره المحدّث النيسابوري في رجاله بعد ما تركه سائر أصحاب الكتب في الرجال ، فقال : له كتاب تفسيره المعروف عن محمّد بن أحمد بن علي الهمداني ... ، ثمّ نقل كلام العلّامة المجلسي السابق .

____________

٦٤ [٤٦] ، ٦٨ [٥٢] ، ٧٥ [٦١] ، ٧٧ [٦٥] ، ٧٨ [٦٧] ، ٨٣ [٧٣] ، ٩١ [٨٤] ، ٩٣ [٨٧].

(١) انظر : شواهد التنزيل ١ : ٥٦ [٥٧] ، ٧٨ [٩٢] ، ١٥١ [١٦٤] ، ١٨٣ [١٩٥] ، ٢٠٨ [٢١٥] و ٢٦٧ [٢٦٢] و ٣٣٦ [٣٤٥] ، وغيرها ، راجع فهرست شواهد التنزيل .

(٢) البحار : ١ : ٣٧ ، ونقل كلامه الميرزا عبدالله الأفندي (ت ١١٣٠ هـ) في رياض العلماء ٤ : ٣٣٧.

١٦١

ثمّ قال : وقال بعض أفاضل محقّقينا في حواشيه علىٰ كتاب (منهج المقال) ـ بعد الترجمة له في الحاشية بما قدّمناه لك في العنوان ـ : له كتاب تفسير القرآن ، وهو يروي عن الحسين بن سعيد من مشايخ الشيخ أبي الحسن علي بن بابويه ، وقد روىٰ عنه الصدوق بواسطة ، ونقل من تفسيره أحاديث كثيرة في كتبه ، وهذا التفسير يتضمّن ما يدلّ علىٰ حسن اعتقاده ، وجودة انتقاده ، ووفور علمه ، وحسن حاله ، ومضمونه موافق للكتب المعتمدة ...(١) .

وذكره المامقاني (ت ١٣٥١ هـ) بمضمون ما سبق ، ثمّ قال : أقول : إنّ أقلّ ما يفيده كونه من مشايخ علي بن بابويه ، وإكثار الصدوق رحمه‌الله الرواية عنه ، وكذا رواية الشيخ الحرّ رحمه‌الله والفاضل المجلسي رحمه‌الله عنه ، هو كون الرجل في أعلىٰ درجات الحسن ، بعد استفادة كونه إماميّاً من الأخبار التي رواها ، والعلم عند الله تعالىٰ(٢) .

وقال التستري (ت ١٤١٥ هـ) ـ بعد ما ذكر ملخّصاً ممّا سبق ـ : أقول : وقد طبع تفسيره في هذه الأعصار ، إلّا أنّ الغريب عدم ذكر الكشّي والشيخ في الرجال والفهرست والنجاشي له أصلاً(٣) .

وقال العلّامة الطهراني (ت ١٣٨٩ هـ) ـ بعد أن ذكر أنّه أكثر الرواية عن الحسين بن سعيد الكوفي ـ : وكذلك أكثر فيه من الرواية عن جعفر بن محمّد بن مالك البزّاز الفزّاري الكوفي (المتوفّى حدود ٣٠٠) ، وكان هو المربّي والمعلّم لأبي غالب الزرّاري (المولود ٢٨٥) ، بعد إخراجه عن الكتب وجعله في البزّازين ... ، وكذلك أكثر من الرواية عن عبيد بن كثير

____________

(١) روضات الجنّات ٥ : ٣٥٣ [٥٤٢].

(٢) تنقيح المقال ٢ : ٣.

(٣) قاموس الرجال ٨ : ٣٧٦ [٥٨٧٥].

١٦٢

العامري الكوفي (المتوفّى ٢٩٤) مؤلّف كتاب (التخريج) ... ، وكذلك يروي فيه عن سائر مشايخه البالغين إلىٰ نيّف وماية ، كلّهم من رواة أحاديثنا بطرقهم المسندة إلى الأئمّة الأطهار عليهم‌السلام ، وليس لأكثرهم ذكر ولا ترجمة في أُصولنا الرجاليّة ، ولكن مع الأسف ، أنّه عمد بعض إلىٰ إسقاط أكثر تلك الأسانيد ، واكتفىٰ بقوله مثلاً (فرات عن حسين بن سعيد معنعناً عن فلان) ، وهكذا في غالب الأسانيد ، فأشار بقوله معنعناً إلىٰ أنّ الرواية التي ذكرها كانت مسندة معنعنة ، وإنّما تركها للاختصار .

ويروي التفسير عن فرات والد الشيخ الصدوق ، وهو أبو الحسن علي ابن الحسين بن بابويه (ت ٣٢٩ هـ) ، كما أنّه يروي والد الصدوق أيضاً عن علي بن إبراهيم المفسّر القمّي (الذي توفّي بعد ٣٠٧ هـ) ، ولعلّ فرات أيضاً بقي إلىٰ حدود تلك السنة ... ، ثمّ قال : ونسخه كثيرة في تبريز والكاظميّة والنجف الأشرف .

ثمّ ذكر قريباً ممّا ذكرناه آنفاً من اعتماد الصدوقين والحسكاني وعلي ابن إبراهيم ، ونقل كلام العلّامة المجلسي(١) .

