الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

بالغاً إلى قيمة تربية الطفل ، وبدأ يرشد أتباعه إلى التعاليم اللازمة في هذا الصدد . لقد عالج الإِسلام جميع القضايا التي ترتبط بالعلاقة الزوجية ، وشروط الرجل والمرأة من حيث طهارة النسل المنحدر عنهما ، وكذلك شروط الرضاع ، وتنشئة الطفل خطوة خطوة .

هناك حقائق نفسية وتربوية كثيرة حول منهج تربية الطفل يذكرها العلماء المعاصرون في كتبهم وأبحاثهم في حين سبقهم إلى التصريح بها أئمة الإِسلام وقادة المسلمين عليهم‌السلام في القرون الماضية . وما أكثر المسائل العلمية التي ذكرها أئمتنا عليهم‌السلام حول تربية الطفل وسائر الموضوعات ولكنها لم تصل إلينا لصعوبة التدوين والكتابة ! .

إن الهدف من تربية الطفل في هذه المحاضرات أمران : الأمر الأول أن يدرك المستمعون الكرام ـ والطبقة المثقفة منهم بالخصوص ـ إلى عظمة التعاليم الإِسلامية ومدى شمولها لمختلف جوانب الحياة ، ويطلعوا على القيمة العلمية لهذه الحقائق بايمان أعمق واعتقاد أقوى . والأمر الثاني هو أن يتنبه أولياء الأطفال إلى المسؤولية الدينية والوطنية الخطيرة الملقاة على عواتقهم بالنسبة إلى تربية الصبيان المودعين بأيديهم ، ويقوموا بواجبهم هذا خير قيام .

مما لا ريب فيه أن شطراً كبيراً من المآسي والمشاكل الإِجتماعية وجانباً مهماً من الإِنحرافات الخلقية لشبابنا يعود إلى سقم الأساليب التربوية المتبعة بحقهم في أيام الطفولة ، ولسوء التربية في الأسرة جذور مختلفة بحسب المستوى الذي يبلغه الآباء والأمهات من حيث التكامل الروحي أو الإِنحطاط المعنوي .

مضار التربية الفاسدة :

يتميز بعض الآباء والأُمهات بكونهم فاسدين وذوي أخلاق سيئة ، فهؤلاء لا يربون أولادهم إلا على الفساد والإِنحراف . لأن الأطفال يتعلمون دروس الإِنحراف وسوء الخلق من آبائهم وأُمهاتهم فينشأون على ذلك السلوك

٨١

المتطرف ، ومن البديهي أن هذا السلوك لا يعكس في المجتمع إلا آثاراً فاسدة .

كما يتميز الآباء والأُمهات بأنهم يصرفون جل إهتمامهم إلى ضمان الغذاء واللباس والمأوى لأطفالهم ، ولعدم توفر النضج العقلي الكافي فيهم فانهم يهملون الجوانب التربوية والخلقية للطفل ، وحتى لو حاولوا أن يقوموا بهذا الواجب العظيم فانهم لا يعلمون ماذا يفعلون ؟ وماذا يقولون وكيف يرشدون الطفل ؟ لأنهم لم يفكروا يوماً ما في أمر استيعاب المناهج التربوية الصالحة ولم يحاولوا أن يفهموا واجبهم في هذا المجال .

تهاون بعض الآباء :

أما طائفة أُخرى من الآباء والأُمهات فهم يعرفون معنى التربية الخلقية والتنشئة الروحية للطفل إلى درجة ما ، ويعرفون السبل إلى تحقيق ذلك ولكنهم يتهربون عن واجبهم بصورة عملية ، ولا يجدون مسؤولية ما على عواتقهم في هذا المجال . وكأن هؤلاء يتصورون أن النمو النفسي للطفل يخضع للحوادث الفجائية وللصدفة فيتركونه بيد الأقدار توجهه كيفما تشاء مهملين واجبهم المقدس . . . في حين أنه لا يمضي وقت طويل حتى يجني الآباء الثمار السيئة لذلك الإِهمال والتهاون . هؤلاء الأطفال يخضعون لتأثير العوامل الهدامة والمضللة بسرعة لأنهم يفقدون الشخصية الخلقية المستقلة ولا يملكون القوة النفسية التامة ، فينحرفون عن الصراط المستقيم ، ويقدمون على مختلف أنواع الجرائم والمعاصي ، والوزر في ذلك كله يعود على الوالدين .

إن دور الطفولة يحتل الأهمية العظمىٰ في تقرير أساس الحياة . وإن السلوك المفضل أو الفاسد للأفراد يعود إلى الأساليب التربوية الصالحة أو الفاسدة المتخذة في حقهم ، إن الفرد يسير طيلة أيام عمره على طبق الخلقيات الخاصة به ، وإن أساس الخلقيات ينشأ في أدوار الطفولة . وبهذا الصدد يذكر القرآن الكريم : ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ وشاكلته : أي خلقه وطبيعته .

٨٢

إذن فالآية الكريمة تصرح بأن أفعال كل فرد وأقواله إنما تسير حسب خلقه وطبيعته التي نشأ عليها .

«ان الحقيقة التي تتضح يوماً بعد يوم هي أن للإِدراكات الحاصلة في دور الطفولة والحوادث والتجارب الواقعة في تلك الفترة تأثيراً قاطعاً على حياة الإِنسان ، إذ نستطيع القول بصراحة بأن هذه الإِدراكات والتجارب تعتبر الأساس لسلامة الأفراد وسقمهم ، وسعادتهم وشقائهم طيلة أيام العمر» .

