الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

على بعض»(١) .

وبهذا الصدد يقول الإِمام الصادق عليه‌السلام : «من أتاه أخوه المسلم فأكرمه ، فإنما أكرم الله عز وجل»(٢) .

وفي الحديث الشريف ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطفه بها وفرج عنه كربته لم يزل في ظل الله الممدود عليه الرحمة ما كان في ذلك»(٣) .

كما ورد النهي عن تحقير الناس في كثير من الروايات كقوله عليه‌السلام : «لا تحقرن أحداً من المسلمين فإن صغيرهم عند الله كبير»(٤) .

هذه نبذة يسيرة من تعاليم الإِسلام القيمة بشأن احترام شخصية الناس وتكريمهم نكتفي بها ، لننتقل بعد ذلك إلى مسألتنا الأساسية وهي إحترام شخصية الطفل .

إحياء شخصية الطفل :

إن سلوك جميع أفراد البشر وأساليب معاشرتهم مع الناس إنما هو خلاصة للأساليب التربوية التي اتخذت معهم في دور الطفولة من قبل الآباء أو الأمهات في الأسرة أو من قبل المعلمين في المدرسة . فكل خير أو شر لقنوه إياهم في أيام الطفولة يظهر على سلوكهم عند الكبر وعندما يصبحون أعضاء في هذا المجتمع الإِنساني الكبير وبعبارة أُخرى فإن الوضع الروحي والخلقي والسلوكي للناس في كل عصر إنما هو حصيلة البذور التربوية التي نثرت في أدمغتهم أيام الطفولة .

إن الشخصية ، وحرية الإِرادة ، والإِعتماد على النفس . . . وكذلك

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ١٧٣ .

(٢) الوسائل للحر العاملي ج ٤ ص ٩٧ .

(٣) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٦ ص ٨٤ .

(٤) مجموعة ورام ج ١ ص ٣١ .

٦١

الحقارة ، والإِعتماد على الغير ، والخسة ، صفات تصب ركائزها في حجر الأم وحضن الأب . فعلى الآباء والأمهات الذين يرغبون في تنشئة أطفال ذوي شخصية أن يهتموا بذلك منذ الأدوار الأولى من حياتهم وينموا هذه الخصلة الطيبة في نفوسهم منذ البداية . إن الطفل الذي نشأ في الأسرة على الخسة والحقارة ، ولم يعامله أبواه معاملة إنسان ، ولم يعترفا به كعضو محترم من أعضاء الأسرة لا يستطيع في الكبر أن يبدي الإِستقلال في تصرفاته والرصانة في شخصيته . إنه لا يرى نفسه كفؤاً للاضطلاع بالمسؤوليات التي تلقى على عاتقه ، ولا يرى لنفسه شخصية أصلاً ، أنه موجود شقي نشأ على الخسة منذ البداية ، ومن الصعب جداً أن تستأصل جذور ذلك من كيانه .

إن التربية الصحيحة وتنمية الصفات الفاضلة عند الطفل تتوفر في ظل الأساليب العلمية والتطبيقية الصحيحة فقط ، على الوالدين أن يستوعبا ذلك ، وأن يتابعا حركات الطفل خطوة خطوة ، محاولين تطبيق تلك الأساليب عليه . أما الأسرة التي تهمل هذا الجانب فانها تعجز عن أن تقوم بتربية صالحة لأطفالها .

التكامل النفسي للطفل .

«ليس التكامل النفسي والعصبي للطفل أمراً يحدث بالصدفة ، بل انه يحصل وفقاً لقواعد معينة ، ويجب أن لا نتهاون في مقاومة إندحار أحد القوى النفسية التي تقوم كيانه ، بل يجب أن نعتبر النقص العصبي والنفسي الحادث عنده مرضاً فنخضعه إلى رقابة خاصة . إن الطفل يتعلم منذ الصغر كيف يستخدم جهازه العصبي ، وإن الرضيع ليس إلا مجموعة من الإِنعكاسات ، ثم يأخذ في المشي بالتدريج ، يتكلم ، يدرك ، يقفز ، ويحصل على معلومات سمعية وبصرية ، وفي هذه الحالة يمكن أن يقال : إنه قد تولد واقعاً» .

«كثير من الآباء والأمهات يتركون أطفالهم لوحدهم بمجرد أن

٦٢

يجدوهم قد أصبحوا قادرين على المشي والتكلم فيكون الطفل في هذه الصورة كساعة مكوّكة تسمع دقاتها ولكنها لا تملك عقارب»(١) .

إن إيجاد الشخصية والإِعتماد على النفس عند الطفل من الواجبات التربوية للآباء والأمهات وظهور هذه الحالة النفسية عند الأطفال يسير وفق منهج منظم ، بحيث لو طُبّق بصورة صحيحة أدى إلى نتائج مرضية ، ونشأ الطفل ذا شخصية فذة ، أما إهماله فانه يؤدي إلى تعود الطفل على الخسة والحقارة .

كما إن احترام الطفل وحسن معاشرة الوالدين معه من أهم العوامل الأساسية لبناء الشخصية الرصينة . إن نبي الإِسلام يوضح هذا المنهج الضخم بعبارة قصيرة ويأمر الناس باتباعه فيقول : «اكرموا أولادكم وأحسنوا آدابكم»(٢) .

