طالب العلم والسيرة الأخلاقية

السيّد عادل العلوي

طالب العلم والسيرة الأخلاقية

المؤلف:

السيّد عادل العلوي


الموضوع : الأخلاق
الناشر: المؤسسة الإسلامية العامة للتبليغ والإرشاد
المطبعة: النهضة
الطبعة: ١
الصفحات: ١٧٦
  نسخة غير مصححة

الأمر الثالث

قطع العلائق المانعة من تحصيل العلم

أن يقطع ما يقدر عليه من العوائق الشاغلة ، والعلائق المانعة عن تمام الطلب وكمال الاجتهاد ، وقوّة الجدّ في التحصيل ، ويرضى ما تيسّر من القوت وإن كان يسيراً وبما يستر مثله من اللباس وإن كان خلقاً ، فبالصبر على ضيق العيش تنال سعة العلم ، والعلم لا يعطيك بعضه حتّى تعطيه كلّك.

أكتفي بقصّة واحدة من حياة المحقّق العالم الربّاني الملاّ محمّد مهدي النراقي صاحب (جامع السعادات) من خيرة المصنّفات في علم الأخلاق.

« كان في بداية تحصيله في غاية الفقر والفاقة بحيث لم يكن قادراً على إشعال قنديل للمطالعة ، فكان يستفيد من قنديل بيت الخلاء للمطالعة ، وإذا جاء أحد إلى بيت الخلاء ، كان يتنحنح إشارة منه إلى أنّه مشتغل بقضاء الحاجة ، فلا يعرف أحد بالأمر ويخجل.

هذا الرجل العظيم ـ وهكذا كلّ العظماء ـ قطع كلّ ما يشغله عن دراسته ، حتّى الرسائل التي كانت ترسل إليه من أهله ووالده ، كان يبقيها مقفلة لا ينظر إليها حتّى لا يوجب ذلك شرود ذهنه ، ويضع الرسائل تحت الفراش ، وعندما قُتل والده فبأمر من اُستاذه وبمعيّته ذهب إلى نراق ، وبعد ثلاثة أيّام رجع إلى مدرسته وهو شديد الشوق لتحصيل العلوم العقليّة والنقليّة ، ولمّـا أكمل دراسته وسكن في كاشان وكانت خالية من العلماء ، وببركته مُلئت من العلماء والفضلاء ، وصار مرجع ومحطّ رحال الرجال الكُمّل الأفاضل ، وظهر الكثير من العلماء من تلامذته » (١).

__________________

١ ـ قصص العلماء للتنكابني : ١٤٦.

٦١

الأمر الرابع

عدم الزواج المبكّر

أن يترك التزويج حتّى يقضي وطَرَه من العلم ، فإنّه أكبر شاغل وأعظم مانع ، حتّى قيل : ذبح العلم في فروج النساء ، ومن احبّ أفخاذ ـ اتّخاذ ـ النساء لم يفلح.

ثمّ يقول الشهيد الثاني (قدس سره) : ولا يغترّ طالب العلم بما ورد في النكاح من الترغيب ، فإنّ ذلك حيث لا يعارضه واجب أولى منه ، ولا شيء أولى ولا أفضل ولا واجب أضيق من العلم ، سيّما في زماننا هذا ...

أقول : إنّما يترك الزواج لمن تمكّن من حفظ نفسه أن لا يقع في اللذائذ المحرّمة ، وإلاّ فإنّه يكون واجباً من مقدّمة الواجب واجب ، ولا يصحّ ترك الواجب من أجل عمل مندوب ، وطلب العلم أكثر من المسائل المبتلى بها مستحبّ في نفسه ، فتدبّر.

كان اُستاذي في الأخلاق في مقام النصيحة يقول : إذا كان بإمكان طالب العلم أن لا يتزوّج مبكّراً فليفعل ، فإنّ من يقدر على حفظ نفسه من التلوّث بالذنوب ، فعدم الزواج أفضل له ، لأنّ المرأة والأولاد بمنزلة القيود والسلاسل لطالب العلم ، فكثيراً ما تمنعه عن مواصلة الدراسة والتحقيق والتدقيق ، وينشغل ذهنه باُمور المعاش والمأكل والملبس والمسكن ، لا سيّما في عصرنا هذا ، فإنّ الحياة لطالب العلم من دون دغدغة صعبة جدّاً ، فمن أراد أن يتوفّق في تحصيل العلوم والفنون ويفوق فيها الأقران ، فعليه أن يكمل درسه في مرحلتي المقدّمات والسطوح ويدخل في درس خارج الاُصول والفقه لسنتين وما يزيد ، فحينئذ يقدم على الزواج ، وقد تزوّج الإمام الخميني وعمره خمسة وعشرون سنة ، وقد ألّف وصنّف في الفقه والاُصول والفلسفة والعرفان وعمره ثلاث وعشرون سنة ، فاعتبروا يا اُولي الأبصار.

