🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
🚖 الجزء ١ 🚖 الجزء ٢
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

ويسفّه الحقَّ»(١) أي أن التكبر عبارة عن غمط حقوق الناس باحتقارهم ، وترك الحق لتعارضه مع أهوائه وغاياته الشخصية .

في هذا الحديث نجد أن الإِمام الصادق عليه‌السلام يعرّف المتكبر بصفتين : إحداهما تحقير الناس ، والثانية عدم رؤية الحق والواقع وبالإِمكان أن نقول إن عدم رؤية الحق والواقع هو الذي يدفع الشخص المتكبر تحقير الناس لأن الذي ينظر إلى نفسه والآخرين بعين الحقيقة ويحترمها بالإِنقياد لها ، ولا يتجاوز عن حده الواقعي ولا يحتقر الناس على خلاف الحقيقة .

نستنتج مما تقدم أن التكبر ناشىء من الحقارة في نفس المتكبر . إن الشخص الذي لا يشعر بالحقارة والضعة لا يصاب بالتكبر ، وبهذا يتضح معنى الحديثين اللذين بدأنا بهما البحث فقد قال الإِمام عليه‌السلام أنه لا يصاب بداء التكبر أحدٌ إلّا إذا كان يشعر بالذلة والحقارة في باطنه .

التجبر :

لا يخفى أن الحديث الأول جعل (التجبّر) مثل (التكبر) ناشئاً من الشعور بالحقارة ، فقد قال عليه‌السلام : «ما مِن رجلٍ تكبّر أو تجبّر إلا لذلّةٍ وجدها في نفسِه» وهذا من المسائل القطعية في علم النفس ويعترف به جميع العلماء في العالم . إن كل من يستند إلى الظلم ، والتجاوز واستغلال السلطة ، والجبروت ، والطغيان ، والإِعتداء فلا بد وأنه يشعر في باطنه بالخوف أو الضعف أو القلق . . . وبصورة موجزة لا بد وأن يكشو نوعاً من الحقارة .

«إن كل مظهر من مظاهر حب التغلب والتسلط على الآخرين أمارة على الشعور بعدم الإِستقرار الروحي . إن رب العمل الذي يجور على عماله كثيراً فان ذلك لا يفسّر إلا بخوف خفِي من فقدان القدرة عليهم ، وخروجهم على أوامره . إنه يعلم جيداً أن الأثر السلبي لشخصيته وتزمته أكثر من الأثر الإِيجابي . . . هذا القانون

____________________

(١) معاني الأخبار ص ٢٤٢ .

٣٢١

ينطبق على الزوج الذي يجور على زوجته ، والوالد الذي يعامل أولاده بخشونة أيضاً» .

«عندما يكون الإِستبداد ، والظلم ، والتجاوز رائجاً فانه أمارة الشعور بعدم الكفاءة وفقدان الإِعتماد على النفس وبالإِمكان اكتشاف جذور هذه المفاسد بمعونة عالم نفساني أو بواسطة التأمل الباطني والحياد في كشف زوايا اللاشعور»(١) .

«كنت أعرف مهندساً قديراً في فنه . كان يعامل أصدقاءه وأفراد أسرته بالبشر واللين ، ولكنه كان يبذل المزيد من الخشونة والشدة تجاه العمال الذين يشتغلون تحت إشرافه . . . كان يتناول الطعام لوحده ، ولا يشارك الآخرين في أحاديثهم ونزهاتهم ، كان لا يضحك أبداً ولم تظهر الإِبتسامة على فمه ، وكان لا يسمح لأحد بالإِعتراض والإِنتقاد ، ولكننا كنا نعلم أنه يتألم كثيراً في باطنه من هذا السلوك ، ويتمنى أن يستطيع التكلم والضحك مع الجميع ، وأن يشارك الآخرين في تناول الطعام . وعندما سأله المحلل النفسي عن ذلك وتحرى جميع جوانب شخصيته ، تبين أنه يشك في انقياد العمال والموظفين الذين يعملون تحت إشرافه له من دون أن يشعر بذلك . . . وأنه يتصور أنهم لا يرونه جديراً بالإِشراف عليهم وإدارة شؤونهم وتوجيه الأوامر نحوهم ، لذلك كان يثبت شخصيته بالضغط والشدة والخشونة»(٢) .

في جميع الطبقات :

إن المقياس الأساسي والعلمي لنشوء ظاهرتي التكبر والتجبر ، هو الإِحساس بنوع من الضعف والحقارة . ولذلك فان من الممكن أن يظهر هذا الداء في جميع الطبقات والأمم ، فلا يختص بطبقة دون أُخرى . . . . إنه يظهر

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٨٢ .

(٢) رشد شخصيت ص ١١٧ .

٣٢٢

في الأغنياء والفقراء ، في البيض والسود ، في القادة والمنقادين .

عن الإِمام الصادق عليه‌السلام قال : «الكبر قد يكون في شرار الناس من كل جنس ، إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرَّ في بعض طرق المدينةِ ، وسَوداءُ تلقِطُ السرِّقين . فقيل لها : تنحَّيْ عن طريق رسول الله . فقالت إن الطريق لَمعرَّضٌ . فهمَّ بها بعضُ القوم أن يتناولها . فقال رسول الله : دَعُوها فإنها جبّارة»(١) .