«إن الطفل يصنع في الأعوام الأولى من حياته سدى حياته ولحمتها ، وبمجرد أنه يترك المهد ويأخذ في المشي يكون قد تقرر ما ينبغي أن يقع وما لا ينبغي» .

«تصب ركائز مشاعر الطفل وأحاسيسه من أولى أيام الرضاع ، أي أن العالم الخارجي إما أن يبدو أمراً منسجماً وباعثاً على الأمل في نظره ، أو أنه يفهم منذ ذلك اليوم أنه عبارة عن مجموعة من اليأس والعذاب . إما أن يفهم منذ البداية أنه يجب التغلب على المحيط الخارجي بصورة جيدة ويهيء له العوامل المساعدة . هذه الحقائق وحقائق أُخرى تترك أثراً كبيراً على تفكير الطفل الرضيع ، بحيث تلازم شخصيته طيلة أيام الطفولة والمراهقة والشيخوخة»(١) .

إننا نأمل أن يهتم الآباء والأمهات المسلمون بأداء واجباتهم في سبيل تربية أطفالهم ، ويستمدوا العون من الله العلي القدير في الوصول إلى هذا الهدف المقدس . أما بحثنا هذا اليوم : ـ

احياء شخصية الطفل :

لقد ذكرنا في المحاضرة السابقة أن تكوين شخصية الطفل من الفصول الأساسية في التربية ، ولكي ينشأ الأطفال على الاستقلال ، ويعتادوا الإِعتماد

____________________

(١) عقدهٔ حقارت ص ٩ .

٨٣

على النفس ، ولا يصابوا بالحقارة والضعة ، يجب على الآباء والأُمهات أن يهتموا بهذا الأمر إهتماماً بالغاً منذ الطفولة فيحاولوا أن ينموا مقومات الشخصية في أفلاذ أكبادهم بحديثهم وسلوكهم ، يجب عليهم أن يسلكوا معهم بصورة يعتقد الأطفال معها أنهم ذوو شخصية مستقلة وأنهم أعضاء حقيقيون في الأسرة . إن من أسلم الطرق وأفضلها في إحياء شخصية الطفل إحترامه والإِمتناع عن تحقيره وإهانته ، وقد صرح بهذا الموضوع في الحديث الذي ذكرناه ضمن المحاضرة السابقة حيث يقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «اكرموا أولادكم» . وقد أشار العلماء المعاصرون في الكتب النفسية والتربوية إلى هذين الأمرين ، أعني : إحترام الطفل ، وعدم تحقيره .

«على الوالدين أن يسعيا للنفوذ إلى أعماق قلب طفلهما حتى يرى المسائل بالشكل الذي يريانه . قد يسمع الأطفال أن حديثاً يدور حولهم ، وأن الحديث يتناول ذمهم وذكر معايبهم ، وتأويل سذاجتهم إلى شيء من البلادة والحمق . . . عند ذاك يدركون أن الكبار يحتقرونهم ، ويوجهون اللوم والتقريع نحوهم دون أن يفهموا روحياتهم ، في حين أن هؤلاء الأطفال الأبرياء لا يعلمون السبب في توبيخهم وتأنيبهم . أو أنهم يجبرون على سلوك معين في حين يجهلون العلة الصحيحة والمنطقية لذلك . . . بهذه الصورة ينفصل عالمهم عن عالم الكبار في حين أنهم توصلوا تلقائياً إلى هذه النتيجة ، وهي أن الكبار موجودات تختلف عنهم ، وإن عليهم أن يتسلحوا بالسلاح الكافي للدفاع عن حقوقهم تجاههم» .

«يجب عليهم أن يحاولوا أن لا ترتفع أصواتهم مع الأطفال أكثر مما هو الحال عند الحديث مع زميل أو صديق لهم . أما الإِرشادات فعندما تصبح ضرورية يجب أن تساق بالهدوء واللين بحيث لا توجد حاجزاً بينهم وبين الأطفال ، أو تؤدي إلى نفوره وحقد .فإذا سار السلوك مع الأطفال على هذا النحو نشأوا ذوي شخصية ممتازة ، واعتادوا على الإِعتماد على النفس» .

٨٤

«يجب إفهام الطفل بأنه فعال في الأسرة ، وأن عليه مسؤولية معينة يجب أن يلتزمها ويقوم بأدائها»(١) .

مشاعر الطفل الرضيع :

إن النكتة الجديرة بالإِهتمام من قبل أولياء الأطفال هي أن ركائز شخصية الطفل تصب في وقت مبكر جداً . فمنذ الأسابيع الأولى ، ومن حين الرضاع . . . حيث الطفل يعيش في المهد ، تبدأ مشاعر الطفل بالعمل وفي حين أنه لا يتكلم ، ولا يستطيع المشي ، ولا يقدر على قبض شيء بأصابعه الضعيفة ، وبعبارة موجزة لا يعدو أن يكون قطعة من اللحم المتحرك القابع في زاوية ، لكنه يتأثر بالحدة والغلظة ، أو اللين والحنان ، وتنعكس في روحه النتائج الطيبة أو السيئة لأفعال الآخرين .

على الوالدين أن يدركا الطفل منذ ذلك الحين ، ويقوما بواجباتهما التربوية في سبيل تنمية روحه وإحياء شخصيته .

