🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
🚖 الجزء ١ 🚖 الجزء ٢
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

له . لقد كان الأئمة ملتزمين بهذه الخصلة الحميدة ومع ذلك كانوا يؤكدون على المسلمين أيضاً الإِلتزام بها .

وعلى سبيل المثال نستعرض حديثين من ذلك :

١ ـ «رُوي عن موسى بن جعفر عليه‌السلام أنّه مرّ برجل من أهل السواد دميمِ المنظر ، فسلّم عليه ونزل عنده وحادثَه طويلاً ، ثم عرض عليه نفسه في القيام بحاجةٍ إن عرضت له . فقيل له : يا بن رسول الله أتنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجه وهو إليك أحوج ؟ فقال عليه‌السلام : عبدٌ من عبيدِ اللهِ ، وأخٌ في كتاب الله وجارٌ في بلاد الله ، يجمعنا وإياه خيرُ الآباء آدم ، وأفضلُ الأديان الإِسلامُ»(١) .

٢ ـ «عن رجلٍ من أهل بلخ ، قال : كنتُ مع الرضا عليه‌السلام في سفره إلى خراسان . فدعا يوماً بمائدةٍ له ، فجمع عليها مواليَه من السُّودانِ وغيرهم : فقلت : جُعلت فداك ، لو عزلتَ لهؤلاء مائدة !! فقال : مَهْ إن الربَّ تبارك وتعالى واحدٌ ، والأمّ واحدة ، والأبُ واحدٌ ، والجزاء بالأعمال»(٢) .

وهناك أحاديث كثيرة مشابهة لهذين الحديثين تحكي عن تواضع الرسول الأعظم والأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام تجاه جميع الطبقات .

نكتتان مهمتان :

يلاحظ في التواضع الممدوح نكتتان مهمات :

الأولى ـ أن لا يزيد التواضع عن الحد المعقول ولا يبلغ حد الإِفراط لأن ذلك يعني التملق والتزلف وهما من الصفات الذميمة .

الثانية ـ أن يكون الدافع للتواضع هو الشرف والفضيلة واحترام الآخرين لا ضعف النفس والذلة وعبارة أوضح فان المتواضع هو الشخص الذي يطمئن إلى شخصيته ، ولا يشعر في نفسه بحقارة أو ذلة . إنما يقوم بواجبه بدافع من الشعور الإِنساني وعلو النفس .

____________________

(١) تحف العقول ص ٤١٣ .

(٢) سفينة البحار القمي ـ مادة (وضع) ص ٦٦٧ .

٣٤١

يقول الإِمام أمير المؤمنين في بيان صفات الرجال المؤمنين : «سهَلُ الخليقةِ ، ليّنُ العريكة ، نفسه أصلب من الصلّد ، وهو أذلّ من العبد»(١) .

إن المقصود من صلابة النفس هو بيان التطامن والإِستقرار الذي يمتاز به هؤلاء ، وأن القيمة الخلقية للتواضع ترتبط بهذه الحالة الروحية .

التواضع المذموم :

إن التواضع الذي يستند إلى الحقارة والذلة ، والذي ينبع من الخوف أو الطمع ، ليس أنه لا يؤدي إلى التكامل النفسي والصفاء الروحي فحسب بل إنه يتسبب في نشوئه على الحقارة والذلة وتعوّده على الخسّة والهوان .

لقد اهتم الإِسلام بالحفاظ على شرف المسلمين وعزتهم ، وجعل ذلك في سياق الحديث عن عزة الله ورسوله . وبذلك حذرهم من الاستسلام للذل والهوان حيث قال : «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين» .

لقد وردت روايات كثيرة تؤكد على هذا الأمر ، نذكر قسماً منها :

١ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يحلُ لمؤمنٍ أن يُذلّ نفسه»(٢) .

٢ ـ وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ليس للمؤمن أن يُذلّ نفسه»(٣) .

٣ ـ وعن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «إن الله فوّض إلى المؤمن كلَّ شيء إلا إذلالَ نفسه»(٢) .

٤ ـ وعن الإِمام العسكري عليه‌السلام : «ما أقبحَ بالمؤمنِ أن تكون له رغبةٌ تُذلّه»(٣) .

٥ ـ وعن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «إن الله فوّض إلى المؤمنِ أمورَه كلّها ، ولم يفوّض إليه أن يُذّل نفسه العزيزة»(٤) .

____________________

(١) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١٢٣٤ .

(٢) تاريخ اليعقوبي ص ٦٧ .

(٣) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٣٦٤ .

(٤) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٥ ص ٦٣ .

(٥) تحف العقول عن آل الرسول ص ٤٨٩ .

(٦) المحجة البيضاء في إحياء الإِحياء للفيض الكاشاني ج ٤ ص ١٠٨ .

٣٤٢

أساس الحكومة الاسلامية :

تستند الحكومة الإِسلامية على أساس العزة والشرف . ويتمتع جميع الأفراد في ظلها بالإِحترام والتقدير ، فان كل عمل يؤدي إلى أبسط تحقير أو إهانة للمسلم يعتبر ممنوعاً ، لا مجال للتملق والذلة والحقارة في ظل الحكومة الإِسلامية ، لأن الإِسلام يهتم بتربية الأفراد الأحرار . . . والحرية وعلو الهمة لا يستقيمان مع الذلة والهوان .

