🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
🚖 الجزء ١ 🚖 الجزء ٢
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

إن الأطفال الذين يصابون بعقدة الحقارة في مثل هذه الظروف يحاولون تدارك حرمانهم بصورة مختلفة من الإِنتقام . وقد ينتهي ذلك بثمن حياة الأب المتزمت أو تمني موته على الأقل .

قال أبو الحسن الرضا عليه‌السلام : «ينبغيّ للرجل أن يوسّع على عياله لئلا يتمنَّوا موته»(١) .

هؤلاء ينتقمون بواسطة الحرق أو الكسر أو التهديم وبصورة موجزة تفتيت ثروة آبائهم وتدميرها ، وقد يقدمون على سرقة أموالهم ، وبذلك ينتقمون من سلوكهم الظالمَ تجاههم ، ويجبرون ما تجرعوه من التحقير والحرمان .

يقول الدكتور آلاندي : «يجب أن نمتنع عن كل ظلم تجاه الطفل حتى لا ينشأ على السرقة . إن كل طفل يصبح سارقاً لا بد وأنه قد غُبن حقه في يوم من الأيام وقوبل بالتجاوز والظلم . ليس من الضروري أن يكون هذا التجاوز حقيقياً ، بل من الممكن أيضاً أن يتخذ صورة مجازية وتصورية . . . وقد يكون تصوراً طفولياً إلى درجة أن الكبار لا ينتبهون لذلك أبداً ، ولكن هذا كله لا يمنع من أن يترك آثاره العميقة والمؤلمة على روح الطفل» .

«إذا حاولنا أن نعمل على اقتلاع جذور السرقة ، فيجب أن نحيي في الطفل منذ البداية ذلك الشعور بالحقد والإِنتقام الناشىء من حرمان سابق ، ثم نعمل على تدارك الحرمان وعلاجه» .

«هناك بعض الاطفال يصرفون النقود التي سرقوها على أصدقائهم بكل سخاء ، وهذا يدلنا على أنهم يرغبون في الإِنتقام من التحقير الذي كانوا يقابلون به ، فيشعرون عند ذاك بأنهم ذوي مكنة مادية عالية ، يستطيعون جلب قلوب الناس نحوهم بها» .

«لقد وجدت بنفسي طفلاً في الثانية عشرة من عمره يسرق نقود

____________________

(١) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ١٣٢ .

٣٠١

الآخرين ولكنه يشتري لأطفالهم الذين كانوا أصغر منه سناً بعض اللُعب والدُمى . وتبين بعد ذلك أن أبوي هذا الطفل كانا لا يشتريان له وسائل اللعب في الصغر ، وهو الآن يريد تدارك الحرمان الذي كان يلاقيه والظلم الذي كان يتجرعه بهذه الصورة»(١) .

يجب على الموسرين أن يوسعوا على أطفالهم إتباعاً منهم لتعاليم الإِسلام ، ويعملوا على تلبية رغباتهم وحاجاتهم الطبيعية فيحفظوا بذلك شخصيتهم من الإِصابة بعقدة الحقارة ، ويجنّبوا أنفسهم من ويلات الإِنتقام الناشىء من الشعور بالحرمان في الأمور المعيشية .

السخرية والاستهزاء :

إن الوسيلة الأُخرى من وسائل الإِنتقام والثأر لتدارك الإِنهيار الداخلي بالنسبة إلى المصابين بعقدة الحقارة هو السخرية والإِستهزاء والنقد اللاذع واللوم الشديد تجاه الآخرين .

«إن التلميذ المتخلف في دروسه بسبب من إهماله أو قلة ذكائه ، ينتقم من الآخرين بالإِستهزاء منهم ورميهم بالنكات المشوبة بالسخرية . الكل يضحكون ويلتفون حوله ، وهو يزداد مهارة وشهرة في المزاح ويتلذذ بالإِنتقام أكثر ، فيتصور ـ خطأ ـ أن هذه اللذة التافهة تستطيع أن تحل محل أبسط نجاح» .

«من البديهي أن هذا الفرد لا يلتفت إلى الدافع إلى سلوكه هذا ، أي أنه لما كان يعجز عن إحراز النجاح في أي فرع أو مهنة فهو يسخر من زملائه من حيث لا يشعر ، ويرضي ضميره بذلك ، ولكنه لا يحصل على نتيجة سوى تحقير نفسه والحط من منزلته في أنظار الآخرين . إن مما يؤسف له أن هذه النماذج ليست مقتصرة

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٧٢ .

٣٠٢

على الأطفال بل توجد في الأشخاص الكبار أيضاً»(١) .