٦٢

الدرس الرابع

لقد عرفنا في المقدّمة والفصول التي مرّت أهميّة الأخلاق في حياة طالب العلوم الدينيّة ، وبعض الآداب التي لا بدّ من مراعاتها ، حتّى يتوفّق في طلب العلم النافع والعمل الصالح. وبقيت الآداب والأخلاق الحميدة الاُخرى ، وهي كما يلي :

الأمر الخامس

ترك العِشرة

أن يترك العِشرة مع من يشغله عن مطلوبه ، فإنّ تركها من أهمّ ما ينبغي لطالب العلم ، وأعظم آفات العِشرة ضياع العمر بغير فائدة ، وذهاب العرض والدين إذا كانت لغير أهل.

والذي ينبغي لطالب الحوزة العلمية أن لا يخالط إلاّ لمن يفيده أو يستفيد منه ، أي يغدو إمّا عالماً ربّانياً ، أو متعلّماً على سبيل النجاة ، ولا يكن الثالث همجٌ رعاع ،

٦٣

وإن احتاج إلى صاحب وصديق وزميل فليختر الصاحب الصالح (١) ، الديّن التقي الذكي الورع ، الذي يعين على اُمور دينه ودنياه وآخرته ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر أعانه ، وإن احتاج واساه ، وإن ضجر صبّره. فيستفيد من خلقه ملكة صالحة ، فإنّ المرء يكسب من قرينه أخلاقه وملكاته ، وإن لم يتّفق مثل هذا العبد الصالح ، فإنّ الوحدة خيرٌ له من قرين السوء ، وإنّ الصبر على الوحدة في مثل هذه المواقف من قوّة العقل ، وقطعيّة الجاهل تعدل صلة العاقل.

وقد حثّ علماء الأخلاق على ترك العشرة المانعة من تحصيل العلم ، بل لا بدّ لمن آثر الله على من سواه من العزلة في ابتدائه توحّشاً من غير الله ، ومن الخلوة في انتهائه اُنساً بالله ، وقد ورد في الخبر الشريف عن الإمام العسكري (عليه السلام) : « من استأنس بالله استوحش من الناس » (٢).

والسيّد الإمام الخميني في كتابه « الجهاد الأكبر » يرى أنّه من الحريّ لطالب العلم أن يبقى في الحوزة في مقام تهذيب نفسه ولو كان يستلزم ذلك خمسون سنة ، ثمّ بعد ذلك يخرج إلى المجتمع ، حتّى لا يتلوّث قبل تكميل نفسه بأوساخ المجتمع ، ولا يتغيّر بأهوائهم والأجواء التي يخلقونها ، بل يكون هو صاحب التصميم والقرار وهو الذي يلوّن المجتمع بصبغة الله ، لا أنّه يتلوّن بألوانه وينجرف مع سيله ، حتّى يفقد دينه ـ والعياذ بالله ـ.

__________________

١ ـ لقد تعرّضت لمواصفات الصديق وواجبات الصداقة في كتاب « معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) » ، فراجع.

٢ ـ لقد ذكرت مقامات عديدة تلزم مقام الاُنس بالله في رسالة « مقام الاُنس بالله » شرحاً وبياناً لهذه الرواية الشريفة ، وهي مطبوعة ، فراجع.

٦٤

وروايات العزلة على نحوين ، كما في كتاب « المحاسن والمساوئ » ، منها تذمّ العزلة ، ومنها تمدح ، والجمع بينها ، كما هو واضح أنّ التي تحثّ على الاتّصال مع الناس لهدايتهم على أنّ هدف الأنبياء ذلك ، والعلماء ورثة الأنبياء ، إنّما ناضرة إلى من أكمل نفسه وهذّبها ، ووهبه الله قدرة إمامة الناس وسوقهم وهدايتهم إلى وادي السعادة والهناء ، وأمّا طالب العلم في بداية مسيرته العلميّة والاجتماعيّة ، فإنّه بحاجة ماسّة إلى العزلة الممدوحة ، التي يستتبعها العلم والتقوى وجهاد النفس ورجاحة العقل وكمال الأدب.

اُنظر إلى مدح الله أصحاب الكهف في قوله تعالى :

(وَإذِ اعْتَزَلـْتُموهُمْ وَما يَعْبُدونَ إلاّ اللهَ فَأوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مرْفقاً) (١).

(وَأعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعونَ مِنْ دونِ اللهِ وَأدْعو رَبيِّ عَسى أنْ أكونَ بِدُعاءِ شَقِيَّاً فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدونَ مِنْ دونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ وَيَعْقوبَ وَكُلاّ جَعَلـْنا نَبِيَّاً) (٢).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« العزلة عبادة ».