«تنفذ أفكار المربي إلى أنسجة الطفل وأعصابه وروحه كما ينفذ الماء في الأرض الرملية . يجب على المربي أن يتجنب الإِهتمام إلى بعض العوامل فقط ، ذلك أن العوامل الخلقية مثلاً لا تقل أهمية عن العوامل الكيمياوية والفسيولوجية في ضمان قابلية العضلات على المقاومة ، وإن التكامل النفسي لا يمكن بدون الإِستعانة بجميع عوامل النمو الأُخرى . إذ المهم أن هذه العوامل يجب أن تستأثر باهتمام المربي بصورة مستمرة ، وفي الواقع فانه يجب تطبيقها منذ اليوم الثاني من الولادة» .

«ولهذا فإن الأم يجب أن تكون أعرف بميكانيكية تربية الطفل وطريقة استعمالها من المعلم . إن الطفل يدرك بسهولة أن بعض الأفعال لا يرتاح لها الأب أو الأم ، وإن مدح الآخرين أو تأنيبهم يؤثر فيه تأثيراً كبيراً»(٢) .

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٣١ .

(٢) راه ورسم زندگي ، تأليف : ألكسيس كارل ، ترجمة : پرويز دبيري ص ١٦٨ .

٨٥

أسلوب النبي في تربية الطفل :

لقد عمل الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مضافاً إلى توصية أتباعه الإِهتمام بتربية الأطفال وبذل العناية البالغة بإحياء الشخصية فيهم ، على تطبيق جميع النكات والدقائق اللازمة بالنسبة إلى أولاده ، فقد بعث فيهم الشخصية الكاملة منذ الصغر . لقد كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يراقب أطفاله منذ الأيام الأولى للولادة ، فالرضاع ، فالأدوار الأُخرى خطوة خطوة ، ويرشدهم إلى الفضائل العليا والقيم المثلى ، ويحترمهم ويكرمهم حسب ما يليق بهم من درجة تكاملهم الروحي . وأهم من ذلك أنه كان لا يقصر إهتمامه على أطفاله فقط ، بل كان يهتم بتربية أطفال الآخرين أيضاً ، فقد كان ـ في الواقع ـ مربياً عظيماً وأباً عطوفاً لأطفال المسلمين أيضاً ، وكان يسعى لإِحياء الشخصية الفاضلة فيهم قدر المستطاع وعلى سبيل الشاهد نذكر نماذج من سلوكه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تربية أولاده وأولاد المسلمين أيضاً .

روي عن أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب ـ مرضعة الحسين عليه‌السلام ـ قالت : «أخذ مني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حسيناً أيام رضاعه فحمله ، فأراق ماءً على ثوبه ، فأخذته بعنف حتى بكى فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مهلاً يا أم الفضل ، إن هذه الإِراقة الماءُ يطهرها ، فأي شيء يزيل هذا الغبار عن قلب الحسين ؟»(١) .

إن مرضعة الحسين عليه‌السلام ترى في البلل الذي أحدثه على ثوب جده ـ شأنه في ذلك شأن سائر الأطفال ـ عملاً منافياً ، ولذلك فهي تأخذه من يد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعنف في حين أن ذلك يخالف سلوك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع الأطفال ، ومع فلذة كبده الحسين بصورة خاصة .

فالطفل الرضيع يدر العطف والحنان ، كما يدرك الحدة والغلظة بالرغم من ضعف روحه وجسده ، ولذلك فهو يرتاح للحنان ويتألم من الغلظة والخشونة . إن الآثار التي تتركها خشونة المربي في قلب الطفل وخيمة جداً بحيث أنها تؤدي إلى تحقيره وتحطيم شخصيته وإن إزالة هذه الحالة النفسية

____________________

(١) هدية الأحباب ص ١٧٦ .

٨٦

من الصعوبة بمكان . ولذلك فإن الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لمرضعة الحسين عليه‌السلام : إن ثوبي يطهره الماء ، ولكن أي شيء يزيل غبار الكدر وعقدة الحقارة من قلب ولدي ؟ .

الرسول الأعظم وأطفال الناس :

هذه الرعاية التربوية نفسها كانت تنال أطفال المسلمين بصورة عامة فقد كان ينبه الآباء إلى واجباتهم في الحالات المناسبة . فقد جاء في الحديث .

«وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة أو ليسمّيه . فيأخذه فيضعه في حجره تكرمة لأهله . فربما بال الصبي عليه فيصبح بعض من رآه حين بال فيقول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . لا تزرموا بالصبي فيدعه حتى يقضي بوله ، ثم يفرغ من دعائه أو تسميته . فيبلغ سرور أهله فيه ، ولا يرون أنه يتأذى ببول صبيهم ، فإذا انصرفوا غسل ثوبه»(١) .

في هذا الحديث ثلاث نقاط جديرة بالملاحظة :

الأولى ـ أن الرسول الأعظم كان يستغل جميع الأساليب والوسائل لاحترام المسلمين وتكريمهم ، ومن ذلك إحتضان أطفالهم الرضع بكل حنان وعطف ومعاملتهم بالشفقة ، فأحد أهداف النبي في عمله هذا هو تكريم أولياء الأطفال كما ورد التصريح بذلك في الحديث . . . «تكرمة لأهله» .

الثانية ـ إن الطفل يبول طبقاً لحاجته الطبيعية وأداءً لعمل فطري ، ولا يدرك في عمله هذا استحسان المجتمع أو استياءه . ولذلك فإن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لا تغلظوا معه ولا تمنعوه من التبول ، دعوه حراً . ولا شك في أن إجبار الطفل على إمساك ما تبقى من بوله يخالف القواعد الصحية .

الثالثة ـ إن خشونة الوالدين وغلظتهما تؤدي إلى تحقير الطفل وإيذاءه وإن الإِنهيار النفسي للطفل يؤدي إلى نتائج سيئة طيلة أيام العمر . فعلى الراغبين في

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٦ ص ١٥٣ .