كما ذكره السيّد حسن الصدر (ت ١٣٥٤ هـ) في تأسيس الشيعة ، وقال : وهو من علماء عصر الجواد عليه‌السلام(٢) .

ويظهر من كلّ ما نقلناه من كلمات الأعلام ، ترجيح كونه إماميّ العقيدة ، وأمّا ما ذكره محقّق الكتاب الأخ محمّد كاظم في مقدّمته ، وتبعه آخرون ، من أنّه ربّما كان من الناحية الفكريّة والعقائديّة زيديّاً(٣) ، فإنّه

____________

(١) الذريعة ٤ : ٢٩٨ [١٣٠٩] ، كما ذكره أيضاً في طبقات أعلام الشيعة (القرن الرابع) : ٢١٦ .

(٢) تأسيس الشيعة : ٣٣٢.

(٣) تفسير فرات الكوفي : ١١ ، مقدّمة المحقّق .

١٦٣

مجرّد فرض واحتمال لا أكثر ، فإنّ مجرّد نقل أكثر من رواية في كتابه عن زيد بن علي رضي‌الله‌عنه تنفي العصمة عن غير الخمسةِ ـ أصحاب الكساء ـ(١) ، لا يدلّ علىٰ زيديّته ، بعد ما عرفت أنّه ينقل في كتابه الروايات الواصلة إليه عن طريق شيوخه بخصوص الآيات النازلة في أهل البيت عليهم‌السلام من مختلف الرواة ، سواء كانوا إماميّة أو زيديّة أو واقفيّة ، وحتّىٰ من العامّة ، مع كثرة رواياته المسندة إلى الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام ، والتي في كثير منها دلالة علىٰ إمامتهما .

وأمّا القول في أسانيده ومشايخه ، وأنّ فيهم كثيراً من الزيديّة ، فقد عرفت أنّ كثيراً منهم لم يترجم لهم ، والآخرين صرّح أعلامنا بأنّهم من رواة أحاديثنا ، كما مرّ .

وأمّا رواياته في كتابه ، فهي أدلّ علىٰ ما نقول من إماميّته لا زيديّته ، كما عرفت ذلك سابقاً ، خاصّة بعد ضمّ ما رواه عنه الصدوق رحمه‌الله ووالده .

وعلىٰ كلّ حال ، فرواية حديث الثقلين هنا معنعنة ، ولكنّها ذكرت في كتب أُخرىٰ مسندة ، كما سيأتي .

تفسير فرات :

هو واحد من التفاسير الروائيّة القديمة ، إذ إنَّ مؤلّفه كان من أعلام أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع ، جمع فيه الروايات الخاصّة بالآيات النازلة بحقّ أهل البيت عليهم‌السلام غالباً ، مع بعض الروايات الخارجة عن هذا الموضوع ، ومعظم الروايات مسندة إلى الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام ، وهناك روايات أُخرىٰ عن الصحابة والتابعين أو غيرهم من رواة أهل السنّة أو الزيديّة ، بعضها عن زيد بن علي رضي‌الله‌عنه .

____________

(١) تفسير فرات الكوفي : ٣٣٩ ح ٤٦٤ ، و ٤٠٢ ح ٥٣٦ .

١٦٤

وقد أورد عنه الحاكم أبو القاسم الحسكاني (توفّي أواخر القرن الخامس) في كتابه شواهد التنزيل(١) ، ومن الشيعة العلّامة المجلسي (ت ١١١١ هـ) في البحار(٢) ، والحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ) في إثبات الهداة(٣) .

وقال الحرّ في مقدّمة كتابه المذكور ، الفائدة التاسعة : إعلم أنّ لنا طرقاً إلىٰ رواية الكتب التي نقلنا منها والأحاديث التي جمعناها ... ، إلىٰ آخر ما نقلناه سابقاً عند الكلام عن كتاب سُليم(٤) ممّا قاله في الفائدة الرابعة من خاتمة الوسائل عند ذكره للكتب المعتمدة عنده ، وقد عدّ منها في رقم [٨٠] تفسير فرات بن إبراهيم ، وكذا ما ذكره من طرقه هناك(٥) .

وتوجد منه الآن عدّة نسخ ، إحداها نسخة يقع تاريخها بين أوائل القرن التاسع إلىٰ أوائل القرن الحادي عشر ، ولكنّها نسخة ملخّصة غير كاملة ، قد تكون هي نسخة العلّامة المجلسي رحمه‌الله ، وهناك نسخة هي نسخة المحدّث الشيخ حسين النوري رحمه‌الله ، استنسخت علىٰ نسخة تاريخها ١٠٨٣ هـ.

أمّا هذه النسخة المطبوعة ، فأصلها نسخة في مكتبة أمير المؤمنين عليه‌السلام في النجف الأشرف ، كتبت بداية القرن الرابع عشر ، وقد سقط عامّة أسانيدها ـ كما لاحظت ذلك في رواية حديث الثقلين ـ إلّا بعضها ، ولا يعرف من أسقطها ، إلّا أنّ نسخة الحاكم الحسكاني كانت

____________

(١) انظر شواهد التنزيل ١ : ٥٦ [٥٧] ، و ٧٨ [٩٢] ، و ١٥١ [١٦٤] ، و ١٨٣ [١٩٥] ، وغيرها ، راجع فهرست شواهد التنزيل .