« قال الله عزّوجلّ : إنّ من أغبط أوليائي عندي رجلا خفيف الحال ذا خطر أحسن عبادة ربّه في الغيب ، وكان غامضاً بين الناس ، جعل رزقه كفافاً فصبر عليه ، مات فقلّ تراثه وقلّ بواكيه ».

« إنّ أغبط أولياء الله عبدٌ مؤمنٌ خفيف الحال ذو حظٍّ من الصلاة أحسن

__________________

١ ـ الكهف : ١٦.

٢ ـ مريم : ٤٨ ـ ٤٩.

٦٥

عبادة ربّه وأطاعه في السرّ ، وكان غامضاً في الناس لا يُشار إليه بالأصابع ».

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

« العزلة أفضل شيم الأكياس ».

« في اعتزال أبناء الدنيا جماع الصلاح ».

« الوصلة بالله في الانقطاع عن الناس ».

« من انفرد عن الناس أنس بالله سبحانه ».

« لا سلامة لمن أكثر مخالطة الناس ».

« ملازمة الخلوة دأب الصلحاء ».

« سلامة الدين في اعتزال الناس ».

« من اعتزل الناس سلم من شرّهم ».

« مداومة الوحدة أسلم من خلطة الناس ».

« كان لقمان (عليه السلام) يطيل الجلوس وحده ، وكان يمرّ به مولاه فيقول : يا لقمان ، إنّك تديم الجلوس وحدك ، فلو جلست مع الناس كان آنس لك. فيقول لقمان : إنّ طول الوحدة أفهم للفكرة ، وطول الفكرة دليل على طريق الجنّة ».

« من حديث الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام بن حكم ، قال (عليه السلام) : الصبر على الوحدة علامة على قوّة العقل ، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ، ورغب فيما عند الله ، وكان الله أنيسه في الوحشة ، وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ومعزّه من غير عشيرة ».

« قال الإمام الصادق (عليه السلام) : إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل ، فإنّ عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنّع ولا تداهن ».

٦٦

« كان شخص يبكي عند قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقيل له : ما يبكيك؟ فقال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : إنّ اليسير من الرياء شرك ، وإنّ الله سحبّ الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفقدوا ، وإن حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ».

« يقول الإمام العسكري (عليه السلام) : الوحشة من الناس على قدر الفطنة بهم ».

« قال الإمام الصادق (عليه السلام) : خالط الناس تخبرهم ، ومتى تخبرهم تقلّهم ».

« قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من عرف الله توحّد ، من عرف الناس تفرّد ».

« ولمّـا سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن علّة اعتزاله؟ قال : فسد الزمان وتغيّر الإخوان ، فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد » (١).

ولنا روايات كثيرة تمدح العزلة بشرطها ، كما أنّ العرفاء حثّوا طلاّب السير والسلوك في بداية أمرهم على ذلك.

فقيل : ما اختار الخلوة على الصحبة فينبغي أن يكون خالياً عن جميع الأذكار إلاّ ذكره ، وعن جميع الإرادات إلاّ أمره ، وعن جميع مطالبات النفس إلاّ حكمه.

الوحدة جليس الصديقين وأنيس الصادقين ، ليكن خدنك الخلوة وطعامك الجوع وحديثك المناجاة ، فإمّا أن تموت وإمّا أن تصل.

وكان بعض العارفين يصيح : الإفلاس الإفلاس! فقيل : وما الإفلاس؟ قال : الاستيناس بالناس.

ودخل تلميذ على شيخه وكان وحيداً في داره ، فقال : أما تستوحش في هذه الدار وحيداً؟ فقال : ما كنت أظنّ أنّ أحداً استوحش مع الله ، وقال آخر في الجواب ، لمّـا دخلت صرت وحيداً ، فإنّي كنت مشغولا ومستأنساً بربيّ.

__________________

١ ـ ميزان الحكمة ، كلمة « العزلة » ٣ : ١٩٦٤ ، الطبعة الجديدة.

٦٧

إرضَ بالله صاحباً وذر الناس جانباً ، كفى بالله محبّاً وبالقرآن مؤنساً وبالموت واعظاً.

صم عن الدنيا واجعل فطرك الآخرة ، وفرّ من الناس فرارك من الأسد ، واتّخذ الله مؤنساً.

قال بعض الحكماء : إنّما يستوحش الإنسان بالوحدة لخلاء ذاته وعدم الفضيلة من نفسه ، فيتكثّر حينئذ بملاقاة الناس ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم ، فإذا كانت ذاته فاضلة ونفسه كاملة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ، ويتفرّغ لاستخراج العلم والحكمة.

وفي بعض الآثار : وجدنا خير الدنيا والآخرة في الخلوة والقلّة ، وشرّهما في الكثرة والخلطة.