إن احترام الطفل وتكريمه ، أو إهانته وتحقيره لا يختص بأسلوب معين ، بل إن الوالدين يستطيعان أن يحترما أطفالهما بطرق مختلفة ، كما يقدران على إهانتهما بصورة متعددة . وهنا لا بأس بالتعرض إلى بعض الأساليب والصور التي بها يحترم الطفل أو يهان ، مع بيان النتائج المفيدة أو المضرة التي تترتب على ذلك .

الطفل إنسان واقعي :

إن الشرط الأول للتربية الصحيحة وتنمية الشخصية والاستقلال عند الطفل أن يعرف الوالدان حقيقة طفلهما ولا يتجاهلا قيمته الواقعية . . . أن يعتقدا بأن طفلهما ليس شاة أو دجاجة تحتاج إلى الطعام واللعب والنوم . . . إنه إنسان صغير ، إنسان واقعي ولكنه ضعيف ، إنسان حقيقي يملك من الذخائر الفطرية ما يجب أن تبرز من عالم القوة إلى حيز الطفل .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٦٥ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٢٣ ص ١١٤ .

٦٣

«يحس الطفل طيلة أدوار نموه بالحقارة في قبال والديه وجميع الناس . هذا الإِحساس في جميع شؤون الطفل وليد عدم القدرة الأولية للأعضاء وعدم الاطمئنان به وفقدانه للإِستقلال ، وكذلك ينتج على أثر الإِحتياج الى الغير ، والإِعتماد على شيء أقوى منه ، والخضوع لسيطرة المحيط . وهذا الإِحساس بالحقارة هو الذي يوجد في الطفل نشاطاً دائماً ، واحتياجاً إلى الإِنشغال ، والإِهتمام بلعب دور بارز في الحياة . إنه يسير في هالة ضخمة من الآمال والأماني المستقبلة والإِستعداد الجسمي والعقلاني لتحقيقها ، وإن الرغبة في التفوق على الآخرين هي التي تدفعه إلى أن يثبت لنفسه شخصية ، فيقلل بذلك من حدة الحقارة المستولية عليه»(١) .

الرشد المعنوي للطفل :

إن الآباء والأمهات الذين يفسحون المجال في الأسرة للأطفال كي يمارسوا نشاطاتهم الفطرية ، ولا يسخرون منهم في الأفعال التي تصدر منهم ولا يحاولون تحقيرهم أبداً ، يتوفقون إلى الرشد المعنوي بسرعة وينالون شخصية يسلكون تجاه أطفالهم بالشدة والحدة ويملأون جو الأسرة رعباً وهلعاً يكتبون القابليات والاستعدادات الباطنية للأطفال ويمنعون من الرشد الطبيعي لهم فينشأون وهم فاقدون للشخصية .

«إن أحد أسباب الإِحساس بالحقارة عند الأطفال هو المظاهر الشديدة لقدرة (الكبار) وضغطهم . لا شيء يطفىء جذوة الرغبة في التعالي والتكامل والإِعتماد على النفس عند الطفل مثل الإِهانة والتحقير الذي يلاقيه في قبال الضغط والشدة ، خصوصاً عندما يؤكد الوالدان شدتهما بعبارة (إنك لا تستطيع القيام بهذا العمل) . . . (لا تحاول عبثاً) ، ومما يزيد في الطين بلة أنهما لا

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ١٦ .

٦٤

يكتفيان بذلك بل يبعثان السأم والملل في نفس الطفل بعبارات من أمثال (لماذا تريد أن تفعل هذا أيها الأحمق . . . ألا ترى أنك لا تستطيع ذلك ؟!) . من النادر جداً أن لا يوجد سلوك كهذا عقدة الإِحساس بالحقارة في الأطفال . وقد يكون وجود أب متزمت ومتنفذ كافياً في أن يقف حاجزاً دون ظهور الصفات الفاضلة في نفس الطفل»(١) .

وإذا عدنا إلى الحديث الذي سبق شرحه في المحاضرة السابقة ، وجدنا أن الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «ولا يرهقه ولا يخرق به» . . . أي لا يقول له : أنت سفيه ، حقير ، بليد ، أبله ، كذاب لأن كل واحدة من هذه الكلمات تحمل من أمارات الإِهانة والتحقير تجاه الطفل ما يكفي للوقوف أمام تكامل قواه المعنوية .

غريزة اللعب عند الطفل :

من الميول التي أودعها الله تعالى في باطن الأطفال : الرغبة في اللعب . إن الطفل يميل إلى اللعب بفطرته ، فتارة يجري ويقفز ، وأُخرى ينظم لُعَبه ودُماه . هذه الأعمال التي تبدو للنظرة البسيطة تافهة وعابثة هي أساس تكامل جسد الطفل وروحه . إن اللعب يبعث القوة في عضلاته والمتانة في عظامه ، كما أنه ينمي فيه القدرة على الإِبتكار ويخرج قابلياته الكامنة إلى حيز الفعل . وهكذا فاللعب يشغل شطراً كبيراً من حياة الأطفال ولم يفت الأئمة المعصومين أمر التنبيه على هذه النقطة . فعن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «الغلام يلعب سبع سنين ، ويتعلم الكتاب سبع سنين ، ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين(٢) ، وعنه أيضاً : «دع ابنك يلعب سبع سنين»(٣) .

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٥٧ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٦ ص ٤٧ .

(٣) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٦ ص ٤٦ .