إن السود كانوا يتعرضون للتحقير والإِهانة من البيض دائماً ولذلك فانهم كانوا يحترقون في نار الحقارة ، ويشعرون بالذلة والهوان ، وهذا ما كان يؤلمهم كثيراً . . . فلا عجب إذن أن تصاب امرأة سوداء بسبب من الحقارة العنصرية بالتجبر وتكلم الناس بهذا الأُسلوب من التكبر .

العرب قبل الاسلام :

لقد كان العرب قبل مجيء الإِسلام يعيشون في أتعس الظروف المادية والمعنوية ، وكانوا مرتطمين في هوة من الفساد والإِنحراف ، يقدمون على الجرائم المختلفة . . محرومين من كل رصيد علمي أو ثقافي ، بعيدين كل البعد عن القيم الأخلاقية والأُسس الإِيمانية ، منحطين من الناحية الإِقتصادية ومع ذلك فقد كانوا مصابين بأشد درجات التكبر وأعلىٰ مراتب الجبروت إنهم كانوا يحتقرون جَميع الناس من الأمم الأُخرى لتكبرهم ، والسبب في ذلك شعورهم بالحقارة والذلة في أنفسهم من جميع الجهات .

لقد شرح الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام حالة العرب قبل الإِسلام بجمل قصيرة ، فقال :

«إن الله بعث محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نذيراً للعالمين ، وأميناً على التنزيل . وأنتم ـ معشَر العربِ ـ على شرّ دينٍ وفي شرّ دارٍ منيخون بين حجارةٍ خُشنٍ وحيّاتٍ صُمّ ، تشربون الكدر وتأكلون الجَشِب ، وتسفكون دماءكم ، وتقطعون أرحامكم . الأصنامُ فيكم منصوبةٌ ، والآثام بكم معصوبةٌ»(٢) .

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٣٠٩ .

(٢) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ٨٣ .

٣٢٣

نموذج للتكبر :

بالرغم من أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذل جهداً كبيراً في سبيل إنقاذ تلك الأمة المتخلفة والمتكبرة ، واستطاع من حلّ كثير من العقد النفسية بفضل تعاليمه القيمة ، ولكن التكبر كان ضارباً بجذوره في قلوبهم طيلة قرون عديدة إلى درجة أنه ظل بعض الأفراد مصابين بهذه الصفة الذميمة ، بحيث كانوا لا يقيمون وزناً لغيرهم أصلاً كأنهم ليسوا بشراً ، ولا يجمعهم أب واحد .

وعلى سبيل الشاهد أذكر لكم نموذجاً تاريخياً طريفاً :

توجه علقمة بن وائل إلى المدينة المنورة للقاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتشرف بحضرته وعرض عليه حاجته . ثم قصد الذهاب إلى دار أحد كبار الأنصار في المدينة ولكنه لم يكن يعرف الدار . كان معاوية بن أبي سفيان حاضراً في المجلس فأمره النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإرشاد علقمة إلى دار الأنصاري . يقول معاوية :

خرجت بصحبة علقمة من عند النبي ، فركب ناقته وأخذت أسير على قَدمي الحافيتين في شدة الحر . فقلت له في أثناء الطريق : لقد احترقت قدماي من شدة الحر فأردفني خلفك .

فقال علقمة : إنك لا تليق بأن تركب رِدف السلاطين والعظماء .

فقال له معاوية : أنا ابن أبي سفيان .

فقال علقمة : أعلم ذلك . لقد ذكر لي النبي هذا الأمر سلفاً .

فقال له معاوية : إذا كنت لا تسمح لي بالركوب خلفك ، فانزع خفيّك لألبسهما وأتقي وهج الأرض .

قال عقلمة : إن خفي أكبر من قدميك . . . ولكن أسمح لك بالسير في ظل ناقتي ، وإن في هذا تسامحاً كبيراً مني تجاهك ، وهو في نفس الوقت مدعاة للفخر والإِعتزاز لك ، أي أنك تستطيع أن تتباهى أمام الناس بأنك سرت في ظل ناقتي(١) .

____________________

(١) آداب النفس للعينائي ج ١ ص ٣٠٢ .

٣٢٤

إن هؤلاء المتكبرين والأنانيين الذين لا يريدون الخضوع للواقع والذين يحلمون بالعظمة دائماً ، ويعيشون في عالم من الخيال والوهم . . . يعملون على تعاسة أنفسهم وغيرهم ، وربما يدفعهم ذلك إلى القيام بأعمال خطيرة ، وتحمل مصائب وخيمة .

الأحلام التي لا تتحقق :

«العلامة الأُخرى من علامات عقدة الحقارة أن الفرد يعيش في عالم من الأحلام والخيال ، والذي يسمى في الاصطلاح العلمي بـ (الفانتزي) . ويعني ذلك الفرار من الواقعيات ، والتهرب من المشاكل والمسؤوليات ، واللجوء إلى دنيا الأحلام والآمال التي لا تتحقق» .

«إن خطر هذه الحالة النفسية يكون عندما يصبح الشخص مأسوراً لها بحيث يفقد القدرة على العمل والنشاط في قبال حقائق الحياة . فعندما يستولي الشعور بالهرب من الحياة على شخص ما ، خصوصاً إذا كان متمتعاً بقدرة ومنزلة سامية ، فان المآسي التي تنتج من ذلك عظيمة جداً إلى درجة أن تصورها يبعث على الألم والإِستيحاش» .

