🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
🚖 الجزء ١ 🚖 الجزء ٢
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

تبغّض إلى نفسك عبادة ربك»(١) .

٥ ـ عن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «إن للقلوب إقبالاً وإدباراً . فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل ، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض»(٢) .

يظن بعض الآباء والأمهات الجهلاء أن عليهم في سبيل تربية أطفالهم تربية دينية أن يحملوهم فوق طاقتهم ، ويكلفوهم بأداء النوافل ، ويوصوهم بإحياء الليل وقراءة القرآن والأدعية المأثورة ، ويتصورون أنهم يحسنون صنعاً بذلك . يقولون له : لا تنسَ قراءة جزء من القرآن بعد صلاة الصبح ! لا تترك دعاء كميل في ليالي الجمعة ! إقرأ الذكر الفلاني ألف مرة يومياً . . وأمثال ذلك . إن هؤلاء غافلون عن أن هذه التكاليف الشديدة ليست مرغوباً فيها في الإِسلام فقط ، بل انهم بعملهم هذا يجعلون الولد ينظر إلى الدين نظرة ملؤها التشاؤم ، ويؤججون نار البعد عن الإِسلام في قلبه . . . هذا مضافاً إلى أن الولد سيقع في مأزق حرج ، فإن الإِتيان بجميع تلك النوافل والعبادات المستحبة بصورة مستمرة مما لا يتحمل عادة ، ومن جهة أُخرى فانه يخاف من إستياء والديه ويحذر من إزعاجهما ، ولذلك فانه يلجأ إلى الكذب ، فبينما ينام الليل إلى الصباح يحاول إرضاء والديه فيدعي كذباً أنه أحيى الليلة حتى الصباح ، وصلى كذا ركعات ، وقرأ كذا من القرآن . . . الخ .

لو كان الوالدين يعملان بنصيحة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث يقول : « يقبل ميسوره ، ويتجاوز من معسوره » ولم يكونا يحمّلان الولد فوق طاقته من العبادات لم ينشأ على الكذب والتشاؤم نحو الدين .

يجب على الآباء والأمهات ـ بالإِضافة إلى العناية بالنواحي العلمية والدينية ـ أن يقيسوا القابليات الوسطى للأطفال ، ولا يحملوهم فوق ما يطيقون ، لأن الطفل يخاف من إغضاب والديه ، ويحاول أن لا يعرفه المربي بالكسل وعدم الكفاءة . وعندما يعجز عن أداء العمل الذي يفوق طاقته ومقدرته

____________________

(١) المصدر السابق ج ٢ ص ٨٧ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٢٥١ .

٤١

يلجأ في سبيل الحفاظ على شخصيته إلى الكذب ، ويتكرر هذه الحالات ينشأ كذاباً ، نستنتج مما تقدم أن أحد العوامل المؤثرة في تعود الطفل على الكذب هو تكليفه بالأعمال التي تفوق مقدرته وإجباره على أداء ما لا يطيق .

تحقير الطفل :

٢ ـ والعامل الآخر من العوامل النفسية التي تؤدي إلى تعوّد الطفل على الكذب إحساسه بالإِهانة والتحقير . يجب على الآباء والأمهات حسب التعاليم الدينية والعلمية أن يحترموا شخصية الأطفال ، وهذا الموضوع أحد المسائل المهمة في البحوث التربوية . إن الأطفال الذين يهمَلون من قبل أفراد الأسرة ولا يحترمون من قبل الناس ، يسخرون بهم أو يخدعونهم تارة ، ويؤنبونهم بلا مبرر تارة أُخرى ، وبصورة موجزة يسلك معهم بحيث يحس الأطفال بالحقارة ، ويدركون بأن أفراد الأسرة يحتقرونهم ولا يحسبون لهم حساباً . . . هؤلاء يفكرون في الثأر لكرامتهم ، ولذلك تظهر فيهم صفات ذميمة بالتدريج فيقدمون على أعمال مضرة .

«توجد الإِنحرافات المكتسبة عقيب الإِخفاقات ، والخدع والأحقاد وفي الغالب عقيب الضربات العاطفية التي تخدر الطفل ، هذا كله دون أن يقف الطفل على حقيقة ما وقع . وأحياناً يكتسب الطفل سلوكاً جديداً وطبعاً ثانوياً ، قد يقضي على الطبع الأولي له» .

«يتحول قلب الطفل على أثر الصدمات التي تؤلمه إلى قلب مريض ومنكسر . إن الشخص المنحرف يرى نفسه قبل أي شخص صغيراً وحقيراً ، علم بذلك أم لم يعلم وهكذا يكتسب الطفل أو المراهق الذي يتأثر لإِحساسه بالحقارة عادات غريبة وسلوكاً جديداً . . . يمكن اعتبارها ردود الفعل لتلك الحالة النفسية»(١) .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ أطفال دشوار ص ٥١ .

٤٢

رد الفعل للحقارة :

إن الطفل الذي يقع موقع السخرية والإِحتقار وتهتضم شخصيته ، يسعى لإِظهار نفسه بأي طريقة كانت ، أن يعمل عملاً يلفت أنظار أعضاء الأسرة ـ والآخرين أحياناً ـ إلى نفسه ، أن يدخلوه في حسابهم ، ويعترفوا بشخصيته . . . وهكذا يستغل الفرص المختلفة للوصول إلى هدفه .