وفي بعضها : إذا أراد الله أن ينقل العبد من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة آنسه بالوحدة ، وأغناه بالقناعة ، وبصّره عيوب نفسه ، ومن اُعطي ذلك اُعطي خير الدارين.

ومن فوائد العزلة : السلامة من الآفات ، وترك النظر إلى زينة الدنيا وزهرتها ، ومنع النفس من التطلّع إليها ومنافسة الناس عليها. قال الله تعالى :

(وَلا تُمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فيهِ) (١).

وإنّها خالعة عنك ذلّ الإحسان ، وقاطعة رقّ الأطماع ، ومفيدة عزّ الناس عن الناس ، ومن آثر العزلة حصل العزّ له ، ومعاشرة الأشرار تورث سوء الظنّ بالأخيار.

__________________

١ ـ طه : ١٣١.

٦٨

العزلة تستر الفاقة ، وتكفّ جلباب التجمّل ، إنّها معينةٌ لمن أراد نظراً في علم ، أو إثارة لدفين رأي ، واستنباطاً لحكمة ، لأنّ شيئاً منها لا يتمّ إلاّ مع خلاء الذرع وفراغ القلب ، ومخالطة الناس ملغاة ومشغلة.

وقال بعض الحكماء : من الطيور من جعل راحته في اعتزال العمران ، وآثر المواضع النائيه عن الناس ، فليتشبّه به من أراد النظر في كتب الحكمة.

وقال بعض الأخيار : لا يتمكّن أحد من الخلوة إلاّ بالتمسّك بكتاب الله ، والمتمسّكون بكتاب الله هم الذين استراحوا من الدنيا بذكر الله ، الذاكرون الله بالله ، عاشوا بذكر الله وماتوا بذكر الله ، ولقوا الله بذكر الله.

وقيل لبعض العبّاد ، ما أصبرك على الوحدة! فقال : ما أنا وحدي ، أنا جليس الله جلّ وعزّ! إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه ، وإذا أردت أن اُناجيه صلّيت.

وكان بعضهم يلزم الدفاتر والمقابر ، فقيل له في ذلك ، فقال : لم أرَ أسلم من وحدة ، ولا صاحباً أوعظ من قبر ، ولا جليساً أمنع من دفتر.

كان بعض العارفين يقول : مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة. وكان يقول : من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه ، فليعتزل الناس ويستوحش من الأغنياء وليجانب السلطان كما يجانب الرجل السباع الضارية والهوام العادية.

وعن بعض الحكماء حين قيل له : لماذا رفضت الناس؟ فقال : لم أرَ إلاّ عدوّاً يداجيني بعداوته ، وصديقاً يعدّ عليّ معايبي في أيام صداقته.

وطالب العلم إنّما يستأنس بكتبه ، وإنّ الكتب بساتين العلماء.

وكتبك حولي لا تفارق مضجعي

وفيها شفاء للذي أنا كاتم

كأنّي سقيمٌ قد اُصيب فؤاده

وهنّ حواليَّ الرقا والتمائم

٦٩

وقال بعض العرفاء : العزلة في الحقيقة اعتزال الخصال المذمومة ، لا الانقطاع عن الإخوان والتنائي عن الأوطان ، فلهذا قيل للعارف : (كائن بائن) أي كائن مع الخلق ، بائن عنهم بالسرّ ، كما ورد في الأثر : (كن مع الناس ، ولا تكن معهم) ، أي : كن معهم بالأجساد ، ولا تكن بالأرواح ، فإنّ المؤمن تعلّقت روحه بالملأ الأعلى ، فإنّه يستأنس بالله ويطمئنّ قلبه بذكر الله سبحانه.

والعقلاء إنّما يختارون العزلة لفوائدها الجمّة ، ولقلّة إخوان الصفا وخُلاّن الوفاء ، وقد علموا أنّ المعاشرة مع الأبرار الصالحين والأخيار المتّقين ، أفضل من الوحدة والانفراد والعزلة ، ومن يترك الأخيار اختياراً ابتلي بالأشرار اضطراراً ، فإن لم نجد من يتحلّى بالعقل ، ولم يتجمّل بالعلم والفضل والأدب ، لزمنا زوايا البيوت والمدارس ، وتوكّلنا على الحيّ الذي لا يموت (١) ، ونعمل بما قاله الإمام الكاظم (عليه السلام) : « قطيعة الجاهل تعدل صلّة العاقل ».

هذا وكبار علمائنا الأعلام في وصاياهم لأولادهم وتلامذتهم ، كانوا يحثّونهم على اختيار العزلة ، عند فساد الزمان.

ومن وصايا سيّدنا الاُستاذ السيّد النجفي المرعشي (قدس سره) : وبتقليل المعاشرة ، فإنّ المعاشرة والدخول في نوادي الناس في هذه الأعصار محظور مخطور ، قلّما يرى ناد يخلو عن البهت والغيبة في حقّ المؤمنين والإرزاء بهم ، وتضييع حقوقهم واُخوّتهم.

