طالب العلم والسيرة الأخلاقية

السيّد عادل العلوي

طالب العلم والسيرة الأخلاقية

المؤلف:

السيّد عادل العلوي


الموضوع : الأخلاق
الناشر: المؤسسة الإسلامية العامة للتبليغ والإرشاد
المطبعة: النهضة
الطبعة: ١
الصفحات: ١٧٦
  نسخة غير مصححة

فعالم الدين لا بدّ له من أن يترفّع عن السفاسف ، مرفوع الهام محلّقاً في سماء العفّة والعزّة والإباء ، غنيّاً بقناعته وزهده وورعه ، وفي نفس الوقت الذي يحرص على أن يكون متواضعاً ، فإنّه يكون أبيّ النفس عزيزاً عفيفاً قنوعاً ، ويدع الدنيا لأهلها.

اُنظر إلى قدوة العلماء شيخنا الأعظم الشيخ الأنصاري (قدس سره) لمّـا دفع إليه أحد أثرياء إيران مالا ليبني به بيتاً أو يشتري بيتاً لسكنه ، فإنّه لعزّة نفسه لم يصرف ذلك المبلغ في شؤونه الخاصّة ، وإنّما صرفه جميعه في شراء أرض وبناء مسجد عليها وهو أحد المساجد المعروفة في النجف الأشرف باسم مسجد الشيخ الأنصاري.

وعندما رجع ذلك الثريّ من الحجّ أراه الشيخ الأنصاري ذلك المسجد وقال له : هذا هو منزلي الذي كنت أنت السبب فيه.

كان الشريف الرضي (رحمه الله) شديد الالتزام بمبادئ الدين الحنيف وأحكام الشريعة ، فكان شديد الاجتناب للتملّق والمداهنة ، ولم يقبل الصِلات والهدايا من الملوك والسلاطين ، فكان عفيف النفس عالي الهمّة لم يقبل من أحد صلة ولا جائزة.

يقول أحد الوزراء المعاصرين للسيّد الرضي (رحمه الله) :

ولِد للسيّد الرضيّ مولود ، فأرسلت إليه ألف دينار في طبق على ما هو المتعارف في مثل ذلك ، فردّه الرضيّ قائلا : الوزير يعلم أنّي لا أقبل من أحد شيئاً. أرسلت ذلك الطبق ثانيةً وقلت : إنّ هذا المبلغ للمولود ولا علاقة لك به ، فردّه ثانيةً وقال : أطفالنا أيضاً لا يقبلون من أحد شيئاً. أرسلته إليه ثالثةً وقلت : إعطِ هذا المبلغ للقابلة ، فردّه وقال : إنّنا أهل بيت لا نطلع على أحوالنا قابلةً غريبة ، وإنّما عجائزنا يتولّين هذا الأمر من نسائنا ، ولسنَ ممّن يأخذن اُجرة ، ولا يقبلنَ صلة. أرسلته إليه رابعةً وقلت : هذا للطلاّب الذين يدرسون عندك ، فقال السيّد الرضيّ :

١٢١

ها هم الطلاّب جميعاً حاضرون ليأخذ كلّ منهم ما يريد. عندها قام أحد الطلاّب وتناول ديناراً واقتطع منه مقداراً احتفظ به ثمّ ردّ الباقي إلى الطبق. وسأله السيّد الرضي عن سبب ذلك فقال : احتجت البارحة شيئاً من الزيت للمصباح ولم يكن المتولّي لنفقة المدرسة موجوداً ، فاستدنت من البقّال حاجتي من الزيت ، وقد أخذت هذا المقدار من الدينار لأداء ديني هذا ، ثمّ ردّ الطبق.

بعد ذلك أمر السيّد بأن يكون مع كلّ طالب من طلاّب المدرسة مفتاح لصندوق ماليّة المدرسة ليأخذ حاجته عند الضرورة ، ولا يضطرّ أحد لمراجعة المسؤول عن ذلك (١).

وهذا شيخنا القمي صاحب مفاتيح الجنان ، في إحدى السنوات طلب أحد المحسنين من المحدّث القمّي أن يقبل التزامه بدفع مبلغ خمسين ديناراً عراقياً بإزاء مجلس وعظ المحدّث وخطابته ، وكان مصرف المحدّث آنذاك شهرياً ثلاثة دنانير ، إلاّ أنّه رغم ذلك قال لهذا المحسن : أنا أرتقي المنبر لأجل الإمام الحسين (عليه السلام) ، ورفض قبول ذلك المبلغ.

هكذا كان سلفنا الصالح ، إلاّ أنّه نسمع اليوم بين آونة واُخرى ما يحزّ القلب ويقطع أنياطه ، بأنّ فلان خطيب معروف يتعامل مع صاحب المجلس على منبره ، وفي بعض الأحيان لا يتّفق معه ، لأنّ هناك من يعطيه أكثر منه.

يحكى أنّ العالم الشيخ رضا الاسترآبادي قال : أيّام إقامتي في كربلاء والتشرّف بملازمة الوحيد البهبهاني ، جاء أحد التجّار للزيارة وأحضر قطعة قماش ثمينة هديّة لسماحته ، وحيث إنّه كان قد سمع أنّه لا يقبل شيئاً من أحد ، فقد حاول أن

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٣٣٧ ، وفيه قصص بديعة في هذا المضمون ، فراجع.