عندما يكون الوالدين مشغولين بإكرام بعض الضيوف المحترمين ويصرفان كل إهتمامها إلى العناية بهم غافلين عن الطفل . . . يقدم الطفل على الأعمال غير الإِعتيادية ، يطرق الباب بقوة ، يقلب إناء الفواكه ، ويبعثر الفواكه على الأرض ، يصيح بأعلىٰ صوته ، يضرب أُمه ، وبصورة موجزة يقوم بأعمال تجلب إنتباه الوالدين والضيوف إليه . إن الطفل لا يقصد من هذه الأعمال غير جلب إنتباه الآخرين ، إنه يحتاج إلى إظهار نفسه وإبراز شخصيته ، يريد أن يقول : أنا أيضاً موجود ، إنتبهوا إلي ، إحسبوا لي حساباً .

الطفل يريد أن ينفذ إلى قلوب الآخرين ، وعندما لا يستجيب الوالدان لمتطلباته الطبيعية المتمثلة في إحترام شخصيته ، يسلك طريقاً معوجاً ، وينفذ إلى قلوب الآخرين بالفوضى والشغب والإِيذاء .

من الأعمال الخطيرة التي تقوم عليها أمثال هؤلاء الأطفال : الكذب . الطفل الذي لم يلاق إحتراماً في الأسرة ولم يُعتن بشخصيته ، الطفل الذي يُهمل ويُحتقر ويعيش حياة ملؤها الحرمان والإِخفاق ، تكون لذته العظمىٰ إظهار شخصيته وجلب إنتباه الآخرين . إنه لا يستطيع أن يجلب إهتمام الناس نحوه بالصدق وبيان الحقائق ، فيضطر إلى الكذب ، واختلاق قضايا مدهشة ، وكذبات تحير الأذهان لعدة دقائق ، وتبعث القلق والحيرة في أعضاء الأسرة . . . يتصنع الاضطراب والذهول فيصيح : إلتهمت النيران دار عمي ! سقطت أختي في الساحة القريبة من بيتنا تحت عجلات السيارة ! .

عندما يركض أعضاء الأسرة ـ رجالاً ونساءً ـ نحو الحادث وقد علاهم الإِرتباك والاضطراب ، ينتعش الطفل الكذاب ، يتلذذ لأن كلامه أوجد هذا

٤٣

الاضطراب والإِهتمام . . . إنه يفرح لأنه خدع أعضاء الأسرة وشفى قلبه مما كان يلاقيه منهم من احتقار وسخرية .

إن السلوك السيء للوالدين هو الذي يدعو الطفل إلى الكذب ، وإن الأعمال التافهة لهما هي التي تؤدي إلى هذا الإِنحراف .

يجب على الآباء والأمهات الذين يرغبون في تربية أطفالهم على الإِستقامة وتدريبهم على الصدق في الحديث أن يحترموا شخصيتهم منذ البداية بصورة معقولة ، ويحذروا من احتقارهم الذي يؤدي إلى إنحرافهم . عليهم أن يتذكروا نصيحة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ولا يرهقه ولا يخرق به» .

إن الأطفال الذين يحسون بالحقارة والصَّغار على أثر إهمال الآباء لهم قد يلجأون إلى الكذب لتدارك ذلك ويصابون بهذا الداء الخطير ، فيظلون يتجرعون المآسي والمشاكل ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل تتجاوزهم الأضرار إلى الآخرين أيضاً .

الخوف من العقوبة :

٣ ـ والعامل الثالث من عوامل الكذب عند الأطفال هو الخوف من العقوبة . فعندما نسأل الطفل : أنت كسرت النافذة ؟ وعلم أن اعترافه يستلزم العقاب الشديد ، فإن غريزة صيانة الذات تدفعه الى أن يقول كذباً : لم أكسرها . إنه يجد نفسه ضعيفاً أمام صفعات الأم والأب ولحفظ نفسه لا يجد مفراً إلا بالإِلتجاء إلى الكذب وإنكار كل شيء . وبديهي أنه كلما كانت العقوبة أشد ، كان إصرار الطفل على الكذب أكثر .

وكما أن الناس في الحكومات الإِستبدادية يكثرون من الكذب خوفاً من العقوبات الشديدة والأعمال غير الإِنسانية الصادرة من الحكام ، كذلك الأطفال في الأسر التي يشدّد الآباء والأُمهات فيها العقوبة فإن كذبهم يكثر .

إن علاج هذه الكذبات ينحصر في لين أولياء الأطفال في تربيتهم . فإن

٤٤

كان الآباء والأمهات يربون أولادهم على أساس الحب والحنان ، وإن كانت الأسرة مثالاً للرأفة والعطف ، وإن كان الأولياء منصفين وعارفين بواجباتهم الشرعية في تربية الأطفال دون أن يلجأوا إلى العصا والضرب الذي يستوجب الدية ، فإن الأطفال إذا كسروا نافذة أو قاموا بمخالفة النظام لا يدفعهم ذلك إلى الكذب ولا ينشأون كذابين .