إن موضوع الحفاظ على الشرف والعزة مهم في نظر الشريعة إلى درجة أن الفقهاء اشترطوا ذلك في كثير من الأحكام . فمثلاً يقول العلامة السيد اليزدي عند تعرضه للموارد التي يجوز فيها التيمم باعتبار فقدان الماء : «لو وهبه غيره بلا منّة وذلّة وجب القبول»(١) .

يتضح من هذه الفتوى أن الحصول على الماء لو كان متوقفاً على هبة الغير له ، وكان الواهب لا يمنحه الماء إلّا بمنّة أو ذلة فان الإِسلام لا يرضى بالوضوء حينذاك ، بل يتبدل التكليف إلى التيمم .

لقد كان الأئمة ، بالإِضافة إلى امتناعهم عن كل عمل يؤدي إلى الذلة والهوان ، يمنعون المسلمين عن الإِستسلام للذل والإِفراط في التواضع بصراحة . وهناك شواهد كثيرة على ذلك .

١ ـ «عن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : أن رسول ا‏لله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج على نفر من أصحابه . فقالوا : مرحباً بسيّدنا ومولانا . فغضب رسول ا‏لله غضباً شديداً ، ثم قال : لا تقولوا هكذا ، ولكن قولوا : مرحباً بنبينا ورسول ربنا . قولوا السدّاد من القول ولا تغلُوا في القول فتمرقوا»(٢) .

٢ ـ وفي حديث آخر نجد أن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ينهى عن مشي البعض معه وهو راكب . . . «ركب علي عليه‌السلام يوماً فمشى معه قوم ، فقال عليه‌السلام

____________________

(١) العروة الوثقىٰ للسيد محمد كاظم اليزدي ـ مسوغات التيمم ـ المسألة / ١٧ .

(٢) الجعفريات ص ١٨٤ .

٣٤٣

لهم : أما علمتم أن مشيَ الماشي مع الراكب مفسدةٌ للراكب ومذلّةٌ للماشي ؟! إنصرفوا»(١) .

٣ ـ مرّ أمير المؤمنين عليه‌السلام في طريقه إلى الشام بمدينة (الأنبار) فاستقبله جمع غفير من الملاكين والشخصيات البارزة على مراكبهم ، وعندما اقترب الإِمام منهم نزلوا عن مراكبهم وأخذوا يسيرون بصورة مجتمعة في ركابه . لقد بدا هذا الأمر غريباً في نظر الإِمام عليه‌السلام فسألهم : لماذا نزلتم عن مراكبكم وتسابقتم في السير معي ؟ قالوا : هذا دأبنا تجاه أمرائنا وزعمائنا . فأخذ الإِمام عليه‌السلام ينصحهم بترك ذلك مبيناً لهم أنه لا يجدي نفعاً للأمراء والزعماء كما أنه يؤدي إلى الاشعار بالذلة والحقارة لكم . ثم قال :

«ما أخسرَ المشقة وراءها العقاب . وأربحَ الدّعة معها الأمانُ من النار»(٢) .

٤ ـ قال الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «من كانت له إليّ حاجةٌ فليرفعها إليّ في كتابٍ لأصون وجهه عن المسألة»(٣) .

يستفاد من الأحاديث المتقدمة مدى اهتمام الإِسلام بالحفاظ على شرف المسلمين وعزهم . إنه لا يسمح لأحد باتباع السلوك الذي يؤدي إلى الإِحتقار والذلة . على الشعب والحكومة معاً السعي للحفاظ على العزة الفردية والوطنية ، والحذر عن كل ما من شأنه الحط من كرامة الحكومة الإِسلامية أو النيل من شخصية الأفراد فيها .

غريزة حب الذات :

سبق وأن ذكرنا في محاضرات سابقة أن حب الذات من الغرائز الطبيعية عند الإِنسان . هذه الغريزة تدفعه إلى أن يسعى في سبيل الحفاظ على

____________________

(١) تحف العقول عن آل الرسول ص ١٠٩ .

(٢) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١٠٩٤ .

(٣) ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي ج ٢ ص ٢٤٤ .

٣٤٤

شخصيته ، وأن يصون روحه وجسمه من أي إعتداء أو تعذيب .

كل فرد يحب بفطرته أن يبقى حياً ، فعندما يعطش أو يجوع أو يتمرض ، ويرى حياته مهددة بالخطر ، فان غريزة حبه لذاته تدفعه للسعي وراء الماء والخبز والطبيب والعلاج .

كذلك يميل الإِنسان بفطرته إلى العزّ والشرف ، ويسعى في سبيل الحفاظ على ذلك بشدة ، فعندما يجد شرفه معرّضاً للخطر ، فانه يحاول بكل ما يملك من طاقة دفع كل ما يسيء إلى سمعته .

المشاعر المتناقضة :

لغريزة حب الذات مظاهر مختلفة من الناحيتين : الروحية والجسمية ، فعندما لا يوجد تعارض أو تزاحم بين تلك المظاهر فان كلاً منها يتلقى استجابة ملائمة . لكن الطامة الكبرى تقع عندما تظهر هذه الغريزة في مظاهر متعارضة فيما بينها ، وتجعل الإِنسان تحت كابوس المشاعر المتناقضة . في مثل هذه الحالة ينحرف بعض الأفراد عن الطريق الصحيح والمعقول ويقدمون على أعمال إجرامية عظيمة .