١٢٢

يجد الطريقة المناسبة ليقبلها منه ، فقيل له : إذا توسّط لك في قبول الهديّة الشيخ رضا الاسترآبادي فقد يقبلها الشيخ الوحيد لأنّه يكرمه ، فجائني فلم أقبل وساطة ذلك لعلمي بعدم قبول الهديّة ، فقال التاجر : لو تمكّنت لأهديت له قطعةً اُخرى ، فرضيت فأتيت الشيخ ، وبعد أن فتح الباب وأخبرته بالواقعة ، قبل أن اُكمل كلامي أغلق الباب عليَّ وقال : تصوّرت أنّك أتيت في هذا الحرّ الشديد لحلّ مشكلة علميّة ، فطرقت الباب مرّة اُخرى وقلت له : لو قبلتها لأهدى إليَّ قطعةً اُخرى فلا تجعلني أخسرها ، فضحك الشيخ وقال : بُني ، عليك بالدرس ولا تصرف وقتك في هذه الاُمور العبثيّة ، ثمّ قبل الهديّة وقال : بشرط أن لا تتوسّط بعد في مثل هذه الاُمور.

وأخيراً يقول العارف بالله الشيخ محمّد البهاري من تلامذة آية الله الشيخ حسينقلي الهمداني الكبار ، ومن الواصلين إلى حريم القرب الإلهي ، يتحدّث عن صفات العالم :

الثالث : لا بدّ أن يكون متوكّلا على مولاه ، آيساً عمّـا في أيدي الناس ، فلا يتملّق لأحد من الأغنياء ، ويسمّي ذلك تواضعاً ، فإنّ تواضع الفقير هو التكبّر عليهم من حيث أنّهم أغنياء.

الرابع : أن لا يداهنهم بالخوض في الباطل طمعاً بما في أيديهم من حطام الدنيا ...

السابع : ما يعطيه إيّاه غيره من المال ، إن علم أنّه حرام وجب عليه الامتناع ، وإن علم أنّه مشتبه أو حلال فيه منّة فردّه له راجح ، وإن علم أنّه هديّة محلّلة بغير منّة استحبّ له القبول تأسّياً بالنبيّ والأئمة (عليهم السلام) ، وإن كان من الصدقات وهو مستحقّ ، فإن علم أنّه يعطي رياءً وسمعةً يمكن أن يقال بعدم جواز الأخذ إذا صدق أنّه إعانة على الإثم.

١٢٣

وينبغي له التعفّف عن السؤال ما استطاع ، فإنّه فقر معجّل وحساب طويل لعدم خلوّه من الآفات غالباً ، إذ هو متضمّن للشكوى وذهاب ماء الوجه ، والذلّ عند غيرالله وإيذاء المسؤول ، وإعطائه استحياءً أو رياءً أو إلجاءً أمر يورث شتم السائل وإيذاءه ، إلى غير ذلك من الآفات ، ولذا روي : « أنّ مسألة الناس من الفواحش » ، نعم لو كان في مقام الاضطرار ، فله ذلك ، بل قد يجب ، إلاّ أنّ تشخيص درجات هذه المقامات في غاية الإشكال والصعوبة (١).

هذه بعض النماذج والوصايا من سيرة علمائنا الأعلام في عفّة النفس وعزّتها ، والعفّة تعدّ من اُمّهات الأخلاق الحسنة ، كما جاء في المحجّة البيضاء ، قال بعض الأعلام :

« كما أنّ حسن الصورة الظاهرة مطلقاً لا يتمّ بحسن العينين دون الأنف والفم والخدّ ، بل لا بدّ من الحسن في جميعها حتّى يتمّ حسن الخلق ، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق ، وهي : قوّة العلم ، وقوّة الغضب ، وقوّة الشهوة ، وقوّة العدل بين هذه القوى الثلاث ، وحسن القوّة الغضبيّة واعتدالها يعبّر عنه بالعفّة ، فإن مالت قوّة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة سمّي ذلك تهوّراً ، وإن مالت إلى الضعف والنقصان سمّي ذلك جُبناً وخوراً ، وإن مالت قوّة الشهوة إلى طرف الزيادة سمّي شرهاً ، وإن مالت إلى النقصان سمّي خموداً ، والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة ، والطرفان مذمومتان. والعدل إذا فات فليس له طرفان زيادة ونقصان ، بل له ضدّ واحد وهو الجور ، وأمّا الحكمة فيسمّى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبّاً وجربزة ، ويسمّى تفريطها بلهاً ، والوسط هو

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٣٤٩.

١٢٤

الذي يختصّ باسم الحكمة ، فإذن اُمّهات الأخلاق واُصولها أربعة : الحكمة والشجاعة والعفّة والعدل ، فمن اعتدال هذه الاُصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلّها (١).

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لا تكمل المكارم إلاّ بالعفاف والإيثار (٢).

ويقول الشهيد الثاني في منيته في الآداب التي يشترك فيها المعلّم والمتعلّم :

الخامس : أن يكون عفيف النفس عالي الهمّة منقبضاً عن الملوك وأهل الدنيا ، لا يدخل إليهم طمعاً ، ما وجد إلى الفرار منهم سبيلا ، صيانة العلم عمّـا صانه السلف. فمن فعل ذلك ، فقد عرض نفسه وخان أمانته ، وكثيراً ما يثمر عدم الوصول إلى البُغْية ، وإن وصل إلى بعضها لم يكن حاله كحال المتعفّف المنقبض ، وشاهده مع النقل والوجدان.