يلاحظ الطفل أن أباه أو أمه قد يغفل فيكسر النافذة ولا يحاسبه أحد على ذلك ، إنه يرى أخاه الأكبر لا يتعرض لعقوبة أو توبيخ عندما يسقط كأس من يده فيتحطم ، بينما يجد أنه إذا كسر النافذة أو سقط الكأس من يده يُعاقب بشدّة ويحاسب حساباً عسيراً ، فيثأر لكرامته ويلجأ الى الكذب للفرار من العقوبة .

إسداء النصيحة للطفل :

عندما يتخلى الأبوان عن التشديد على الطفل ويعتبر انه مثلهما إنساناً يجب أن تصان كرامته ، ويصادف أنه يكسر النافذة في أثناء اللعب في الغرفة ، فيبادران إلى إسداء النصح له ويقولان له : الغرفة ليست محلاً للّعب ، حاول أن لا تتكرر منك أمثال هذه الفعلة . بهذا الأسلوب يكون الطفل قد عوقب بمقدار خجله ، مضافاً إلى أنه لم يكذب . . . في حين أن من المحتمل أن لا يتكرر منه هذا العمل بعد ذلك .

هنا قد يتصور السادة المستمعون أننا نريد القول بأن الرقابة التربوية الصحيحة في الأسرة يجب أن تكون على درجة من الدقة بحيث يتربى الطفل على أن لا يكذب حتى مرة واحدة طيلة أيام عمره ، ومثل هذا قد يكون مستحيلاً بالنسبة إلى الإِنسان الإِعتيادي . غير أن الغاية من بحثنا هذا هو أن ننبه الآباء والأمهات الذين يريدون تدريب الطفل على الصدق والإِستقامة إلى ضرورة الإِهتمام بواجباتهم الشرعية والعلمية في إرساء قواعد الأسرة منذ البداية على أساس الفضيلة والإِستقامة حتى يكونوا بهذا الطريق قد أدوا ما عليهم تجاه أطفالهم .

٤٥

وبعبارة أوضح فإن الكذب ـ سواء كان قليلاً أم كثيراً ـ يعد معصية عظيمة ، ولكن هناك فرق عظيم بين من تصدر منه كذبة أو عدة كذبات على أثر الغفلة أو بعض الظروف الحرجة في الحياة ، وبين من بني كيانه على أساس الكذب والخديعة ونشأ (كذباً) . إن الخطر العظيم والداء الوبيل يتوجه نحو الصنف الثاني ، إن هدف التربية الصحيحة هو أن لا ينشأ الأطفال كذابين وأن لا يضرب هذا الداء الفتاك بجذوره في أرواحهم .

هذه المسألة التربوية والنفسية تعرضت لها الروايات والأحاديث الإِسلامية ، ويهتم لها العلماء المعاصرين أيضاً ، ولمزيد الإِطلاع نعرض على المستمعين الكرام نماذِج من كلا الصنفين .

١ ـ «قال ابن مسعود : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذباً»(١) .

٢ ـ عن عبد الرحمن بن الحجاج ، قال : «قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : الكذاب هو الذي يكذب في الشيء ؟ قال : لا ، ما من أحد إلا أن يكون ذلك منه ، ولكن المطبوع على الكذب»(٢) .

٣ ـ عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : «إن العبد ليكذب حتى يكتب من الكذابين»(٣) .

الكاذب والكذاب :

يستفاد من هذه الأحاديث الثلاثة أن هناك فرقاً بين الكاذب والكذاب ، الكاذب هو الذي تصدر منه كذبة أو كذبات على أثر الغفلة أو الحوادث المختلفة ، وجميع الناس قد يصدر منهم ذلك . أما الكذاب فهو الذي تركز الكذب في مخه . ونفذ هذا الداء الفتاك إلى أعماقه .

____________________

(١) المحجة البيضاء في إحياء الاحياء ، للفيض الكاشاني ج ٥ ص ٢٣٩ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٢٤٠ .

(٣) الوسائل للشيخ الحر العاملي ج ٣ ص ٢٣٢ .

٤٦

أما العلماء المعاصرون فانهم يشيرون إلى هذا المعنى أيضاً في كتبهم ، وها أناذا أقرأ لكم عبارة مقتبسة من أحدها .

فن الخديعة :

«وهذا أمر بسيط وطبيعي جداً ، ذلك أن الأطفال يكذبون على أثر الضعف الذي يحسون به في مقابل الكبار دون أن يكون هناك إنحراف أو تخطيط أو تفكير سابق ، إنهم يكذبون ليصرفوا أنفسهم من الحملات المباشرة التي يتنبأون لها ، فإن الكذب والخديعة يستلزمان تخطيطاً سابقاً ، وتفكيراً في توريط الآخرين ، ولا يكفي أن يكذب شخص في مورد ما مترسلاً ونحكم عليه بالإِنحراف» .

«يتكامل علم الكذب (أو فن الكذب على الأرجح) بالممارسة والتدرب على الكذب . إذن نستنتج من ذلك أن جهود الوالدين أو القائمين على شؤون التربية يجب أن تنصرف إلى عدم فسح المجال للأطفال في التعلق بالكذب ، ويجب أن لا يكون سلوكنا على نحو يضطرهم الى الإِلتجاء إلى الكذب» .

