طالب العلم والسيرة الأخلاقية

السيّد عادل العلوي

طالب العلم والسيرة الأخلاقية

المؤلف:

السيّد عادل العلوي


الموضوع : الأخلاق
الناشر: المؤسسة الإسلامية العامة للتبليغ والإرشاد
المطبعة: النهضة
الطبعة: ١
الصفحات: ١٧٦
  نسخة غير مصححة

كأنّه يعدّ من المستحيلات ، ولا يمكن لأحد أن يدّعي الوصول وتهذيب النفس وصيقلة القلب وتطهير الذات من الرذائل من دون مربٍّ ومعلّم ، فعلى طالب العلم في بداية مسيرته أن يبحث عن (اُستاذ الأخلاق) فيختار إنساناً متّقياً كاملا يتولّى تربيته منذ الأيّام الاُولى عند دخوله الحوزة العلميّة ، فهذا من الهمّ الأوّل لطلاّب العلوم الدينيّة.

ويقول الإمام الخميني (قدس سره) : اختاروا أساتذة أخلاق لكم ، اعقدوا مجالس الوعظ والخطابة والنصيحة ، التهذيب تلقائياً (بدون اُستاذ) غير ممكن ، إنّ الحوزات محكومة بالفناء إذا خلت من مجالس الوعظ والنصيحة. كيف يعقل أن يكون علم الفقه والاُصول بحاجة إلى مدرّس ، بحاجة إلى درس وبحث؟! كيف يعقل أن يكون كلّ علم وصنعة في الدنيا بحاجة إلى اُستاذ ولا تكون العلوم المعنويّة والأخلاقيّة بحاجة إلى تعلّم وتعليم ، ثمّ يحصل عليها الإنسان تلقائيّاً (أوتوماتيكيّاً) ويحصلها بدون معلّم ، لقد سمعت كراراً أنّ سيّداً جليلا كان معلّم الأخلاق للشيخ الأنصاري ـ وهو السيّد علي الشوشتري اُستاذ العرفان في القرن الأخير ـ (١).

يقول العارف الجليل آية الله السيّد علي القاضي اُستاذ العلاّمة الطباطبائي في العرفان والسير والسلوك : أهمّ ما يلزم في هذا الطريق الاُستاذ الخبير البصير الخارج عن أسر الهوى ، الواصل إلى المعرفة الإلهيّة ، والإنسان الكامل الذي سافر ـ بالإضافة إلى السير إلى الله ـ الأسفار الثلاثة الاُخرى ، شرط أن يكون تجوّله وتفرّجه في عالم الخلق (بالحقّ) إذا أمضى الإنسان الذي يطلب طريق الله وسلوك طريق الله ، نصف عمره يبحث عن اُستاذ هذا الطريق ، ويفتّش عنه فإنّه يكون

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٣٨.

٨١

مصيباً ، لأنّ الأمر يستحقّ هذا الاهتمام ، من وصل إلى الاُستاذ ، وحصل عليه ، فقد قطع نصف الطريق.

أجل : لا بدّ من الاُستاذ في السير والسلوك ، وينبغي الاهتمام به جيّداً في اختيار الاُستاذ ، فيلزم على الطالب أن يكون دقيقاً جدّاً ومحتاطاً ، فلا يسلّم نفسه ودينه لأيّ مدّع ، حتّى يطمئنّ إلى صحّة دعواه.

إسمع إلى ما يقوله العلاّمة السيّد بحر العلوم في هذا المجال : وأمّا الاُستاذ العامّ ـ وهو غير المعصوم (عليه السلام) ـ فلا يعرف إلاّ بصحبته في السرّ والعلن ، ومعاشرته الباطنيّة ، وملاحظة اكتمال إيمان جوارحه وإيمان نفسه ، والحذر الحذر من أن يقع الانخداع بظهور خوارق العادات منه وبيانه لدقائق النكات ، وإخباره بالخفايا الآفاقيّة ، وخبايا الأنفس ، تبدّل بعض حالاتك نتيجة الاقتداء به ، لأنّ الإشراف على الخواطر والاطّلاع على الدقائق والعبور على الماء والنار ، وطيّ الأرض والهواء ، والإخبار بما يأتي وأمثال ذلك ، إنّما يحصل في مرتبة المكاشفة الروحيّة ، وبين هذه المرحلة والهدف المطلوب مسافة لا تتناهى. وكثير من المنازل والمراحل ، وما أكثر السالكين الذين يجتازون هذه المرحلة ، ثمّ يدخلون بعدها في وادي اللصوص والأبالسة ، ومن هنا يستطيع كثير من الكفّار أن يأتوا بكثير من الاُمور الغريبة (١).

ومن أراد الاُستاذ في الأخلاق ، لا سيّما من يدخل الحوزة وهو لا يعرف أحداً ، فعليه أن يدعو الله كثيراً في ذلك ، ويتوسّل بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وبالأئمة الأطهار (عليهم السلام) وبفاطمة الزهراء (عليها السلام) ، وحتّى بأولاد الأئمة وبأرواح علمائنا الكبار

__________________

١ ـ المصدر : ٤٠.