٦٥

اللعب وحس الابتكار :

من فوائد اللعب تدريب الطفل على الاستقلال في الإِرادة ، واحياء حس الإِبتكار فيه ، عندما يحفر الطفل على كومة من التراب بئراً ، أو يبني غرفة صغيرة فإن قواه العقلية تعمل كما يعمل المهندس المعمار فيتلذذ لنجاحه وعندما يلاقي بعض الموانع في عمله فتنهدم البئر أو تنهار الغرفة ، يحاول تدارك ذلك بالبحث عن علاج فوري . . . هذه النشاطات تساعد على الرشد الفكري وتكامل الشخصية عند الطفل ، فإذا سخر الأب أو الأم منه ، ونسبوا أفعاله إلى العبث والسفه كان في ذلك إهانة وتحقير له ، وكبت لمواهبه وقابلياته .

«إذا حاول الأطفال رسم برنامج خاص لهم في أعمالهم فلا تمنعوهم من ذلك ، لأن مواصلة تطبيق خطة مرسومة دون وقوف العوائق في طريق ذلك عامل فعال في تكوين الشخصية عندهم» .

«لا يلتزم الكبار في الأفعال الإِعتيادية اليومية التي يؤدونها بنظام معين ، في حين أن الأطفال يميلون ـ على العكس من الكبار ـ إلى أن يسيروا حسب خطة معينة ولكن هل أننا ندعهم أحراراً في تنفيذ خططهم ؟! كلا . إذا كان الأطفال يلعبون فاننا نمنعهم عن اللعب لنصحبهم معنا إلى النزهة ، وإذا كان الطفل يملأ سطلاً من الرمل ، أو يلبس العروسة بدلة فاننا نأخذ بيده إلى أن يأتي ويسلم على الضيف» .

«هذه الأمور تدعو الطفل إلى أن يعتقد بأن حقارة خاصة تكتنفه مما تجعله دون مستوى الآخرين ، وعندئذ يدرك الطفل أن جميع أفعاله فاقدة للمعنى ، وأنه موجود تافه ، وفي مثل هذه الحالة كيف تستطيعون أن تلقنوا هذا الموجود الصغير معاني المسؤولية والإِعتماد على النفس ؟!»(١) .

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٥٦ .

٦٦

لا تغفلوا عن كلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث يقول : «اكرموا أولادكم» ولا تنسوا قوله : «ولا يرهقه ولا يخرق به» .

إرشاد الطفل :

لا ريب في أن الطفل يحتاج لمعرفة الخير والشر إلى إرشاد أبويه . فعليهما أن يعلماه موارد الخير ويحثاه على العمل به ، ويبصراه بالشر ويحذراه منه . إن مجموعة الأوامر والنواهي الصادرة من الوالدين إلى أطفالهما تمثل تنفيذاً لواجب تربوي مقدس ، ولكن يجب أن لا يغيب عن البال أن هذه الأوامر والنواهي يجب أن لا يتجاوز الحد المعقول ولا تصل إلى حد الإِهانة وجرح شعور الطفل الذي يؤدي بدوره إلى نتيجة عكسية .

هناك بعض الآباء يتدخلون في سلوك أطفالهم بدرجة كبيرة ، ظناً منهم بأنهم يحسنون تربيتهم بذلك ، فيتجاوزون بأوامرهم نواهيهم الحد المعقول ، ويسببون الجزع والملل لهم ولأطفالهم ، في حين أن الطفل يزداد إنحرافاً يوماً بعد آخر .

إذا كان للطفل سلوك غير محبّذ فعلى الوالدين أن يرشداه إلى الطريق الصحيح بأسلوب هادىء لا يصيب شخصيته بإهانة أو تحقير . ذلك أن الإِكثار من توبيخ الطفل وتوجيه اللوم والتقريع نحوه والإِصرار على هذا العمل المقترن بالإِهانة وتحطيم الشخصية ، لا ينتج النتيجة المطلوبة من إصلاح الطفل فحسب ، بل يؤدي إلى اصراره وعناده والاستمرار في أفعاله الفاسدة رغم أنف والديه . وفي هذا يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «الإِفراط في الملامة يَشبُّ نيران اللجاج»(١) .

عناد الطفل :

الوالدان يحاولان من وراء اللوم والتقريع المتواصلين أن يمنعا الطفل من ارتكاب العمل الذي قام به ، ويريدان أن يحطما شخصيته وإرادته ، ويحملا

____________________

(١) تحف العقول ص ٨٤ .

٦٧

إرادتهما عليه . أما الطفل فلا يقف مكتوف اليدين ، ولذلك فلأجل أن لا يكون قد اندحر في الميدان تماماً ، يصمم على مقاومة أبويه فيثبت شخصيته بالاستمرار في العمل الفاسد الذي كان قد ارتكبه .

«إذا كان سلوك الطفل فاسداً وشريراً بصورة خاصة فيجب إتباع الأساليب التربوية الدقيقة ، ذلك أن كل أسلوب يحمل شيئاً من المعارضة يقابل بالفشل ، لأن كل حاجز يحث الإِنسان على إجتيازه . إن ألف (لا تفعل) ولا تفعل الصادرة من الوالدين تفتح أمام الطفل عالماً من (الممكنات) . إن الطفل يفكر في نفسه قائلاً : (يجب أن لا أفعل هذا ؟ إذن أستطيع أن أفعله ، والآن أقدر عليه أيضاً) فسلوك كهذا يوجد في الطفل شخصية تكون نتيجتها عكسية . يجب أن نحذر من لوم الطفل على ما يكون سبباً في قيامه بذلك العمل . علينا أن نرشده إلى ما ينبغي أن يؤديه ، أن لا نجرح عواطفه ، ولكن لا يعني هذا أن نتركه وشأنه . يجب في هذا السبيل أن نعيّن له ميولاً أُخرى تحل محل الميول السابقة ، ونوجهه نحو أهداف مفيدة ومساعدة على ظهور شخصيته»(١) .