«إن الشعور بالحقارة الذي أصاب الألمان بعد إندحار عام ١٩١٨ ، أدىٰ إلى أن يعيش هؤلاء في حالة من الفنتزي الروحية والإِجتماعية فقد أخذوا منذ ذلك الحين يؤلفون الكتب ، وينظمون الأناشيد (التي أشهرها نشيد ألمانيا فوق الجميع) ، أملاً في اليوم الذي يتغلبون فيه على الأمم الأُخرى ويأخذون زمام الحكم في العالم» .

«هذه الحالة النفسية هي التي مثلت مأساة الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى انكسار الألمان أيضاً»(١) .

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٣٦ .

٣٢٥

مما تقدم نستطيع أن نخلص إلى أن التكبر والإِستعلاء ناتج من عقدة الحقارة . إن الأشخاص المأسورين للأنانية والإِثرة وعبادة الذات عندما يشعرون بالحقارة فانهم يلجأون إلى التكبر لإِرضاء أنانيتهم ، ويتداركون الحقارة بتحقير الآخرين ، أو ارتكاب الجرائم العظيمة إذا تمتعوا بقدرة على ذلك .

الانانية :

هنا يثور سؤال :

لماذا يصاب البعض بمرض الأنانية ؟ وكيف تتأصل هذه الصفة الذميمة في نفسوهم ؟ إلى درجة أنهم تغشى عيوبهم عن رؤية الحق والواقع ويشعرون بالاستعلاء على الجميع ، ناسبين إلى أنفسهم قيمة أعلىٰ مما يستحقون ؟ .

للإِجابة على هذا السؤال نقول :

هناك علل وعوامل كثيرة تتسبب في إيجاد هذه الحالة النفسية ، وإصابة الفرد بمرض الأنانية . ولما كان الموضوع الأساسي لبحثنا عبارة عن تربية الطفل ، فسنتحدث في هذه المحاضرة عن عاملين يتعلقان بدور الطفولة فقط ، مرجئين البحث عن العوامل المؤدية إلى نشوء الأنانية عند الكبار إلى مجالات خاصة بذلك .

إن العامل الأول لنشوء هذه الحالة النفسية عبارة عن الوضع الطبيعي للطفل . فكما أن بعض الأطفال يتولدون مع نقائص عضوية أحياناً ، بعضها قابل للإِصلاح والبعض الآخر لا طريق لمعالجته . . . كذلك البناء الروحي لبعض الأطفال فانه قد يكون غير طبيعي منذ اليوم الأول من الولادة ، وهذا بدوره قد يكون قابلاً للتعديل ، وقد تعقم جميع الوسائل المستخدمة لعلاجه .

إن العلماء المعاصرين يسمون الأطفال غير الاعتياديين بـ (الأطفال المعقدين) . وقد أجروا تجارب وتحقيقات كثيرة حولهم ، وصنفوهم إلى طبقات مختلفة .

الأنانية عند الأطفال المعقدين :

هناك طبقة من الأطفال المعقدين ، يعتبر الغرور والأنانية جزءً من

٣٢٦

فطرتهم . هؤلاء كأنهم تولدوا متكبرين وأنانيين مع بنائهم الروحي الخاص ، وإنهم يمتازون بشذوذ روحي منذ البداية .

«إن الطفل المعقد يمتاز بسلوك خاص منذ اللحظة الأولى لولادته ، وذلك كالغرور الفطري الذي يؤدي إلى سيطرة أنانيته على جميع ميوله الأخرى» .

«إن اللهجة الناتجة من المنطق الخاطىء واضحة عند الطفل المعقد . وإن خطر هذه الحالة يكمن في أنه يستند إلى هذا المنطق الخاطىء دائماً ولا يرضى بالتنازل عنه ، ولذلك توجد في ذهنه صور مغلوطة تماماً عن الأشياء والموجودات ، كأنها قد نُظر إليها من خلال أشعة منكسرة» .

«يتميز الطفل المعقد بتركيب خاص واضح . إن وجهه منقبض في الغالب ، ويكون في حالة عصبية دائماً . . . . شفتاه دقيقتان ونظرته ثابتة وباهتة ، وعندما يبهت لشيء فلا يمكن إخراجه عن هذه الحالة بأي طريقة من الطرق . إن شخصيته لا تقبل التأثير ولا التأثر . وهذه الحالة من الجمود الروحي خاصة به ، لأن وضعه الروحي يشبه عضلات وجهه في الجمود والخمول . في هذه الحالة ينطوي الطفل على نفسه ، ثم يسلك سلوكاً يوهم كونه في ذلك حالة من الهجوم ، لأنه يهمل كل شيء وقد يؤدي ذلك إلى عدم إحترام الآخرين» .

«هذه هي علائم للشخصية التي قد تتحطم ولكنها لا تتغير ولا تبدي تغيراً من نفسها . إنه سريع في حركاته ، ويرغب في الإِستقلال منذ الطفولة ويحاول أن يجد طريق حياته لوحده . وأحياناً يعلن هؤلاء الأطفال الحرب على المجتمعات التي لم ترض شعورهم بالأنانية والإِثرة ، ولما كانوا أشخاصاً حطرين فانهم يتسببون في إحداث مشاكل عظيمة»(١) .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٣٣ .