(٢) انظر : البحار ١ : ١٩ ، ٣٧ ، ورمز له بـ (فر) .

(٣) انظر : إثبات الهداة ٣ : ٨٩ ، فصل (٥٥) .

(٤) راجع ما كتبناه عن كتاب سُليم بن قيس .

(٥) خاتمة الوسائل ٣٠ : ١٥٩ ، الفائدة الرابعة .

١٦٥

مسندة ، كما يلاحظ من الروايات التي نقلها عن تفسير فرات في شواهد التنزيل .

وراوي هذه النسخة المطبوعة ، هو أبو الخير مقداد بن علي الحجازي المدني ، عن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الرحمن العلوي الحسني أو الحسيني ، عن فرات ، كما موجود في بداية الكتاب(١) .

وأمّا حديث الثقلين الوارد فيه ، فقد حذف إسناده كما رأيت ، فأصبح معنعناً ، ولكنّا حاولنا تخريج نفس الحديث بأسانيد أُخرىٰ من كتب أُخرىٰ ، فقد أخرجه العيّاشي في تفسيره كما مرّ آنفاً ، وسيأتي .

____________

(١) لخّصنا هذا العنوان من مقدّمة تفسير فرات ، تحقيق : محمّد كاظم .

١٦٦



(١٣) كتاب : تفسير القمّي

لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمّي رحمه‌الله (كان حيّاً سنة ٣٠٧ هـ)

الحديث :

الأوّل : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجّة الوداع في مسجد الخيف : «إنّي فرطكم وإنّكم واردون عليّ الحوض ، حوض عرضه ما بين بصرىٰ وصنعاء ، فيه قدحان من فضّة عدد النجوم ، ألا وإنّي سائلكم عن الثقلين» ، قالوا : يا رسول الله ، وما الثقلان ؟

قال : «كتاب الله الثقل الأكبر ، طرف بيد الله وطرف بأيديكم ، فتمسّكوا به لن تضلّوا ولن تزلّوا ، والثقل الأصغر عترتي وأهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير ، أنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا علي الحوض ، كإصبعيّ هاتين ـ وجمع بين سبّابتيه ـ ، ولا أقول كهاتين ـ وجمع بين سبّابته والوسطىٰ ـ فتفضل هذه علىٰ هذه»(١) .

تنبيه : قد يكون هذا الحديث الموجود في المقدّمة ، ليس من رواية علي بن إبراهيم ، وإنّما هو والمقدّمة كلّها من كلام راوي التفسير عن علي ابن إبراهيم ، وهو أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم ، أو الراوي عنه ، الذي يقول حدّثني أبو الفضل في أوّل تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وسيأتي مفصّلاً .

____________

(١) تفسير القمّي ١ : ١٦ ، المقدّمة ، وعنه المجلسي (ت ١١١١ هـ) في البحار ٢٣ : ١٢٩ ح ٦١ ، باب فضائل أهل البيت عليهم‌السلام .

١٦٧

الثاني : وقوله : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) ، قال(١) : نزلت هذه الآية في علي ، (وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ، قال : نزلت هذه الآية في منصرف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من حجّة الوداع ، وحجّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حجّة الوداع لتمام عشر حجج من مقدمه المدينة ، فكان من قوله بمنىٰ ، أن حمد الله وأثنىٰ عليه ، ثمّ قال : «أيّها الناس ، اسمعوا قولي واعقلوه عنّي ، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا» ، ثمّ قال : ...

ثمّ قال : «أيّها الناس ، إحفظوا قولي تنتفعوا به بعدي ، وافهموه تنعشوا ، ألا لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا ، فإن فعلتم ذلك ولتفعلن لتجدوني في كتيبة بين جبرائيل وميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف» ، ثمّ التفت عن يمينه ، فسكت ساعة ، ثمّ قال : «إن شاء الله أو علي بن أبي طالب» .

ثمّ قال : «ألا وإنّي قد تركت فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير ، أنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا علي الحوض ، ألا فمن اعتصم بهما فقد نجا ، ومن خالفهما فقد هلك ، ألا هل بلّغت» ؟ قالوا : نعم ، قال : «اللهم اشهد» .

ثمّ قال : «ألا وإنّه سيرد علي الحوض منكم رجال فيدفعون عنّي ، فأقول ربّ أصحابي ، فقال(٢) : يا محمّد ، إنّهم أحدثوا بعدك ، وغيّروا سنّتك ، فأقول : سحقاً سحقاً» .

____________

(١) القول : لعلي بن إبراهيم القمّي ، وهذا القول إمّا موقوف عليه وهو من تفسيره ، أو أخذه من شيوخه رواية عن الأئمّة عليهم‌السلام فهو مرسل ، أو مسند بأحد الطرق التي ذكرها علي بن إبراهيم عن شيوخه في هذا التفسير ، وهي كثيرة .

(٢) الظاهر أنّها (فيقال) .