٨٧

تنشئة أطفالهم بصورة صحيحة أن يحذروا من إثارة غبار التألم والإِستياء في الضمير الباطن لهم .

الرسول الأعظم والحسن (ع) :

يتجلى مدى إهتمام الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتكريم أولاده من الرواية التالية . يقول الراوي : «دُعي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى صلاة والحسن متعلق به ، فوضعه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقابل جنبه وصلى . فلما سجد أطال السجود ، فرفعت رأسي من بين القوم فإذا الحسن على كتف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلما سلم قال له القوم : يا رسول الله ، لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها ، كأنما يوحى إليك . فقال : لم يوح إلي ، ولكن ابني كان على كتفي ، فكرهت أن أعجله حتى نزل»(١) .

هذا العمل من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تجاه ولد الصغير أمام ملأ من الناس نموذج بارز من سلوكه في تكريم الطفل . إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمل أقصى ما يمكن من إحترام الطفل في إطالته سجدته ، و أرشد الناس ـ ضمناً ـ إلى كيفية إحياء الشخصية والاستقلال عند الطفل .

لقد كان أطفال الناس أيضاً يحوزون إحتراماً وتكريماً من قائد الإِسلام العظيم ، وكان يبذل لهم من العناسة بمشاعرهم الروحية وعواطفهم ما يبذله لأولاده . فعن الإِمام الصادق عليه‌السلام أنه قال : «صلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالناس الظهر فخفف في الركعتين الأخيرتين . فلما انصرف قال له الناس : هل حدث في الصلاة حدثٌ ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : خفّفت في الركعتين الأخيرتين . فقال لهم : أما سمعتم صراخ الصبي ؟!»(٢) .

وهكذا نجد النبي العظيم يطيل في سجدته تكريماً للطفل تارة ، ويخفّف في صلاته تكريماً للطفل أيضاً تارة أُخرى ، وهو في كلتا الصورتين يريد التأكيد

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٠ ص ٨٢ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٦ ص ٤٨ .

٨٨

على إحترام شخصية الصبي وتعليم المسلمين طريق ذلك .

ومثل هذا نجده في الحديث الآتي : «عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه كان جالساً ، فأقبل الحسن والحسين . فلما رآهما النبي قام لهما ، واستبطأ بلوغهما إليه ، فاستقبلهما وحملهما على كتفيه ، وقال : نعم المطيّ مطيّكما ، ونعم الراكبان أنتما»(١) .

في هذا الحديث نجد أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكرم سبطيه بشتى الصور : يقوم لهما ، وينتظرهما ، ويستقبلهما ، ويجلسهما على كتفيه ، هذا من الناحية العملية ، وأما قولاً فهو يقول في حقهما : نعم الراكبان أنتما . إن ما يجلب الانتباه هو أن إحترام الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لسبطيه كان على مرأى ومسمع من المسلمين في الغالب ، ولهذا الأمر فائدتان : الأولى أن جذور شخصية السبطين كانت تقوى وتستحكم بفضل إحترام النبي لهما أمام الناس . والثانية أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعلم الناس طريق تربية الأطفال بصورة تطبيقية . لقد كان أطفال المسلمين أيضاً متمتعين بهذا الإِحترام والعطف من النبي أيضاً .

«كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقدم من السفر ، فيتلقاه الصبيان فيقف لهم ، ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه ، ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم . فربما يتفاخر الصبيان بعد ذلك ، فيقول بعضهم لبعض : حملني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين يديه ، وحملك أنت وراءه ، ويقول بعضهم : أمر أصحابه أن يحملوك وراءهم»(٢) .

مما سبق يظهر جلياً أن الأطفال كانوا يتمتعون بهذه المناظرة السارة ، وكانوا يفرحون كثيراً لهذا السلوك الممتاز فلا ينسون تلك الخواطر الطيبة ، بل كانوا يتحدثون عنها فيما بعد ويتفاخرون بتقديم رتبة بعضهم على بعض بمقدار تكريم النبي لهم .

يقولون : إن الأطفال يستأثرون باهتمام العصر الحاضر ، وان تربيتهم

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٠ ص ٨٠ .

(٢) المحجة البيضاء في إحياء الاحياء للفيض الكاشاني ج ٣ ص ٣٦٦ .

٨٩

تشغل مجالاً واسعاً من تفكير الحكومة والشعب . أفهل يمكن أن يبلغ إهتمامهم بالأطفال ، الدرجة التي بلغها إهتمام الرسول الأعظم بهم وتكريمه لهم ؟! .

يقولن : إن الزعماء والقادة في الدولة المتمدنة يزورون رياض الأطفال ودور الأيتام ويقضون ساعة أو ساعتين مع الأطفال ، فيحتضنونهم ويلتقطون الصور معهم ثم ينشرونها في الصحف ويكتبون المقالات المطولة حول ذلك وعن هذا الطريق يفهمون الرأي العام بمدى عطفهم واحترامهم تجاه الأطفال ولكن أي قائد يفعل ما كان يفعله الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تجاه الأطفال من استقبالهم على أتم البساطة والعطف في الطرق والشوارع وحملهم على كتفه ؟! .

وبصورة أساسية فان الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعامل جميع الأطفال سواء كانوا أبناءه أو أبناء غيره بالشفقة والعطف والحنان . وقد جاء في الحديث : «والتلطف بالصبيان من عادة الرسول»(١) .