٣٢٧

هؤلاء الأطفال الذين يعبدون ذواتهم ، وكأنهم جُبلوا على الغرور تكون حركاتهم وسكناتهم ، أقوالهم وأفعالهم ، تجاه الأطفال والكبار ، عند اللعب وفي الحالات الإِعتيادية قرينة بالتكبر والاستعلاء . إنهم إن وجدوا في أدوار الطفولة الظروف المساعدة لإِرضاء غرورهم بصورة حرة ولم يواجهوا مانعاً أو عقبة في محيطهم التربوي أو الحياتي ، فانهم ينشأون على الأخلاق البذيئة ، ويعتادون على التكبر والجبروت .

هؤلاء يندحرون في حياتهم بسرعة . ويطردهم المجتمع الذي ينفر من الإِحتكاك بهم والتعاون معهم ، وهذا يسبب الحرمان والفشل لهم مدى العمر .

تربية الأطفال المعقدين :

إن التربية الصحيحة لهؤلاء الأطفال الذين جُبلوا على التكبر والغرور تحتاج إلى أُسلوب خاص ، يختلف عن أسلوب تربية الأطفال الاعتياديين لا بد من وجود مربّ قدير يشرف عليهم ، ويعمل على قمع تلك الصفات الذميمة فيهم بالأساليب العلمية والتطبيقية ، ويزرع بذور الصفات الطيبة بدلاً منها .

«يقول (شاويني) بالنسبة إلى معالجة العناد والتناقضات في الأطفال المتكبرين : «إن العنصر الأصيل للتناقضات هو التكبر . إن مشاهدات الشخص المتكبر خاطئة غالباً ، ومن الخطورة بمكان أن نفاجئه بالحقيقة رأساً ومن دون مقدمات وربما كان ذلك سبباً لتركيز عاداته البذيئة لأنه سوف لا يعترف بأنه يتحدث بالتناقضات ، ويسند كلامه بأدلة وتبريرات . لا تصرّوا على إثبات كلام آخر في قبال كلامه أبداً لأنكم بعملكم هذا تكونون قد ساعدتموه على الاستمرار في سلوكه لأنه سيزداد إصراراً على كلامه» .

«لا تتناقشوا معه مطلقاً ، واحذروا عن كل شيء يؤدي إلى إثاراته ، ولكن بالرغم من أنكم تعلمون أنه لا شيء وراء هذه المظاهر فمن المناسب أن تستشيروه في قضاياه وتسألوه عن رأيه فيها . ستتعجبون ـ إذا لم تكونوا قد جربتم ذلك ـ عندما تجدون أن هذا

٣٢٨

الشخص المغرور والمتكبر ينقلب إلى شخص حائر ومتردد لا يعلم ما يقول ، لأنه كان قد أعدّ نفسه لمعاندتكم فقط . . . دَعوه على هذه الحالة لفترة وإذا بكم تجدونه يطلب المعونة منكم بكل خضوع وسيقبل آراءكم جميعها !» .

«هذا الأُسلوب الذي يمنع من معارضة الطفل ، من محاسنه أنه يمنع من نمو هذه الميول الروحية المتطرفة فيه ، مضافاً إلى أنه يحفزه نحو الإِبتكار والإِبداع وهذا بنفسه يمكن أن يكون علاجاً قطعياً فيعتاد أخيراً على أن يعمل برأيه على نحو الإِستقلال في كل قضية تواجهه»(١) :

لو لم يتلقّ هؤلاء الأطفال غير الإِعتياديين تربية سليمة ، ونشأوا تبعاً لذلك على الغرور وعبادة الذات أصبحوا أفراداً خطرين وفوضويين ، وقد يجرّون على أنفسهم وعلى سائر الناس سلسلة من المشاكل والمآسي لأن تحقير الناس وإهمالهم مضافاً إلى أنه يزيد في غرورهم ويبلغ بتكبرهم إلى درجة الجنون ، يزرع في نفوسهم بذور الحقد والبغضاء تجاه المجتمع الذي لم يستجب لمطاليبهم ولم يرض شعورهم بالإِثرة والأنانية ، ولذلك نجدهم يقدمون على مختلف الأعمال الخطيرة .

الغرور في صورة إجرام :

«يقول (جلبرت روبين) : «كمثال على هؤلاء الأطفال أذكر لكم قصة شاب جميل في الخامسة عشرة من عمره إنه كان يقضي جميع أوقاته في تحليل وقياس المواد المتفجرة التي كان يحوزها ، وفي إحدى الأيام تفجر شيء من المساحيق وسبّب حريقاً عظيماً . هل تستطيعون أن تعرفوا الدافع له إلى ذلك العمل ؟ أجل ، إنه كان يريد أن يحرق الدنيا بأسرها ، وهذه هي عبارته ، والهدف

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٨٠ .

٣٢٩

العظيم الذي كان يسير حثيثاً نحو تحقيقه»(١) .

نستنتج مما تقدم أن البناء الروحي لبعض الأطفال ليس اعتيادياً ، بل إنهم يملكون غروراً ذاتياً وشعوراً بالأنانية منذ البداية . وهذا هو العامل الأول الذي يؤدي إلى نشوء صفة التكبر الذميمة عند بعض الأطفال وعن طريق الأساليب التربوية الدقيقة فقط يمكن هداية نفوسهم المريضة وطبائعهم المنحرفة إلى الطريق المستقيم . ولحسن الحظ فان عدد هؤلاء الأطفال المعقدين قليل جداً .