٨٢

الماضين قدّس الله أسرارهم الزكيّة ، فإنّ ذلك يعدّ من مفاتيح هذه الأبواب ، ومن المعدّات للوصول إلى الحلقات التربويّة الروحيّة لهؤلاء الأساتذة الكاملين والاستفادة منهم ، فمن كان متعطّشاً واقعاً من صميم القلب فإنّ الله تعالى يأخذ بيده ، ويضعه في يد إنسان آخر.

أعرف شخصاً من أهل العلم في بداية سيره السلوكي ، كان يدعو الله بالبكاء والتضرّع ويطلب منه اُستاذاً في الأخلاق والعرفان ، وفي يوم من الأيام كان مستلقياً وبين السِّنَة والنوم ، وإذا به يسمع صرير الباب ، ويسمع هاتفاً يقول : هذا اُستاذ أخلاقك ، وإذا بشخص يدخل الغرفة ، فيقوم لاحترامه وتقديره ، فلم يرَ أحداً ، ثمّ التقى به وبقي عنده سنين يأخذ منه المعارف ، ثمّ تعرّف على شيخه واُستاذه ، فحضر عند ذلك خمس سنوات أيضاً.

وهذا العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) يحدّثنا عن حياته قائلا : عندما كنت في طريقي من تبريز إلى النجف الأشرف للدراسة ، لم أكن أعرف شيئاً عن النجف ، ولم أكن أعرف أين أذهب ، وماذا أفعل؟ كنت في الطريق اُفكّر دائماً أيّ درس أدرس؟ وعلى مَن أتتلمذ؟ وأيّ طريقة أختار ويكون فيها رضا الله تعالى؟ عندما وصلت إلى النجف الأشرف وحين الدخول توجّهت إلى حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقلت : سيّدي ، تشرّفت بمحضرك لمواصلة الدراسة ، ولكنّي لا أعرف أيّ نهج أسلك ، وأيّ برنامج أختار ، اُريد منك أن ترشدني إلى ما فيه صلاحي. استأجرت منزلا وسكنته ، وفي الأيام الاُولى ، وقبل أن أبدأ أيّ درس ، كنت جالساً في البيت اُفكّر في مستقبلي ، فجأةً طرق الباب ، فتحت الباب ، فرأيت أحد العلماء الكبار ، سلّم ودخل ، جلس في الغرفة ورحّب بي ، كانت له طلعة جذّابة ونورانيّة جدّاً ، حادثني بكامل الصفاء والصميميّة والاُنس ، وخلال أحاديثه قرأ لي أشعاراً ، وقال لي ما مضمونه :

٨٣

الشخص الذي يأتي إلى النجف بهدف الدراسة من الجيّد أن يفكّر بالإضافة إلى الدراسة بتهذيب نفسه وتكميلها ، وأن لا يغفل عن نفسه ، قال هذا ومضى ...

وفي ذلك المجلس أسرتني أخلاقه وتصرّفاته ، وقد أثّرت في قلبي كلماته القصار والأخّاذة إلى حدّ أنّي عرفت منها برنامجي المستقبلي ، وطيلة الفترة التي كنت فيها في النجف لم أترك محضر ذلك العالم التقي ، اشتركت في درسه الأخلاقي واستفدت من سماحته ، ذلك العالم الكبير هو المرحوم آية الله الحاجّ الميرزا علي القاضي رضوان الله عليه (١).

فيا طالب العلم ، لا تيأس من روح الله واطلب الاُستاذ منه ، وفّقك الله للعلم النافع والعمل الصالح.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« العلم دين ، الصلاة دين ، فانظروا عمّن تأخذون هذا العلم ».

قال الإمام الحسن (عليه السلام) :

« عجبت لمن يتفكّر في مأكوله كيف لا يتفكّر في معقوله؟! فيجنّب بطنه ما يؤذيه ويودع ما يرديه ».

قال الإمام الكاظم (عليه السلام) :

« لا علم إلاّ من عالم ربّاني ، ومعرفة العالم بالعقل ».

من وصيّة ذي القرنين :

« لا تتعلّم العلم ممّن لا ينتفع به ، فإنّ من لم ينفعه علمه لا ينفعك » (٢).

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٨٢.

٢ ـ ميزان الحكمة ٦ : ٤٨٤.

٨٤

الأمر العاشر

تعظيم المعلّم والتواضع له

آية الحقّ الشهيد الثاني أعلى الله مقامه الشريف في منيته يذكر آداباً يختصّ بها المعلّم ، وإنّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام : آدابه في نفسه ، وآدابه مع طلبته ، وآدابه في مجلس درسه.

فمن الأوّل ـ أي آدابه في نفسه ـ فاُمور :

١ ـ أن لا ينتصب للتدريس حتّى تكمل أهليّته ويظهر استحقاقه لذلك.

٢ ـ أن لا يذلّ العلم فيبذله لغير أهله.

٣ ـ أن يكون عاملا بعلمه.

٤ ـ زيادة حسن الخلق والتواضع وتمام الرفق وبذل الوسع في تكميل النفس.

٥ ـ أن لا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النيّة.

٦ ـ بذل العلم عند وجود المستحقّ وعدم البخل به.

٧ ـ أن يحترز من مخالفة أفعاله لأقواله.

٨ ـ إظهار الحقّ بحسب الطاقة من غير مجاملة لأحد من خلق الله تعالى.

ومن الثاني ـ أي آدابه مع طلبته ـ فاُمور :

١ ـ أن يؤدّبهم على التدريج بالآداب السنيّة والشيم المرضية ورياضة النفس بالآداب الدينيّة والدقائق الخفيّة.