قال بعض الفضلاء لبعض الأبدال : ما بال كبراء زماننا وملوكها لا يقبلون ولا يجدون للعلم مقداراً ، وقد كانوا في سالف الزمان بخلاف ذلك؟ فقال : إنّ علماء ذلك الزمان كان يأتيهم الملوك والأكابر وأهل الدنيا ، فيبذلون لهم دنياهم ، ويلتمسون منهم علمهم ، فيبالغون في دفعهم وردّ منّتهم عنهم ، فصغرت الدنيا في أعين أهلها ، وعظم قدر العلم عندهم ، نظراً منهم إلى أنّ العلم لولا جلالته ونفاسته ما آثره هؤلاء الفضلاء على الدنيا ، ولولا حقارة الدنيا وانحطاطها لما تركوها رغبةً عنها ، ولمّـا أقبل علماء زماننا على الملوك وأبناء الدنيا ، وبذلوا لهم علمهم التماساً لدنياهم ، عظمت الدنيا في أعينهم ، وصغر العلم لديهم لعين ما تقدّم.

__________________

١ ـ ميزان الحكمة ٣ : ١٤٤.

٢ ـ المصدر : ١٤٧.

١٢٥

وقد سمعت جملةً من الأخبار في ذلك سابقاً ، كقول النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « الفقهاء اُمناء الرسل ، ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل : يا رسول الله ، وما دخولهم في الدنيا؟ قال : اتّباع السلطان ، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم » ، وغيره من الأحاديث.

واعلم أنّ القدر المذموم من ذلك ليس هو مجرّد اتّباع السلطان كيف اتّفق ، بل اتّباعه ليكون توطئةً له ، ووسيلة إلى ارتفاع الشأن ، والترفّع على الأقران وعظم الجاه والمقدار ، وحبّ الدنيا والرئاسة ونحو ذلك ، أمّا لو اتّبعه ليجعله وصلةً إلى إقامة نظام النوع ، وإعلاء كلمة الدين ، وترويج الحقّ ، وقمع أهل البدع ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحو ذلك ، فهو من أفضل الأعمال فضلا عن كونه مرخّصاً ، وبهذا يجمع بين ما ورد من الذمّ وما ورد أيضاً من الترخيص في ذلك ، بل عن فعل جماعة من الأعيان كعليّ بن يقطين وعبد الله النجاشي وأبي القاسم بن روح أحد الأبواب الأربعة الشريفة ، ومحمّد بن إسماعيل بن بزيغ ونوح بن درّاج وغيرهم من أصحاب الأئمّة ، ومن الفقهاء مثل السيّدين الأجلّين المرتضى والرضي وأبيهما والخواجة نصير الدين الطوسي والعلاّمة بحر العلوم جمال الدين بن المطهّر وغيرهم كالعلاّمة المجلسي والشيخ البهائي قدّس الله أسرارهم الزكيّة.

وأخيراً ، يا طالب العلم ـ زاد الله في توفيقك ـ إجعل شعارك في الحياة قوله تعالى :

(يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) (١).

__________________

١ ـ البقرة : ٢٧٢.

١٢٦

الدرس الثامن

الأمر الرابع عشر

الدعاء والتوسّل وصلاة الليل

قال الله تعالى :

(ادْعوني أسْتَجِبْ لَكُمْ) (١).

(قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ) (٢).

(وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدونِ) (٣).

ورد في الحديث النبويّ الشريف :

« الدعاء مخّ العبادة ».

« أفضل العبادة الدعاء ».

__________________

١ ـ غافر : ٦٠.

٢ ـ الفرقان : ٧٧.

٣ ـ الذاريات : ٥٦.

١٢٧

« الدعاء سلاح المؤمن وعمود الدين ونور السماوات والأرضين » (١).

ونتيجة الآية الكريمة والرواية الشريفة : أنّ فلسفة الحياة العبادة ، وأصل العبادة الدعاء. فمن حكمة الحياة الدعاء ، وما أكثر الآيات والأخبار التي تحثّ الإنسان على الدعاء وابتغاء الوسيلة إلى الله سبحانه وتعالى ، وما أكثر فوائد الدعاء الفرديّة والاجتماعيّة ، فإنّ الدعاء قرآن صاعد ، وإنّه حلقة وصل بين العبد وربّه ، ومحضر اُنس وحديث العشّاق وكلام المحبّين.

وطالب العلم في سيرته الأخلاقية منذ البداية وحتّى آخر لحظة من حياته العلميّة والعمليّة لا بدّ أن يستأنس بالأدعية والأذكار والأوراد ، فإنّه بدعائه يشفع العلم ليكون نافعاً له ولغيره ، وإنّما تزداد بركات العلم وثمراته بمثل الدعاء والتوسّل بالله وبرسوله وأوليائه (عليهم السلام) ، وإنّه يفلح الطالب في الحياة وفي تحصيل العلوم والفنون.

يقول أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) :

« الدعاء مقاليد الفلاح ومصابيح النجاح ».

« الدعاء مفاتيح النجاح ومقاليد الفلاح ».

« الدعاء مفتاح الرحمة ومصباح الظلمة ».