المدح من غير استحقاق :

والعامل الثاني الذي قد يؤدي إلى نشوء الشعور بالأنانية وعبادة الذات عند الإِنسان ، ويوقع الإِنسان في هوة التعاسة هو الأساليب التربوية الفاسدة التي يتلقاها في طفولته . إن الأبوين الجاهلين اللذين يمدحان الطفل من غير استحقاق ، ويبذلان له من العطف والحنان ما يزيد على الحد المعقول يحطمان شخصيته بذلك ، ويزرعان بذور الأنانية في نفسه منذ البداية .

إن هؤلاء الآباء والأُمهات يقومون بأعمال ظاهرها الحب ولكنها تحمل في أعماقها العداء . لأنهم يتسببون في انحراف الطفل الذي لا يعرف حدوده الواقعية . إنهم يقولون له : أنت الروح ، أنت القلب ، أنت قرة العين ، أنت نور البيت ، أنت الدرة الفريدة ، أنت أغلىٰ من جميع الأطفال والخلاصة أنهم يتحدثون معه بالأكاذيب والخدع والكثيرة ، ويفهمونه تدريجاً بأنه يتمتع بمنزلة سامية ودرجة رفيعة .

هذا المدح ، وهذا الحنان يثبت جذوره في روح الطفل . . . وإذا بسلوكه في الكبر ينبع من تلك الأُسس التي نشأ عليها والأفكار التي أعتنقها بصورة نهائية .

«إن دور الطفولة يستند إلى أُسس قويمة بحيث يرتبط الإِتساع في المشاعر في الفترات اللاحقة إلى ذلك الدور وذخيرة الحب التي

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٣٤ .

٣٣٠

«يحصل عليها الطفل تعتبر من هذه الأُسس . إن الحب ، مضافاً إلى جانب جلبه للّذة الشخصية التي تؤدي إلى نشوء عبادة الذات في الطفل ، يشتمل على مجموعة من المشاعر التي يحصل عليها في جو الأسرة ، والمدرسة» .

«تترك مظاهر الحب التي تلقاها الطفل في الدور الأول من حياته ، أي قبل بلوغه الخمس أو الست سنين ، وكذلك التجارب الطيبة أو المرة الناتجة من ذلك ، آثارها في الجانب اللاشعوري من ضمير الطفل . هذه الآثار تكوّن النقاط البارزة من وضعه الروحي»(١) .

إن الضمير الباطن للطفل المدلّل مليء بالإِثرة والأنانية . هذا الطفل لا يجد في الحياة أحداً غيره ، لأن أبويه لم يعلّماه غير هذا الأمر . إن الذخيرة الوحيدة التي تركزت في روحه منذ الصغر هي عبادة الذات ، إنه يتذكر إنطباعته عن دور الطفولة ، فهو القلب ، وهو الروح ، وهو أغلىٰ من الجميع . إنه يدخل المجتمع بتلك الروح ويتوقع من جميع النساء أن يدللنه كأُمه ، وينتظر من جميع الرجال أن يحترموه كأبيه .

الفشل :

هذا الطفل عندما يشب ويترعرع لا يجد من الناس الإِحترام الذي كان يتصوره ، لذلك يتألم من البرودة التي يعامله المجتمع بها ، إلى أن يتولد عنده الشعور بالحقارة . إن تكرار الإِهمال والبرودة يؤدي إلى إزدياد التوتر النفسي ، والفشل المتواصل يؤلم ضميره حتى يتحول الشعور بالحقارة إلى عقدة الحقارة وتحدث فوضى عظيمة في روحه .

«إن الشعور بالحقارة عبارة عن ألم شديد ناشىء من الإِنحراف الروحي الذي يسيطر على جميع جوانب شخصية الإِنسان . أما عقدة الحقارة فهي عبارة عن مجموعة من الخواطر الروحية

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بلوغ ص ٤٢ .

٣٣١

المتراكمة التي تصبح جزء من شخصية الإِنسان بعدُ ، ولا تستطيع أن تصبح جزء من شخصيته بواسطة إجراء تحوير شكلي أو ظاهري . . . لأن العقد مؤلمة جداً ، والصراع دائب بينها وبين روح الفرد . هذه ا الخواطر الروحية المتراكمة قد تنشأ في الإِنسان نتيجة لتجارب مختلفة ، فبدلاً من أن يطردها من دماغه أو ينسى شعوره الخاص نحوها يودعها في ضميره الباطن وفي زاوية اللاشعور ثم يتذكرها بالتدريج . في حين أن تجددها يبعث الألم والقلق في صاحبها»(١) .

أمارة النقص :

إن الأنانية التي يتّسم بها الأفراد المغرورون والمتكبرون ، لهي أمارة على النقص المعنوي وانخفاض المستوى الأخلاقي عندهم . إن هؤلاء الأفراد يصابون بعقدة الحقارة عندما يجدون أن المجتمع لا يعير اهتماماً لتوقعاتهم الفارغة ، وعندما يرون نتائج فشلهم صريحة في تحقير الأفراد إياهم .

لقد قال الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في ذلك : «كفى بالمرءِ منقصةً أن يعظّمَ نفسَه»(٢) .