٢ ـ أن يرغّبهم في العلم ويذكّرهم بفضائله وفضائل العلماء وأنّهم ورثة الأنبياء (عليهم السلام).

٨٥

٣ ـ أن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه ، ويكره لهم ما يكره لنفسه من الشرّ.

٤ ـ أن يزجره عن سوء الأخلاق وارتكاب المحرّمات والمكروهات أو ما يؤدّي إلى فساد حال أو ترك اشتغال أو إساءة أدب ، أو كثرة كلام من غير فائدة ، أو معاشرة من لا تليق معاشرته.

٥ ـ أن لا يتعاظم على المتعلّمين ، بل يلين لهم ويتواضع.

٦ ـ إذا غاب أحد منهم أو من ملازمي الحلقة زائداً على العادة يسأل عنه وعن أحواله.

٧ ـ أن يستعلم أسماء طلبته وحاضري مجلسه وأنسابهم وكناهم ومواطنهم وأحوالهم.

٨ ـ أن يكون سمحاً ببذل ما حصله من العلم.

٩ ـ صدّ المتعلّم أن يشتغل بغير الواجب قبله.

١٠ ـ أن يكون حريصاً على تعليمهم ، باذلا وسعه في تفهيمهم وتقريب الفائدة إلى أذهانهم.

١١ ـ أن يذكر في تضاعيف الكلام ما يناسبه من قواعد الفنّ.

١٢ ـ أن يحرّضهم على الاشتغال في كلّ وقت ، ويطالبهم في أوقات بإعادة محفوظاتهم.

١٣ ـ أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل الدقيقة والنكت الغريبة ، يختبر بذلك أفهامهم ويظهر فضل الفاضل.

١٤ ـ أن ينصفهم في البحث.

١٥ ـ أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودّة أو اعتناء مع تساويهم في الصفات.

٨٦

١٦ ـ أن يقدّم في تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق فالأسبق.

١٧ ـ إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله ، أوصاه بالرفق بنفسه.

١٨ ـ إذا كان متكفّلا ببعض العلوم لا غير ، لا ينبغي له أن يقبّح في نفس الطالب العلوم التي وراءه.

١٩ ـ أن لا يتأذّى ممّن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره أيضاً لمصلحة راجعة إلى المتعلّم.

٢٠ ـ إذا تكمّل الطالب وتأهّل للاستقلال بالتعليم واستغنى عن التعلّم فينبغي أن يقوم المعلّم بنظام أمره في ذلك ، ويمدحه في المحافل ويأمر الناس بالاشتغال عليه والأخذ عنه.

ومن الثالث ـ أي آدابه في درسه ـ فاُمور :

١ ـ أن لا يخرج إلى الدرس إلاّ كامل الاُهبة ، وما يوجب له الوقار والهيبة في اللباس والهيئة والنظافة في الثوب والبدن.

٢ ـ أن يدعو عند خروجه مريداً للدرس.

٣ ـ أن يسلّم على من حضر إذا وصل إلى المجلس ، ويصلّي ركعتين تحيّة المسجد إذا كان في المسجد ، وإلاّ نوى بهما الشكر لله تعالى.

٤ ـ أن يجلس بسكينة ووقار وتواضع وخشوع وإطراق.

٥ ـ قيل : يجلس مستقبل القبلة.

٦ ـ أن ينوي قبل شروعه ، بل حين خروجه من منزله تعليم العلم ونشره.

٧ ـ أن يستقرّ على سمت واحد مع الإمكان ، ويتّقي كثرة المزاح والضحك.

٨ ـ أن يجلس في موضع يبرز وجهه فيه لجميع الحاضرين.

٨٧

٩ ـ أن يحسن خُلقه مع جلسائه زيادة على غيرهم.

١٠ ـ أن يقدّم على الشروع في البحث والتدريس تلاوة ما تيسّر من القرآن الكريم تيمّناً وتبرّكاً.

١١ ـ أن يتحرّى تفهيم الدرس بأيسر الطرق ، وأعذب ما يمكنه من الألفاظ.

١٢ ـ إذا تعدّدت الدروس ، فليقدّم منها الأشرف فالأشرف ، والأهمّ فالأهمّ.

١٣ ـ أن لا يطوّل مجلسه تطويلا يملّهم ، أو يمنعهم فهم الدرس أو ضبطه.

١٤ ـ أن لا يشتغل بالدرس وبه ما يزعجه ويشوّش فكره من مرض أو جوع أو مدافعة حدث أو ما شابه ذلك.

١٥ ـ أن لا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين من دخان أو غبار أو صوت مزعج وغير ذلك.

١٦ ـ مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره في النهار.

١٧ ـ أن لا يرفع صوته زيادة على الحاجة ، ولا يخفضه خفضاً يمنع بعضهم من كمال فهمه.

١٨ ـ أن يصون مجلسه عن اللغط.

١٩ ـ أن يزجر من تعدّى في بحثه ، أو ظهر منه لَدَد أو سوء أدب ، أو ترك إنصاف بعد ظهور الحقّ.

٢٠ ـ أن يلازم الإرفاق بهم في خطابهم وسماع سؤالهم.