« أحبّ الأعمال إلى الله في الأرض الدعاء ».

وأخطر شيء على طالب العلم هو الشيطان ووساوسه وحبائله وحزبه وأعوانه ، ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : « أكثر من الدعاء تسلم من سورة الشيطان » ، وكان هو (عليه السلام) رجل دعّاء.

__________________

١ ـ الروايات من ميزان الحكمة ٣ : ٢٤٥.

١٢٨

فالدعاء سلاح المؤمن وسلاح الأنبياء (عليهم السلام) ، وكلّما ازداد الإنسان علماً ازداد دعاءً ، قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « أعلم الناس بالله سبحانه أكثرهم له مسألةً ».

والجهل يُعدّ من أمرّ الداء ، ويقول الإمام الصادق (عليه السلام) :

« عليك بالدعاء فإنّ فيه شفاء من كلّ داء ».

كما أنّه علينا أن نسأل الله في كلّ الأشياء صغارها وكبارها ، حتّى شسع النعل ، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« سلوا الله عزّوجلّ ما بدا لكم من حوائجكم حتّى شسع النعل ، فإنّه إن لم ييسّره يتعسّر ».

« يا موسى سلني كلّ ما تحتاج إليه حتّى علف شاتك وملح عجينك ».

وموسى هذا من أنبياء اُولي العزم ، والعلماء ورثة الأنبياء ، وأولى الناس باتّباعهم والاقتداء بهم ، فلا بدّ أن يدعو الله في كلّ شيء حتّى ملح الطعام.

وأمّا التوسّل وابتغاء الوسيلة بمحمّد وآله الطاهرين ، فما أكثر النصوص الدينية والقضايا التأريخية والحوادث الواقعيّة تدلّ على أهميّة ذلك في حياة المؤمن ، لا سيّما طالب العلوم الدينيّة.

كما إنّ الأذكار والأوراد والنوافل والأعمال المستحبّة ، لا سيّما صلاة الليل لها دور عظيم جدّاً في توفيق وسعادة طالب العلم ، والانتفاع بعلمه المبارك ، وتكامله في حياته العلمية والعمليّة.

ومن هذا المنطلق نجد حياة أسلافنا في العلم والعمل مشحونة بالحكايات والخواطر ذات العبر والدروس ، كما إنّها مليئة بالوصايا والاهتمام البالغ بهذا الجانب الروحي الملكوتي.

١٢٩

يقول العلاّمة الطباطبائي صاحب الميزان في تفسير القرآن : كنت أيّام شبابي في النجف الأشرف حين كسب علوم أهل البيت (عليهم السلام) أتردّد على المرحوم آية الله العارف بالله السيّد علي القاضي ، فذات يوم كنت واقفاً عند باب المدرسة ، فمرّ بي المرحوم القاضي ، فلمّـا اقترب منّي وضع يده على كتفي وقال : بنيّ ، إن كنت تريد الدنيا فعليك بصلاة الليل ، وإن كنت تريد الآخرة فعليك بصلاة الليل. يقول السيّد : لقد أثّرت هذه المقولة الروحيّة في نفسي غاية التأثير ، فصرت اُلازم السيّد القاضي ليل نهار لاُدرك فيضه وكمالاته الروحيّة.

ويحدّثنا مؤسّس حوزة قم المباركة آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري أنّه حين كان في سامراء يتلقّى العلوم من اُستاذه آية الله العظمى المجدّد الشيرازي ، دخل عليه في يوم آية الله السيّد محمّد الفشاركي منقبض الوجه قلقاً وكان مضطرباً من مرض الوباء الذي اجتاح العراق تلك الأيّام ، فقال المجدّد لتلامذته : هل تروني مجتهداً؟ فقالوا : نعم. ثمّ قال : وهل تروني عادلا؟ فقالوا : نعم. فلمّـا أقرّوا باجتهاده وعدالته ، قال : آمر كلّ امرأة ورجل من الشيعة بأن يقرأوا زيارة عاشوراء نيابة عن اُمّ صاحب الزمان (عليه السلام) السيّدة نرجس خاتون ، فيتوسّلون بها بحقّ ولدها عجّل الله فرجه الشريف أن يشفع عند الله بنجاة المسلمين من الوباء.

وبمجرّد صدور هذا الحكم التزم شيعة سامراء بالزيارة ، فدفع الله عنهم الوباء.

وفي عصرنا هذا حدث لنا مثل هذه الواقعة حيث كان صدّام الكافر يقصف مدن إيران ومنها قم المقدّسة ، فأمر آية الله العظمى السيّد محمّد رضا الكلبايكاني أن يتوسّل الناس بسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، فدفع الله شرّ صدّام.

١٣٠

« إنّ هذه التوسّلات تساعد الإنسان مساعدةً عظيمة جدّاً في تحصيل العلم وكسب الإخلاص وتهذيب النفس وترك الذنوب والمعاصي ، وحتّى المكروهات والمباحات.

فهذا الإمام الخميني قائد الثورة الإسلامية طيلة إقامته في النجف الأشرف لم يترك زيارة حرم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كلّ ليلة ، كان يقصد ضريح سيّد الشهداء (عليه السلام) ، وكان يقرأ دائماً زيارة عاشوراء مع تكرار الفقرات التي ينبغي تكرارها مئة مرّة.