إن كل فرد يرغب بدافع من حبه لذاته أن يكون كاملاً من جميع الجهات منزهاً عن كل نقص أو ضعف . إن الأشخاص الذين يشعرون بالحقارة والصَّغار من بعض هذه الجوانب يعيشون في قلق واضطراب دائمين ، ويشكون من ضغط روحي باستمرار . إن الطريق المعقول لهؤلاء في تدارك حقارتهم هو أن يوجهوا قابلياتهم في مجارٍ مناسبة ، ويبرهنوا على جدارتهم وكفاءتهم عن طريق إظهار مواهبهم في المجالات التي يتقنونها وبذلك يستطيعون الحصول على شخصية مستقيمة في المجتمع ويتناسون ضعفهم الداخلي . لكن بعض المصابين بالحقارة ينحرفون عن الطريق المعقول بسبب من اليأس أو الكسل وغير ذلك . ولإِخفاء ما هم عليه من الضعف ، وبغية تدارك النقص يقدمون على الإِنتحار المعنوي ، فيحطمون شخصياتهم ويتخلّون عن عزتهم واستقلالهم . . . إنهم يستسلمون للذل والهوان بالحركات التزلّفية التي يغلب

٣٤٥

عليها طابع التصنع في التواضع ، وهذا ما يؤدي إلى إذكاء نار المشاعر المتناقضة في ضمائرهم .

عوامل التناقض :

توجد في المجتمع طوائف عديدة وقعت في ورطة المشاعر المتناقضة ، ودعاهم ذلك إلى الإِفراط في التواضع بحيث يصل إلى درجة التملق والتنازل عن شرف النفس والكرامة . وسنتحدث في هذه المحاضرة عن العوامل المؤدية إلى ذلك .

١ ـ الشعور بالنقص :

من العوامل المهمة لإِيجاد عقدة الحقارة في ضمير الإِنسان ، مظاهر التزمّت والشدة التي يستعملها بعض الآباء والأُمهات تجاه أطفالهم . إن الطفل الذي ينمو في جو مشحون بالخوف والاضطراب ، والتوتر والقلق ولا يحسب له الأبوان حساب الآدميين ، والذي لم يذق طعم الرأفة والحنان أبداً . . . لا بد وأن ينشأ ضعيفاً ، حقيراً ، يشعر بالحرمان دائماً . إنه لا يجد نفسه كفؤاً لتحمل أعباء الحياة ، لأن التجارب أثبتت له ذلك .

هذا الطفل عندما يشب ويترعرع ويصبح عضواً بارزاً في المجتمع ، يظل يشعر بالنقص في قبال الآخرين ، لأنه مصاب بالقلق والاضطراب ، فاقد للإِستقلال وقوة الشخصية .

«إن النشاطات الدالة على القلق والاضطراب تشير إلى أن الشخص يشكو من نقص عظيم ، ويتصور أنه لكي يتدارك ذلك النقص عليه أن يقوم بجهد أكبر مما يقوم به الآخرون . إن جميع النشاطات اللاغرضية تشير إلى هذه الحقارة» .

«هذا القلق ينشأ من خوف كامن . والسبب هو أن الشخص يتصور أنه سيندحر في عمله أو منزلته أو أموره المعاشية . ومهما كان

٣٤٦

السبب فان ذلك يجعل صاحبه كالفأرة الواقعة في الفخ ، حيث تحاول الفرار فقط» .

«وليس من الضروري أن يكون هذا الخوف من حادث قريب ، بل يكون في الغالب وليد خاطرة سابقة نسبت من صفحة شعور الإِنسان . لقد كان الخوف مصاحباً لهذه الخاطرة ولم يطرد من خزانة الفكر تماماً ، وفي النتيجة يظهر بصورة الخوف ، العصاب ، القلق ، والاضطراب»(١) .

«بصورة عامة فان كل حادثة مؤلمة تقع للطفل سواء في البيت ، أو المدرسة ، أو المجتمع ، تسبب تحطيم شخصيته لأن عواطفه ومشاعره قد قمعت ، ولا تستطيع الظهور من دون جهد»(٢) .

إن هؤلاء الأفراد إذا استطاعوا أن يتناسوا خواطرهم المرة التي مرت عليهم في أيام الطفولة ، وتغافلوا عما لاقوه من التزمت والشدة من أبويهم استطاعوا العيش بعزة وكرامة . أما إذا ظلت تلك الخواطر المؤلمة عالقة بأذهانهم فانهم لا يستطيعون الخلاص من ضغط الحقارة والذلة ولذلك نجدهم يقدمون على أعمال مختلفة ، منها الرضوخ للذل والإِستسلام للهوان .

إن التواضع في هذه الصورة يفسّر بالخوف من معاملة الناس للفرد نفس المعاملة التي كان يعامله بها أبواه من التحقير والشدة والخشونة . ولكي يتدارك ذلك يتواضع لكل أحد ويتزلّف إلى كلّ من يتصور أنه قادر على الأخذ بيده في متاهات الحياة ، ومساعدته في حل مشاكله .