الطغيان الناشىء من التحقير :

إن الآباء والأمهات الذين يسيئون إلى أطفالهم بسوء إدراكهم ويحطمون شخصيتهم يدفعونهم إلى المخالفة والطغيان والفوضى ويذرون في نفوسهم بذور العناد والخروج على القواعد الإِجتماعية . . . وهذا ما يجرّ وراءه سلسلة من المآسي والمشاكل ، وبهذا الصدد يقول الإِمام الحسن العسكري عليه‌السلام : «جرأة الولد على والده في صغره ، تدعو إلى العقوق في كبره»(٢) .

الآباء والأُمهات الذين يحترمون أطفالهم ، ويكبرون فيهم معنوياتهم ،

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ أطفال دشوار ص ٧٧ .

(٢) تحف العقول ص ٤٨٩ .

٦٨

ويسايرونهم بالأخلاق الكريمة والآداب الفاضلة يستطيعون أن يربوهم على صفات الحميدة ، وإذا صادف أن ظهر في سلوكهم ما يؤدي إلى الإِنحراف فإن من السهل عليهم أن يكافحوا ذلك .

الطفل كالكبار في أنه يحب ذاته ، فعندما يفهم أن العمل الفاسد يسيء إلى سمعته ويحطم شخصيته ، ويقلل من منزلته في أنظار الناس ، ويؤدي إلى احتقاره في محيط الأسرة ، يترك ذلك فوراً حفظاً على مقامه ويقوم بإصلاح نفسه بصورة تلقائية . يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته»(١) وعنه عليه‌السلام أيضاً : «من شرفت نفسه نزهها عن ذلة المطالب»(٢) .

وبهذا المضمون وردت روايات كثيرة منها :

«عن علي عليه‌السلام : من كرمت عليه نفسه لم يهنها بالمعصية»(٣) .

وعن الإِمام علي بن الحسين عليهما‌السلام : «من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا»(٤) .

شرف النفس والاستقامة :

يستفاد من هذه الأحاديث أن شرف النفس لا يتلائم مع الإِنحرافات والمعاصي . إن من يحس في نفسه بالكرامة والشرف ، ويرغب في الحفاظ على هذه الجوهرة الثمينة في خزانه روحه بصورة دائمة لا يحوم حول الذنب والإِنحراف أبداً . إن من يرغب في أن تكون له شخصية لامعة وسمعة طيبة يجب أن يمتنع عن الكذب ، ومن يحب في أن يتلمس آثار الشرف والعدالة والإِستقامة في نفسه لا يستطيع أن يرتشي ، ومن عرف في المجتمع بالأمانة ويرغب في الإِبقاء على ذلك لا يقوم على الخيانة .

____________________

(١) سفينة البحار للقمي ـ مادة شها ، ص ٧٢٦ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٦٦٩ .

(٣) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٦٧٧ .

(٤) تحف العقول ص ٢٧٨ .

٦٩

أما من لا يملك شرف النفس وحسن السمعة ، ويعتبر تافهاً في نظر المجتمع ، ويحس بالحقارة في نفسه أيضاً ، ويكون خطراً على المجتمع الذي يعيش فيه فلا يتورع عن الإِجرام والتلوث بالنذوب والمعاصي .

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «من هانت عليه نفسه فلا ترجُ خيره»(١) .

وعن الإِمام علي الهادي عليه‌السلام : «من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره»(٢) .

وفي حديث عن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «هانت عليه نفسه من أمرّ عليه لسانَه»(٣) فالشخص الذي يطلق العنان للسانه بالسب والشتم والغيبة والفحش في القول يكشف عن حقارة نفسه وخسة طبعه .

لكي يؤدي الوالدان الدين التربوي الذي في عاتقهما تجاه الطفل ، ويربّياه على الرغبة في الخير من دون ضغط أو تهديد ، ويوجدا فيه شخصية متكاملة ، عليهما أن يحترماه ويسلكا معه بحيث يفهم أنه عضو مستقل في الأسرة وله من الإِحترام والتكريم ما للآخرين .

«يكفي للمربّين والأولياء أن يحترموا هذا العالم المعقد والمبهم (أي الطفل) ولا يحكموا على عالمه المعقد بشيء . يجب عليهم أن يدفعوا الطفل إلى النشاط والعمل بمحركاته لا بواسطة محركاتهم ، وبهذه الطريقة يستطيعون أن يوجدوا جواً من التفاهم ويبذروا فيه بذور الإِعتماد على النفس والاستقلال» .

«لا نعني من هذا أن للطفل أن يمارس ما يشاء من رغبات وميول غير مناسبة . ولكن عندما يدرك الطفل أنهم فهموه وعرفوا حقيقته فلا يسيء التصرف إلى قابلياته ، أنه يدرك حدوده وحدودنا . إنكم قد علمتموه القواعد والآداب والعادات والتقاليد والأعراف

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٧١٢ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٧ ص ٢١٤ .

(٣) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١٠٧٩ .