__________________

١ ـ آداب النفس : ٤١ ـ ٦٣.

٧٠

الدرس الخامس

من الآداب والأخلاق الطيّبة التي لا بدّ لطالب العلم في سيرته الأخلاقيّة من مراعاتها ، هي كما يلي ـ عطفاً على ما سبق ـ :

الأمر السادس

الحرص على التعلّم

أن يكون حريصاً على التعلّم مواظباً في جميع أوقاته ليلا ونهاراً سفراً وحضراً ، فلا يشتغل بغير طلب العلم أو ما هو ضروري في الحياة من أكل ونوم وما شابه ذلك ، وإنّ من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان يومه خيرٌ من أمسه فبطن الأرض خيرٌ له من ظهرها ـ كنابة عن الموت ، وأنّ الحياة حينئذ لا قيمة لها ـ ولا يستطاع العلم براحة الجسد ، وإنّ الجنّة دار النعيم التي فيها ما لم يخطر على قلب بشر ، إنّما حُفّت بالمكاره والصعاب ، وإنّ من طلب العلى سهر الليالي.

وما أكثر الخواطر والقصص من حياة علمائنا الأعلام في هذا الباب ، كان سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد الگلپايگاني يقول : وكم من ليلة غرقت في

٧١

المطالعة فلم أنتبه على نفسي إلاّ بصوت مؤذّن صلاة الصبح. وكم من مرّة وضعت زوجة آية الله العظمى السيّد البروجردي (قدس سره) العشاء من أوّل الليل في غرفة زوجها ، فتأتي صباحاً وترى الأكل لا يزال على ما كان ، وكان السيّد مشغولا بالمطالعة حتّى الصباح.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« من لم يصبر على ذلّ التعلّم ساعة بقي في ذلّ الجهل أبداً ».

« ما من متعلّم يختلف إلى باب العالم إلاّ كتب الله له بكلّ قدم عبادة سنة ».

قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) :

« لا يستحينّ أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلّمه ».

« تعلّموا العلم فإنّ تعلّمه حسنة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وهو أنيس في الوحشة ، وصاحب في الوحدة ، وسلاح على الأعداء ، وزين الأخلاّء ، يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمّة يقتدى بهم ، ترمق أعمالهم وتقتبس آثارهم ».

« في صفة المتّقين : من علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين وحزماً في لين ، وإيماناً في يقين ، وحرصاً في علم ، وعلماً في حلم ».

قال الإمام الصادق (عليه السلام) :

« كان فيما وعظ لقمان ابنه ، أنّه قال له : يا بني ، اجعل في أيّامك ولياليك نصيباً لك في طلب العلم ، فإنّك لن تجد تضييعاً مثل تركه ».

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « العلم رأس الخير كلّه ، والجهل رأس الشرّ كلّه ».

« العلم حياة الإسلام وعماد الدين » ، أقرب الناس إلى درجة النبوّة أهل العلم والجهاد ، مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء ...

٧٢

الأمر السابع

علوّ الهمّة

أن يكون عالي الهمّة ، بعيد النظر ، كما قال أمير المؤمنين لولده محمّد بن الحنفيّة في ساحة الوغى : « اُنظر إلى أقصى القوم » ، وإنّ من ينظر إلى قمّة الجبل فإنّه يهون عليه صعوده ، ولا يتهيّب من وعره وصعوبة طريقه ، فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير ، ولا يؤجّل عمل اليوم إلى غد ، ولا عمل الساعة إلى بعدها ، فإنّ في التأخير آفات ، وخير البرّ عاجله ، وإنّ للساعة الثانية عملها ، فلا بدّ من السير الدؤوب المتواصل ، ولا يخافه قول حذار ، ولا تعيقه في السير عوائق ، بل يتجاوز العقبات والموانع والقواطع بحزم وعزم وصبر ومثابرة ، والوقت سيف فإن قطعته وإلاّ قطعك ، والليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.

واعلم أنّ أنفس شيء وأعظم شيء في الحياة هو العلم ، فإنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) يقول : « لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج » ، فمثل هذا الأمر الخطير يحتاج إلى أعلى مراتب الهمّة وأقوى درجات الإرادة ، وغاية الشوق ونهاية العشق ، ولِمَ لا يكون كذلك وسبحانه وتعالى يقول :

(هَلْ يَسْتَوي الَّذينَ يَعْلَمونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ اُولو الألـْبابِ) (١).

(يَرْفَعِ اللهُ الَّذينَ آمَنوا مِنْكُمْ وَالَّذينَ اُوتوا العِلـْمَ دَرَجات) (٢).

__________________

١ ـ الزمر : ٩.

٢ ـ المجادلة : ١١.