ارضاء حب الذات عند الأطفال :

لقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهدف معاملة الأطفال بالعطف والحنان بغض النظر عن إرشاد الناس بصورة تطبيقية إلى كيفية تربية الأطفال ، إلى غرضين لامعين :

الأول : تنشئة الأطفال على الإِستقلال والاعتماد على النفس ، فإن أعظم ثروة لقائد حكومة قانونية وحرة وجود شعب حر وقوي الشخصية .

الثاني : إن عطف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يؤدي إلى تشديد أواصر الحب والإِخلاص بينه وبين الأطفال فيرسخ حبه في قلوبهم وينشأون منذ البداية محبين لقائدهم العظيم . فقد ورد عن الإِمام الصادق عليه‌السلام أنه قال : «جُلبت القلوب

____________________

(١) المصدر السابق .

٩٠

على حب من نفعها وبغض من ضرها»(١) . وعنه أيضاً : «طبعت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها»(٢) .

ندرك من هذا أن احترام الناس أحسن الوسائل لإِرضاء غريزة حب الذات فيهم . الصغار والكبار ، الرجال والنساء ، كلهم يتلذذون من احترامهم ويحبون من يحترمهم . كما أن القادة يستطيعون النفوذ إلى قلوب الشعب عن طريق إحترامهم ، وفي ذلك أعظم الأثر في حملهم على الطاعة والإِنقياد وإذا كان الطفل يقابل بالإِحترام في محيط الأسرة فان خروجه على أوامر الوالدين سيكون أقل . وبصورة موجزة فإن احترام الناس من أعظم وسائل جلب عواطفهم وانقيادهم ، كما أن تحقير الناس من أهم أسباب إثارة الفتنة والعداوة . يقول الإِمام الرضا عليه‌السلام : «وأجمل معاشرتك مع الصغير والكبير»(٣) .

وعن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «أجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب»(٤) .

«لا يوجد في العالم غير وسيلة واحدة يمكن بواسطتها إجبار شخص على القيام بعمل . هل فكرتم في هذه الوسيلة قط ؟ وسيلة واحدة فقط وهي عبارة عن إيجاد الرغبة فيه للقيام بالعمل» .

«إنك تستطيع أن تعترض عابراً في طريقه وتشهر عليه المسدّس قائلاً له : إنزع ساعتك وأعطني إياها ! كما تستطيع أن تدفع العامل إلى العمل بواسطة إنذاره بالطرد . . . ولكن هذا كله ما لم تول ظهرك عنه . تستطيع أن تجبر طفلاً على الإِنقياد لأوامرك بالسوط ، ولكن هذه الأساليب المؤلمة تتضمن نتائج وخيمة» .

«يرى الفيلسوف الحاذق (جون ديوي) أن أهم الحوافز في النفس الإِنسانية (حب الحيازة على الأهمية) . . . تذكروا هذا دائماً :

____________________

(١) و (٢) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٤ ص ٧٤ .

(٣) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٧ .

(٤) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ١٣٩ .

٩١

(حب أن يكون مهماً) فهناك عالم عظيم منطوٍ في هذه اللفظة» .

«إن التاريخ ملىء بالشواهد والأمثلة عن أحوال رجال عظماء كانوا يسعون لإِظهار أهميتهم . لقد كان جورج واشنطن يرغب في أن يدعى باسم (سيادة رئيس جمهورية الولايات المتحدة) . وكان كريستوف كلمبس يرغب في تسميته باسم (بطل المحيطات ووصي الهند) . لقد لوحظ أن بعض الأشخاص يتمارضون لكي يكسبوا عطف من حولهم أكثر وبهذا الأسلوب يدركون ما لهم من الأهمية بصورة واضحة»(١) .

بذر الفضائل في نفس الطفل :

إن المربي القدير هو الذي يوجه غريزة حب الذات عند الطفل بصورة صحيحة ، ويرضي هذا الميل النفسي بالطرق المناسبة ، ويبذر الفضائل والملكات الحميدة في ظل هذه الغريزة في نفسه فينقذه من الأخطار التي ربما تعترض طريقه .

من طرق الإِحترام وتكريم شخصية الطفل : السلام . فهناك عبارات وأساليب مختلفة في جميع نقاط العالم خاصة بالتحية حيث يؤديها الناس في أول لقاء بينهم . والسلام أحد السنن المؤكدة في تعاليم الإِسلام الخلقية فعندما يلتقي مسلمان يجب عليهما قبل كل شيء أن يسلم أحدهما على الآخر .

«عن الحسين بن علي عليهما‌السلام أنه قال له رجل : كيف أنت عافاك الله ؟ فقال له : السلام قبل الكلام ، عافاك الله . ثم قال : لا تأذنوا لأحد حتى يسلم»(٢) .

إن الطفل يدرك في محيط الأسرة هذا الواجب الأدبي عن طريقين : الأول عن طريق تقليد الوالدين والكبار ، والثاني عن طريق تعليم المربي إياه

____________________

(١) آئين دوست يابى تأليف ديل كارنيجى ص ٣٠ ـ ٣٤ .

(٢) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٨ .

٩٢

وتأكيده على ضرورة أداء السلام للكبار . وكلما احتُرم الطفل في الأسرة واهتم الوالدان بشخصيته ، كانت إطاعته لأوامرهما وانقياده لإِرشادتهما أكثر ولذلك فهو يقابل الآخرين بالإِحترام والأدب دائماً .

«إن الطفل الذي أحسنت تربيته وعومل باللين والعطف الذي يستحقه يندر أن يخرج على السلوك الذي يتوقع منه»(١)

رد السلام إلى الطفل :

إذا سلم الطفل على الكبار فعليهم أن يردّوا تحيته بمنتهى اللين ويحترموا شخصيته بهذه الصورة . أما إذا لم يعتنوا به ولم يردّوا سلامه فانهم يكونون قد أهانوه واحتقروه ، وسيتألم لهذه الإِهانة ، ويستاء كثيراً .