٢١ ـ أن يتودّد لغريب حضر عنده وينبسط له لينشرح صدره.

٢٢ ـ إذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتّى يجلس ، وأعادها.

٢٣ ـ إذا سُئل عن شيء لا يعرفه ، فليقل : لا أعرفه ، فإنّ لا أدري نصف

٨٨

العلم ، حتّى يراجع ويرى المسألة.

٢٤ ـ إنّه إذا اتّفق له تقرير أو جواب توهّمه صواباً ، يبادر إلى التنبيه على فساده وتبيّن خطأه قبل تفرّق الحاضرين ، ولا يمنعه الحياء أو غيره من المبادرة.

٢٥ ـ التنبيه عند فراغ الدرس أو إرادته بما يدلّ عليه إن لم يعرفه القارئ.

٢٦ ـ أن يختم الدرس بذكر شيء من الرقائق والحكم والمواعظ وتطهير الباطن ، ليتفرّقوا على الخشوع والخضوع والإخلاص.

٢٧ ـ أن يختم المجلس بالدعاء كما بدأ به.

٢٨ ـ أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة ، فإنّ فيه فوائد وآداباً له ولهم.

٢٩ ـ أن ينصب لهم نقيباً فطناً كيّساً يرتّب الحاضرين.

٣٠ ـ أن يقول إذا قام من مجلسه : سبحانك اللهمّ وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلاّ أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، سبحان ربّك ربّ العزّة عمّـا يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله ربّ العالمين.

هذه خلاصة ما ذكره الشهيد الثاني عليه الرحمة بالنسبة إلى آداب المعلّم (١) ، إنّما ذكرتها في هذا الفصل المنعقد لبيان آداب المتعلّم مع اُستاذه وتعظيمه والتواضع له استطراداً ولتعميم الفائدة.

وأمّا آداب الطالب والتلميذ مع شيخه واُستاذه ، وما يجب عليه من تعظيم حرمته ، فقد ورد ذلك في الآيات والروايات الكثيرة ، منها :

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : « كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : إنّ من حقّ العالم أن لا تكثر عليه السؤال ، ولا تأخذ بثوبه ، وإذا دخلت عليه وعنده قوم فسلّم

__________________

١ ـ منية المريد : ١٧٩ ـ ٢٢١.

٨٩

عليهم جميعاً وخصّه بالتحيّة دونهم ، واجلس بين يديه ، ولا تجلس خلفه ، ولا تغمز بعينك ، ولا تشر بيدك ، ولا تكثر من القول : قال فلان وقال فلان ، خلافاً لقوله ، ولا تضجر لطول صحبته ، وإنّما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتّى يسقط عليك منها شيء ، والعالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله.

وفي حديث الحقوق الطويل المرويّ عن سيّد الساجدين الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) : « وحقّ سائسك بالعلم التعظيم له والتوقير لمجلسه ، وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه ، وألاّ ترفع عليه صوتك ، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتّى يكون هو الذي يجيب ، ولا تحدّث في مجلسه أحداً ، ولا تغتاب عنده أحداً ، وأن تدفع عنه إذا ذُكر عندك بسوء ، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه ، ولا تجالس له عدوّاً ولا تعادي له وليّاً ، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله جلّ وعزّ بأ نّك قصدته ، وتعلّمت علمه لله جلّ اسمه لا للناس.

وهذا الشهيد الثاني عليه الرحمة يذكر وجوهاً لطيفة وآداباً ظريفة تستفاد من ثلاث آيات في قصّة موسى والخضر (عليهما السلام) في قوله تعالى :

(هَلْ أتِّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَني مَمَّـا عُلِّمْتَ رُشْداً) (١).

وقوله عزّوجلّ :

(سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أعْصي لَكَ أمْراً) (٢).

وقوله تعالى :

(إنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً) (٣) ، فراجع.

__________________

١ ـ الكهف : ٦٦.

٢ ـ الكهف : ٦٩.

٣ ـ الكهف : ٦٧.

٩٠

ثمّ يقول : إذا تقرّر ذلك فلنعد إلى ذكر الآداب المختصّة بالمتعلّم مع شيخه ، حسب ما قرّره العلماء ، تفريعاً على المنصوص منها ، وهي اُمور :

١ ـ أن يقدّم النظر فيمن يأخذ عنه العلم ، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه ، وقد مرّ بيان ذلك ، بأنّ الطالب لا بدّ أن يختار المعلّم الصالح ، العامل بعلمه.

٢ ـ أن يعتقد في شيخه أنّه الأب الحقيقي والوالد الروحاني ، وهو أعظم من الوالد الجسماني. وقد ورد في الخبر الشريف : الآباء ثلاثة : أب ولّدك ، وأب زوّجك ، وأب علّمك ، وهو أفضلهم ، فيؤدّي حقّ الاُبوّة ولا يكون عاقّاً لوالده ، وقد سئل الاسكندر : ما بالك توقّر معلّمك أكثر من والدك؟ فقال : لأنّ المعلّم سبب لحياتي الباقية ، ووالدي سبب لحياتي الفانية.

وما أروع ما ينقل عن الشريف الرضي ، أنّه كان أبيّ النفس لم يقبل الهدايا ، فوهبه اُستاذه داراً ، فأبى قائلا : لا أقبل الهديّة حتّى من أبي. فقال له اُستاذه : ولكنّي اُستاذك وأباك الروحاني ، فقبل منه الهديّة.