إذن ليس هذا النوع من التواضع فضيلة خلقية ، بل يستند إلى الخوف من التحقير . وهو مذموم بلا ريب .

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٢٠ .

(٢) عقدة حقارت ص ١٧ .

٣٤٧

٢ ـ الحرمان المادي :

إن فقر الأبوين وضعف حالتهما المالية من العوامل التي تسبب الحقارة والخجل للطفل . إن الأفراد الذين نشأوا في ظروف مالية صعبة يشعرون يتخلّف عن ركب الكمال والرقي . هذه الخاطرة لا تمحى من أذهانهم بل تظل عالقة بها مدى العمر . أما الأفراد الذين بلغوا مدارج الكمال والرقي على أثر كفاءتهم وفي ظل الجهود التي بذلوها لذلك فانهم يتناسون الماضي التعس ويعملون ليومهم . . . في حين أن الأفراد الذين لم يسلكوا طريق العمل والجد ، لا يستطيعون نسيان تلك الخواطر المرة بل يظلون يئنون من عوارض الحقارة وضعف النفس . إنهم يحتقرون أنفسهم في قبال الأثرياء وهذا يدفعهم إلى أن يخضعوا لهم ويفرطوا في التواضع نحوهم .

«هناك أطفال ولدوا في أسر فقيرة ، وبالرغم من أن بالإِمكان أن ينالهم عطف الوالدين وحنانهما وتربيتهما وتعليمهما الصحيحان ، فانهم قد يصابون بالحقارة والخجل الشديد عندما يبلغون ويتذكرون الحالة التي كانوا عليها . هؤلاء يشعرون بالخسة والضعة في مواجهة الأفراد الذين هم فوق مستواهم»(١) .

لقد نظر الإِسلام نظرة سخط إلى الحقراء الذين يحترمون الأثرياء لثروتهم فقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لَعَن اللهُ مَن أكرمَ الغنيَّ لِغِناه»(٢) .

الفقراء المتعففون :

لقد كان أكثر أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقراء في صدر الإِسلام . لكن القرآن الكريم تعهد بتربيتهم على عزة النفس وقوة الشخصية ، بحيث لم يكونوا يخسرون أنفسهم في قبال التجارب المادية بالرغم مما كانوا عليه من الفقر .

وكشاهد صريح على ما أقول أذكر لكم القصة التالية : فقد روي أن رجلاً

____________________

(١) عقدة حقارت ص ١٨ .

(٢) لئالي الأخبار ص ١٢٨ .

٣٤٨

موسراً دخل على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم دخل رجل فقير وجلس إلى جنبه ، فجمع الموسر ملابسه . . . .

كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منتبهاً إلى ذلك ، فسأل الموسر : أخشيت من إتصال فقره بك ؟ .

فقال : كلا .

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أخشيت من انتقال شيء من ثروتك إليه ؟

قال : كلا .

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أخشيت من تلوّث ملابسك ؟

قال : كلا .

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فلماذا جمعت ملابسك ؟ .

قال : إن الثروة التي تلازمني في كل حين منعتني من رؤية الحق ، وحببت إلي عيوبي ، ولكي أتدارك هذا السلوك المستهجن ، فقد وهبت له نصف ما أملك .

فقال رسول الله للمعسر : أتقبل ؟

قال : لا .

فقال له الرجل : ولِمَ ؟

قال : أخاف أن يدخلني ما دخلك !!(١) .

٣ ـ التأخر العلمي :

إن الشخص الذي يريد أن يجعل نفسه في عداد العلماء ، لكنه معدم من الناحية العلمية يشعر بالحقارة . ولكي يخفي هذا النقص ويتدارك ما عليه من الحقارة يتوسل بطرق مختلفة ، فقد يستند إلى أقوال العلماء ، وينقل كلمات الآخرين . . . وقد يتذرع بالتملق والتزلف فيخضع في قبال الآخرين إلى درجة يخجلون معها من التصريح بجهله وانخفاض مستواه العلمي .

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٢٦٢ .

٣٤٩

إن الطامة الكبرى هي عندما يجلس إنساناً جاهل كهذا على كرسي التدريس ويتصدى لتعليم غيره . فلكي يحافظ على شخصيته في قبال تلاميذه ولا يُحتقر من قبلهم ، فانه إما أن يلتزم التكبر والشدة إلى درجة لا يجرأ معها التلاميذ على مصارحته بجهله ونقصه ، أو يتواضع إلى درجة يتغافلون معها عن عدم جدارته وكفاءته .

إن هذا النوع من التواضع لا يمكن أن يعدّ من الفضائل . بل إنه نوع من الذلة منشأة حقارة الشخص وخوفه من انفضاح أمره . . . إنه كان يحاول أن يظهر بمظهر العلماء مع فقدانه للثروة العلمية ، وبالرغم من عدم كفاءته فقد أشغل كرسي التدريس ، لذلك فقد رضي بهذا الذل .

عن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه . قلت : بِما يُذلّ نفسه ؟ قال : يدخل في ما يتعذّر منه»(١) .

وعنه عليه‌السلام : «لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه . قيل له : وكيف يُذلّ نفسه ؟ قال : يتعرّض لما لا يطيق»(٢) .