«يجب أن نعرف الكاذب الحقيقي أولاً ، أي يجب أن نميز بين من يكذب على أثر تطبعه على الحيلة والخديعة ، وبين من يكذب عفواً ، إن الكاذب العفوي لأجل أن يتخلص من عقوبة العمل الذي عده ذنباً في نفسه يعمد إلى أول كذبة تمر بخاطره وتجري على لسانه إنه لا يفكر في عواقب ذلك ، في حين أن صدقه الذاتي والطبيعي غالباً مايخونه دون علم منه . . الصوت الفاقد للتطامن ، والوجه المحمر ، والنظرات الزائغة ، كل ذلك علائم تفضح أمر مثل هذا الكاذب» .

«الحقيقة تعلن عن نفسها من خلال الكلمات التي يجريها على لسانه ، إنها تحرق شفتيه ، فلا يستطيع أن يلقي حجاباً ساتراً على الحقيقة التي تفصح عن واقعها . إن من السهولة بمكان أن

٤٧

نستكشف من مثل هذا الشخص أنه لم يصبح كذاباً بعد ، بل يستطيع أن يصنع بعض الكذبات المفضوحة ، غاية ما هناك أنه لكي يتقن هذا العمل ، ولكي يصبح ماهراً في فن الكذب ، يكفي أن يوضع في محيط فاسد أو يقابل مربّياً دون مستوى المسؤولية ، ولأجل أن ننقذ مثل هذا الطفل من الغرق والوقوع في هذه الهوة السحيقة يجب أن نوجه وجدانه نحو الصدق والشهامة ، وعندئذ لا يستطيع الكذب أن ينشر جذوره في نفسه ولا يصبح داءً مزمناً عنده » .

«أما بالنسبة إلى الكذاب الأصيل فالأمر ليس كذلك . هذا الشخص الذي يمتهن التزوير والإِحتيال وإن بدأ عمله بكذبات تافهة ومفضوحة لكنه استمر على ذلك فترة طويلة حتى أصبح الآن يكذب بسهولة ، يصور الباطل في لباس من الحقيقة ، وهنا يجب أن نهتم بالأمر . إنه لا يصدر عن الكذب بصورة عفوية بل يفكر ويخطط ويصمم لما يريد إطاراً جميلاً ، يغير في الموضوع كيف يشاء ، ويظهره بالمظهر الذي يريده من جمال أو قبح ، لأنه يعلم أنه إذا ألبس الباطل لباساً جميلاً من التبريرات والإِحتيالات كان ذلك عاملاً مساعداً على عدم إنفضاح سره»(١) .

الكذابون الماهرون :

كان إخوة الصديق يوسف كذابين ماهرين . فانهم عندما رموا به في البئر جاؤوا إلى أبيهم يبكون ، يذرفون الدموع الحارة ، وقد حملوا معهم ثوباً ملطخاً بالدم ، وهكذا كانوا قد صمموا للحادثة تصميماً مضبوطاً يخيل للناظر معه أن ذلك هو الحقيقة ، وأن الذئب هو الذي أكل يوسف . هذه الكذبات خطيرة جداً ، ولذلك فإن الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستعمل كلمة (الكذاب) في حقهم :

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٦٢ .

٤٨

«لا تلقنوا الكذاب فتكذَبوا . فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الإِنسان حتى لقنهم أبوهم»(١) .

إن الآباء والأمهات الذين يربون أطفالهم تربية صحيحة ويدربونهم على الصفات الفاضلة والسجايا الحميدة يستطيعون أن يقفوا أمام الزلات المحتملة لهم بالنصح والإِرشاد ، وبذلك يمنعونهم من التلوث ببعض الكذبات التي يمكن تلوث أذيالهم .

«عن أبي جعفر عليه‌السلام . قال : كان علي بن الحسين يقول لولده : إتقوا الكذب ، الصغير منه والكبير ، في كل جد وهزل ، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير»(٢) .

المحيط التربوي :

٤ ـ من أهم العوامل المؤثرة في تنمية فطرة الصدق عند الأطفال المحيط التربوي الذي يعيشون فيه ، فعندما يكون الوالدان ملتزمين بالصدق بعيدين عن الكذب والإِحتيال ، فإن الطفل ينساق تلقائياً إلى طريق الصدق والإِستقامة ، ومن السهل جداً إزالة العوائق التي تقف في طريقه من الناحية النفسية .

وعلى العكس من ذلك فإن الوالدين اللذين لا يتورعان عن الكذب يعودان الطفل على هذه الصفة الذميمة من حيث لا يشعران ، في أسرة كهذه يصبح الإِهتمام بالظروف والعوامل النفسية للوقاية من الكذب عقيماً . إن المحيط التربوي أهم العوامل الصانعة لكيان الطفل ، ولا يمكن مقايسة أي من العوامل النفسية به ، ذلك أن الطفل ينسجم مع المحيط الذي ينشأ فيه بصورة لا شعورية ، وتنطبع في ذهنه صور الأشياء التي يشاهدها أو يسمعها .

«إن محيط الصدق والشهامة المطلقة أهم عوامل الكفاح ضد الكذب . فإذا كانت الإِستقامة مسيطرة على جو الأسرة أو المدرسة

____________________

(١) سفينة البحار للقمي ـ مادة كذب ـ ص ٤٧٤ .

(٢) الوسائل للشيخ الحر العاملي ج ٣ ص ٢٣٢ .

٤٩

لم يقترب الطفل من الكذب ، وإذا صادف أن جرت كذبة على لسانه فإن التجارب تثبت أن هذه الكذبة لا تصل إلى حد الخيانة والإِجرام ، ولا تبعث بجذورها في قلبه» .