وحكي عن السيّد موسى الصدر في أيّام زعامته ، دخل قم المقدّسة ، وفي طريقه رأى شيخاً كبير السنّ فانحنى ليقبّل ركبتيه ، فتعجّب من كان معه وسألوه عن سبب ذلك؟ فقال : لقد قرأت ألفيّة ابن مالك عند هذا الشيخ ، فهو اُستاذي ، ولا بدّ لي من تقديره واحترامه.

فاحترام الأساتذة والعلماء وتوقيرهم يعني توقير الله سبحانه ، وأنّه من أسباب التوفيق وهو أمر واجب على كلّ مسلم ، لا سيّما طلاّب العلوم الدينية.

فعدم احترامهم ذنب لا يغتفر وسبب للشقاء والهلاك ، وقصر العمر والحرمان من تحصيل العلم والعمل الصالح.

٩١

فلا تردّ على أهل العلم إلاّ عن علم واطّلاع ورجوع إلى المصادر ، فتعظيم علماء الدين وأهل التقوى وأصحاب الورع من المؤمنين وتكريمهم ، منشأ البركات وصلاح الدين والدنيا ، ونجاة العقبى.

ولمّـا سئل المحقّق الوحيد البهبهاني (قدس سره) : كيف بلغت هذا المقام العلمي والعزّة والشرف والإذعان من الآخرين؟ فكتب في الجواب : أنا لا أعتبر نفسي شيئاً أبداً ، ولا أعدّ نفسي في مستوى العلماء الموجودين ... ولعلّ الذي أوصلني إلى هذا المقام ، وهو أنّني لم أكفّ أبداً عن تعظيم العلماء وإجلالهم ، وذكر أسمائهم بالخير ... وإنّي لم أترك الدراسة في أيّ وقت ما استطعت ذلك ، وكنت اُقدّمها دائماً على سائر الأعمال.

كان المحدّث الجليل الشيخ عباس القمي (قدس سره) شديد الاحترام لأهل العلم ، وخصوصاً السادات وأولاد رسول الله ، وإذا وجد سيّداً في المجلس لم يكن يتقدّم عليه ولا يمدّ رجله باتّجاهه.

وكان نصير الدين الطوسي (رحمه الله) إذا جرى ذكر السيّد المرتضى علم الهدى يقول : صلوات الله عليه ، ويلتفت إلى القضاة والمدرّسين الحاضرين درسه ، ويقول : كيف لا يُصلّى على المرتضى.

عندما جاء آية الله الكلباسي إلى مدينة قم المقدّسة وذهب إلى مزارها الشريف ، كان يمشي في طريقه إلى المزار حافياً ، وقال : هذا المزار وطريقه مليء بالعلماء ورواة الحديث لذا ورعايةً للآداب لا اُريد أن أسير على قبورهم منتعلا.

يقول آية الله الشهيد دستغيب (قدس سره) : ورد الوعيد بالعقوبة الشديدة على كفران نعمة وجود العلماء ، منها ما ورد عن النبيّ الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله) : « سيأتي زمان على الناس يفرّون من العلماء كما يفرّ الغنم من الذئب ، فإذا كان ذلك ابتلاهم الله بثلاثة أشياء : الأوّل : يرفع البركة من أموالهم ، والثاني : سلّط الله عليهم سلطاناً جائراً ،

٩٢

والثالث : يخرجون من الدنيا بلا إيمان » (١).

ويقول العلاّمة الشعراني (قدس سره) : والنصيحة الأخيرة أن لا يعتبروا أنّ العلم بدون التقوى والورع ذا قيمة أبداً ، وأن لا يستخفّوا بكلام علماء الدين ، وأن يعلموا أنّ تعظيمهم أحياءً وأمواتاً يوجب مزيد التوفيق.

وأنا أغتنم هذه الفرصة هنا واُحذّر طلاّب العلوم الدينية الذين هم مثلي لم يصلوا إلى كمال العلم ، أن لا يسيئوا الظنّ أبداً بكبار علماء الدين ، إذ أنّ أقلّ جزاء لهذا العمل هو الحرمان من فيض علومهم.

هذا بالنسبة إلى تعظيم العلماء ورجال الدين ، ومن وقّر عالماً فقد وقّر ربّه ، وأمّا تعظيم الاُستاذ فله امتياز خاصّ ، فإنّ يشتدّ الاحترام بالنسبة إليه ، فإنّ من لم يحترم اُستاذه سلب منه بركة العلم ، ولا يوفّق في الدراسة.

فهذا الآخوند الخراساني صاحب الكفاية المحقّق الكبير لم يرتقِ المنبر للتدريس طيلة حياة اُستاذه الميرزا الكبير الشيرازي مع أنّ عمر الآخوند كان قد جاوز الخمسين ، وكان مجتهداً ويدرّس طلاّبه جالساً على الأرض.

وفي أوّل درس بعد وفاة الميرزا في سامراء ارتقى الآخوند المنبر وجلس في صدره وقال : قال الاُستاذ رحمه الله ، وأقول.

قالوا : وقد كان لهذه ال‍ (أقول) دويّ في المحافل العلميّة في النجف الأشرف.