وعن الإِمام الباقر عليه‌السلام : «بئس العبدُ عبدٌ له رغبةٌ تذلّه»(٣) .

إن شخصاً كهذا لو يعرف قيمته الواقعية ويقف عندها ، لا يساوم عزته وشرفه ولا يستسلم للذل والهوان بالتملق والتواضع الشديد .

٤ ـ الاجرام :

الإِجرام عامل آخر من عوامل الحقارة والضعة . إن الشخص الخارج على القانون يشكو من ضغط الوجدان وتأنيب الضمير دوماً ويرى نفسه حقيراً . إنه يدفن جرائمه في ضميره المستتر ويتناسى الصور المخجلة لأعماله البشعة ، لكن الوجدان الأخلاقي لا يتركه لوحده بل يظل يكيل له اللوم والتأنيب باستمرار . . .

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٥ ص ٦٤ .

(٢) المحجة البيضاء في إحياء الإِحياء ج ٤ ص ١٠٨ .

(٣) سفينة البحار للقمي ، مادة (طمع) ص ٩٣ .

٣٥٠

إن الحقارة التي تصيب الفرد على أثر الإِجرام تفقده شخصيته ، ومهما كان قوياً في إرادته فانه يضعف وينهار . . . ثم يسعى لإِخفاء ضعفه النفسي والتظاهر بالقوة والثبات ، في حين أن فشله وتأثره الباطني لا بد وأن يظهر من خلال أفعاله وأقواله .

«إننا نخفي خواطرنا المؤلمة والمخجلة في ضمائرنا حتى نكون بمنجى عن تعذيبها ، ولكنها تملك نفوذاً تاماً في أفكارنا وسلوكنا على الرغم من جميع محاولاتنا ، إننا نجهل ذلك وقد لا نعي شيئاً عن علل سلوكنا ، لذلك فاننا نتندم من عملنا ونتحير : لماذا صدر العمل الفلاني منا ، أو لماذا جرت الكلمة الكذائية على لساننا . إن الخواطر المدفونة لا تموت ولا تفقد قدرتها مطلقاً ، بل تقود سلوكنا نحو ما تريد»(١) .

إن الذلة والحقارة عند بعض المجرمين واضحة تماماً من خلال تواضعهم الشديد . إنهم يبدون تواضعاً تجاه الناس بغية إخفاء جرائمهم . كذلك الموظفون الذين يرتشون ولا ينفذون المعاملات التي ترد عليهم إلا إذا كان صاحبها قد أسدى خدمة مهمة إليهم ، فهؤلاء يتميزون بالتواضع وحسن الأخلاق مع المراجعين فيحدثونهم بكلمات من قبيل : في خدمتكم ، طوع أوامركم ، كما تأمرون ، سمعاً وطاعة . . . وما شاكل ذلك .

لا ريب في أن هذا النوع من التواضع الذي يستند إلى الإِجرام والخوف من الفضيحة ليس فاقداً للقيمة فحسب ، بل إنه يدل على حقارة الشخص واستسلامه للذل والهوان .

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من أحبّ أن يكون أعزّ الناس فليتّق الله عز وجل»(٢) .

____________________

(١) رشد شخصيت ص ١٧ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٧ ص ٤٨ .

٣٥١

وقال الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «من سرّهَ الغنى بلا مالٍ ، والعزّ بلا سلطان ، والكثرة بلا عشيرة ، فليخرجْ من ذُلّ مصعيةِ الله سبحانه إلى عزّ طعاته»(١) .

وعن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «أوصيكم بتقوى الله ، ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلّوا»(٢) .

٥ ـ طلب الجاه بلا كفاءة :

يصل بعض الأشخاص الفاقدين للكفاءة والجدارة إلى مناصب كبيرة ليسوا أهلاً لها . إن الأفراد الواعين يمتنعون عن إطاعة مثل هؤلاء والإِنقياد لهم .

قال الإِمام الصادق عليه‌السلام : «مَن طلب الرئاسةَ بغير حقٍ ، حرم الطاعة له بحقٍ»(٣) .

هؤلاء يشعرون بالضعف والنقص من جانب ، ولا يرون أنفسهم أهلاً لإِشغال المنصب الذي عهد به إليهم ، ومن جانب آخر فان حب الرئاسة وطلب الجاه يمنعهم من الإِعتراف بنقصهم فيحاولون التشبث بمختلف الوسائل للحفاظ على الكرسي .

هؤلاء الحكام غير الجديرين بإشغال مناصبهم يسلكون سلوكاً استبدادياً عنيفاً مع جميع الناس بصورة عامة ، ومع المنقادين لهم بصورة خاصة ، وربما أساؤا في الحديث معهم ولجأوا إلى أساليب العنف والإِضطهاد لإِسكات روح الإِعتراض والإِنتقاد فيهم . ولكنهم قد يتذرعون بالتواضع واللين تجاه من هو أرفع منزلة منهم وبذلك يحفظون أنفسهم عن الإِعتراضات والتشكيكات . إن الذين يستسلمون للذل والهوان ، ويساومون بعزهم وشرفهم لقاء رئاسة لا يطول

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٦٩٢ .

(٢) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٣ ص ٢٠٢ .

(٣) تحف العقول عن آل الرسول ص ٣٢١ .