١٦٨

فلمّا كان آخر يوم من أيّام التشريق ، أنزل الله : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ) ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «نُعيت إليّ نفسي» .

ثمّ نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف ، فاجتمع الناس ، فحمد الله وأثنىٰ عليه ، ثمّ قال : «نصر الله امرءاً ، سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم يسمعها ، فربّ حامل فقه غير فقيه ، وربّ حامل فقه إلىٰ من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن : قلب امرء مسلم أخلص العمل لله ، والنصيحة لأئمّة المسلمين ، ولزم جماعتهم ، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم ، المؤمنون أخوة تتكافأ دماؤهم ، يسعىٰ بذمّتهم أدناهم وهم يد علىٰ من سواهم .

أيّها الناس ، إنّي تارك فيكم الثقلين» ، قالوا : يا رسول الله ، وما الثقلان ؟

قال : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير ، أنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا علي الحوض ، كأصبعيّ هاتين ـ وجمع بين سبّابتيه ـ ، ولا أقول كهاتين ـ وجمع سبّابته والوسطىٰ ـ ، فتفضل هذه علي هذه» .

فاجتمع قوم من أصحابه ، وقالوا : يريد محمّد أن يجعل الإمامة في أهل بيته ، فخرج أربعة نفر منهم إلىٰ مكّة ، ودخلوا الكعبة ، وتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا في ما بينهم كتاباً ، إن مات محمّد أو قتل ، أن لا يردّوا هذا الأمر في أهل بيته أبداً ...(١) .

____________

(١) تفسير القمّي ١ : ١٧٩ ـ ١٨١ ، تفسير سورة المائدة ، الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ...) ، وعنه الفيض الكاشاني (ت ١٠٩١ هـ) في تفسير الصافي ٢ : ٦٧ ، سورة المائدة (٦٧) إثبات الهداة ١ : ٦٣١ ح ٧٢٧ ، فصل (٤٠) ، و ١ : ٦٣٤ ح ٧٣٩ ، الفصل (٤٠) ، المورد الثاني ، والمجلسي (ت ١١١١ هـ) في البحار ٣٧ : ١١٣ ح ٦ ، والحويزي (ت ١١١٢) في نور الثقلين ١ : ٦٥٥ ح ٢٩٩ .

١٦٩

الثالث : جاء في تفسير سورة الرحمن ، في قوله تعالى :

(عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) ، قال(١) : حدَّثني أبي ، عن الحسين بن خالد ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ، في قوله : (الرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ) ، قال عليه‌السلام : «الله علّم محمّداً القرآن ... ،» قوله : (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) ، قال(٢) : «نحن وكتاب الله ، والدليل علىٰ ذلك قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي»(٣) .

الرابع : جاء في تفسير سورة النصر ، في قوله تعالى :

(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ) ، قال(٤) : نزلت بمنىٰ في حجّة الوداع(٥) (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ) ، فلمّا نزلت ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله(٦) : «نُعيت إليّ نفسي ، فجاء إلىٰ مسجد الخيف فجمع الناس(٧) ، ثمّ قال : نصر الله امرءاً

____________

وقد جاءت بعض مقاطع هذا الحديث مسندة ، كما في الخصال : ١٤٩ ح ١٨٢ ، باب الثلاثة ، هكذا : حدَّثنا أبي رضي‌الله‌عنه ، قال : حدَّثنا سعد بن عبدالله ، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبدالله بن أبي يعفور ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام ، قال : خطب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الناس بمنىٰ في حجّة الوداع في مسجد الخيف ، فحمد الله وأثنىٰ عليه ، ثمّ قال : «نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ...» إلىٰ قوله : «وهم يد علىٰ من سواهم» .

(١) القائل علي بن إبراهيم القمّي .

(٢) الظاهر أنّ القائل هو الإمام الرضا عليه‌السلام ، بدليل ما تقدّم من السؤال له في أوّل الرواية ، وقوله هنا : نحن وكتاب الله .

(٣) تفسير القمّي ٢ : ٣٢٣ ، تفسير سورة الرحمن ، آية : (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) ، وعنه الكاشاني في الصافي ٥ : ١١٠ ، الرحمن : ٣١ ، والبحراني (ت ١١٠٧ هـ) في البرهان ٤ : ٢٦٧ ح ٤ ، والحويزي في نور الثقلين ٥ : ١٩٣ ح ٣٢.

(٤) القائل : علي بن إبراهيم القمّي .

(٥) في الرواية السابقة (الحديث الثاني) ، فلمّا كان آخر يوم من أيّام التشريق ، أنزل الله : (إِذَا...).

(٦) في الرواية السابقة : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ...

(٧) في الرواية السابقة : ثمّ نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف ، فاجتمع الناس ، فحمد الله وأثنىٰ عليه ، ثمّ قال : «نصر الله ...» .

١٧٠

سمع مقالتي فوعاها ، وبلّغها من لم يسمعها ، فربّ حامل فقه غير فقيه ، وربّ حامل فقه إلىٰ من هو أفقه منه .

ثلاث لا يغل عليه(١) : قلب امرىء مسلم أخلص العمل لله ، والنصيحة لأئمّة المسلمين ، واللزوم لجماعتهم(٢) ، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم(٣) .