كان عابداً متهجّداً مستغفراً في الأسحار ، وابنه يقول : ذات ليلة وقع في العراق انقلاب عسكري ، وفرضت الأحكام العرفيّة ، وجاء وقت زيارة الإمام ، فتبيّن أنّه ليس موجوداً فاضطربت وفتّشت عنه الغرف فوجدته على السطح أمام قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) مشغولا بالزيارة ، كان يقرأ زيارة الجامعة في كلّ ليلة إلاّ عند الضرورة.

وفي أواخر أيّامه في طهران بعد انتصار ثورته كان كلّ يوم يتمشّى ساعتين أو ثلاثة والسبحة بيده ، وهو مشغول بالذكر أو بزيارة عاشوراء.

وكان بمجرّد أن يسمع كلمة (يا حسين) يبكي لعشقه بأهل البيت (عليهم السلام).

ذات يوم قال أحد طلاّب مدرسة الرفاه للإمام : لماذا لا تذكرون في أحاديثكم الإمام المنتظر إلاّ قليلا ، وبمجرّد أن سمع الإمام ذلك وقف وقال : ماذا تقول؟ ألا تعلم أنّ كلّ ما عندنا هو من الإمام صاحب الزمان عجّل الله فرجه ، وكلّ ما عندي هو من الإمام صاحب الزمان ، وكلّ ما عندنا من الثورة هو من الإمام صاحب الزمان (عليه السلام).

وهذا العلاّمة الأميني (قدس سره) صاحب الغدير ، من خصائصه العشق والولاء

١٣١

الكامل لآل محمّد (عليهم السلام) عشقاً كان مشهوراً تتناقله الألسن ، بحيث يمكن القول أنّ الغدير أثر من آثار العشق العارم ، ومن هنا كانت له علاقة خاصّة بسماع مصائب الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه الكرام والتأمّل في مصائبهم ، وكان يبكي بصوت عال بكاءً مريراً ومتفجّعاً.

وهذا العبقري العظيم الشيخ الوحيد البهبهاني صاحب مدرسة في الاُصول ، كان عندما يتشرّف بحرم سيّد الشهداء (عليه السلام) للزيارة يقبّل أوّلا عتبة الباب (الكفشداريّة) « محلّ نزع الأحذية » ويمسح وجهه المبارك ولحيته الشريفة ، وبعد ذلك يتشرّف بدخول الحرم بخضوع وخشوع وبكاء ، ثمّ يقرأ الزيارة.

يقول المحدّث القمّي : حيث إنّ السيّد نعمة الله الجزائري لم يكن يستطيع في بدء دراسته أن يشتري مصباحاً للمطالعة ، فقد كان يطالع في ضوء القمر ، ونتيجة كثرة المطالعة ، ضعف بصره ، ولذلك بدأ يمسح بتربة سيّد الشهداء وتربة سائر الأئمة (عليهم السلام) على عينيه ، ومن بركة تلك التربة كان نور بصره يزداد ويقوى.

ويضيف المحقّق القمّي : وليس هذا الأمر غريباً ، لأنّ الدميري في (حياة الحيوان) وغيره ، ينقلون أنّ الأفعى عندما تصاب بالعمى تمسح عينيها بنبات معيّن فتبصر ، وإذا كان الله تعالى يجعل تلك الخاصّية في نبتة ما ، فما العجب في أن يجعل مثلها في تربة ابن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ويضيف قائلا : وهذا الحقير أيضاً كلّما ضعف بصري بسبب كثرة الكتابة أتبرّك بتراب مراقد الأئمة (عليهم السلام) ، وأحياناً بمسّ كتابة الأحاديث والأخبار ، وبحمد الله فإنّ يميني في غاية القوّة ، وأملي إن شاء الله أن تقرّ عيني ببركتهم في الدنيا والآخرة.

يقول ابن المحدّث القمّي : حينما كنّا في النجف الأشرف سنة ١٣٥٧ ه‍ قبل وفاة الوالد بسنتين استيقظ والدي وقال : اليوم تؤلمني عيناي ولا أستطيع المطالعة

١٣٢

والكتابة ، فذهبت إلى الدرس ، ولمّـا رجعت ظهراً وجدته يطالع ويكتب ، فسألته عن ذلك فقال : توضّأت وجلست تجاه القبلة ومسحت كتاب الكافي على عيني فارتفع الألم ، والعجيب أنّه لم يبتلِ بعدها بألم العينين طيلة عمره.

وقد كان الفقيه العادل المرحوم الشيخ جواد مشكور مرجع تقليد قسم من الشيعة في العراق ، وفي ليلة ٢٦ صفر ١٣٣٦ ه‍ ق رأى في منامه في النجف الأشرف عزرائيل سلام الله عليه ، وبعد السلام سأله من أين جئت؟ قال : من شيراز ، وقد قبضت روح المرحوم الميرزا إبراهيم المحلاّتي. فسأله : ما حال روحه في عالم البرزخ؟ فقال : في أحسن الحالات وفي أحسن حدائق البرزخ ، وقد وكّل الله به ألف ملك يطيعون أوامره. فقال : بأيّ سبب وصل إلى هذا المقام؟ فأجابه عزرائيل : بسبب قراءة عاشوراء. وفي اليوم التالي جاءت برقية من شيراز إلى النجف تحمل نبأ وفاة الميرزا المحلاّتي ، وثبت صدق منام الشيخ.