«إن الضمائر الحية لهؤلاء الأحداث تشبه الأعشاب الربيعية في النعومة واللطافة ، فلأجل أن تلاقي تنمية مناسبة ومتكافئة يجب أن تبقى في مأمن من هبوب الرياح الشديدة والميول التي قد تدحرها إلى الأبد ، ومن المؤسف أن نجد هذه الفصائل الغضة كثيراً ما تجابه بالرياح الهوجاء» .

«كثيراً ما يصادف وجود أخاديد واسعة بين أفعالنا ونصائحنا . هناك بون شاسع بين ما يلاحظه الطفل في أفعالنا ويدركه من سلوكنا ، وبين الأوامر والنصائح التي نصدرها في تقبيح عمل معين وذمه !» .

«قد اعتاد الكثيرون على أن يقولوا للأطفال : (إفعل ما أقوله لك ! لا تلتفت إلى ما أفعل) في حين أنهم يجهلون أن هذه النصيحة تستتبع مأساة عظيمة ، إن الطفل لا يخضع للنصيحة التي لا يعيرها الوالدان أهمية ما وعلى فرض أنه استطاع أن يتوصل من عمل الكبار الى أن السلوك المفضل للأطفال يختلف عن السلوك المفضل للكبار فانه سيحطم تلك القيود في أول فرصة يدرك فيها الحرية ، ويخرج على تلك التعاليم التي وجهت إليه في صباه»(١) .

إن محيط الأسرة هو المدرسة الأولى للطفل ، وإن سلوك الوالدين يمكن أن يصبح مقياساً لازدهار الأسرة أو إنحطاطها . إن امرأة أو رجلاً يغض النظر عن عنوان الأمومة أو الأبوة عندما تصدر منه كذبة يكون قد ارتكب معصية كبيرة واستحق بذلك عقوبة . أما عندما يكون هذا الرجل أباً أو عندما تكون المرأة أماً

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٦٥ .

٥٠

فإن الكذبة الصادرة منه أمام عيني الطفل النافذتين ، وأذنيه الواعيتين لا يمكن أن تعد ذنباً واحداً . ففي هذه الصورة يكون ذنب آخر غير ذنب الكذب قد ارتكب . . . ذلك هو ذنب التعويد على الكذب وهذا أعظم بكثير من الذنب الأول .

داء الكذب :

إن الأطفال أمانة الله عز وجل في أعناق الوالدين ، فهما إن قصرا في أداء واجبهما نحوهم كانا خائنين للأمانة ، إن ما لا شك فيه هو أن الكذب أحد الأمراض الإِجتماعية الكبيرة ، ومن المؤسف أن أغلب الناس مصابون بهذا الداء الفتاك إن قليلاً أو كثيراً . هذا الخلق الذميم يوجب شقاء الدنيا وعذاب الآخرة . إن جميع الصفات الذميمة تعد أمراضاً نفسية من وجهة نظر العلم والدين ، ولكن الكذب أشدها ، ففي وصية أمير المؤمنين عليه‌السلام لولده الحسن : «وعلة الكذب أقبح علة»(١) .

إن الكذب يزلزل الكيان الخلقي والإِقتصادي والقانوني في المجتمع . لأن الشخص الكاذب يجعل الناس يسيء بعضهم الظن إلى الآخر ، ويسلب الإِعتماد منهم . إن الكذب يحرق جذور الفضيلة ويميت الروح الإنسانية ، «عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : إن أبي حدثني عن أبيه عن جده ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أقل الناس مروءة من كان كاذباً»(٣) .

يتصور البعض أحياناً أن الكذب هو الوسيلة الوحيدة للنجاح ، في حين أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفنّد هذا التصور ويعتبر هذا النوع من النجاح المزعوم فشلاً واخفاقاً . فقد قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إجتنبوا الكذب وإن رأيتم فيه النجاة فإن فيه الهلكة»(١) .

وفي حديث آخر يقول الإِمام موسى بن جعفر عليه‌السلام لهشام : «يا هشام ،

____________________

(١) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ١٠٠ .

(٢) المصدر السابق ج ٢ ص ١٠٠ .

(٣) المصدر السابق ج ٢ ص ١٠٠ .

٥١

إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه»(١) .

الصدق والنجاة :

ما أكثر الأفراد الذين التزموا الصدق في المواقع الحرجة والمآزق الشديدة وكان ذلك سبب خلاصهم .

لا يجهل أحد مدى الجرائم التي قام بها الحجاج بن يوسف الثقفي والدماء التي أراقها من غير حق . في يوم من الأيام جيء بجماعة من أصحاب عبد الرحمن مأسورين وكان قد صمم على قتلهم جميعاً . فقام أحدهم واستأذن الأمير في الكلام ثم قال :

ـ إن لي عليك حقاً ! فأنقذني وفاء لذلك الحق .

قال الحجاج : وما هو ؟ .

قال : كان عبد الرحمن يسبّك في بعض الأيام ، فقمت ودافعت عنك ، .

قال الحجاج : ألك شهود ؟ .

فقام أحد الأسرى وأيّد دعوى ذلك الرجل . فأطلقه الحجاج ، ثم التفت إلى الشاهد ، وقال له : ولماذا لم تدافع عني في ذلك المجلس ؟! .