أيّها الناس ، إنّي تارك فيكم ثقلين(٤) ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ولن تزلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير ، أنّهما لن يتفرّقا(٥) حتّى يردا عليّ الحوض ، كإصبعيّ هاتين ـ وجمع بين سبّابتيه ـ ولا أقول كهاتين ـ وجمع بين سبّابته والوسطىٰ ـ ، فيفضل(٦) هذه علىٰ هذه»(٧) .

علي بن إبراهيم القمّي :

قال النجاشي (ت ٤٥٠ هـ) : ثقة في الحديث ، ثبت ، معتمد ، صحيح

____________

(١) في الرواية السابقة : عليهن .

(٢) في الرواية السابقة : ولزم جماعتهم .

(٣) في الرواية السابقة ، زيادة بعدها : المؤمنون أخوة تتكافأ دماؤهم ، يسعىٰ بذمّتهم أدناهم ، وهم يد علىٰ من سواهم .

(٤) في الرواية السابقة : «إنّي تارك فيكم الثقلين» ، قالوا : يا رسول الله ، وما الثقلان ؟ قال : «كتاب الله ...» .

(٥) في الرواية السابقة : يفترقا .

(٦) في الرواية السابقة : فتفضل .

(٧) تفسير القمّي ٢ : ٤٤٩ ، تفسير سورة النصر ، وعنه الحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ) في إثبات الهداة ١ : ٦٢٤ ح ٧٢٩ ، فصل (٤٠) ، البرهان ٤ : ٥١٧ ح ٤ ، والمجلسي (ت ١١١١ هـ) في البحار ٢٧ : ٦٨ ح ٥ ، والحويزي (ت ١١١٢ هـ) في نور الثقلين ٥ : ٦٩٠ ح ١٠ .

١٧١

المذهب ، سمع فأكثر ، وصنّف كتباً ، وأضرّ في وسط عمره(١) .

وبنفس العبارة ذكره العلّامة (ت ٧٢٦ هـ) في الخلاصة(٢) ، وببعضها ابن داود (ت ٧٠٧ هـ) في رجاله(٣) .

وقال العلّامة المجلسي (ت ١١١١ هـ) في الوجيزة : ثقة(٤) .

وقال الطهراني (ت ١٣٨٩ هـ) : كان في عصر أبي محمّد الحسن العسكري عليه‌السلام ، وبقي إلىٰ (٣٠٧) ، فإنّه روى الصدوق (ت ٣٨١ هـ) في (عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ) عن حمزة بن محمّد بن أحمد بن جعفر ، قال : أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم (سنة ٣٠٧) ... ، وفي بعض أسانيد (الأمالي) و (الإكمال) ، هكذا : حدَّثنا حمزة بن محمّد ... ، بقم (في رجب ٣٣٩) ، قال : أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم ، في ما كتبه إليّ في سنة سبع وثلاثمائة(٥) .

تفسير القمّي :

ذكر النجاشي (ت ٤٥٠ هـ) في ضمن كتبه كتاب التفسير ، وقال : وله كتاب التفسير .

ثمّ قال : أخبرنا : محمّد بن محمّد ، وغيره ، عن الحسن بن حمزة بن علي بن عبيدالله ، قال : كتب إليّ علي بن إبراهيم بإجازة سائر حديثه وكتبه(٦) .

____________

(١) رجال النجاشي : ٢٦٠ [٦٨٠].

(٢) خلاصة الأقوال : ١٨٧ [٥٥٦].

(٣) رجال ابن داود ١٣٥ [١٠١٨].

(٤) الوجيزة (رجال المجلسي) : ٢٥٥ [١١٩٣] ، انظر : منهج المقال : ٢٢٣ ، تنقيح المقال ٢ : ٢٦٠ ، قاموس الرجال ٧ : ٢٦٤ [٤٩٧٧] ، مجمع الرجال ٤ : ١٥٢ ، بلغة المحدّثين : ٣٧٩ [٣٢] ، جامع الرواة ١ : ٥٤٥ ، بهجة الآمال ٥ : ٣٥٤ .

(٥) الذريعة ٤ : ٣٠٢ [١٣١٦] ، وانظر : عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢٢٦ ح ١٣ ، والأمالي : ١١٦ ح ١٠١ ، و ٣٢٧ ح ٣٨٤ ، و ٧٠٨ ح ٩٧٦ ، ولم أجده في الإكمال .

(٦) رجال النجاشي : ٢٦٠ [٦٨٠].

١٧٢

وقال الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ هـ) في الفهرست : له كتب منها : كتاب التفسير ... ، أخبرنا بجميعها جماعة ، عن أبي محمّد الحسن بن حمزة العلوي الطبري ، عن علي بن إبراهيم .

وأخبرنا محمّد بن محمّد بن النعمان ، عن محمّد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، ومحمّد بن الحسن وحمزة بن محمّد العلوي ومحمّد بن علي ماجيلويه ، عن علي بن إبراهيم ، إلّا حديثاً واحداً ، استثناه من كتاب الشرايع في تحريم لحم البعير ، وقال : لا أرويه ...(١) .