وعنه أيضاً عليه‌السلام : «كفى بالمرءِ غروراً أن يثِقَ بكلّ ما تُسوِّل له نفسُه»(٣) .

وعنه أيضاً : «منَ سأل فوق قدره ، استحقّ الحرمانَ»(٤) .

حل العقدة النفسية :

إن مرض هذا الإِنسان ناشىء من نفسه ، وعلاجه بيده . إنه لو استعان بالعقل والمنطق ، وتنبه إلى فساد التربية التي درجع عليها ، وزكى نفسه

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٢٩ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٥٥٨ .

(٣) نفس المصدر ص ٥٥٨ .

(٤) المصدر السابق ص ٦٦٥ .

٣٣٢

وطهرها ، وترك الإِستعلاء والتكبر ، ونسي عبادته لذاته ، وأعطىٰ نفسه ما تستحق . . . فان الأستار المظلمة سترفع ، والغيوم الكثيفة ستنقشع ، وتنتهي المآسي .

أما لو ثبت على خطأه ، وأصرّ على عبادة ذاته ، وأغفل نداء عقله ، ولم يعرف قدر نفسه ، وظل يظن نفسه عزيزاً ومدللاً ، يتوقع الإِحترام والتكريم من الجميع . . فان الإِنهيارات المتتالية ستحطم شخصيته ، وتضيق العقد المؤلمة الخناق عليه . فيبدأ بالتخطيط للإِنتقام لتدارك حقارته . . . يحتقر الآخرين ويتكبر عليهم ، ويقابل إهمال الناس وتحقيرهم بالإِهمال والتحقير أيضاً .

عندئذ تشدّد المصيبة ويتسع الخرق على الراقع لأن الإِنحراف الخلقي ، يزداد في المجتمع . ذلك أنه عندما يبتلى المصابون بالغرور بداء التكبر ، وتستأصل فيهم النخوة المستندة إلى الجهل فأنهم يواجهون مشاكل جديدة ويصطدمون بآلام شديدة .

إن الذي يصاب بالتكبر وينظر إلى المجتمع بعين الحقارة والذلة ، يواجه بلا ريب رد فعل مشابه من الناس ، فيأخذ المجتمع باحتقاره وعدم الإِعتناء إليه . وهذا هو أفضل جزاء للمتكبر .

قال الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «مَن تكبّر على الناسِ ذلَّ»(١) .

التكبر وظلمة العقل :

لا تقف آلام هذه الطائفة من المصابين بداء التكبر عند حد احتقار الناس إياهم ، بل إن عقدة الحقارة والآلام الروحية الناشئة منها تؤدي في بعض الأحيان إلى أمراض روحية وعصبية شديدة .

«لقد أكد (آدلر) في التحقيقات التي أجراها بصدد الآلام الناشئة من عقدة الحقارة على دور الوضع الروحي للتعليم والتربية ،

____________________

(١) تحف العقول عن آل الرسول ص ٨٨ .

٣٣٣

والإِعتناء بالشخصية ، في نشوء كثير من الأمراض الروحية والعصبية»(١) .

إن التكبر من أعظم الحجب الذي تُسدل على العقل فتؤدي إلى ظلمته وكلما كان نفوذ هذه الصفة الذميمة في روح الفرد أقوى كان حرمان العقل من إدراك الحقائق ورؤية الواقع أشدّ .

إن المتكبرين يقدمون في سلوكهم على أعمال غير عقلانية ، وربّما أدى الأمر إلى الجنون . لقد صرّحت الأحاديث بذلك واعتبرت التكبر آفة عظيمة من آفات العقل ، تؤدي إلى نقصه وضعفه .

فقد قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «شرُّ آفاتِ العقلِ الكبرُ»(٢) .

وعن الإِمام الباقر عليه‌السلام : «ما دخل قلبَ امرءٍ شيء من الكبر إلا نقَص من عقله مثلُ ما دخله من ذلك ، قلّ أو كثر»(٣) .

في العلم الحديث :

يرى العلم الحديث أيضاً أن التكبر من الأمراض الروحية ، وأن المتكبرين مصابون بنوع من الجنون في نظر العلم ، حتى أن بعض العلماء يعدّونهم في عداد سائر المجانين .

«في بعض الموارد يأخذ الهذيان ـ أي أسلوب التفسير الباطل ـ طبيعة أُخرى ، ويرتبط باختلال الأخلاق والإِدراك . في هذه الحالة يصبح الشخص متكبراً ومحباً للشر ، فيسيء الظن بمن حوله وبالتدريج يتأصل هذا الإِتجاه في دماغه . عندما تقف الأمور عند هذا الحد فاننا نجابه إنساناً شديد الحساسية . أما إذا ظهرت بصورة ملموسة فقد تنتهي إلى الهذيان الحقيقي وردود الفعل المعاكسة للمجتمع» .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بيماريهاي روحي وعصبي ص ٤٢ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٤٤٨ .

(٣) سفينة البحار للقمي ص ٤٦٠ ـ مادة (كبر) .