أجاب الشاهد في أتم الصراحة : لأني كنت أكرهك .

فقال الحجاج : أطلقوا سراحه لصدقه(٢) .

«وخطب الحجاج ذات مرة فأطال ، فقام رجل فقال : الصلاة ، فإن الوقت لا ينتظرك ، والرب لا يعذرك . فأمر بحبسه ، فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله فقال :

ـ إن أقرّ بالجنون خلّيته .

فقيل له : فقال : معاذ الله ، لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني . فبلغ

____________________

(١) تحف العقول ص ٣٩١ .

(٢) قاموس دهخدا الفارسي ـ حرف الحاء .

٥٢

ذلك الحجاج ، فعفا عنه لصدقه»(١).

* * *

وكما أن الصدق يجلب العزة والكرامة ، فإن الكذب يسبب الذلة والصغار لصاحبه . يقول الرسول الأعظم : «إياك والكذب ، فإنه يسود الوجه»(٢) .

بلغ المنصور الدوانيقي أن مبلغاً ضخماً من أموال بني أمية مودعة عند رجل ، فأمر الربيع بإحضاره . يقول الربيع : فأحضرت الرجل وأخدته إلى مجلس المنصور . فقال له المنصور : بلغني أن أموال بني أمية مودعة عندك ، فيجب أن تسلمني إياها بأجمعها .

فقال له الرجل : هل الخليفة وارث الأمويين ؟! .

فأجاب : كلا .

فقال : هل الخليفة وصي الأمويين ؟! .

فأجاب : كلا .

فقال الرجل : فكيف تطالبني بأموال بني أمية ؟! .

فأطرق المنصور برهة ثم قال : إن الأمويين ظلموا المسلمين وانتهكوا حقوقهم وغصبوا أموالهم ، وأنا الآن خليفة المسلمين ووليهم ، أريد أن أسترد أموال المسلمين وأودعها في بيت المال .

فقال الرجل : إن الأمويين امتلكوا أموالاً كثيرة كانت خاصة بهم وعلى الخليفة أن يقيم شاهداً عدلاً على أن الأموال التي في يدي لبني أمية إنما هي من الأموال التي غصبوها وابتزوها من غير حق .

ففكر المنصور ساعة ، ثم قال للربيع ، ان الرجل يصدق ، فابتسم بوجهه وقال له : ألك حاجة ؟! .

قال الرجل : لي حاجتان : الأولى : أن تامر بإيصال هذه الرسالة إلى

____________________

(١) المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي ج ٢ ص ٧ .

(٢) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ١٠٠ .

٥٣

أهلي بأسرع وقت ، حتى يهدأ اضطرابهم ويذهب روعهم . والثانية : أن تأمر باحضار من أبلغك بهذا الخبر ، فوالله لا توجد عندي لبني أمية وديعة أصلاً ، وعندما أحضرت بين يدي الخليفة وعلمت بالأمر تصورت أني لو تكلمت بهذه الصورة كان خلاصي أسهل . فأمر المنصور الربيع بإحضار المخبر ، وعندما حضر نظر إليه الرجل نظرة ثم قال : إنه عبدي سرق مني ثلاثة آلاف دينار وهرب . فأغلظ المنصور في الحديث مع الغلام وأيّد الغلام كلام سيده في أتم الخجل وقال : إني اختلقت هذه التهمة لأنجو من القبض علي . هنا رق قلب المنصور لحال العبد وطلب من سيده أن يعفو عنه ، فقال الرجل : عفوت عنه وسأعطيه ثلاثة آلاف أُخرى . فتعجب المنصور من كرامة الرجل وعظمته ، وكلما ذكر اسمه كان يقول : لم أر مثل هذا الرجل»(١) .

____________________

(١) ثمرات الأوراق ، لابن حجة الحموي ص ٢٣٣ .

٥٤

المحاضرة الثامنة عشرة

احترام شخصية الناس ـ احترام شخصية الطفل

قال الله تعالى في كتابه الحكيم : ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(١) .

غريزة حب الذات :

حب الذات من الغرائز الفطرية التي أودعها الله تعالى في باطن كل إنسان بالقضاء الإِلهي الحكيم ، كل فرد يحب نفسه قبل كل شيء وكل شخص ، ولا شيء في نظر الإِنسان أغلىٰ وأهم من ذاته .

إن حب الذات أحد الركائز المهمة والأساسية الثابتة في تربية الطفل والمربي الكفء يستطيع أن يستغل هذه الثروة الفطرية إستغلالاً طيباً وينمي في هذا الطفل كثيراً من الفضائل والصفات الخيرة في ظل غريزة حب الذات .

هذه الغريزة تشكل قوة عظيمة في مزاج الطفل ، فلو استغلت بصورة معقولة وتبعاً لأساليب صحيحة ، كانت أساس سعادته ، وإن أُسيء التصرف فيها عادت عليه بالويل والشقاء .

____________________

(١) سورة الإِسراء ؛ الآية : ٥٣ .