٧٠

الإِجتماعية . إنه يحس بأن هذه الآداب والقواعد تسهل إرتباطه بالمحيط الذي يعيش فيه دون الاضرار بحريته إذن فهو ينقاد لها بكل رغبة وارتياح . إن احترمتموه فهو يستمر على احترامكم أيضاً» .

«إذا وجد أنكم لا تسخرون منه عندما يصارحكم بأفكاره ويتباحث معكم بشأنها ، ولا تعترضون عليه في كل آن ، فلا يملك دليلاً على تخلفه ومن النادر أن يخرج على تعاليمكم» .

«ولأجل هذا النظام فانه يحترم الآخرين ويجعل نفسه محترماً في نظر الآخرين وتكون له روابط طيبة مع كل أحد . لأنه يعطي كل شخص حقه حتى يستطيع أن يطالب بحقه»(١) .

إن الآباء والأمهات الذين يتذكرون كلام رسول الله دائماً حيث يقول : «اكرموا أولادكم ، وأحسنوا آدابكم» ويطبقونه في كل حين ، يستطيعون تربية أطفال شرفاء ذوي شخصية ، وتدريبهم على الصفات الفاضلة والسلوك المحبذ .

تحقير الطفل :

يجب أن نعترف ـ بكل أسف ـ بما يجري في بلادنا تجاه الأطفال من التحقير على خلاف تعاليم الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فإن أكثر الآباء لا يهتمون برعاية إحترام أطفالهم ، ويوجدون في نفوسهم عقدة من حيث يعلمون أو لا يعلمون . وعلى سبيل المثال أذكر لكم بعض النماذج التي شاهدتها من قريب ، وربما لاحظها السادة الحاضرون أيضاً .

١ ـ من المتداول في الحفلات والمجالس أن تبعث بطاقات للكبار فقط . بعض الآباء يصحبون معهم أولادهم الذين في السن الثامنة أو العاشرة ـ وهؤلاء يملكون نفوساً حساسة ـ من دون دعوة ، وبهذا العمل فانهم يلقنونهم الذلة والحقارة ، ويفهمونهم بصورة غير مباشرة أنهم لا يليقون للدعوة . لا بد أنكم

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٧١ .

٧١

لاحظتم ما يحدثه إرسال صاحب البيت بطاقة خاصة للصبي الذي يملك من العمر عشر سنين من أثر عظيم في روح الطفل ، فيحضر الحفلة بعزة وفخار ، شاعراً بالإِستقلال والإِحترام ! .

٢ ـ عندما يجلس الكبار على المائدة يوضع أمام كل منهم صحن وملعقة وشوكة ، وقد لاحظت مراراً أن الأطفال لم تخصص لهم صحون ، فيأخذون بالنظر إلى حولهم بانكسار ، إلى أن يرق قلب الأب أو أحد الحاضرين فيفرغ للصبي صحن الخضروات الصغير ويناوله إياه . إن هذا تحقير صريح للطفل أمام ذلك الجمع الكبير ، وهو ضربة قاصمة ترد على شخصيته وربما تلازمه مدى العمر .

٣ ـ يحين وقت النوم ، فيخصص لكل من الضيوف الكبار سرير خاص أو فراش معين ، ويبقى الصبي الصغير حائراً دون أن يفكر في أمره أحد ، كأنهم لم يعتبروه إنساناً و لم يخصصوا له سريراً ، وأخيراً يلجأ مع الإِحساس بالفشل والإِنهيار إلى فراش أبيه أو أحد أقربائه ! .

٤ ـ الأب جالس مع الضيوف في غرفة الإِستقبال وهم يتحدثون يدخل الصبي في العاشرة إلى الغرفة ، يقوم الضيوف إحتراماً له ، من المناسب في هذه الحالة أن يسكت الأب حين يقوم الصبي نفسه بتوجيه الشكر لهم ، أو أنه إذا لم يستطع ذلك يقول له الأب : تشكّر من السادة ويقول هو : أشكركم . لقد شاهدت مراراً أنه بمجرد أن يحترم الضيوف الصبي ، يظهر الأب خجلة من ذلك فيقول لهم وكأن عملاً سيئاً قد وقع : إستريحوا ، تفضلوا ، وبهذا العمل يستسيغ التحقير لولده . . . وهنا يحس الصبي بأن أباه يريد أن يقول للضيوف : إن ابني لا يليق بالإِحترام والتكريم ، لا تعتنوا به ولا تقوموا له .

٥ ـ كثيراً ما يشاهد أن الآباء لا يحجزون في بعض السفرات القصيرة مقاعد لأطفالهم لغرض الإِقتصاد في الصرف . فيقف الطفل طول الطريق ، وعندما يتعب يجلس في حجر الأب . هنا يحس الطفل بأنه لا يملك من المنزلة والإِحترام ما يستوجب أن يحجز له مقعد خاص حتى يجلس كالآخرين ،

٧٢

خصوصاً إذا كان هناك طفل في سنه قد حجز له أبوه مقعداً ، إن الأب يحاول أن يقتصد بعض الشيء ولكنه يوجه ضربة قاصمة نحو شخصية الطفل ويهينه بعمله هذا .

رد الفعل :

قد يظهر الطفل أمام هذه الإِهانات رد فعل فوري ، فيغضب ، أو يتحسر ويتألم ، أو يبكي ، وقد يتفاقم ذلك فيظهر بصورة أعمال إستفزازية منكرة . إن تكرار الأعمال التي تتضمن التحقير والإِهانة يوجد في ضمير الطفل عقدة نفسية ، ويجعله إنساناً تافهاً ، ويقتل فيه قابلية الإِعتماد على النفس واستقلال الشخصية ، وتلازمه ويلات ذلك كله مدى العمر .