وكذا نسبه إليه كلّ من تعرّض له .

وذكره الحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ) في الكتب التي اعتمد عليها في الوسائل(٢) ، والمجلسي (ت ١١١١ هـ) ضمن مصادر البحار(٣) ، وذكر الحرّ طرقه إليه(٤) .

والتفسير المتداول الآن والمطبوع باسم تفسير القمّي ، يتكوّن من قسمين :

أحدهما : ما رواه علي بن إبراهيم القمّي ، والذي يمثّل تفسير القمّي في الواقع .

ثانيهما : روايات في التفسير عن أبي الجارود ، أدخلها في ضمن تفسير القمّي ، راوي التفسير أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسىٰ بن جعفر عليهما‌السلام ، أو الراوي عنه ، حيث قال في أوّل التفسير ، في تفسير (بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ) : حدَّثني أبو الفضل العبّاس ابن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسىٰ بن جعفر عليهما‌السلام ، قال : حدَّثنا أبو

____________

(١) فهرست الطوسي : ٢٦٦ [٣٨٠].

(٢) خاتمة الوسائل ٣٠ : ١٥٧ [٤٦].

(٣) البحار ١ : ٨ و ٢٧ .

(٤) خاتمة الوسائل ٣٠ : ١٧٩ .

١٧٣

الحسن علي بن إبراهيم ...(١) ، فقوله : (حدَّثني) يدلّ علىٰ شخص آخر غير أبي الفضل العبّاس ، ولكن الروايات المسندة إلىٰ أبي الجارود ، رويت عن شيوخ معاصرين لعلي بن إبراهيم أو بعده بقليل ، كما ذكر ذلك الطهراني في الذريعة (ت ١٣٨٩ هـ)(٢) ، ورجّح بسببه هو وغيره(٣) ، أنّ الجامع للتفسيرين هو أبو الفضل العبّاس بن القاسم .

وقد جاء في مقدّمة التفسير : ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا ، ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم ، وأوجب ولايتهم ، ولا يقبل عمل إلّا بهم ، وهم الذين وصفهم الله تبارك وتعالىٰ ، وفرض سؤالهم والأخذ منهم ، فقال (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)(٤) ، حيث اعتمد هذه العبارة بعض أكابر الأعلام في توثيق كلّ رجال تفسير القمّي(٥) ، ولكن بعد أن حقّق آخرون أنّه يتضمّن تفسيرين لعلي بن إبراهيم وأبي الجارود ، قسّموا الرجال الواردين فيه ، إلىٰ قسمين : الأوّل : رجال علي بن إبراهيم ، وهم المشمولون بالتوثيق ، والثاني : رجال أبي الجارود ، غير المشمولين بالتوثيق(٦) .

ولكن من أين يمكن إثبات أنّ المقدّمة هي لعلي بن إبراهيم ، بل بعد أن ثبت أنّ التفسير مجموع من تفسيرين بتوسّط شخص ثالث ؛ يترجّح أنّها ليست لعلي بن إبراهيم .

____________

(١) تفسير القمّي ١ : ٣٩.

(٢) الذريعة ٤ : ٣٠٤ ، في المتن والهامش .

(٣) أُصول علم الرجال : ١٦٤ ، كليّات في علم الرجال : ٣١٣.

(٤) تفسير القمّي ١ : ١٦ ، المقدّمة .

(٥) الحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ) ، في خاتمة الوسائل ٣٠ : ٢٠٢ ، الفائدة السادسة ، ووافقه علىٰ ذلك السيّد الخوئي (ت ١٤١٣ هـ) ، في معجم رجال الحديث ١ : ٤٩.

(٦) أُصول علم الرجال : ١٦٥ ، كليّات في علم الرجال : ٣١٣.

١٧٤

فالمقدّمة تتكوّن من قسمين : القسم الأوّل صيغ بالأسلوب المعهود للمقدّمات ، من الحمد وذكر صفات الخالق جلّ وعلا ، والصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذكر معجزته القرآن الكريم ، ووصف أمير المؤمنين له ، وأنّ الأئمّة عليهم‌السلام هم العدل الثاني للقرآن ، ومن ضمنها العبارة التي نقلناها سابقاً في توثيق رواة التفسير ، وجاء في نهايته في بعض النسخ المطبوعة (قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الهاشمي القمّي) ، كبداية للقسم الثاني .

والقسم الثاني : هو بعض الروايات في علوم القرآن ، مختصرة من روايات مبسوطة عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، أوردها النعماني بطولها في أوّل تفسيره ، وأخرجها منه المرتضىٰ ، وجعل لها خطبة ، وتسمّىٰ برسالة المحكم والمتشابه ، وأُدرجت بعينها في البحار(١) ، وذكر في بدايتها سندها ، وليس فيه علي بن إبراهيم ، وذكر في آخرها أنّه وجد رسالة قديمة مفتتحها ، هكذا : حدَّثنا جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي رحمه‌الله ، قال : حدَّثني سعد الأشعري القمّي أبو القاسم رحمه‌الله ، وهو مصنّفه : الحمد لله ... ، روى مشايخنا ، عن أصحابنا ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام ، قال : قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) : أنزل القرآن علىٰ سبعة أحرف ... ، وساق الحديث إلىٰ آخره ، لكنّه غيّر الترتيب ، وفرّقه على الأبواب ، وزاد في ما بين ذلك بعض الأخبار(٢) .