النفاق :

جاء الإِسلام بمبادئه القيمة ، وتعاليمه القائمة على المنطق والإِستدلال ، وأخذ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤثر بسلوكه الممتاز في الناس ويجلب قلوبهم نحو دين الله وهذا ما لا يروق للمعاندين ، فأدى التقدم السريع للإِسلام واعتناقه من قبل العرب وغيرهم إلى شعورهم بالحقارة والضعة . إنهم كانوا لا يرغبون في الخضوع للنبي والإِنقياد لحكمه من جهة ، ومن جهة أُخرى فانهم كانوا لا يتسطيعون الإِستمرار على الحياة في قبال قدرة المسلمين المتعاظمة . . . فاضطروا إلى اعتناق الإِسلام في الظاهر ، لكنهم كانوا في الباطن يضمرون أشدّ الحقد والعداء له .

لقد عبر القرآن الكريم عن هؤلاء بـ (المنافقين) . إن النفاق بصورة عامة دليل على الضعف والحقارة الموجودة في باطن الشخص .

قال علي عليه‌السلام : «نفاق المرء مِن ذلّ يجده في نفسه»(٢) .

إن المنافقين الذين كانوا يحترقون في نار الحقارة كان عليهم أن ينتقموا لتدارك الإِنهيارات الباطنية . فعندما يئسوا من قتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتحطيم قوة المسلمين لجأوا إلى الوسائل الأُخرى . إن الإِستهزاء والسخرية والطعن والإِهانة أحد وسائل الإِنتقام . فأخذ المنافقون بالإِستهزاء من المسلمين بصورة علنية كلما قدروا على ذلك . أما عندما كانوا لا يجرأون على الإِستهزاء علناً فانهم كانوا يجتمعون فيما بينهم ويحاولون تبرير مواقفهم بأنهم يسخرون من المسلمين . . . (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)(٣) .

____________________

(١) رشد شخصيت ص ٩٧ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٧٧٧ .

(٣) سورة البقرة ؛ الآية : ١٤ .

٣٠٣

تدارك الفشل :

يحاول الطفل الذي وقع موقع السخرية والإِهمال أن يتدارك الفشل الذي لاقاه ، فيظهر شخصيته مستغلاً فرصة وجود الضيوف فيثأر لكرامته . عندما تكون الأم خائضة في حديث مع الضيوف دون اعتناء إلى الطفل ، فانه يشاغب ، يحطم الأبواب ، يكسر النوافذ ، يصبح ويبكي ، يتكلم بعبارات تافهة لا معنى لها . . . كل ذلك لكي يحول دون سماع الضيوف لكلام أُمه ، ويقطع حديثهم . إنه يريد جلب إنتباه الآخرين إلى نفسه بهذه الأعمال ، إنه مسرور لقدرته على كشف شخصيته ، ويتلذذ كثيراً على نجاحه .

كذلك الكبار فانهم يقدمون على هذه الأفعال الصبيانية في بعض الأحيان لغرض الإِنتقام . كثيراً ما يصادف أن شاباً يتعلق قلبه بحب فتاة ويخطبها من أهلها ، لكن الفتاة لا تراه كفواً لها لجهات عديدة فتحتقره بردّ خطبته . يفكر الشاب الفاشل في تدارك الحقارة ، ويعمد إلى الإِنتقام والثأر لكرامته . قد يقوم بعضهم ليلة زفاف الفتاة بإحداث ضجيج وصخب ، أو يحطم المصابيح ويكسر النوافذ ، أو يقوم بأعمال تخريبية أُخرى بغية تبرير فشله وإرضاء ضميره المندحر .

هذا السلوك يشابه تماماً سلوك الكفار المندحرين في صدر الإِسلام ، إذ قاموا بأعمال صبيانية تافهة بغية الإِنتقام من الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ليتداركوا بذلك حقارتهم الباطنية ، فكانوا يثيرون الشغب واللغط عند قراءة النبي القرآن الكريم .

«وقال الذين كفروا : لا تسمعوا لهذا القرآن ، والْغَوا فيه لعلكم تَغلبون» لقد كانت قراءه القرآن من أعظم الوسائل لنشر الدعوة الإِسلامية . فعندما كان ينتشر اللحن البديع للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند قراءة القرآن في الفضاء ، كان الناس يستمعون بكل رغبة وشوق إلى ذلك الصوت العذب ، وكانت تبهرهم ألفاظ ذلك الكتاب السماوي ومعانيه . أما الكفار الذين كان يتألمون من تقدم الإِسلام وكان ذلك يبعث الحقارة والذلة في نفوسهم فانهم كانوا يوصون

٣٠٤

أصحابهم بإحداث اللغط والصخب عند قراءة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للقرآن ، وكانوا يأمرونهم باللغو والشغب . . . حتى تختلط أصواتهم بصوت النبي فيستطيعوا بذلك من الغلبة على دين الله .