٣٥٢

أمدها لهم أفراد حقراء خاسرون .

قال علي عليه‌السلام : «ساعةٌ ذُلّ لا تفي بعزّ الدهر»(١) .

إن هؤلاء ليسوا يظلمون أنفسهم فقط بإهدار كرامتهم ، بل يظلمون الناس أيضاً ويسوقونهم نحو الشقاء والدمار :

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذ سادَ القومَ فاسقهُم ، وكان زعيمُ القومِ أذلَّهم ، وأُكرم الرجل الفاسق فليُنتظر البلاء»(٢) .

وفي حديث آخر عن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «إذا سادَ السُفَّل خاب الأمل»(٣) .

وعنه عليه‌السلام : «زوالُ الدول باصطناع السفُلّ»(٤) .

الشرفاء والمناصب :

إن الرجال الشرفاء ، ذوي الشخصية الرصينة عندما يصلون إلى منصب كبير بفضل جدارتهم وكفاءتهم ، يقومون بواجباتهم معتمدين على قوة الشخصية وشرف النفس . . . ولذلك فلا طريق للتملق والتزلّف ، والحقارة والذلة إلى أرواحهم الطاهرة ونفوسهم النزيهة .

قال علي عليه‌السلام : «ذو الشرف لا تُبطره منزلة نالها وإن عَظُمتْ ، كالجبل الذي لا تزعزعه الرياحُ»(٥) .

وكشاهد على ذلك أنقل لكم القصة الآتية :

لقد كان أبو منصور وزير السلطان طغرلبك رجلاً عالماً ، قوي الشخصية ، شديد الإِيمان ، مستقيماً في سلوكه . لقد كان ملتزماً بأداء واجباته

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٤٣٤ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٧ ص ٤١ .

(٣) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٣١٢ .

(٤) نفس المصدر ص ٤٢٧ .

(٥) المصدر السابق ص ٤٠٧ .

٣٥٣

الدينية بحيث كان يجلس للدعاء بعد أداء فريضة الفجر من كل يوم حتى طلوع الشمس . عند ذاك كان يستعد للذهاب إلى البلاط الملكي .

وفي بعض الأيام بعث السلطان وراءه قبل طلوع الشمس . فجاء الخدم إلى داره ووجدوه مشتغلاً بقراءة الأدعية فأبلغوه الإِرادة الملكية ، ولكن الوزير لم يلتفت إلى كلامهم بل استمر في قراءة الأدعية . لقد تذرع الخدم بذلك وأخبروا الملك بأنه أهان أوامره ، فغضب غضباً شديداً . . .

فرغ الوزير من عباداته ، فركب جواده وذهب إلى البلاط ، وما إن دخل حتى واجهه الملك بأشد الخشونة قائلاً له : لماذا تأخرت ؟!

عند ذاك قال الوزير بكل صراحة وثبات : أيها الملك ، إني عبد لله وخادم للسلطان ، وما لم أفرغ من قضاء حق العبودية لا يتسنى لي القيام بواجب الخدمة .

لقد أثر كلام الوزير المنبعث من قلب صلب وإرادة رصينة في الملك إلى درجة أن عينيه أغرورقتا بالدموع ، ثم استحسن من الوزير ذلك وأوصاه بالاستمرار على ذلك الأسلوب بتقديم واجب العبودية على واجب الخدمة كي ينتفع البلد بسداد آرائه(١) .

إن متانة الشخصية تبرز من خلال المنطق الصريح والبيان القاطع للفرد ، كما أن الحقارة والحسة تتضح من خلال أحاديث الفرد أيضاً .

قال علي عليه‌السلام : «بيانُ الرجلِ يُنبىء عن قوّةِ جنانه»(٢) .

الشرط الأساسي للتواضع :

لقد اعتبر الإِسلام التواضع من الصفات الحميدة والسجايا الطيبة ، واحترم الشخص المتواضع أيما احترام . . . لكنه يشدّد في التكبر على

____________________

(١) جوامع الحكايات ص ١٧٣ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٣٤٣ .

٣٥٤

الشخص الذي يستسلم للذل والهوان بصورة التواضع وباسم التأدب .

إن الشرط الأساسي للتواضع هو الاطمئنان الروحي والإِستقلال النفسي للفرد . وقد صرح الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في الحديث الذي بدأنا به المحاضرة بذلك حيث قال في وصف المؤمن : «نفسهُ أصلبُ من الصلد ، وهو أذلُّ من العبد»(١) .

إن المتواضع هو الذي يقوم بواجبه الإِنساني دون خوف أو طمع . . . وهو الذي يستند تواضعه إلى التعالي النفسي والتكامل الروحي . أما الأفراد الذين يتواضعون بسبب من الشعور بالحقارة ، أو الشعور بالنقص ، أو طلب الجاه ، أو الطمع فانهم لا يكتسبون فضيلة بذلك ، بل يؤدي الاستمرار في هذه الحالة إلى تأصل جذور الذل والحقارة في نفوسهم .

تجنب الذلة :

إن الحفاظ على العزة والشرف والفرار من الذلة والخسة من أهم الواجبات القطعية على المسلمين حسب الأحاديث التي قرأناها لكم في هذه المحاضرة ، وأحاديث أُخرى كثيرة واردة في كتب الحديث ، إذ لا يجوز لمسلم قط أن يستسلم للذل والهوان ، ويتنازل للتملّق والتزلف تحقيقاً لبعض الغايات .