يستفاد من بحوث علماء الغرب إن بعض الأسر الأوروبية أيضاً لا تهتم باحترام الأطفال وتقوم بتحقيرهم مما يجعل الأطفال المساكين يئنون من ذلك ويتألمون من الإِهانات التي يلاقونها .

«الإِحساس بالحقارة ـ كلنا نعرف رجالاً ونساءً يعيشون في حالة من عقدة « الحقارة . إن عدد هؤلاء ضخم جداً ، وإن ٩٠ بالمائة من عوامل هذه الحالة النفسية يجب أن نبحث عنها في أدوار الطفولة . وعلى هذا الإِحساس تظهر حالة من إنهيار شخصية الطفل في الوقت الذي تبدأ غرائزه الإِجتماعية بالفتح . إن من الممكن أن تعمل عوامل أُخرى على تقوية هذه الإِحساس لكن نشوءه يرجع إلى دور الطفولة بلا شك» .

«تصوروا أماً ترى طفلها يرفع أصيصاً جميلاً من مكانه فتتصور أن الأصيص ربما يكسر بهذا العمل فتتألم لذلك ، ولأجل أن لا يحدث مثل هذا الموضوع الخطير في نظرها في المستقبل تمنع الطفل من لمس ذلك الأصيص ، في حين أن المربيّة تلمس الأصيص الظريف بكل حرية ، وإذا صادف أن أحد الضيوف كسره عن غير عمد تحاول الأم أن تعلن بكلمات براقة وعبارت ظريفة أن

٧٣

أمراً مهماً لم يقع وأن الأصيص لا يسوي شيئاً . هذا الحادث المخفق يوصل الطفل إلى هذه النتيجة وهي أنه وحده الموجود الخطر الذي يخشى منه على الأصيص وسائر الأثاث ، إذن فهو موجود أحقر وأحط من الآخرين»(١) .

الشعور بالاستقلال :

تبين لكم مما تقدم معنى إحترام الطفل ونتائجه المفيدة في المنهج التربوي ، والآثار السيئة التي تنشأ من إهانة الطفل وتحقيره . إن احترام الطفل يجعله ينشأ على الإِستقلال والإِعتماد على النفس ، ويزرع فيه بذور الشخصية والتعالي . فالطفل الذي يدرك قيمة نفسه يشعر عند الكبر بأنه عضو مستقل في المجمتع فلا يرى في نفسه ضعة وحقارة .

لقد عمل أئمة الإِسلام بالإِضافة إلى تفهيم الناس بالأساليب التربوية الصحيحة ، على تطبيق ذلك وتعليمهم إياها بصورة عملية ، فقاموا بتربية أولادهم وفقاً لأحسن الصفات الفاضلة . ولأجل إيضاح الموضوع وإكمال البحث لا بأس باستعراض بعض الأساليب العملية للرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة عليهم‌السلام في إحياء شخصية الأطفال .

تربّى علي بن أبي طالب عليه‌السلام منذ الصغر في حجر النبي العطوف ، واستوعب جميع الصفات الفاضلة والسجايا الحميدة من قائد الإِسلام العظيم ، وإن حياته النيرة وسلوكه العظيم أحسن شاهد على حسن تربيته في دور الطفولة .

ومن الصفات البارزة للإِمام علي عليه‌السلام رصانة شخصيته ، واستقلال إرادته . وبالرغم من أن علياً عليه‌السلام لم يكن طفلاً عادياً من حيث الروح والجسد ـ فقد كانت مواهب وقابليات خاصة أودعت في كيانه الممتاز ـ لكن الإِشراف المباشر من الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان له أكبر الأثر في إبراز المواهب والقابليات .

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٥٦ .

٧٤

عندما بُعث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان علي عليه‌السلام صبياً لا يتجاوز العاشرة ولكنه كان يملك شخصية إنسان كامل . لقد عرض الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الإِسلام عليه ودعاه إلى اعتناق هذا الدين السماوي فأكد على كفاءته وعظمته شخصيته بهذا العمل المهم . وما كان من علي عليه‌السلام إلا أن يستجيب لدعوة النبي عن بصيرة وإيمان ووعي .

إن الصعوبات والمشاكل التي تواجه الرجال في حياتهم غالباً ما تحطم شخصيتهم ، فيخسرون المعركة ويصابون بعقدة الحقارة . . . في حين أن العواطف الشديدة التي هددت كيان الإِسلام في الفترة التي سبقت الهجرة وبعثت الذعر والقلق في نفوس المسلمين لم تستطع أن تزحزح من عزم الإِمام علي بن أبي طالب ذلك القائد العظيم ، ولم تقدر على أن تؤثر فيه قيد شعرة .

هذا الثبات ، وهذه الإِستقامة ـ بغض النظر عن الإِستعداد الفطري للإِمام عليه‌السلام ـ يرجع إلى التربية الفذة التي لقيها مربيه العظيم الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الذي قوّى من شخصيته ومنحه الكثير من علمه وحكمته وسيرته .