كان آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة بقم قبل التدريس يأمر خطيباً أن يقرأ العزاء على سيّد الشهداء (عليه السلام) أوّلا ، ثمّ كان يدرّس ، وكان يشترك حافي الأقدام في مواكب اللطم والعزاء ، وكان يقول : كلّ ما عندي فهو من الإمام الحسين (عليه السلام) ، وكيف نجّاه من الموت أيّام شبابه.

وهذا السيّد مير حامد حسين صاحب عبقات الأنوار ، كان يغشى عليه عندما يسمع مصائب سيّد الشهداء (عليه السلام).

كما امتاز العلاّمة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان بولائه وعشقه الخاصّ بأهل البيت (عليهم السلام) ، وحينما كان يدخل حرم الإمام الرضا (عليه السلام) كان يقبّل عتبة الباب ، وكان يشترك في عزاء سيّد الشهداء (عليه السلام) ، وفي بعض الأحيان حتّى السحر وكان يبكي بكاءً مريراً وبصوت عال ، ولا شكّ أنّ كثير من توفيقاته وليدة هذه الخصلة.

١٣٣

فسيرة علمائنا الكرام ـ رحم الله الماضين وحفظ الباقين ـ هي التوجّه والتوسّل بالأئمة الأطهار (عليهم السلام) وقراءة الأدعية والأوراد والأذكار والزيارات (١).

وهذا سيّدنا الاُستاذ يقول في وصيّته (٢) :

واُوصيه بتهذيب النفس والمجاهدات الشرعيّة ، فإنّي نلت به ما نلت ، ورزقني ربّي الكريم ما لم تره أعين أبناء العصر ، ولا طرقت أسماعهم ، ولا سمعت آذانهم ، فالحمد لله تعالى على هذه الموهبة العظيمة والفضل الجسيم.

واُوصيه ونفسي الخاطئة بتقوى الله في السرّ والعلن والاهتمام في الورع والزهد في زخارف هذه الدنيا الدنيّة ، وأن لا يترك زيارة أهل القبور والاعتبار بهم ، فإنّهم من كانوا بالأمس فما صاروا اليوم؟ وأين كانوا فإلى أين صاروا؟ وكيف كانوا فكيف صاروا؟ الأموال قد قسمت ، والأكفاء قد زوّجت ، والدور قد سكنت ، وما بقي لهم إلاّ ما كانوا يفعلون ويعملون ، وأن لا يترك تلاوة القرآن ومطالعة الأحاديث والتدبّر فيهما والاستنارة من أنوارهما ... وأن لا يترك صلاة الليل والتهجّد في آنائه والاستغفار في أسحاره ، فقد قال مولانا سيّد المظلومين أمير المؤمنين روحي له الفداء في وصاياه : عليك بصلاة الليل ...

واُوصيه بمداومة قراءة زيارة الجامعة الكبيرة ولو في الاُسبوع مرّة.

واُوصيه بقراءة سورة (يس) بعد فريضة الفجر كلّ يوم مرّة ، وبقراءة سورة (النبأ) بعد فريضة الظهر كذلك ، وبقراءة (العصر) بعد فريضة العصر كذلك ، وبقراءة سورة (الواقعة) بعد فريضة المغرب ، وبقراءة سورة (الملك) بعد فريضة العشاء كذلك ، واُؤكّد عليه بالمداومة على ما ذكرت ، فإنّي أروي هذه الطريقة عن

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ١٧٠.

٢ ـ قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ : ١٢٢ ـ ١٣١.

١٣٤

مشايخي الكرام وجرّبتها مراراً ...

واُوصيه بمداومة تسبيحات جدّتنا الزهراء البتول روحي لها الفداء.

واُوصيه بالتوسّل ومداومة الأدعية والأذكار.

واُوصيه بالاستغفار في آناء الليل والنهار.

واُوصيه أن يجعل على صدري في كفني المنديل الذي نشفت دمعاتي في رثاء جدّي الحسين المظلوم وأهل بيته المكرمين سلام الله عليهم أجمعين.

واُوصيه بالمداومة على السنن والمستحبّات وترك المرجوحات والمكروهات مهما أمكن.

واُوصيه بتلاوة القرآن الشريف وإهداء ثوابه إلى أرواح شيعة آل الرسول الذين لا وارث لهم أو لا متذكّر في حقّهم ، فإنّي قد جرّبت هذه الحسنة مراراً ووفّقني ربّي الكريم بما وفّقني بسببها ، فالموفّقية والرشد والتقدّم في التضرّع والدعاء :

(وَإذا سَألَكَ عِبادي عَنِّي فَإنِّي قَريبٌ اُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعانِ فَلـْيَسْتَجيبوا لي وَلـْيُؤْمِنوا بي لَعَلَّهُمْ يِرْشُدونَ) (١).

وأمّا صلاة الليل ، فإنّ القلم ليعجز عن بيان فضلها وتأثيرها في حياة طالب العلم ، فإنّها سرّ النجاح ومفتاح الفلاح ، ويكفي في فضلها أنّها كانت واجبة على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

يا طويل الرقاء والغفلات

كثرة النوم تورث الحسرات

إنّ في القبر إن نزلت إليه

لرقاداً يطول بعد الممات

ومهاداً ممهّداً لكَ فيه

بذنوب عملت أو حسنات (٢)

__________________

١ ـ البقرة : ١٨٦.