بدء الأطفال بالسلام :

لقد تجاوز الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سبيل تكريم الأطفال حد رد السلام فكان هو يبدأ السلام معهم على ما هو عليه من عظم الشخصية ، وبذلك كان يحترم شخصيتهم . هذا العمل الفريد من نوعه دعاء علماء الحديث إلى أن يوردوا أحاديث (إستحباب التسليم على الصبيان) في باب خاص . وهذه نبذة من تلك الروايات :

١ ـ عن أنس بن مالك قال : «إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّ على صبيان فسلم عليهم وهو مغذّ» (٢) .

٢ ـ وذكر بعضهم في تعداد صفات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنه كان يسلم على الصغير والكبير»(٣) .

٣ ـ وعن الإِمام الصادق عليه‌السلام عن آبائه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «خمس

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٣٠ .

(٢) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٩ . ومغذّ : أي مسرع في السير .

(٣) المصدر السابق .

٩٣

لست بتاركهن حتى الممات . . . وتسليمي على الصبيان لتكون سنة من بعدي»(١) .

لبدء الطفل بالسلام أثران نفسيان : فهو يقوي في نفس المسلم صفة التواضع وخصلة الخلق الفاضل ، ويحيي في الطفل الشخصية الرصينة والإِرادة المستقلة . إن الطفل الذي يجد الكبار يسلمون عليه ويحترمونه بهذا الأسلوب يصدق بكفاءته وأهليته للإِحترام ، ويطمئن منذ الصغر إلى أن المجتمع يعتبره إنساناً ويعيره الناس إهتماماً لا بأس به .

على الراغبين في اتباع سنة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبدأوا الأطفال بالسلام ، كي يركّزوا في نفوسهم خصلة التواضع ، ويحيوا شخصيات الأطفال ويدفعوهم إلى طريق التربية السليمة .

المساواة بين الأطفال :

من الواجبات المهمة التي لا بد أن يلتزم بها أولياء الأطفال في سبيل تربيتهم تربية صالحة التوازن والمساواة بينهم ، على الآباء والأمهات الذين يملكون عدة أطفال أن يسلكوا مع كل منهم سلوكاً لا يُغفل شأن الباقين . . . عليهم أن ينظروا إليهم جميعاً بعين واحدة ويعاملوهم بالعدالة والمساواة .

«عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، نظر إلى رجل له ابنان ، فقبل أحدهما وترك الآخر . فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فهلا ساويت بينهما ؟»(٢) .

وفي حديث آخر : «إعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدلوا بينكم»(٣) .

أمل الطفل :

إن الأمل الوحيد للطفل ومبعث فرحه ونشاطه هو عطف الوالدين وحنانهما . لا يوجد عامل يهدىء خاطر الطفل ويبعث فيه الإِطمئنان والسكينة

____________________

(١) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٣ ص ٢٠٩ .

(٢) مكارم الأخلاق للطبرسي ص ١١٣ .

(٣) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٢٣ ص ١١٣ .

٩٤

مثل عطف الوالدين ، كما لا يوجد عامل يبعث فيه القلق والاضطراب مثل فقدان جزء من حنان الوالدين أو جميعه .

«إن حسد الولد تجاه أخيه الصغير الذي تولد حديثاً لا غرابة فيه ، لأنه يحس بأن قسماً من العناية التي كانت مخصصة له قد سلبت منه ، والآن لا يستأثر باهتمام الوالدين ، بل إن الحب والحنان يجب أن يتوزع عليه وعلى أخيه الأصغر»(١) .

إن الآباء والأمهات الذين لا يراعون العدالة والمساواة في التظاهر بالحب والحنان بالنسبة إلى أطفالهم ، ويرجحون واحداً منهم على الآخرين ، يحطمون شخصياتهم ويفهمونهم بصورة عملية أن أخاهم (فلان) هو الجدير بالإِحترام والتوقير فقط أما هم فلا توجد فيهم الكفاءة والجدارة لكل ذلك ومما لا شك فيه أن هذا السلوك غير العادل يتضمن نتائج غير مرغوب فيها .

من الآثار السيئة لهذا الإِختلاف في معاملة الأطفال بالحب والحنان ، ظهور عقدة الحقارة في نفسوهم . إن الأطفال الذين يشاهدون أحد إخوتهم يعامَل في الأسرة بحب وحنان يفوقان ما يعاملون به يتألمون كثيراً ويحسون بالحقارة والضعة في نفوسهم ، وإن تكرار هذا العمل يقوي الإِحساس بالحقارة في ضمائرهم ويضرب بجذوره في أرواحهم ، مما يؤدي إلى ظهور آثاره الوخيمة من خلال تصرفاتهم يوماً بعد يوم .

«تشمل عقدة الحقارة جميع مظاهر عدم الثقة بالنفس ، والإِحساس بالفشل ، وعدم الجدارة ، وفقدان الإِرادة . . . وهناك آلاف العوامل التي تتسبب في ظهورها . قد يصاب الطفل بهذه العقدة فلا تتركه إلى دور البلوغ فقط بل تلازمه إلى نهاية عمره . وعندما يكبر هذا الطفل يتخذ سلوكاً إنزوائياً ، أو يحس على الأقل بالغربة والبعد تجاه قرنائه» .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٢٧ .