٧٣

الأمر الثامن

رعاية ترتّب العلوم

أن يأخذ في ترتيب التعلّم بما هو اولى ، ويبدأ في مقام التزاحم في الامتثال بالأهمّ فالأهمّ ، ولا يشتغل في النتائج قبل المقدّمات ، كما لا يطفر من كتاب إلى آخر قبل إتمامه ودراسته. فليحذر من التنقّل من كتاب إلى آخر ومن فنّ إلى غيره من غير موجب ، فإنّ ذلك علامة الضجر وعدم الفلاح ، ومن ضجر وكسل فإنّه يفوت منه الحقّ ، ويقصّر فيه. كما لا يختلف في كلّ برهة قصيرة وأيام معدودة عند عالم وآخر ، وبين ليلة وضحاها ، تجده قد ختم الكتب العقلية والفلسفية ، ويدّعي الربوبية في علمه ، وينتظر من الناس أن يقدّسونه ويلقّبونه بآية الله وإنّه العظمى ـ كما ابتلينا في عصرنا وحوزتنا بمثل هذه النماذج الضعيفة في الشخصية الفارغة من المحتوى والأخلاق الإسلامية ، تراهم سرعان ما يتلهّفون إلى جمع المردة وفتح المكاتب والبرّانيات ، وطبع الرسائل العملية أو دونها ، ويحبّون جمع المال حبّاً جمّاً ، ويحسبون أنّهم يحسنون صنعاً ـ بل لطالب العلم الذي يفكّر في تهذيب نفسه أن يتريّث ويتمهّل ويسعى بكلّ طاقته أن يصلح نفسه أوّلا ، ولو كان ذلك يستلزم سنين بل (وعلى حدّ تعبير الإمام الخميني (قدس سره) في كتابه « الجهاد الأكبر ») لو كان ذلك إلى خمسين سنة ، فلا يتقبّل المسؤوليات الاجتماعية قبل أن يكمل نفسه ، ولماذا هذه العجلة؟! فإنّه إن كنت من أهل الرئاسة الصالحة التي تنفعك في دينك ، فإنّها تأتيك ذليلةً حقيرة ، وحينئذ لا يُبال لو خرجت منه ، كما لا يرتكب المحرّمات من أجل حدوثها وبقائها ، فإنّه :

٧٤

كلّ من أخذ البلاد بغير حرب

يهون عليه تسليم البلادِ

وأمّا من همّ بالرئاسة فهو ملعون ، بعيد عن رحمة الله سبحانه ، كما ورد في الروايات الشريفة ، وهلك من يخفق خلفه النعال.

وهناك من المعمّمين من علماء السوء من يطيل لحيته ويزيد في قطر عمامته ، ويسطّر الألقاب قبل اسمه ، ليغرّ بها عوامّ الناس ، وليكسب المال منهم ، ويحضى باحترامهم ، وتقبيل يده الأثيمة. وقد غفل أنّ الزبد يذهب جفاء ، وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

واعلم أنّ العمر لا يتّسع لجميع العلوم ، فالحزم أن يأخذ من كلّ علم أحسنه ، ويصرف جمام قوّته في العلم الذي هو أشرف العلوم ، وهو العلم النافع في الآخرة ، ممّـا يوجب كمال النفس وتزكيتها بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة والأعمال الصالحة والأفعال الطيّبة ، ومرجعه إلى معرفة الكتاب الكريم ، كتاب الله الحكيم ، والسنّة الشريفة المتمثّلة بقول المعصوم (عليه السلام) وفعله وتقريره ، وعلم مكارم الأخلاق وما ناسبه (١).

واعلم أنّ لكلّ علم من هذه العلوم مرتبة من التعلّم ، لا بدّ لطالبه من مراعاتها لئلاّ يضيع سعيه أو يعسر عليه طلبه ، وليصل إلى بُغيته بسرعة ، وكم قد رأينا طلاّباً للعلم سنين كثيرة ، لم يحصلوا منه إلاّ على القليل ، وآخرون حصّلوا منه كثيراً في مدّة قليلة ، بسبب مراعاة ترتيبه ونظامه.

ثمّ الغرض الأوفى من هذه العلوم ليس مجرّد العلم بها ، بل المقصود موافقة

__________________

١ ـ هذا ما قاله الشهيد الثاني في منيته من آداب المتعلّم في نفسه ، ثمّ يذكر آدابه مع شيخه أربعين أدباً ، ثمّ آدابه في درسه وقراءته ثلاثون أدباً ، فراجع.