النقد اللاذع :

إن توجيه النقد اللاذع إلى الآخرين وسيلة أُخرى من الوسائل التي يستخدمها المندحرون والمصابون بعقدة الحقارة لغرض الإِنتقام وتدارك الحقارة التي هم عليها .

ولنعترف سلفاً بأن النقد(١) يعتبر من أفضل وأهم وسائل التكامل الفردي والإِجتماعي . إذ لا شك في أن الأمة التي يستطيع الأفراد فيها توجيه النقد المفيد إلى الآخرين وتذكيرهم على نواقصهم وعيوبهم ، سالكة طريق التقدم والتكامل .

قال الإِمام الصادق عليه‌السلام : «أحبُّ إخواني إليّ مَن أهدى إليّ عيوبي»(٢) .

وللإِمام موسى بن جعفر عليه‌السلام حديث حول تقسيم ساعات الليل والنهار ، يقول فيه : «وساعةً لمعاشرة الإِخوان والثقات الذين يعرّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن»(٣) .

يعتبر موضوع النقد من المسائل الإِجتماعية المهمة التي لسنا بصددها الآن . إلا أننا نريد القول بأن الأفراد يتخذون من هذا العامل الكبير المؤدي إلى

____________________

(١) لا بد من الإِشارة هنا إلى النقد نوعان : بنّاء وهدّام .

أ ـ النقد البنّاء : هو الذي يهدف إلى تدارك النواقص الموجودة في سلوك الآخرين ، حتى تتآزر القوى الإِجتماعية في بناء الشخصيات المتكاملة . وهذا هو الممدوح ، والمقصود من أنه أحد وسائل التكامل الفردي والإِجتماعي .

ب ـ النقد الهدام : وهو الذي يهدف إلى تتبع نقائص الآخرين لغرض السخرية منهم ، أو التنّدر بأفعالهم . وهذا مذموم بلا شك وهو المقصود بكونه أحد وسائل الإِنتقام لتدارك الحقارة .

(٢) تحف العقول عن آل الرسول ص ٤٠٩ .

(٣) تحف العقول عن آل الرسول ص ٣٦٦ .

٣٠٥

السعادة ، حرية للإِنتقام وسلاحاً لحل عقدة الحقارة من ضمائرهم وهذا أمر شائع بين الأفراد ، أطفالاً وشباباً ، وشيوخاً . . .

لنتصور طفلاً ضعيفاً يلعب مع عدة أطفال أقوياء ونشطين . إنه يفشل في اللعب بسبب من ضعفه أو نقصه العضوي أو تكاسله ، وبذلك يشعر بالحقارة في نفسه فينزوي عنهم ويترك اللعب . ولكن حين يسأله أبوه أو باقي أفراد الأسرة عن سبب تركه اللعب معهم فانه يجيب بأنهم سيئو الأخلاق . . . يتكلمون بكلمات بذيئة . . . يغمطون حقي . . . وبصورة موجزة فانه ينتقدهم ويجبر بذلك فشله وانهياره .

كذلك التلميذ الذي لم يجهد نفسه في الدراسة ، والذي يعجز على أثر ذلك من الإِجابة على الأسئلة التحريرية أو الشفوية للمعلم ، يحصل على درجة واطئة فيندحر أمام زملائه ويشعر بالحقارة والدونية ، يأتي إلى البيت باكياً ويقول لأُمه : سوف لن أذهب إلى هذه المدرسة . وعندما يُسأل عن السبب يقول : إن المعلم يتصعب كثيراً ، ويتعمد إيذائي . . . له عداء شخصي معي . إن التلميذ يستر فشله بهذه الكلمات المشوبة بالنقد اللاذع الباطل .

شاب متفرغ من الدراسة الإِعدادية يقدم على الجامعة ، ويشترك في إمتحان القبول ولكنه بالنظر إلى انخفاض مستواه العلمي يجيب على بعض الأسئلة إجابات خاطئة ويرسب في النهاية ، إنه يتألم لنقص معلوماته ورسوبه أمام زملائه وأصدقائه وأقاربه فيشعر بالحقارة ولكنه لا يرضى بالإِعتراف بانخفاض مستواه العلمي ، فيبدأ بالإِنتقاد لتدارك الإِنهيار النفسي . يقول : لا توجد مقاييس في بلادنا ، إن التقدم منوط بالوسائط ، والرشوة . . . الخ وأنا لا أملك صديقاً ولا واسطة فمن البديهي أن أرسب . وبهذه الكلمات التافهة يخفي حقارته وينتقم من الأشخاص الذين تسببوا في منعه من الدخول في الجامعة .