وكان بعد وفاة اُستاذه يقدّم ولده الميرزا علي على نفسه ، فلمّـا سُئل عن سبب ذلك؟ قال : هذا ابن اُستاذي واحترامه واجب عليّ ـ وذلك من باب يحفظ المرء في ولده ـ.

__________________

١ ـ الذنوب الكبيرة ٢ : ٣٥.

٩٣

ويحدّثنا آية الله العظمى الشيخ مرتضى الحائري عن والده مؤسّس الحوزة العلميّة بقم أنّه قال : التوفيقات التي كانت من نصيبي واستطعت في ظلّها أن أؤسس الحوزة كلّها رهن الخدمات التي قدّمتها لاُستاذي المرحوم السيّد محمّد الفشاركي ، في الفترة التي ابتلي بها سماحته بمرض شديد ، بلغ به إلى حدّ أنّي كنت طيلة ستّة أشهر اُقدّم له الإناء لقضاء الحاجة ... وكنت أفتخر بذلك.

وكثير من علمائنا الأعلام حينما يذكرون اسم أساتذتهم يتبعونه بقولهم : (روحي فداه).

هذا في مقام التعظيم والاحترام ، وأمّا سوء الأدب مع الاُستاذ فتلك الشقاوة والهلاك.

يقول المحدّث الجليل آية الله العظمى السيّد نعمة الله الجزائري (قدس سره) : وكان في إصفهان رجلٌ عالم من مجتهدينا رأيناه ، وقرأنا عليه ، وقد كان في أوّل تحصيله يقرأ عند مجتهد آخر ، فلمّـا نشأ ذلك التلميذ ، أنكر قراءته على ذلك الشيخ ، ولم يقرّ له بالفضل ، فبلغ الاُستاذ قوله ، فدعا عليه وقال : اللهمّ اسلبه كلّ ما قرأه عندي وأخذه عنّي ، فسلبه الله الحافظة بعدما كان مشهوراً بالحفظ ، فصار لا يحفظ مسألة على خاطره ، بل لا بدّ له في كلّ مسألة من مراجعة كتبه ومؤلفاته ، وهو الآن موجود في إصفهان ، ونحن نحمد الله على توفيقه لنا لبرّ المشايخ ، والقيام بوظائف خدمتهم ، والاستغفار لهم أحياءً وأمواتاً ورضاهم عنّا (١).

وجاء في هامش الأنوار النعمانيّة : كان في النجف رجل فاضل له خبرة بالعبارات الغامضة والمطالب المعقّدة في مختلف الكتب ، وكان يبحث عن مثل هذه

__________________

١ ـ الأنوار النعمانيّة ٣ : ٩١.

٩٤

المسائل ويستخرجها من الكتب ويطرحها على العالم الجليل الشيخ محمّد حسن المامقاني ـ الذي كان من المراجع الكبار وتوفّي سنة ١٣٢٣ ه‍ ـ يطرحها عليه في المجالس العامّة ومجالس العلماء والطلاب ، ولم يكن له هدف إلاّ إهانة ذلك الرجل العظيم وتحقيره وإظهار عجزه أمام الآخرين. وعندما تنبّه العلماء لنيّته ، نهوه عن هذه العادة القبيحة ، ونصحه أصدقاءه ، ولكنّه لم يكن يتقبّل النصيحة ، وسرعان ما مات ، إذ ابتلي بمرض عضال ، وقضى في شبابه ، ولم يشكّ أحد أنّ السبب في مرضه وقصر عمره إساءته الأدب مع الشيخ المامقاني.

وأخيراً : كان الشيخ الأنصاري (قدس سره) عائداً من كربلاء إلى النجف ومعه جمع من العلماء ، منهم العارف الكبير السيّد علي الشوشتري وصي الشيخ ، فعندما ركبوا السفينة وقع حذاء الشيخ سهواً على بساط أحد مشايخ العرب ، وكان يبغض الشيخ ويحسده ، فقال بوقاحة : العجم لا أدب لهم ولا معرفة ، خصوصاً أهل شوشتر ، فلم يقل الشيخ شيئاً ، وطلب السيّد علي الشوشتري من الشيخ أن يجيبه على وقاحته ، إلاّ أنّ الشيخ بقي ساكتاً ، وعصر ذلك اليوم ابتلي الشيخ العراقي بالقولنج ، وبعد قليل أخرجوا جنازته من السفينة للدفن (١).

الله الله في تعظيم واحترام العلماء والاُستاذ ، وإيّاكم وسوء الأدب ، فإنّ فيه الهلاك والحرمان ، وأمّا حسن الأدب ففيه البركة والتوفيق والإحسان.

٣ ـ أن يعتقد الطالب أنّه مريض النفس واُستاذه هو الطبيب ، ولا يصحّ في مقام المعالجة مخالفة الطبيب.

٤ ـ أن يحترم اُستاذه ، فإنّ بركة العلم في تعظيم الاُستاذ ، فيضرب صفحاً عن

__________________

١ ـ نقلت القصص من الكتاب القيّم والمفيد « سيماء الصالحين » : ٢٠٩ ـ ٢٢٨ ، فراجع.

٩٥

عيوبه إن كانت ، فإنّ ذلك أقرب إلى انتفاعه به ، ولقد كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدّق بشيء وقال : اللهمّ استر عيب معلّمي عنّي ، ولا تذهب ببركة علمه منّي.