٧٥

مراد الله تعالى منها والتقرّب إليه بها ، إمّا بالآلية ، أو بالعلم ، أو بالعمل ، أو بإقامة نظام الوجود ، أو إرشاد عباده إلى ما يراد منهم ، أو غير ذلك ، من المطالب السنيّة الدينية والدنيوية ، وبسبب ذلك يختلف ترتيب التعلّم وتقدمة بعض العلم على بعض من حيث المدارسة والمطالعة ، ومن حيث الكمّ والكيف ، كما يذكر ذلك بالتفصيل الشهيد الثاني (قدس سره) في المطلب الثالث في ترتيب العلوم بالنظر إلى المتعلّم ، فراجع (١).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« أكثر الناس قيمةً أكثرهم علماً ، وأقلّ الناس قيمةً أقلّهم علماً ».

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

« يا مؤمن ، إنّ هذا العلم والأدب ثمن نفسك ، فاجتهد في تعلّمهما ، فما يزيد من علمك وأدبك يزيد في ثمنك وقدرك ، فإنّ بالعلم تهتدي إلى ربّك ، وبالأدب تحسن خدمة ربّك ، بأدب الخدمة يستوجب العبد ولايته وقربه ».

عن زيد الزرّاد ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : يا بني إعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم ، فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية ، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان ، إنّي نظرت في كتاب لعليّ (عليه السلام) فوجدت في الكتاب : أنّ قيمة كلّ امرئ وقدره معرفته.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا ، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتّى يكون محدّثاً ، فقيل له : أوَ يكون المؤمن محدّثاً؟ قال : يكون مفهّماً ، والمفهّم محدَّث.

عن المسيح (عليه السلام) : من عَلِمَ وعمل وعَلَّم عُدّ في الملكوت الأعظم عظيماً.

__________________

١ ـ منية المريد : ٣٨٧ ، تحقيق رضا المختاري.

٧٦

الدرس السادس

لقد ذكرنا في الفصول الماضية الاُمور الثمانية التي ذكرها الشهيد الثاني في منيته حول ما يجب على طالب العلم مراعاته ، وأمّا الاُمور الاُخرى التي لا بدّ من رعايتها أيضاً ، فهي كما يلي عطفاً على ما سبق :

الأمر التاسع

اختيار المعلّم الصالح

ذكره الشهيد باعتبار الآداب التي يلزم المتعلّم أن يراعيها مع اُستاذه وشيخه ، إلاّ أنّي أذكره ضمن الآداب العامّة لطالب الحوزة الذي يفكّر في سيرته الأخلاقية وإصلاحها وهو : أن ينظر إلى المعلّم الذي يأخذ علمه منه ، فإنّ من استمع إلى ناطق فقد عبده ـ كما ورد في الخبر ـ فإن تكلّم عن الله فقد عبد الله سبحانه ، وإن تكلّم عن الشيطان أو هوى النفس ، فإنّه قد عبد الشيطان واتّخذ إلهه هواه ، وقد ورد في الخبر الشريف : إذا رأيتَ العالم مقبلا على دنياه فاتّهمه في دينه ، أي لا يحقّ لكم أن تأخذوا دينكم وسلوككم ممّن كان مقبلا على دنياه ، فكيف المتلبّس بها

٧٧

والغاطّ في بحرها.

فيقول الشهيد الثاني (قدس سره) : أهمّ الاُمور التي يجب على المتعلّم أن يراعيها مع شيخه ، أن يقدّم النظر فيمن يأخذ عنه العلم ، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه ، فإنّ تربية الشيخ لتلميذه ونسبة إخراجه لأخلاقه الذميمة ، وجعل مكانها خلقاً حسناً ، كفعل الفلاّح الذي يقلع الشوك من الأرض ، ويخرج منها النباتات الخبيثة من بين الزرع ، ليحسن نباته ويكمل ريعه.

وليس كلّ شيخ يتّصف بهذا الوصف ، بل ما أقلّ ذلك ، فإنّه في الحقيقة نائب عن الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وليس كلّ عالم يصلح للنيابة ، فليختر من كملت أهليّته ، وظهرت ديانته ، تحقّقت معرفته ، وعرفت عفّته ، واشتهرت صيانته وسيادته ، وظهرت مروّته وحسن تعليمه ، وجاد تفهيمه.

ولا يغترّ الطالب بمن زاد علمه ، مع نقص في ورعه أو دينه أو خُلقه ، فإنّ ضرره في خُلق المتعلّم ودينه أصعب من الجهل الذي يطلب زواله ، وأشدّ ضرراً. وعن جماعة من السلف : هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم.

وفي ذيل الآية الشريفة :

(فَلـْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ) (١).

قال الإمام الباقر (عليه السلام) : أي فلينظر إلى علمه ممّن يأخذ.

ثمّ قال الشهيد الثاني : وليحترز ممّن أخذ علمه من بطون الكتب من غير قراءة على الشيوخ ـ كما نجد في حوزتنا بعض الطلاّب من دون أن يحضر دروس الأساتذة يتصدّى للتدريس ، لا سيّما درس الخارج على أنّه من النوابغ ولا بدّ أن

__________________

١ ـ عبس : ٢٤.