٢ ـ المحجّة البيضاء ٢ : ٢٩٧.

١٣٥

« من الاُمور التي يجب على جميع المسلمين ، لا سيّما طلاّب العلوم الدينيّة ورجال الدين أن يهتمّوا بها غاية الاهتمام قضيّة قيام الأسحار والتهجّد والتضرّع فيها.

وقد أشار القرآن الكريم في أكثر من عشر مواضع على هذا الأمر الخطير ، وقد ورد الثناء والإطراء الإلهي على المتهجّدين بالأسحار بعبارات مختلفة.

ويقول العارف بالله الميرزا جواد الملكي التبريزي صاحب (المراقبات) : إنّ الروايات في فضيلة صلاة الليل وذمّ تركها قد بلغت حدّ التواتر (١).

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : ليس من شيعتنا من لم يصلّ صلاة الليل.

ويرى علماء الأخلاق أنّ من الواجبات الأخلاقية على الطلاّب أن يهتمّوا بهذا المستحبّ ويلتزموا به لإنارة قلوبهم والاختلاء بالله حبيب القلوب.

يقول المرحوم الملكي التبريزي : وحكى لي شيخي في العلوم الحقّة : أنّه ما وصل أحد من طلاّب الآخرة إلى شيء من المقامات الدينية إلاّ إذا كان من المتهجّدين.

وكيف كان ، فإنّ من له أدنى تتبّع في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) وأحوال السلف من مشايخنا العظام (رحمهم الله) ، لا يشكّ في أنّ صلاة الليل ليست ضدّ تحصيل العلم ، بل هي من أسبابه القريبة والقويّة ، وكثيراً ما رأينا من المحصّلين من كان من المتهجّدين وصار ذلك سبباً لاستقامة فهمه وجودة ذهنه في الوصول إلى المطالب الحقّة في المسائل العلميّة ، وارتقى إلى المراتب العالية في العلم بخلاف الطلاّب المجدّين

__________________

١ ـ أسرار الصلاة : ٢٩٣ ، وقد تناول المصنّف أهميّة صلاة الليل وكيفيّتها بالتفصيل ، فليراجع. كما ذكرنا ذلك في كتاب (التوبة والتائبون) ، فراجع.

١٣٦

في مطالعة الكتب العلميّة ـ غير المتهجّدين ـ فقلّما خرج منهم صاحب ملكة مستقيمة ، نعم ، ربما يوجد فيهم مشكّك مدقّق ، ولكن لا يكون محقّقاً ، ولا يكون في علمه بركة كاملة ، بل يقلّ خيره ونوره ولا يوفّق لفوائد هذا العلم.

وهذه زينب الكبرى ، الصدّيقة الصغرى ، العالمة غير المعلَّمة ، في مثل ليلة الحادي عشر من يوم الطفّ وتلك الرزيّة العظمى تصلّي صلاة الليل من جلوس لانهيار طاقتها ، فلم تترك التهجّد.

وما ألذّ تلك السويعة الروحانيّة التي يقوم فيها طالب العلم لأداء صلاة الليل وليخلو بحبيبه ربّ العالمين.

وهذا السيّد الإمام الخميني (قدس سره) منذ شبابه وحتّى آخر أيّامه لم يترك صلاة الليل سواء في حالة الصحّة أو المرض ، وفي السجن وغيره ، حتّى في الطائرة التي نقلته إلى إيران أيّام الثورة.

وهذا سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد النجفي المرعشي يوصي ولده أن يدفن معه سجّادته التي صلّى عليها سبعين سنة صلاة الليل.

وجاء في ترجمة آية الله الملكي التبريزي أنّه قبل أذان الصبح كان يقوم لصلاة الليل بالبكاء والنحيب.

والمحدّث القمّي (قدس سره) كان في كلّ أيّام السنة في الفصول الأربعة يستيقظ قبل طلوع الفجر بساعة على الأقلّ ، ويشتغل بالصلاة والتهجّد. يقول ابنه الكبير : في حدود ما أتذكّر لم يفته قيام آخر الليل حتّى في الأسفار ، كان ملتزماً بذلك.

كان الشيخ محمّد الأشرفي عليه الرحمة من تلامذة سعيد العلماء ، يشتغل من منتصف الليل حتّى الصباح بالتضرّع ومناجاة الله عزّ وعلا ، ويلطم على صدره ورأسه ، وعندما يطلع الصباح يكون في غاية الضعف ، بحيث أنّ من لا يعرفه كان

١٣٧

يتصوّر إذا رآه أنّه غادر فراش المرض الآن.

أجل ، كما يقول مولانا أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) : قد براهم الخوف بَرْي القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض (١).

كان آية الله العظمى الشيخ جعفر كاشف الغطاء في العبادة وصفاء الباطن وحالة التضرّع والبكاء بين يدي الله تعالى والتهجّد وقيام الليل والدعاء والمناجاة أحد أوتاد الدهر ، وكان يبذل جهده مهما استطاع حتّى لا يفوته عمل مستحبّ.

وفي إحدى أسفاره زار (رشت) من مدن إيران فاُخبر أنّ أئمّة الجماعات لا يصلّون النوافل ، فقال : لا تقتدوا خلف من لا يصلّي النوافل ، وعندما سمع أئمة الجماعة ذلك التزموا بالنوافل.