٥٥

إن من طرق إرضاء غريزة حب الذات ، تكريم الأطفال والإِهتمام بشخصيتهم . إن الطفل الذي يلتقى قدراً كافياً من الإِحترام في الأسرة ، وتلبي غريزة حبه للذات بالمقدار المناسب يملك روحاً سليمة ، ولذلك يمكن أن نتوقع من هذا الطفل سلوكاً مفضلاً وأخلاقاً حميدة . وعلى العكس فان الطفل الذي لا يلاقي إحتراماً وتكريماً من والديه ، ولم يلاق إستجابة فعلية لهذه الرغبة الطبيعية يحس بالحقارة والذلة في نفسه ، ويملك روحاً مندحرة ونفساً مخفقة ، ومما لا شك فيه أن هذه الحالة النفسية تكشف عن نفسها خلال أقوال الطفل وأفعاله بصورة غير مرضية . . . وطفل كهذا يكون معرضاً لأخطار كثيرة . إن احترام الشخصية ليس ركناً من الأركان الأساسية لتربية الطفل في محيط الأسرة فحسب ، بل إن هذا السلوك المفضل يشكل أساساً من أسس النظام الإِجتماعي الصالح ، وهو بعد ذلك واجب ديني مقدس . ولأجل أن يتبين المستمعون الكرام منهج أئمة الإِسلام وقادته في إحترام شخصية الناس نخصص قسماً من بحثنا في هذه المحاضرة لهذا الموضوع .

احترام الناس :

كان احترام الناس في جميع الأحيان جزء من المنهج الثابت للرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في معاشراته ، ويمكن أن نقول ـ ولم نكن في ذلك مبالغين ـ أن هذا السلوك المفضل كان من أهم عوامل تقدمه ونجاحه . كان الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهتم بجميع الدقائق النفسية للناس في سبيل إحترامهم ، ولم يكن ليتخلى عن أبسط الوظائف . . . «كان يكرم من يدخل عليه ، حتى ربما بسط ثوبه ، ويؤثر الداخل بالوسادة التي تحته»(١) وفي هذا مثال فذّ للتواضع واحترام الناس .

ومثال آخر نجده في القصة التالية : «دخل رجل المسجد وهو (أي النبي) جالس وحده فتزحزح له . فقال الرجل : في المكان سعة يا رسول الله . فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن حق المسلم على المسلم إذا رآه يريد الجلوس إليه أن يتزحزح

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٦ ص ١٥١ .

٥٦

له»(١) .

«وكان إذا لقيه واحد من أصحابه قام معه ، فلم ينصرف حتى يكون الرجل ينصرف عنه . وإذا لقيه أحد من أصحابه يتناول يده ناولها إياه فلم ينزع عنه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع عنه»(٢) أي أنه كان لا يسحب يده من المصافحة حتى يسحب الآخر يده ، وفي ذلك معنى سامٍ من معاني الإِسلام العظيمة . «وكان رسول الله يقسم لحظاته بين أصحابه ينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية»(٣) .

كما ورد في صفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن رسول الله لا يدع أحداً يمشي معه إذا كان راكباً حتى يحمله معه ، فإن أبىٰ قال : تقدم أمامي وأدركني في المكان الذي تريد»(٤) .

غضب الأنصار :

كان يصادف في بعض الموارد أن العمل الصادر من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وإن استند إلى المصلحة والواقعية ـ يوجد ردّ فعل غير مرغوب فيه في قلوب بعض الناس ، فكانوا يحملون عمله على قصد الإِحتقار والإِيذاء . ولذلك فان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعمد إلى رفع تلك الغشاوة عن أبصارهم يتوضيح أعماق الموضوع وأبعاده مظهراً ما يكنّه لهم من إحترام وتقدير .

لقد وزع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غنائم غزوة حنين تبعاً لمصالح معينة على المهاجرين فقط ، ولم يعط الأنصار سهماً واحداً ، ولما كان الأنصار قد بذلوا جهوداً عظيمة في رفع لواء الإِسلام ، وخدمات جليلة في نصرة هذا الدين فقد غضب بعضهم من هذا التصرف وحملوه على التحقير والإِهانة . فبلغ الخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأمر بأن يجمع الأنصار في مكان ما وأن لا يشترك معهم غيرهم

____________________

(١) المصدر السابق ج ٦ ص ١٥٣ .

(٢) المصدر السابق ج ٦ ص ١٥٢ .

(٣) روضة الكافي لثقة الإِسلام الكليني ص ٢٦٨ .

(٤) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٦ ص ١٥٣ .

٥٧

في ذلك المجلس . ثم حضر هو وعلي عليه‌السلام وجلسا في وسط الأنصار ، ثم قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم : أريد أن أسألكم عن بعض الأمور فأجيبوني عليها .

قال الأنصار : سل يا رسول الله .

قال لهم : ألم تكونوا في ضلال مبين ، وهداكم الله بواسطتي ؟! .

قالوا : نعم يا رسول الله ،

قال : ألم تكونوا على شفا حفرة من الهلاك والدمار ، والله انقذكم بي ؟ .

قالوا : نعم .

قال : ألم يكن بعضكم عدو بعض ، فألّف الله بين قلوبكم على يدي ؟ .

قالوا : نعم .

فسكت لحظة ، ثم قال لهم : لماذا لا تجيبونني بأعمالكم ؟ .

قالوا : ما نقول ؟ .

قال : أما لو شئتم لقلتم : وأنت قد كنت جئتنا طريداً فآويناك ، وجئتنا خائفاً فآمنّاك ، وجئتنا مكذَّباً فصدقناك . . .