وكذلك الحسن والحسين عليهما السلام فانهما تلقّيا تربية ناجحة ، ونالا جميع الكمالات في الصغر على يد جدهما العظيم وأبويهما القديرين . حتى لقد قال المأمون العباسي عنهما أمام ملأ من رجاله : «وبايع الحسن والحسين عليهما‌السلام ، وهما إبنا دون الست سنين ، ولم يبايع صبياً غيرهما»(١) فمبايعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للحسنين عليهما‌السلام وهما لم يبلغا الست سنين دليل على أنهما حازا على مواهب عالية وتربية فذة ، فاستطاعا بذلك أن ينالا هذه المرتبة العظيمة .

ومن خلال الحديث التالي نتبيّن عظمة شخصية أبناء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «زيد بن علي ، عن أبيه : ان الحسين بن علي عليهما السلام أتى عمر بن الخطاب و هو على المنبر يوم الجمعة . فقال إنزل عن منبر أبي . فبكى عمر ، ثم قال : صدقت يا بُنيّ ، منبر أبيك لا منبر أبي . وقام علي عليه‌السلام وقال : ما هو

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٢ ص ١١٩ .

٧٥

والله عن رأيي . قال : صدقت ، والله ما اتهمتك يا أبا الحسن»(١) فهذا دليل على أن عمر أيضاً كان يعرف أن الحسين ذو شخصية ممتازة وله إرادة مستقلة وليس كلامه هذا صادراً عن تلقين من أبيه بل هو نتاج فكره .

هذا وإن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام كان يسأل أولاده بحضور من الناس بعض المسائل العلمية ، وربما كان يحيل الجواب على أسئلة الناس إليهم . ومن النتائج المهمة لهذا العمل ، إحترام الأولاد وإحياء الشخصية فيهم .

وفي يوم من الأيام سأل الإِمام عليه‌السلام من الحسن والحسين بعض الأسئلة ، فأجاب كل منهما أجوبة حكمية بعبارت قصيرة . . . «ثم التفت إلى الحارث الأعور فقال : يا حارث علموا هذه الحكم أولادكم فانها زيادة في العقل والحزم والرأي»(٢) . . . إن الأب الذي يسلك مع أولاده هذا السلوك الممتاز ويجعل الكلمات الصادرة منهم قدوة لبقية أولاد المجتمع يكون قد احترمهم بأحسن صورة وأحيى فيهم الشخصية الفذة الكاملة .

هناك نموذج فذ للشخصية الرصينة نجده في الحوار التالي بين الإِمام محمد الجواد عليه‌السلام والمأمون العباسي . ذلك أن المأمون قصد بغداد بعد وفاة الإِمام الرضا عليه‌السلام ، وخرج يوماً للصيد فمرّ في أثناء الطريق برهط من الأطفال يلعبون ، ومحمد بن علي واقف معهم وكان عمره يومئذ إحدى عشرة سنة فما حولها . . . فلما رآه الأطفال فروا ، بينما وقف الجواد عليه‌السلام في مكانه ولم يفر . هذا الأمر أثار تعجب المأمون فسأله :

ـ لماذا لم تلحق بالأطفال حين هربوا .

فقال له : يا أمير المؤمنين ، لم يكن بالطريق ضيقٌ لأوسّعه عليك بذهابي ، ولم يكن لي جريمة فأخشاها ، وظني بك حسنٌ ، إنك لا تضر من لا ذنب له فوقفت .

____________________

(١) مجموعة ورام ج ٢ ص ٨٨ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٧ ص ١٤٤ .

٧٦

لقد تعجب المأمون من هذه الكلمات الحكمية والمنطق الموزون والنبرات المتزنة للطفل . فسأله : ما أسمك ؟ .

قال : محمد .

قال : محمد ابن من ؟ .

قال : ابن علي الرضا . . . عند ذاك ترحم المأمون على الرضا عليه‌السلام ثم ذهب لشأنه(١) .

لقد تربى الإِمام الجواد عليه‌السلام في حجر والده الرضا عليه‌السلام وتعلّم دروس الشخصية والفضيلة من مربّيه العظيم .

وهكذا شأن بنات أهل البيت ونساءهم فقد كانوا على جانب عظيم من التربية الفاضلة والسلوك الممتاز . . . تلقوا ذلك كله من آبائهم وأمهاتهم الطاهرين ، لقد عملت الحوادث والمآسي التي جرت على أهل البيت عليهم‌السلام بعد وفاة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، على إظهار عظمتهم ورصانة شخصيتهم ومستواهم المعنوي وتفوقهم الروحي من خلال أفعالهم وأقوالهم . إن خطب الصديقة الزهراء في مسجد رسول الله بحضور الخليفة والحشد الغفير من المهاجرين والأنصار ، وكذلك كلمات بضعتها الحوراء زينب ، وخطب السيدة سكينة بنت الحسين عليه‌السلام أصدق شاهد على ما قلنا ، فهي توضح عظمة منزلة نساء أهل البيت .

ولكي يقوي الوالدان من معنوية الأطفال ويحيي شخصياتهم ، عليهما أن يعوداهم على الإِحترام والتكريم ويحذروا من توجيه اللوم والتقريع والإِهانة إليهم ويتذكروا قولة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «اكرموا أولادكم وأحسنوا آدابكم» .

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٢ ص ١٢٢ .

٧٧

المحاضرة التاسعة عشرة

الاسلام وتكريم الطفل

قال الله تعالى في كتابه الحكيم : ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ)(١) .