أقول : وقد راجعت ما نقله من هذه الرسالة(٣) فوجدت فيه بعض روايات مقدّمة تفسير القمّي .

وقد أدخل كاتب هذه المقدّمة المختصرة بعض الروايات عن علي بن

____________

(١) الذريعة ٤ : ٣٠٢ ، والبحار ٩٣ : ١ ، باب [١٢٨].

(٢) البحار ٩٣ : ٩٧ .

(٣) البحار ٩٢ : ٦٠ .

١٧٥

إبراهيم فيها بصيغة : قال أبو الحسن علي بن إبراهيم ، وهي لا توجد في ما أورده المجلسي في البحار .

ثمّ جاء بعد المقدّمة سند التفسير ، بعد أن قال : أقول : تفسير (بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ) حدّثني أبو الفضل العبّاس بن محمّد ....

فبملاحظة تأخّر السند عن المقدّمة ، وقوله فيه : حدّثني أبو الفضل العبّاس ، ووجود بعض روايات علي بن إبراهيم الواردة في المقدّمة بصيغة (قال) ، في ضمن الروايات المختصرة من روايات الإمام الصادق عليه‌السلام التي أوردها النعماني ، يصبح هناك شبه اطمئنان ، أنّ المقدّمة ليست لعلي بن إبراهيم ، أو على الأقلّ أنّ القسم الأوّل منها ليس لعلي بن إبراهيم ، إذا أخذنا بالحسبان ما ذكره بعض المحقّقين(١) ، رواها الشيخ حسن بن سليمان (القرن التاسع) في مختصر البصائر من مقدّمة التفسير ، وقال : حدَّثني أبو عبدالله محمّد بن مكّي بإسناده عن علي بن إبراهيم بن هاشم من تفسير القرآن العزيز ، قال : وأمّا الردّ علىٰ من أنكر الرجعة ، فقوله عزّ وجلّ (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا) ، قال علي بن إبراهيم : .. ، ثمّ روىٰ ثلاث روايات من المقدّمة(٢) كلّها مرويّة عن علي بن إبراهيم .

مع ما موجود في بعض النسخ المطبوعة في بداية القسم الثاني من المقدّمة ، قال : أبو الحسن علي بن إبراهيم الهاشمي القمّي .

____________

(١) أشار إلىٰ ذلك الشيخ الداوري في أُصول علم الرجال : ١٦٣ هامش (١) ، بقوله : والصحيح أنّها ـ أيّ المقدّمة ـ له ، وذلك لوجود أجزاء من المقدّمة في كلمات القدماء منسوبة إلى علي بن إبراهيم ، فلا وجه للإشكال ، أقول : لم يصرّح هنا بأنّ مراده من القدماء هو الشيخ حسين بن سليمان ، ولكنّي سألته شخصيّاً عنه ، فأجاب : هو الشيخ حسن بن سليمان في مختصر البصائر . ثمّ أنّ جواب الإشكال يأتي في المتن .

(٢) مختصر البصائر : ١٤٩ .

١٧٦

ولكن الشيخ حسن بن سليمان من رجال القرن التاسع ، وكذا أستاذه الشهيد الأوّل ، مع أنّ سند الشهيد إلىٰ كتاب التفسير هو من الإجازات العامّة ، وقد روى التفسير كاملاً ، ووصله بشكله الذي وصلنا ، ونحن ندّعي أنّ كاتب المقدّمة متقدّم عليه ، بحدود ثلاثة قرون على الأقلّ ، إذا لم يكن أكثر ، فكيف يثبُت ما قاله هذا المحقّق ؟ ومن الواضح أنّ الشيخ حسن قد فهم أنّ المقدّمة لعلي بن إبراهيم ، مثل ما فهم الحرّ العاملي والسيّد الخوئي ، وغيرهم ، وليس هناك دلالة علىٰ أنّ الشهيد الأوّل فهم مثل فهمهم ، وإنّما ذكر سنده إلى التفسير الذي وصله مع المقدّمة .

هذا كلّه إضافة إلىٰ أنّ قوله في القسم الثاني من المقدّمة : (قال : علي ابن إبراهيم) ، يدلّ علىٰ شخص آخر ، وإلّا لو كان الراوي هو علي بن إبراهيم لقال : حدَّثني أبي ، كما هو سائد في سائر التفسير .

والشخص الكاتب للمقدّمة ، إمّا أن يكون راوي التفسير أبو الفضل العبّاس ، أو شخص ثالث ، فأمّا أبو الفضل العبّاس ، فلم يذكر في كتب الرجال ، وإن ذكر في كتب الأنساب ، كما نقل صاحب الذريعة(١) ، وأمّا إذا كان الكاتب غيره فهو غير معروف ، وبالتالي فلا يمكن الاعتماد علىٰ ما في المقدّمة ، علىٰ كلا الاحتمالين ، إلّا إذا استطعنا اعتبار شهادة كاتب المقدّمة بتوثيق شيوخه أيضاً ، ويكون توثيقاً لكلّ الشيوخ الواردين في أسانيد روايات التفسير ، سواء كانوا شيوخ القمّي أو أبي الجارود ، ولكن هذا يحتاج إلىٰ تحقيق في وثاقة أبي الفضل العبّاس ، أو معرفة الراوي عنه ووثاقته .