إن أعظم مراتب العبودية والذلة يجب أن يلتزمها الفرد بين يدي الله تعالى الذي خلق الكون وزوّد كل شيء بالوسائل والأدوات اللازمة لحياته . . . إنه لا يليق الإِنكسار والتواضع ، والخضوع إلا بين يديه عز وجل .

التواضع في التعلم :

لقد سمح الإِسلام للفرد بالتواضع والخضوع في مورد آخر هو التعلم . على الجاهل أن يتواضع للعلماء حتى يستطيع إستيعاب العلوم والمعارف منهم .

____________________

(١) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١٢٣٤ .

٣٥٥

إن الأفراد الذين لم يتلقوا ثقافة ممتازة ويحاولون الإِتصال بالعلماء ومعاشرتهم ، يشعرون بالحقارة والذلة ، ويرون أنفسهم دون مستوى الآخرين ويتألمون كثيراً من عجزهم عن المشاركة في الأحاديث العلمية .

هناك طائفة من الأفراد لا يرضون الإِعتراف بجهلهم ، ويحاولون إخفاء النقص الذي فيهم قدر الإِمكان . ولكي يتظاهروا بالعلم والإِدراك يقدمون على أفعال طفولية مخجلة . والعلاج القطعي لهذه الحالة هو التفرغ للدراسة والإِجتهاد في التعلم . وهذا يحتاج إلى شجاعة وصراحة يجب على الفرد أن يعترف بنقصه ولا يجعل نفسه في عداد العلماء . . . إنه يجب أن يعرف حده الواقعي ولا يتجاوزه . . . أن يتواضع لأستاذه ، ويحتمل ذلّ السؤال .

إن الإِسلام يوافق على هذا التواضع ويرضى بهذا الذل ، لأنه يؤدي إلى أن يكتسب الإِنسان علماً يحصل على مكانة سامية . وهذا السلوك ليس خالياً من الضرر فقط ، بل إنه يتضمن فوائد عظيمة .

١ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «مَن لم يَصبرْ على ذُلّ التعلّم ساعةً بقي في ذل الجهل أبداً»(١) .

٢ ـ وعن الإِمام الرضا عليه‌السلام : «العلمُ خزائنُ ، ومفاتيحه السؤال»(٢) .

٣ ـ وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «ليس من أخلاقِ المؤمن الملَق ولا الحسدُ إلا في طلب العلم»(٣) .

نستنتج من هذا مدى اهتمام الإِسلام في تعاليمه القيمة بالحث على التعلم والتزوّد بالثقافة والمعرفة إلى درجة يسمح للفرد بالتواضع والذل في طريق التعلم ، في حين أنه يشدّد النكير على التملق والإِفراط في التواضع في غير ذلك من الحالات .

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٧ ص ٤٦ .

(٢) عيون أخبار الرضا ـ باب ٣٠ .

(٣) تحف العقول عن آل الرسول ص ٢٠٧ .

٣٥٦

المحاضرة الثلاثون

علاج القلق والحقارة

قال الله تعالى في كتابه العظيم : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ)(١) .

إن القلق والاضطراب الفكري من أعظم عوامل التعاسة والشقاء في حياة الإِنسان .

وإن الشخص الذي يشكو قلقاً على أثر خوف ، أو حقارة ، أو فشل ، أو ضعف ، أو عجز ، أو جهل ويتألم لذلك ، لو لم يفكر في علاج نفسه فأن الحياة تصبح بالنسبة له جحيماً لا يطاق ، وبالتالي يصاب بعوارض مختلفة .

لقد تعرضنا في المحاضرات الأخيرة إلى طائفة من العوامل المؤدبة لنشوء عقدة الحقارة وذكرنا ردود الفعل الناتجة من ذلك ، أما حديثنا في هذه المحاضرة فسيدور حول موضوعين :

١ ـ الأعراض والمخاطر الناتجة من الشعور بالقلق .

٢ ـ أسلوب معالجة ذلك من الناحيتين الدينية والعلمية .

____________________

(١) سورة المؤمنون ؛ الآية : ٩٦ .

٣٥٧

اتحاد النفس والبدن :

أما فيما يخص الجانب الأول فلا بد من القول بأن الإِرتباط والإِتحاد بين النفس والبدن متين إلى درجة أن الآثار الطيبة أو السيئة لكل منهما تؤثر في الآخر . ولعمري فان هذا من الأمور المتسالم عليها لدى العلماء السابقين والمعاصرين . إن الجسد يخضع لتأثير الحالات الروحية ، وكذلك الروح تخضع لحالات الجسد . والشخص الذي يشكو من القلق والاضطراب ويحسّ بالألم وعدم الاستقرار في ضميره لا بدّ وأن يتأثر جسمه بتلك الحالة الروحية فتنحرف صحته .

لقد أثبتت البحوث العلمية للعلماء المعاصرين أن جانباً كبيراً من الأمراض المختلفة يرجع في نشأته إلى الإِضطرابات الروحية . ولا بد لعلاج هذه الأمراض من معرفة الأُسس النفسية التي تعتمد عليها .