لقد توصلنا في المحاضرة السابقة إلى النتيجة التالية ، وهي أن الأطفال لو قوبلوا بالتكريم والاحترام من الوالدين في محيط الأسرة فلا ينشأون حقراء أذلاء ، ولا يحسون في أنفسهم بالخسة والضعة . وفي هذه المحاضرة نبدأ من حيث انتهينا أمس لبحث تتمة الموضوع ، وقبل ذلك لا بأس بذكر أمرين :

الأطفال المعقدون :

الأول : أن بحثنا التربوي هذا يدور حول الأطفال العاديين لا المعقدين أو الأطفال المصابين بالجنون والبلادة الموروثة . وبعبارة أوضح فإن بعض الأطفال يتولدون مجانين أو حمقى ويكون لهذه النقيصة الوراثية جذور عميقة في كيانهم ، وهؤلاء يستحيل أن يصبحوا عقلاء أو أذكياء في يوم ما ، وليس في مقدور المربي القدير أن يحولهم إلى أفراد أكفاء .

كما أن هناك أطفالاً ليسوا بالمجانين ولكن سلوكهم ليس عادياً ، انهم

____________________

(١) سورة الاسراء ؛ الآية : ٨٤ .

٧٨

مشاغبون وفوضويون ، هؤلاء يطلق عليهم اسم الأطفال المعقدين في البحوث التربوية .

«إن عنوان الأطفال المعقدين يشتمل على معان كثيرة في الحقيقة . فهو يطلق بالدرجة الأولى على الأطفال المشاغبين أي الصبيان الذين تنظر إليهم التربية المعاصرة نظرة التحقير والاستغراب . هؤلاء الأطفال يتسببون في كثير من المفاسد والتخريبات بواسطة القوى التي يستخدمونها للوصول الى مقاصدهم»(١) .

هناك عوامل عديدة تفسر بموجبها هذه الحركات الشاذة للأطفال ، فيجب أن تعرف معرفة دقيقة حتى يتسنى العمل على إزالتها . في بعض الأحيان يكون الدافع إلى الأعمال الشاذة والحركات الضارة للطفل المعقد وجود العاهات أو النقائص العضوية أو التشويهات في بدنه ، في هذه الحالة يكون الطفل مريضاً فهو بحاجة إلى علاج .

«كما أن الطفل المريض لا يُرسل إلى المدرسة ، كذلك يجب أن لا نخضع الطفل الذي ليس سليماً من الناحية الفسيولوجية إلى تربية جديدة . كل طفل معقد يجب أن يخضع قبل تربيته ، أو إعادة تربيته ، إلى فحص دقيق . وفائدة هذا العمل أن جهود المربي لا تصرف عندئذ في سبيل تربية طفل يحتاج إلى رعاية صحية أو روحية فقط» .

«فمثلاً تعتبر التربية بوحدها عقيمة في فحص حالات الحقد التي ترتبط بداء الصرع . والسرقات الحاصلة في دور المراهقة والتي تحصل على أثر الإِختلالات الحادثة في الغدة النخاعية ، وأعمال الشغب الناشئة من تخلف النمو العصبي ، وحالات العصاب المتصلة بآثار الإِلتهابات الدماغية ، والكسل الذي يولد من قلة إفرازات الغدد الثايرويدية ، والإِختلالات الحاصلة من ثلة من

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٩ .

٧٩

الأمراض الروحية الموروثة»(١) .

هؤلاء الأطفال يجب أن يخضعوا لأساليب تربوية خاصة من قبل المتخصصين في التربية النفسية والعلاج الروحي والعصبي ، وإن المناهج التربوية الإِعتيادية لا تعود عليهم بالنفع أو الأثر أصلاً .

إن بحثنا يختص بتربية الأطفال الإِعتياديين والطبيعيين ، الأطفال المتولدين من آباء وأُمهات أصحّاء في ظروف طبيعية . ذلك أن استعمال الأساليب التربوية في حق هؤلاء يتضمن فوائد عظيمة وآثاراً مهمة . فإذا تنبه الآباء والامهات في هذه الحالة إلى المسؤولية العظيمة الملقاة على عواتقهم واهتموا بإيجاد جو مناسب للتربية الصالحة في الأسرة والتزموا الصدق في الحديث والإِستقامة في السلوك مع أطفالهم ، وطبقوا المناهج التربوية في كل خطوة ومرحلة ، فانهم يستطيعون تربية أطفال مهذبين وأكفاء من كل جهة ، ويكونون بذلك قد نفذوا الأوامر الإِلٰهية وأدوا ما عليهم تجاه أطفالهم تجاه المجتمع الذي يعيشون بين ظهرانيه .

أهمية تربية الطفل :

الثاني : إن مسألة تربية الطفل تشغل مكانة مرموقة من المسائل الإِجتماعية في العصر الحديث ، فهي من أهم أركان السعادة البشرية ، لقد بحث العلماء كثيراً حول مختلف الجوانب النفسية والتربوية للطفل وألفوا الكتب العديدة في هذا ا لمجال . ولذلك فان الدول العظمىٰ تنشىء المؤسسات والمنظمات العظيمة لغرض تنشئة الطفل تنشئة سليمة من حيث الروح والجسد فيخضعون الأطفال في سبيل ذلك إلى رقابة عملية وتطبيقية مشددة . وبصورة موجزة فإن (الطفل) يشغل مجالاً مهماً من مجالات التفكير الحديث .

أما الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد ظهر قبل أربعة عشر قرناً ، وفي عصر يعمه الجهل والضلال ، في المجتمع الحجازي المتأخر . . . وأخذ يبدي إهتماماً

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ١٧ .

٨٠