٩٥

«إن الذي ينزوي عن أقاربه وأقرانه يعبّر عن العذاب الذي يعيشه من حس الحقارة التي درج عليها منذ الصغر ولهذا فإن كل خاطرة أو حادثة تضعف عزة النفس والغرور الذاتي عند الشخص تعتبر ـ حسب الأسس النفسية ـ عاملاً لاتساع عقدة الحقارة ، عاملاً لجعله في عداد الأفراد القلقين وضعاف النفوس في المجتمع»(١) .

إنتقام الطفل :

والأثر الآخر من الآثار السيئة للاختلاف في معاملة الأطفال بالحب والحنان ، إثارة الحسد وحب الإِنتقام في نفوس الأطفال المهملين تجاه الطفل المستأثر بحنان الوالدين دونهم . هؤلاء الأطفال الذين نالوا حظاً أدنىٰ من عواطف الوالدين يتألمون ، ويجدون أن العامل الوحيد لحرمانهم هو وجود أخيهم المدلل ، فيحسدونه على ذلك الحب ، وينظرون إليه بنظر العداوة والحقد . . ولأجل أن يثأروا لكرامتهم وينتقموا منه فيجبروا بذلك حرمانهم ، يحاولون إيذاءه والإِنتقاص منه في كل فرصة يحصلون عليها . في بعض الأحيان يكون تأثير اختصاص الوالدين أحد أولادهما بالعطف والمحبة في زرع بذور الحقد والحسد في نفوس الآخرين شديداً إلى درجة تحملهم على التفكير في انتقام مخطط ومدبّر ، والقيام بأعمال خطيرة لا تجبر ولا شك أن المنشأ النفسي لهذه الجرائم يمكن معرفته في تفريق الوالدين بين أطفالها في نسبة الحب والحنان .

وقد يمتاز أحد الأطفال في الأسرة بجمال مفرط وخصائص فطرية ومنح إلهية أكثر من الباقين . . . في هذه الحالة مهما حاول الوالدان مراعاة العدالة والمساواة بينهم ، فإن ذلك الطفل لا يسلم من حسد الآخرين ، لأنهم بمشاهدتهم للإِمتيازات الظاهرية والنفسية التي يختص بها أخوهم يحسون بالحقارة والنقص في أنفسهم . . . يشعرون بأنهم دونه في المستوى والمنزلة ولذلك فهم يحاولون إيذاءه والانتقام منه .

____________________

(١) عقدهٔ حقارت ص ٦ .

٩٦

هذه الظاهرة نلمسها بوضوح في (يوسف الصديق) وإخوته الأحد عشر . لا ريب في أن النبي يعقوب لم يكن شخصاً يخص بعض أولاده بالعطف والمحبة أكثر من الآخرين ، مضافاً إلى أنه كان يوصي ولده (يوسف) بالنصائح اللازمة لعدم إثارة حوافز الحسد والحقد في نفوس إخوته ، فمثلاً عندما رأى الرؤيا التي تبشر بعظمته ورقيه أوصاه بأن لا يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له كيداً . . . مع هذا كله فإن الاخوة تذرعوا بحب أبيهم ليوسف أكثر من حبه لهم ، وزجوا بأخيهم الصغير في خضم من المشاكل والمصائب المؤلمة .

تدارك المشاكل :

ينبغي للآباء والأمهات الذين يملكون طفلاً ممتازاً من بين أطفالهم ويحذرون أن يثير ذلك فيهم الشعور بالانتقام أن يتخذوا بعض التدابير الخاصة في مناهجهم التربوي فيحاولوا تدارك ما ينشأ في نفوسهم من الإِحساس بالحقارة بالوسائل المناسبة . من تلك التدابير ما ورد في حديث عن الإِمام الباقر عليه‌السلام :

«قال جعفر بن محمد عليهما السلام : قال والدي : والله لأصانع بعض ولدي وأجلسه على فخذي ، وأكثر له المحبة ، وأكثر له الشكر ، وإن الحق لغيره من ولدي ولكن محافظة عليه منه ومن غيره لئلا يصنعوا به ما فعل بيوسف إخوته . وما أنزلت سورة يوسف إلا أمثالاً لكيلا يحسد بعضنا بعضاً كما حسد يوسف إخوته وبغَوا عليه»(١) .

يستفاد من هذا الحديث بصورة جيدة أن أحد أولاد الإِمام الباقر عليه‌السلام كان يمتاز على الباقين ببعض الصفات ، فكان الوالد يخاف عليه من حسدهم ، وفي نفس الوقت كان يرغب في أن لا يخدش عواطفهم ، فكان يحترم غيره إحتراماً بالغاً ليمنع بذلك من إحساسهم بالحقارة ومحاولة الإِنتقام .

مشاركة الطفل في لعبه :

من وسائل إحياء شخصية الطفل مشاركة الكبير إياه في اللعب . إن

____________________

(١) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٢٦ .

٩٧

الطفل يميل إلى تقليد الكبار في كل خطوة يخطونها وذلك بسبب من شعوره بالضعف الذي فيه والقوة التي في الكبار من جهة ، ولرغبته في التعالي والتكامل بصورة فطرية من جهة أُخرى . إن التقليد والإِقتباس من الثروات العظيمة لتكامل الإِنسان وتقدمه ، وقد أودع الله تعالى هذا الأمر الغريزي فيه منذ الطفولة .

عندما يتنازل الوالد أو الوالدة إلى مشاركة الطفل في لعبه ، ومساعدته في أعماله ، يطفح قلب الصغير بالفرح والبشر ، ويحس في باطنه بأن أفعاله الصبيانية مهمة إلى درجة أنها تدعو الوالدين إلى المساهمة معه وجعل أنفسهما في مستواه . هذا الإِحساس يحيي شخصية الطفل ويركز فيه الشعور بالاستقلال والثقة بالنفس .