وقال آخر : والله ما اجترأت أن أشرب الماء وشيخي ينظر إليَّ هيبةً له.

وقال حمدان الإصفهاني : كنت عند شريك ، فأتاه بعض أولاد الخليفة المهدي ، فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث ، فلم يلتفت إليه وأقبل علينا ، ثمّ عاد ، فعاد شريك لمثل ذلك ، فقال : أتستخفّ بأولاد الخلفاء؟ قال : لا ، ولكنّ العلم أجلّ عند الله من أن اُضيّعه ، فجثا على ركبتيه ، فقال شريك : هكذا يطلب العلم.

وقد ذكرنا تفصيل هذا الأدب في ما مرّ ، وأتينا بشواهد من حياة علمائنا الأعلام.

٥ ـ أن يتواضع للاُستاذ زيادة على ما اُمر به من التواضع للعلماء وغيرهم ، ويعلم أنّ ذلّه لشيخه عزّ ، وخضوعه له فخر ، وتواضعه له رفعة ، وتعظيم حرمته مثوبة ، وخدمته شرف.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : من علّم أحداً مسألة ملك رقّه. قيل : أيبيعه ويشتريه؟ قال : بل يأمره وينهاه.

٦ ـ أن لا ينكر عليه ، ولا يتآمر ولا يشر عليه بخلاف رأيه ، فيرى أنّه أعلم بالصواب منه ، بل ينقاد إليه في اُموره كلّها.

٧ ـ أن يبجّله في خطابه وجوابه ، في حضوره وغيبته ، ولا يخطابه بتاء الخطاب وكافه ولا يناديه من بعد ، بل يقول : يا سيّدي ، ويا مولاي ، وما شابه ذلك ، ويخاطبه بصيغ الجمع تعظيماً ، نحو : « ما تقولون في كذا » ، ولا يسمّيه في غيبته باسمه إلاّ مقروناً بما يشعر بتعظيمه.

٩٦

٨ ـ تعظيم حرمته في نفسه واقتداؤه به ، ومراعاة سيرته في حضوره وغيبته وبعد موته ، فيدعو له مدّة حياته ويردّ من يستغيبه ، زيادة عمّـا يجب رعايته مع غيره ، ويرعى ذرّيته وأقاربه ومحبّيه في حياته وبعد موته ، ويتعاهد زيارة قبره والاستغفار له ، كما رأيت ذلك تكراراً ومراراً ، بل ما كان يدخل الحرم الشريف للسيّدة المعصومة (عليها السلام) شيخنا في الرواية آية الله العظمى الشيخ محمّد علي الأراكي إلاّ وكان يجلس على قبر آية الله العظمى السيّد الخوانساري (قدس سره) ويزوره ، وسيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد الگلپايگاني ما كان يبدأ بالدرس إلاّ ويقرأ سورة الحمد ليهدي ثوابها على روح أساتذته.

٩ ـ أن يشكر الشيخ على توفيقه له على ما فيه فضيلة ، وعلى توبيخه له على ما فيه نقيصة أو كسل يعتريه ، أو قصور يعانيه ، أو غير ذلك.

١٠ ـ أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه واُستاذه ، أو سوء خلق ، ولا يصدّه ذلك على ملازمته وحسن عقيدته واعتقاد كماله ، ويتأوّل أفعاله على أحسن تأويل وأصحّه ، ويعتذر منه ، ومن لم يصبر على بذل التعليم ، بقي عمره في عماية الجهالة ، ومن صبر عليه آل أمره إلى عزّ الدنيا والآخرة ، فلا بدّ من الصبر الجميل مع الاُستاذ.

١١ ـ أن يجتهد على أن يسبق بالحضور إلى المجلس قبل حضور الشيخ ، ويحترز أن يدع الشيخ جالساً بانتظاره.

١٢ ـ أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العامّ بغير إذنه ، سواء كان الشيخ وحده أم معه غيره.

١٣ ـ أن يدخل على الشيخ كامل الهيئة ، فارغ القلب من الشواغل ، نشيطاً منشرح الصدر ، صافي الذهن ، متطهّراً متنظّفاً.

٩٧

١٤ ـ أن لا يقرأ على الشيخ عند شغل قلبه وملله ونعاسه وما شابه ذلك ، ممّـا يشقّ عليه فيه البحث.

١٥ ـ إذا دخل على الشيخ ووجده مشغولا ويريد انصرافه فليسلّم ، ويخرج سريعاً ، إلاّ إذا طلب الشيخ مكثه فيستجيب.

١٦ ـ إذا حضر مكان الشيخ فلم يجده انتظره ، ولا يفوّت على نفسه درسه.

١٧ ـ أن لا يطلب من الشيخ إقراءً في وقت يشقّ عليه فيه ، أو لم تجرِ عادته بالإقراء فيه.

١٨ ـ أن يجلس بين يديه جلسة الأدب بسكون وخضوع وإطراق رأس وتواضع وخشوع.

١٩ ـ أن لا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو وسادة ونحو ذلك ، ولا يعطي الشيخ جنبه أو ظهره.