هذه الكلمات الصادرة من الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفهمت الأنصار أنه لا ينكر فضلهم ، ولا ينسى جهودهم ، ولم يكن ما صدر منه تجاههم صادراً عن احتقار أو إهانة . . . ولذلك فقد أثر فيهم هذا الكلام تأثيراً وارتفعت أصواتهم بالبكاء . ثم قالوا له : هذه أموالنا بين يديك ، فإن شئت فاقسمها على قومك . وبهذا أظهروا ندمهم على غضبهم واستغفروه . فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار ، ولأبناء أبناء الأنصار(١) .

رعاية العواطف :

من هذا الحديث ندرك مدى إهتمام قادة الإِسلام برعاية عواطف الناس ، وعدم جرح شعورهم . وفي حديث آخر مشابه : أُتي النبي بشيء فقسمه ، فلم يسع أهل الصفة جميعاً ، فخص به أُناساً منهم ، فخاف رسول الله أن يكون قد

____________________

(١) الإِرشاد للشيخ المفيد ص ٦٧ .

٥٨

دخل قلوب الآخرين شيء . فخرج إليهم فقال : معذرة إلى الله عز وجل وإليكم . يا أهل الصفة إنا أوتينا بشيء فأردنا أن نقسمه بينكم فلم يسعكم فخصصت به أُناساً منكم خشينا جزعهم وهلعهم(١) .

لقد كان احترام الناس وتكريمهم مهماً في نظر الرسول الأكرم إلى درجة أنه كان يحاسب كل من يتخلف عن أداء هذا الواجب المقدس . ففي إحدى الغزوات كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلي في معسكره فمرّ بالمعسكر عدة رجال من المسلمين فتوقفوا لحظة وسألوا بعض الصحابة عن حال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعوا له ، ثم اعتذروا من عدم تمكنهم من إنتظار النبي حتى يفرغ من الصلاة فيسلموا عليه لأنهم كانوا على أمر عاجل ومضوا إلى سبيلهم «فانفتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مغضباً ، ثم قال لهم : يقف عليكم الركب ويسائلونكم عني ويبغلوني السلام ولا تعرضون عليه الغذاء ؟»(٢) ثم أخذ يتحدث عن جعفر الطيار وعظمة نفسه وكمال أدبه واحترامه للآخرين . . .

آداب الصحبة :

ليست فضيلة احترام الناس وتكريمهم في الشريعة الإِسلامية الغراء خاصة بالمسلمين فيما بينهم ، فإن غير المسلمين أيضاً كانوا ينالون هذا الإِحترام والتكريم من المسلمين ، فقد تصاحب الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام مع رجل ذمي خارج الكوفة في أيام حكومته . وكان الذمي لا يعرف الإِمام فقال له : أين تريد يا عبد الله ؟ .

قال الإِمام علي عليه‌السلام : أُريد الكوفة ! .

ثم وصلا إلى مفترق طريقين فتوجه الذمي إلى الطريق الذي يريده وانفصل عن الإِمام عليه‌السلام . . . ولكنه لم يكن قد خطا أكثر من بضع خطوات حتى شاهد أمراً غريباً ، فقد رأى رفيقه الذي كان قاصداً الكوفة ترك طريقه وأخذ يتبعه .

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٦ ص ١٦٠ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٦ ص ١٥٩ .

٥٩

فسأله : ألست تقصد الكوفة ؟ .

قال الإِمام : نعم .

قال : ذلك الطريق هو الذي يؤدي الى الكوفة .

قال الإِمام : أعلم ذلك .

فسأل الذمي باستغراب : ولماذا تركت طريقك ؟ .

فقال له الإِمام عليه‌السلام : هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيهة إذا فارقه . وكذلك أمرنا نبينا .

فقال : هكذا أمركم نبيكم ؟ .

قال : نعم .

فقال الذمي : لا جرم إنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة .

ثم ترك طريقه الذي كان يقصده وتوجه مع الإِمام عليه‌السلام إلى الكوفة وأخذا يتحدثان عن الإِسلام وتعاليمه العظيمة فأسلم الرجل(١) .

سلوك قادة الاسلام :

إن سلوك قادة الإِسلام مع الناس واحترامهم لهم ، أحد العوامل المهمة في تقدم هذا الدين العظيم وانتشاره . وعلى المسلمين أيضاً أن يلتزموا بواجب إحترام الناس في أحاديثهم وسلوكهم وأن لا يصدر منهم ما يوجب تحقير الآخرين . وفي ذلك يقول القرآن الكريم : ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(٢) .

عن الإِمام الباقر عليه‌السلام في تفسير هذه الآية : «قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم»(٣) وكما أن الرجل منا يستاء للكلمات السيئة والمستهجنة الصادرة من الآخرين علينا أن نتجنب توجيه أمثال تلك الكلمات إلى الآخرين أيضاً . «كان أبو جعفر عليه‌السلام يقول : عظموا أصحابكم ووقروهم ، ولا يتهجم بعضكم

____________________

(١) سفينة البحار للقمي ـ مادة خلق ص ٤١٦ .

(٢) سورة الإِسراء ؛ الآية : ٥٣ .

(٣) الوسائل للحر العاملي ج ٤ ص ٩٣ .

٦٠