٣٣٤

«لقد بحث العالمان (سريو وكاپ گرا) هذه الأمور بصورة مفصلة تحت عنوان (الهذيان في التفسير) . هؤلاء المصابون لا يبدو عليهم الجنون لأول وهلة ، لأنهم لم يفقدوا قدرتهم على الإِستدلال ، وإن الذي يتحدث معهم يتصور أنهم مفكرون ومتعمقون في القضايا ولهذا السبب بعينه فقد كانت هذه الحالات تسمى في السابق بـ (الجنون المعقول) . إن اصطلاح (الجنون الجزئي) يشير إلى هذه المظاهر . إن الإِختلال الأساسي الذي يوجه هذا الميل الروحي عبارة عن حالة نفسية ناشئة من التكبر ، بحيث تمنع المصاب من أن يكون حيادياً في تحكيمه ، فيتّهم البعض بدون دليل ما بكونهم عقبة في سبيل تحقيق أهدافه ، هذا الإِختلال الذي يختص بميزات معينة يشاهد في الحياة الإِعتيادية خصوصاً في الحياة السياسية ، الذي تجد فيها الأحقاد والأهواء والأغراض الشخصية الميدان الوسيع لنشاطها . يكون الميل للسيطرة والتكبر أوضح عند البعض ، لأن ضمائر هؤلاء تكون مصابة بنوع من التخدير والشلل ، ولذلك فأن كل ما يرغبون في تحقيقه يبدو لهم أنه عين الصواب ، ولكنهم ينتقدون سلوك الآخرين بشدة ، كل من يخالفهم أو لا يخضع لأعمالهم الطائشة يعتبرونه عدواً يتصورون أنه يؤلمهم كثيراً في حين أنهم هم الذين يؤلمون الآخرين»(١) .

المجنون حق الجنون :

روي جابر بن عبد الله الأنصاري أنه : «مرَّ رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برجلً مصروع وقد اجتمع عليه الناس ينظرون إليه . فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : على ما اجتمع هؤلاء ؟ .

فقيل له : على مجنونٍ يُصرعَ .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بيماريهاي روحي وعصبي ص ٣٣ .

٣٣٥

فنظر إليه فقال : ما هذا بمجنون . ألا أخبركم بالمجنون حق الجنون ؟!

قالوا : بلى يا رسول الله .

قال : إنّ المجنونَ حقَّ الجنون : المتُبختِرُ في مَشْيِه ، الناظرُ في عِطفيه ، المحرّكُ جنبيه بمنكبيه . فذاك المجنونُ وهذا المبُتلى»(١) .

التكبر وضعف العقل :

إن المصابين بداء التكبر يرون إلى جميع أعمالهم نظرة الاستحسان ، ويتوقعون من الجميع أن ينقادوا إليهم ويقتدوا بسلوكهم ، ويصدّقوا جميع أقوالهم ، ومن يخالفهم في ذلك فهو مجنون في عرفهم ، حاقدٌ لا يستطيع رؤية ما هم عليه من الفضيلة والكمال ! وهذا نفسه أعظم علائم ضعف العقل .

ففي الحديث : «العُجب درجات . منها أن يُزيَّن للعبد سوءُ عمله فيراه حسناً فيُعجبه ويجب أن يُحسن صنعاً»(٢) .

وعن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : إعجابُ المرءِ بنفسه يدلّ على ضعف عقله»(٣) .

فقر الانسان وحاجته :

إن الكبرياء والعظمة لله فقط ، لأنه هو الغني بذاته ، لا طريق للفقر والإِحتياج إلى ذاته المقدسة فهو الكمال المطلق . . . وجميع الموجودات محتاجة إليه .

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(٤) .

الإِنسان الذي يفقد القدرة على المقاومة في قبال الجوع أو العطش ، أو

____________________

(١) معاني الأخبار ص ٢٣٧ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٣١٣ .

(٣) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٧ ص ٧٩ .

(٤) سورة فاطر ؛ الآية : ١٥ .

٣٣٦

الحرّ أو البرد . . . الشخص الذي يهرب من وجه الوحوش المفترسة ، والحشرات المؤذية . . .

الموجود الذي كله ضعف وعجز . . . لا يملك العظمة الحقيقية والكبرياء الواقعية حتى يدعوه ذلك : إلى التجبر والتبختر .

فإذا عرف الإِنسان حدّه ، وأدرك حقيقته ، ولم يتجاوزها . . . فانه لا يصاب بداء التكبر والغرور أبداً ، ولا ينظر إلى عباد الله نظرة الإِستخفاف والإِحتقار ! .

وعلى العكس فان الإِنسان الذي يجهل حدّه ، لا يرى في الوجود أحداً غير نفسه ، ولا يفكر في شيء غير إرضاء ميوله وتحقيق مصالحه الشخصية . . إنه لا يقيم وزناً لسعادة المجتمع . ولذلك فلا يتورع من الإِقدام على الجرائم العظيمة .

«إن موضوع الميول الشخصية التي نعبّر عنها بالغرور والأنانية عبارة عن وجودنا بكلا شطريه : الجسمي والنفسي وإذا كانت الميول الإِجتماعية تدعونا إلى نشاطات لصالح المجتمع وتحقق الخير والنفع للجميع ، فان الميول الفردية تهمل شأن المجتمع تماماً . إنها لا تنظر في نشاطاتها إلا إلى وجود الفرد ومنافع (الأنا) فقط ، فيتذكر حقوقه جيداً لكنه ينسى واجباته . عندئذ يظهر الإِجرام بصور مختلفة من الميول الفردية كالتكبر ، والإِهتمام بالذات ، والرغبة في الحصول على الثورة ، وغير ذلك . إن المتيقن هو أن جميع هذه الميول تنبع من حب الذات وعبادة الشخصية ، وهي التي تدفع الفرد إلى التضحية بالآخرين في سبيل نفسه»(١) .