عوارض القلق :

يستشهد العالم النفسي الشهير (ديل كارنيجي) بنصوص لعلماء متخصصين حول طائفة من الأمراض الجسمية التي يمكن أن تنبع من القلق والاضطراب وها أنا أنقل لكم نموذجاً من ذلك :

«لقد أمضيت إجازتي قبل بضعة أعوام في ولاية تكساس بصحبة الدكتور (آ . كوپر) رئيس مصلحة السكك الحديدية في (سانتافيا) . وفي يوم من الأيام كنا نتحدث عن القلق فقال صديقي : إن ٧٠% من المرضى الذين يراجعون الأطباء لو استطاعوا أن ينقذوا أنفسهم من قبضة الخوف والقلق فانهم يستطيعون معالجة أنفسهم بأنفسهم . فمثلاً على ذلك يمكن علاج بعض أنواع القرحة المعدية . وعسر الهضم العصبي ، والاضطرابات القلبية ، والأرق ، وبعض أنواع الصداع بتهدئة الوضع الروحي للمريض» .

٣٥٨

«يقول الدكتور (جوزيف مونتاكو) . مؤلف كتاب (الإِختلالات العصبية للمعدة) : ليس ما تأكلونه سبباً في ظهور قرحة المعدة ، بل إن ما يأكلكم ـ وهو القلق ـ هو الذي يؤدي إلى نشوء هذه القرحة» .

«يقول الدكتور (د . ألفاريز) : إن شدة أو ضعف القرحات المعدية تتصل إتصالاً مباشراً في الغالب بشدة أو ضعف الاضطرابات الداخلية . ان هذا الكلام يستند إلى تجربة أجريت على خمسة عشر ألف مريض راجعوا المستشفى الذي أشرف عليه فوجدت أن أربعة أخماس أولئك المرضى كانوا لا يملكون أساساً طبياً لعلاج مِعَدهم إن الخوف والقلق والحسد والأنانية وعدم القدرة على الإِنسجام مع البيئة عوامل مؤثرة في أمراض المعدة والقرحة فيها . إن قرحة المعدة تؤدي إلى الموت ، وكما ذكرت مجلة لايف فانها تقع في الدرجة العاشرة بين الأمراض المهمة والخطيرة» .

«لقد ذكر المشرفون على (مستشفى مايو) الذائع الصيت في الولايات المتحدة أن النصف الأكبر من الأسرّة في المستشفى يشغلها المصابون بالأمراض العصبية إنهم لا يشكون من فساد أو اختلال الجهاز العصبي . . . بل يؤلمهم الحرمان ، والقلق ، والخوف ، والفشل ، واليأس» .

خسائر الأمراض الروحية :

«إن الخسائر الناشئة من الأمراض تتزايد يوماً بعد يوم إن التقارير الطبية تحكي عن أن كل عشرين مواطناً في أمريكا يوجد بينهم مواطن واحد سيقضي شطراً كبيراً من عمره في مستشفيات الأمراض الروحية . وأن سدس الشبان الذين دُعوا لخدمة العلم في الحرب العالمية الثانية كانوا قد أعفوا من ذلك بسبب النقائص

٣٥٩

الفكرية والروحية . ما هي علة الجنون» ؟ .

«لا يوجد أحد يعرف ذلك تماماً . ولكن لا ريب فيه أن القلق والخوف عاملان كبيران في جنون صاحبهما» .

«ذكر الدكتور (ويليام ماك گوليكل) في مؤتمر أطباء الأسنان الأمريكان : إن القلق يؤدي إلى تسوس الأسنان . . . ثم يستمر فيقول : إن الاضطرابات التي تؤدي إلى القلق تسبب اختلال مقادير الكالسيوم في الجسم ، وهذا بدوره يعمل على تسوّس الأسنان وفسادها» .

«لا أعلم هل رأيتم في حياتكم شخصاً انتفخت غدته الدرقية أكثر من المعتاد ، لقد رأيت شخصاً كهذا . . . إن المصاب بذلك يرتعد دائماً وأنه ميت خارج من قبره ، تتناسب شدة المرض وضعفه مع كَثرة الإِفراز وقلته ، تزداد سرعة نبضه ، وربما انتهى به الأمر إلى الموت» .

«لقد ذهبنا قبل أيام بصحبة صديق كان مصاباً بهذا المرض إلى (فيلادلفيا) لاستشارة طبيب معروف بمعالجة هذه الأمراض . وَما أن دخلنا عليه حتى وجه إلى المريض هذا السؤال : ما هو الاضطراب الفكري الذي تشكو منه ونبَّه صديقي إلى ضرورة إبعاد القلق عن نفسه وإلا أصيب بأمراض خطرة أُخرى كمرض السكّر ، والنوبة القلبية ، وقرحة المعدة»(١) .

القلق ومرض الجسم :

إن النصوص والأحاديث الواردة بهذا الصدد توضح أن الأئمة كانوا على علمٍ تام بهذا الأمر . وقد كانوا يذكرون لأتباعهم أن الخوف ، والقلق ، والحسد ، والهم . . . وبصورة موجزة : جميع الاضطرابات الداخلية والآلام

____________________

(١) آئين زندگي ص ٢٥ .

٣٦٠