إن المناهج التربوية الحديثة تهتم بمشاركة الكبار مع الأطفال في ألعابهم إهتماماً بالغاً ، فإن علماء النفس يرون في ذلك واجباً من الواجبات التربوية للوالدين ، ويؤكدون على هذا الأمر في كتبهم .

«من الضروري أن يشترك الأب في ألعاب أولاده ونزهاتهم . إن هذا يعبر عن تفاهم وطيد . يشترك الأب في ألعاب الأطفال حسب أعمارهم ، وحسب المكان ، والفصل . لا شك في أن الوقت الذي يستطيع أن يخصصه لهذا العمل ضيق جداً ، لكن بالنظر إلى المزايا التي يتضمنها من أن نزول الأب إلى مستوى أولاده يؤدي إلى ارتفاعهم إلى مستواه بدرجة كبيرة . . . هذه المزايا تدعو الآباء إلى تخصيص مجال ـ ولو ضيق ـ لهذا الأمر»(١) .

«يقول موريس تى پش في كتابه (دروس للوالدين) : يجب أن تسلكوا مع أولادكم كأصدقاء ، أن تعملوا معهم ، أن تشاركوهم في اللعب ، أن تقرأوا لهم القصص أن تتحدثوا معهم بعبارات الود والصداقة . وبصورة خاصة فإن الفرد يجب أن يعرف كيف يجعل

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٢٢ .

٩٨

نفسه بمستوى الأطفال ويتكلم بلغة يفهمونها» .

«إنكم إذا كلفتم أنفسكم هذا العناء . . فحدثتم أطفالكم حول شؤونهم الخاصة ، وأفكارهم وآمالهم ، وما ينوون القيام به ، فطالما حصلتم على معلومات نافعة وقيّمة» .

«هذا الإِستئناس بروح الطفل ، مضافاً إلى أنه يمنعكم من إتخاذ قرارات عاجلة وأحكام غير مدروسة في حقهم ، يسمح لكن أن تحلوا كثيراً من المسائل المهمة في حياة الأحداث»(١) .

استحباب اللعب مع الطفل :

لقد اهتم أئمة الإِسلام بهذا الأمر التربوي العظيم وأوصوا المسلمين بإرشادات مهمة في هذا الصدد . إن اللعب مع الأطفال من الأمور المستحبة في الشريعة الإِسلامية ، وقد أورد علماء الحديث نصوصاً كثيراً في كتبهم تحت عنوان (استحباب التصابي مع الولد وملاعبته) نذكر هنا نبذة منها :

١ ـ قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من كان عنده صبي فليتصاب له»(٢) .

٢ ـ عن الأصبغ بن نباته قال : «قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : من كان له ولد صبا»(٣) .

٣ ـ قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رحم الله عبداً أعان ولده على برّه ، بالإِحسان إليه ، والتألّف له ، وتعليمه ، وتأديبه»(٤) .

وإذا نظرنا إلى طائفة أُخرى من الروايات وجدنا أنها تؤكد على استحباب إدخال السرور على قلب الطفل بشتى الوسائل : باللعب معه ، وجلب الملابس الجديدة له ، وأخذه للنزهة وما شاكل ذلك .

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٤٥ .

(٢) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ١٢٦ .

(٣) المصدر السابق .

(٤) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٢٦ .

٩٩

٤ ـ عن ابن عباس قال : «قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من فرّح ابنته فكأنما أعتق رقبة من وُلد إسماعيل ، ومن أقرّ عين إبنٍ فكأنما بكى من خشية الله»(١) .

٥ ـ عن يعلى العامري أنه خرج من عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى طعام دُعي إليه ، فإذا هو بالحسين عليه‌السلام يلعب مع الصبيان ، فاستقبل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمام القوم ، ثم بسط يديه ، فطفر الصبي ها هنا مرة وها هنا مرة ، وجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضاحكه حتى أخذه ، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأُخرى تحت قفاه ، ووضع فاه على فيه وقبّله»(٢) .

إن قائد الإِسلام العظيم يعامل سبطه بهذه المعاملة أمام الناس لكي يرشد الناس إلى ضرورة إدخال السرور على قلوب الأطفال وأهمية اللعب معهم في سبيل تربيتهم ، مضافاً إلى قيامه هو بواجب تربوي عظيم .

ادراك نفسية الطفل :

إن أفعال الصبيان حين اللعب وكذلك أقوالهم التي يتكلمون بها تحكي عن أسلوب تفكيرهم وتكشف عن نفسياتهم ومستوى شخصيتهم الروحية . إن الكبار يستطيعون الوصول في أثناء اللعب إلى درجة ذكاء الطفل ومقدار كفاءته وثقافته .

عن أبي رافع قال : «كنت أُلاعب الحسن بن علي عليهما‌السلام ـ وهو صبي ـ بالمداحي . فإذا أصابت مدحاتي مدحاته قلت : إحملني . فيقول : ويحك ! أتركب ظهراً حمله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتركه . فإذا أصابت مدحاته مدحاتي قلت : لا أحملك كما لا تحملني . فيقول : أو ما ترضى أن تحمل بدناً حمله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأحمله»(٣) .

من هذا الحديث يظهر جلياً إباء هذا الطفل وعزة نفسه وعظم شخصيته .

____________________

(١) مكارم الأخلاق للطبرسي ص ١١٤ .

(٢) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٢٦ .

(٣) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٥١٧ . والمدحاة : الكرة .

١٠٠