النصائح المناسبة :

من الخدمات العظيمة التي يقوم بها الرجال العظماء والساهرون على

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ جنايت ص ١٧ .

٣٣٧

مصلحة المجتمع ، قيامهم بإسداء النصائح اللازمة في الأوقات المناسبة إلى المتكبرين والمغرورين . . . حيث أنهم بنصائحهم الثمينة ينزلونهم من صهوة غرورهم ولو بضع ساعات . وهناك شواهد تاريخية كثيرة على ما نقول .

لقد كان (المنصور الدوانيقي) من الخلفاء المتجبرين في السلسلة العباسية . لقد جعلت ذبابة يوماً وجهه مسرحاً لنشاطها وتنقلُّها ، فقد أخذت تطير من شفته إلى عينيه ، ومن عينيه إلى أنفه ، ومن أنفه إلى جبهته حتى ضاق بها ذرعاً وتألم كثيراً . فقال لخدمه : أُنظروا من ينتظرنا بالباب ، فقالوا له : مقاتل بن سليمان .

كان مقاتل ـ هذا ـ من كبار المحدثين والمفسرين في ذلك العصر فأمر المنصور بالسماح له في الدخول . وما أن دخل حتى وجّه له المنصور السؤال التالي :

«هل تعلم لماذا خلق الله الذباب ؟! .

قال : نعم . ليذلّ الجبابرة !

. . . فسكت المنصور»(١) من هذا يظهر أن كلام مقاتل أثر فيه ، فقد وجده مطابقاً للحقيقة ، ومنسجماً مع الحالة السابقة التي كان عليها .

ونموذج آخر نجده في قصة المهلب بن أبي صفرة والي عبد الملك بن مروان على خراسان . فقد كان في بعض الأيام مرتدياً ثوباً من خز ، ويسير في الطرقات بكبرياء وتبختر . فقابله رجل من عامة الناس وقال له : يا عبد الله ، إن هذه المشية مبغوضة من قبل الله ورسوله .

فقال له المهلب : أما تعرفني ؟ .

قال : بلى أعرفك . . . أولك نطفةٌ مذِرةٌ ، وآخرك جيفة قذِرة ، وأنت بين ذلك تحمل عذَرة .

فمضى المهلب وترك مشيته تلك ، دون أن يتعرض للرجل بسوء(٢) .

____________________

(١) حياة الحيوان للدميري ج ١ ص ٢٥٥ .

(٢) مجموعة ورام ج ١ ص ١٩٩ .

٣٣٨

درجة من الالحاد :

إن التكبر من أعظم الصفات الذميمة في الإِسلام . وقد وردت في ذلك آيات وأحاديث كثيرة يحتاج نقلها جميعاً إلى وقت طويل ، لكني سأكتفي بحديث واحد في نهاية المحاضرة فقد سأل الراوي الإِمامَ الصادق عليه‌السلام عن أدنىٰ الإِلحاد ، فقال : «إن الكِبرْ أدناهُ»(١) .

في هذا الحديث نجد أن الإِمام الصادق لم يعتبر التكبر صفة ذميمة فحسب ، بل اعتبره مرتبة من مراتب الكفر والإِلحاد . وأنه يريد أن يقول : أن المتكبر يكون قد خطا الخطوة الأولى في طريق الإِلحاد والمروق عن الدين .

الخلاصة :

يجب على الوالدين أن يبذلا الدقة الكاملة في تربية أطفالهما ، ويراعيا الإِعتدال في معاملتهم بالحب والحنان ، والتشجيع والمدح . لأن الإِفراط في ذلك يؤدي إلى نشوء الأطفال على الغرور والتكبر ، ولا يخفى ما في ذلك من مشاكل وآلام .

لقد نصح لقمان الحكيم ابنه قائلاً له : «ولا تصعّر خدّك للناس ، ولا تَمشِ في الأرض مرحاً . إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور»(٢) .

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٣٠٩ .

(٢) سورة لقمان ؛ الآية : ١٨ .

٣٣٩

المحاضرة التاسعة والعشرون

الاعتدال في التواضع

قال الله تعالى في كتابه الحكيم : (. . . وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)(١) .

الإِفراط في التواضع ، والركون إلى الذلة والتملق ، مظهر آخر من ردود الفعل التي تحصل عند المصابين بعقدة الحقارة . وهو مذموم ومستهجن في نظر العلم والدين . وسنتحدث في هذه المحاضرة حول هذا الموضوع النفسي والإِجتماعي المهم آملين أن يقع موقع الفائدة لدى الجميع .

التواضع :

وقبل أن ندخل إلى صلب الموضوع نمهد له بذكر نكتة مهمة ، وهي أن التواضع من الصفات الحميدة والسجايا المفضلة في نظر الإِسلام . يجب على كل مسلم في أُسلوب معاشرته مع الآخرين أن لا يحذر من التكبر والإِستعلاء فقط ، بل عليه أن يكون متواضعاً بالنسبة إلى غيره ويحترم شخصيات الآخرين على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم .

ولقَد وردت أحاديث كثيرة في التواضع وبيان القيمة الأخلاقية والإِجتماعية

____________________

(١) سورة المنافقون ؛ الآية : ٨ .

٣٤٠