٢٠ ـ أن يصغي إلى الشيخ ناظراً إليه ، ويقبل بكلّيته عليه ، متعقّلا وفاهماً لقوله ، ولا يلتفت إلى الجهات من غير ضرورة ، ولا يتمطّى ولا يكثر التثاؤب ، ولا يلفظ النخامة من فيه بل يأخذها منه بمنديل ونحوه ، ولا يتجشّأ ، وإذا عطس حفظ صوته جهده ، وستر وجهه بمنديل وغيره ، وذلك كلّه ممّـا يقتضيه النظر المستقيم والذوق السليم.

٢١ ـ أن لا يرفع صوته رفعاً بليغاً من غير حاجة ، ولا يسار في مجلسه ، ولا يغمز أحداً ولا يغتاب عنده ولا ينمّ وما شابه ذلك.

٢٢ ـ أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الإمكان ، ولا يقول له : لِمَ؟ ولا نسلّم ولا (من نقل هذا؟) ولا (أين موضعه) وما شابه ذلك ، فيراعي آداب الكلام وعفّة اللسان مع اُستاذه.

٩٨

٢٣ ـ إذا ذكر الشيخ تعليلا وعليه تعقّب ولم يتعقّبه أو بحثاً وفيه إشكال ولم يستشكله ، أو إشكالا وعنه جواب ولم يذكره ، فلا يبادر إلى ذكر ذلك ، بل يشير إليه بألطف إشارة.

٢٤ ـ أن يتحفّظ من مخاطبة الشيخ بما يعتاده بعض الناس في كلامه ولا يليق خطابه به مثل : أيش بك؟ وفهمت؟ وما شابه ذلك.

٢٥ ـ إذا خطأ الشيخ في كلامه فلا يضحك ولا يستهزئ ويعيدها ، أو يلفت الطلاب إليه ، فإنّ هذا ممّـا يوجب مقت الله والحرمان من بركات العلم.

٢٦ ـ أن لا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال منه أو من غيره ، إلاّ إذا علم من الشيخ أنّه يودّ أن يجيب هو فلا بأس به.

٢٧ ـ أن لا يقطع كلامه على الشيخ أيّ كلام كان ، ولا يسابقه فيه ولا يساوقه به بل يصير حتّى يتمّ الشيخ كلامه فيتكلّم.

٢٨ ـ أن يصغي إلى كلام الشيخ حتّى فيما لو عرف كلام أو حفظ الشعر الذي يقرأه الشيخ أو ما شابه ذلك ، بل إذا سأله الشيخ هل يعرف ذلك ، فليقل : اُحبّ أن أستفيده من الشيخ أو أسمعه منه.

٢٩ ـ لا ينبغي له أن يكرّر سؤال ما يعلمه ، ولا استفهام ما يفهمه ، فإنّه يضيّع الزمان وربما يوجب ضجر الاُستاذ ، فإنّ إعادة الحديث أثقل من نقل الصخر كما قيل.

٣٠ ـ أن لا يسأل عن شيء في غير موضعه ، ففاعل ذلك لا يستحقّ جواباً ، والعاقل الذي يضع الأشياء في مواضعها.

٣١ ـ أن يغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه ، ويتلطّف في سؤاله ويحسن في جوابه.

٩٩

٣٢ ـ أن لا يستحيي من السؤال عمّـا أشكل عليه ، بل يستوضحه أكمل استيضاح ، فمن رقّ وجهه رقّ علمه ، وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : إنّ هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة.

٣٣ ـ إذا قال له الشيخ : أفهمت؟ فلا يقول : نعم. قبل أن يتّضح له المقصود اتّضاحاً جليّاً ، لئلاّ يكذب ويفوته الفهم ، ولا يستحي من قول : لم أفهم.

٣٤ ـ أن يكون ذهنه حاضراً في جهة الشيخ ، بحيث إذا أمره بشيء أو سأله عن شيء أو أشار إليه ، لم يحوجه إلى إعادته ثانياً.

٣٥ ـ إذا ناوله الشيخ الاُستاذ شيئاً تناوله باليمنى ، وكذلك العكس ، ولا يرمي إليه شيئاً من كتاب أو ورقة أو غيرهما.

٣٦ ـ إذا ناوله قلماً ليكتب به فليعده قبل إعطائه إيّاه للكتابة.

٣٧ ـ إذا ناوله سجّادة ليصلّي عليها نشرها أوّلا ، وأولى منه أن يفرشها هو عند قصد ذلك ، وبعبارة اُخرى يكون دائماً بخدمة اُستاذه.

٣٨ ـ إذا قام الشيخ بادر القوم إلى أخذ السجّادة إن كانت ممّـا تنقل له ، وإلى الأخذ بيده أو عضده إن احتاج إليه ، وإلى تقديم نعله إن لم يشقّ ذلك على الشيخ ، ويقصد بذلك كلّه التقرّب إلى الله تعالى بخدمته والقيام بحاجته ، وقيل : أربعة لا يأنف الشريف منهنّ ، وإن كان أميراً : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته للعالم الذي يتعلّم منه ، والسؤال عمّـا لا يعلم ، وخدمته للضيف.

٣٩ ـ أن يقوم لقيام الشيخ ، ولا يجلس وهو قائم ، ولا يضطجع بحضرته مطلقاً ، إلاّ أن يكون في وقت نوم ويأذن له.

٤٠ ـ إذا مشى مع شيخه ، فليكن أمامه بالليل ووراءه بالنهار ، إلاّ أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها ، أو يأمره الشيخ بحالة فيتمثّلها.

١٠٠