ويقول ولده الشيخ حسن : كان من عادة والدي كلّ ليلة قبل السحر أن يوقظ العيال والأطفال جميعاً لصلاة الليل ، وكان الجميع يستيقظون.

وآية الله النجفي القوجاني صاحب (سياحة الشرق وسياحة الغرب) ، يقول عن أيّام دراسته في إصفهان : في هذه الغرفة الجديدة التي كانت متّصلة بغيرها من الغرف ، فتحنا في وسط المشكاة ثقباً ، ومددنا منه حبلا ، كان أحد طرفيه في غرفة صديقي ، وطرفه الآخر في غرفتي ، كان صديقي وقت النوم يربط ذلك الطرف بيده ، وأربط أنا هذا الطرف بيدي ، حتّى إذا ما استيقظ أحدنا سحراً لصلاة الليل يستيقظ الآخر بواسطة هذا الحبل بدون أيّ صوت حذراً من أن يستيقظ طالب آخر على صوتنا ، ولا يكون راضياً بذلك.

كان بعض الأعلام يقرأ دعاء أبي حمزة الثمالي في صلاة الليل.

__________________

١ ـ نهج البلاغة ، صبحي الصالح : ٣٠٤ ، خطبة همام ١٩٣.

١٣٨

هنيئاً لهذه الكواكب الدرّية في الليالي المظلمة الذين كانوا مصداق قوله تعالى :

(كانوا قَليلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعونَ وَبِالأسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرونَ) (١).

يقول آية الله الملكي التبريزي (رحمه الله) : كان لي شيخ جليل عارف قدّس الله تربته ـ المراد آية الله الشيخ حسينقلي الهمداني ـ ما رأيت له نظيراً ، سألته عن عمل مجرّب يؤثّر في إصلاح القلب وجلب المعارف ، فقال قدّس سرّه العزيز : ما رأيت عملا مؤثّراً في ذلك مثل المداومة على سجدة طويلة في كلّ يوم وليلة مرّة واحدة يقال فيها :

(لا إلـه إلاّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمينَ).

يقوله وهو يرى نفسه مسجونة في سجن الطبيعة ، ومقيّد بقيود الأخلاق الرذيلة مقرّاً بأ نّك يا إلهي لم تفعل ذلك بي ولم تظلمني وإنّما أنا الذي ظلمت نفسي ، وأوقعتها في هذه الهوّة ، بالإضافة إلى قراءة سورة القدر في ليلة الجمعة وفي عصرها مئة مرّة. انتهى كلامه رفع الله مقامه.

أقول : عن بعض مشايخي في السير والسلوك ، إنّ هذه الآية والتي تسمّى بالذكر اليونسي من قالها كما وردت فإنّه يبتلي بالهمّ والغمّ ، بل لا بدّ من إكمالها إلى قوله تعالى :

(وَكَذلِكَ نُنْجي المُؤْمِنينَ).

ثمّ فيها أعداد خاصّة ، فمنها أربعمائة ، واُخرى ألف وواحدة ، وربما أربعة آلاف مرّة ، فيحتاج الذاكر إلى اُستاذ وحكيم يرشده ويجيزه ، فإنّ في ذلك الأثر

__________________

١ ـ الذاريات : ١٧.

١٣٩

البالغ ، يقف عليه من كان من أهله.

يقول العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) ضمن تعداد الاُمور التي يجب أن يلتزم بها السالك :

الثاني والعشرون : الورد هو عبارة عن الأذكار والأوراد اللسانيّة ، وكيفيّتها وكمّيتها منوطتان برأي الاُستاذ ، لأنّ لها حكم الدواء الذي ينفع البعض ويضرّ الآخرين ، وأحياناً قد يشتغل السالك بذكرين أحدهما يوجّهه إلى الكثرة والآخر إلى الوحدة ، وفي حالة اجتماعهما تبطل نتيجة كلّ منهما ولا ينتفع بشيء طبعاً ، إذن الاُستاذ شرط في الأوراد التي لم يرد فيها إذن عامّ ، وأمّا ما ورد فيه إذن عامّ فلا مانع منه.

فلا بدّ لطالب العلم في سيرته الأخلاقية أن يواظب المواظبة التامّة على التهجّد وقيام السحر والاشتغال بنافلة الليل مع كمال حضور القلب والإقبال والاشتغال بالتعقيب وقراءة القرآن إلى طلوع الشمس والاستغفار لا سيّما سبعين مرّة أو مئة مرّة صباحاً ومساءاً والتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على محمّد وآله الطاهرين.

هذا وقد كتب آية الله التبريزي رسالة إلى الفيلسوف والاُصولي المشهور الشيخ محمّد حسين الاصفهاني ، نقل فيها تعليمات عن اُستاذه المرحوم العارف بالله الهمداني (قدس سرهما) ، جاء فيها :

يجب أن يقلّل الإنسان الطعام والنوم أكثر من المتعارف قليلا ، ليضعف البعد الحيواني فيه ويقوى البعد الروحي ، وميزان ذلك كما بيّنه سماحته هو :

أوّلا : أن لا يتناول الإنسان الطعام في اليوم والليلة إلاّ مرّتين ـ كما ورد في الأخبار ـ ويترك حتّى المتفرّقات التي يتناولها بين الطعامين.

١٤٠