ثمّ نجد في هذا التفسير بعض الروايات مسندة ، كما في الرواية الثالثة

____________

(١) الذريعة ٤ : ٣٠٧.

١٧٧

من حديث الثقلين ، وبعضها مصدّر بـ (قال : علي بن إبراهيم) ، الظاهر منه أنّه نظر وقول لعلي بن إبراهيم نفسه ، كما في الرواية الثانية ، إلّا أن نقول : إنّ كلّ ما قاله في هذا التفسير مأخوذ من الأئمّة عليهم‌السلام .

وروايات حديث الثقلين في التفسير كلّها عن علي بن إبراهيم ، فتكون بسند موثّق ، علىٰ مبنىٰ من يقول بتوثيق رجال علي بن إبراهيم .

وعلىٰ كلّ ، فروايات حديث الثقلين هنا متوافقة مع الروايات المرويّة في المصادر الأُخرىٰ ، ولم تخرج في مضمونها عمّا هو مشتهر من حديث الثقلين .

١٧٨



(١٤) كتاب : تفسير العيّاشي

للمحدّث الجليل أبي النضر محمّد بن مسعود بن عيّاش السلمي السمرقندي (ت حدود ٣٢٠ هـ)

الحديث :

الأوّل : عن أبي جميلة المفضّل بن صالح ، عن بعض أصحابه ، قال : [لمّا] خطب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم الجُحفة بعد صلاة الظهر ، انصرف على الناس ، فقال : «يا أيّها الناس ، إنّي قد نبّأني اللطيف الخبير ، أنّه لن يعمّر من نبيّ إلّا نصف عمر الذي يليه من قبله ، وإنّي لأظنّني أُوشك أن أُدعىٰ فأُجيب ، وإنّي مسؤول ، وإنّكم مسؤولون ، فهل بلّغتكم ، فماذا أنتم قائلون ؟»

قالوا : نشهد بأنّك قد بلّغت ونصحت وجاهدت ، فجزاك الله عنّا خيراً ، قال : «اللّهم اشهد» .

ثمّ قال : «يا أيّها الناس ، ألم تشهدوا أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، وأنّ الجنّة حقّ ، وأنّ النار حقّ ، وأنّ البعث حقّ من بعد الموت ؟»

قالوا : نعم ، قال : «اللّهم اشهد» .

ثمّ قال : «يا أيّها الناس ، إنّ الله مولاي ، وأنا أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ، ألا من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» .

١٧٩

ثمّ قال : «أيّها الناس ، إنّي فرطكم ، وأنتم واردون عليّ الحوض ، وحوضي أعرض ما بين بصرىٰ وصنعاء ، فيه عدد النجوم قدحان من فضّة ، ألا وإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما حتّىٰ تلقوني»

قالوا : وما الثقلان ، يا رسول الله ؟

قال : «الثقل الأكبر كتاب الله ، سبب طرفه بيدي الله وطرف في أيديكم ، فاستمسكوا به ولا تضلّوا ولا تذلّوا ، ألا وعترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أن لا يفترقا حتّىٰ يلقياني ، وسألت الله لهما ذلك ، فأعطانيه ، فلا تسبقوهم فتضلّوا ، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فهم أعلم منكم»(١) .

الثاني : عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : «خطب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة ، فكان فيها : قال لهم : ...» الحديث(٢) . أي الحديث السابق .

الثالث : عن مسعدة بن صدقة ، قال : قال أبو عبدالله عليه‌السلام : «إنّ الله جعل ولايتنا أهل البيت قطب القرآن ، وقطب جميع الكتب ، عليها يستدير محكم القرآن ، وبها نوّهت الكتب ، ويستبين الإيمان ، وقد أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أن يقتدىٰ بالقرآن وآل محمّد ، وذلك حيث قال في آخر خطبة خطبها : إنّي تارك فيكم الثقلين : الثقل الأكبر والثقل الأصغر ، فأمّا الأكبر فكتاب ربّي ، وأمّا الأصغر فعترتي أهل بيتي ، فاحفظوني فيهما ، فلن تضلّوا

____________

(١) تفسير العيّاشي ١ : ٧٦ ح ٣ ، في فضل القرآن ، وعنه الحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ) في إثبات الهداة ١ : ٦٢٥ ح ٦٨٣ ، فصل [٣٨] ، والسيّد هاشم البحراني (ت ١١٠٧ هـ) في البرهان ١ : ١٠ ح ٩ ، وغاية المرام ٢ : ٣٤١ ح ٢٥ ، باب [٢٩] ، والعلّامة المجلسي (ت ١١١١ هـ) في البحار ٢٣ : ١٤١ ح ٩٢ .

(٢) تفسير العيّاشي ١ : ٧٧ ح ٥ ، في فضل القرآن ، وعنه المجلسي في البحار ٢٣ : ١٤٢ ح ٩٣.

١٨٠