٧٨

يكسر الأعراف والسنن التي كان عليها السلف الصالح في الحوزة العلمية المباركة ، وهناك من يكتفي بأشرطة التسجيل ـ قال بعض السلف : من تفقّه من بطون الكتب ضيّع الأحكام. وقال آخر : إيّاكم والصحفيّون الذين يأخذون علمهم من الصحف ، فإنّ ما يفسدون أكثر ممّـا يصلحون. وقد ورد في الخبر الشريف : « هلك من لم يكن له حكيمٌ يرشده » ، فكلّ طالب يحتاج في مقام التعلّم إلى اُستاذ ومعلّم ، لا سيّما في علم الأخلاق ، فإنّه بأمسّ الحاجة إلى مربٍّ خلوق ، وحكيم مرشد ، واُستاذ قدير ، صاحب الأنفاس القدسيّة ، التي أتعب نفسه في تهذيبها ومجاهدتها.

ثمّ قال الشهيد الثاني : وليحذر من التقييد بالمشهورين ـ كما نجد هذه الظاهرة في الحوزة في العصر الراهن ، أنّه يحضر الطالب عند من كان مشهوراً ويتقيّد بذلك ـ وترك الأخذ بالخاملين ، فإنّ ذلك من الكِبر على العلم ، وهو عين الحماقة ، لأنّ العلم ضالّة المؤمن ، يلتقطها حيث وجدها ويغتنمها حيث ظفر بها ، ويتقلّد المنّة ممّن ساقها إليها ، وربّما يكون الخامل ممّن تُرجى بركته ، فيكون النفع به أعمّ والتحصيل من جهته أتمّ.

وإذا سبرت أحوال السلف والخَلَف لم تجد النفع غالباً ، إلاّ إذا كان للشيخ من التقوى والنصح والشفقة للطلبة نصيب وآخر ، وكذلك إذا اعتبرت المصنّفات وجدت الانتفاع بتصنيف الأتقى أوفر ، والفلاح بالاشتغال به أكثر ، وبالعكس حال العالم المجرّد من التقوى والعمل الصالح ، وإنّما عنده من العلم بالمصطلحات يتبختر بها ، حتّى كاد أن يدّعي الربوبيّة ، لما يحمل من نفس فرعونية ـ والعياذ بالله ، ونجّانا الله من شرور أنفسنا الأمّارة بالسوء ـ.

« فينبغي لطالب العلم أن يختار الاُستاذ الأعلم والأورع والأسنّ ، وينبغي أن يشاور في طلب العلم ، أي علم يراد في المشي إلى تحصيله ، فإذا دخل المتعلّم إلى بلد

٧٩

يريد أن يتعلّم فيه ، فليكن أن لا يعجّل في الاختلاف مع العلماء ، وأن يصبر شهرين ، حتّى كان اختياره للاُستاذ ، ولم يؤدّ إلى تركه والرجوع إلى آخر ، فلا يبارك له ، فينبغي أن يثبت ويصبر على اُستاذ وكتاب حتّى لا يتركه أبتر ، وعلى فنّ لا يشتغل بفنٍّ آخر ، قبل أن يصير ماهراً فيه ، وعلى بلد حتّى لا ينقل إلى بلد آخر من غير ضرورة ، فإنّ ذلك كلّه يفرق الاُمور المقرّبة إلى التحصيل ، ويشغل القلب ويضيّع الأوقات » (١).

كما على طالب العلم أن يختار شريكاً في الدرس والمباحثة ، فيختار المجدّ والأورع وصاحب الطبع المستقيم ، ويحترز عن الكسلان والمعطّل ومكثار الكلام والمفسد والفتّان ، قيل : يعرف المرء بخليله.

فاعتبروا الأرض بأسمائها

واعتبر الصاحب بالصاحب

ثمّ العمدة لطالب العلم أن يبحث عن اُستاذ في الأخلاق ، فإنّ العلم لا بدّ من مقارنته مع التربية والتزكية ، بل لأهميّة التزكية قدّمت في الآية الشريفة : (يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ) على التعليم.

وقال الإمام السجّاد (عليه السلام) : « هلك من ليس له حكيم يرشده » (٢).

فزخرف الحياة وزبرجها ، ووساوس الشياطين وأعوانهم ، وحديث النفس الأمّارة بالسوء ، وكثرة الأعداء في الظاهر والباطن ، ظلمات بعضها فوق بعض ، ومن الصعب أن ينجو الإنسان بنفسه من هذه المغريات والمهلكات ، بل لا بدّ له من خضر في وادي الظلمات ، فصناعة الإنسان وتربيته من دون اُستاذ وبشكل تلقائي

__________________

١ ـ آداب المتعلّمين ـ جامع المقدّمات ٢ : ٥١.

٢ ـ كشف الغمّة ٢ : ٣٢٥.

٨٠