كذلك الرجل الكاسب الذي كان توقيعه معتبراً في البنوك ، وكان يشتري البضائع والأجناس من المتاجر بأجل ، عندما تضطرب أحواله المادية وتسقط كمبيالاته عن الإِعتبار يمتنع التجار من بيعه البضاعة إلى أجل . وهذا يؤدي إلى

٣٠٦

تحطيم شخصيته ، فيشعر بالحقارة ويحاول الإِنتقام . فيبحث عن عيوب التاجر الذي سلب الثقة عنه . إنه يقول عنه : إنه متجاوز ، إنه يأكل الربا أضعافاً مضاعفة ، إن متجره مقر للمنحرفين والعاطلين وما شاكل ذلك من العبارات التي يحاول بها أن يتدارك الحقارة التي هو عليها .

الرقابة العامة :

النهي عن المنكر من الفرائض الإِسلامية المهمة . . . .

النهي عن المنكر عبارة عن رقابة عامة على جميع شؤون المجتمع . . .

النهي عن المنكر نقد بنّاء ونزيه يستطيع حفظ المجتمع من الإِنهيار والسقوط . لكن من الشروط الأساسية للنهي عن المنكر ، صفاء النفس والإِستقامة عند الشخص الناهي .

لقد ورد بهذا المضمون عن الإِمام الصادق عليه‌السلام أنه قال : «مَن لم يتسلّخ من هواجسه ولم يتخلص من آفات نفسه وشهواتها ، ولم يهزم الشيطان ولم يدخل كنَف الله وتوحيده وأمان عصمته . . . لا يصلح له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»(١) .

قد يتشبث بعض الأفراد الذين يظهر منهم الصلاح عندما يقعون في عقدة الحقارة بالنهي عن المنكر للإِنتقام وتدارك الإِنهيار الداخلي . إنهم يحاولون البحث عن عيوب الأشخاص الذين سببوا لهم التحقير ، فيذكرون ذنوبهم ، وقد يوجهون اللوم والتقريع إليهم أمام ملأ من الناس ، ظانين أنهم يطيعون الله بعباراتهم المسمومة التي تنبع من الحقارة التي يئنون من ويلاتها . . غافلين عن أن أساس عملهم ذاك يستند إلى الشعور بالحقارة ، وأن النهي عن المنكر ليس إلا درعاً لإِخفاء الرغبة في الإِنتقام وراءه .

يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «من أخطأ وجوهَ المطالب إن تطهير القلب من تلويث الذنوب وتنزيه الضمير الباطن من السيئات الخلقية والنوايا

____________________

(١) المحجة البيضاء في إحياء الاحياء للفيض الكاشاني ج ٤ ص ١٠٩ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٧ ص ١٣٨ .

٣٠٧

الفاسدة ، وإتيان العمل بكل جد وإخلاص لله تعالى إنما هو أعظم الذخائر للإِنسان عندما يفد على خالقه . . . في حين أن الوصول إلى هذا الأمر المقدس أمر صعب .

قال علي عليه‌السلام : «تصفيةُ العمل أشدُّ من العمل»(١) .

رجال لا يندحرون :

إن الرجال العظماء ذوي الشخصية الرصينة لا يخسرون المعركة إذا وقعوا موقع السخرية والتحقير من قبل الآخرين ، ولا يؤدي ذلك إلى شعورهم بالحقارة والضعة . . . إن قلوبهم كالمحيط العظيم الذي لا تستطيع الأوساخ والقذارات أن تؤثر فيه وتكدر صفو مائه . إنهم لا ينتقمون من المحتقرين لهم أبداً .

لقد كان أبو هريرة من المعارضين لحكومة الإِمام علي عليه‌السلام . لقد كان في الأسابيع الأولى من خلافة الإِمام يجلس على مقربة من أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ويتكلم بكلمات مشوبة بالتحقير في حديثه مع أصحابه . وكان يصر على أن يتكلم بصوت عالٍ جداً بحيث يسمع الإمام تلك الكلمات . لقد تألم أصحاب الإِمام الذين شهدوا المنظر . وفي اليوم الثاني جاء أبو هريرة طالباً بعض الحوائج من الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فلبى جميع حوائجه .

عند ذاك عاتبه أصحابه على ذلك . فقال :

«إني لأستحيي أن يغلب جهلُه علمي ، وذنبُه عفوي ، ومسألتُه جودي»(٢) .

إن علياً عليه‌السلام أعظم من أن يتغلب عليه أمثال أبي هريرة بالكلمات المشوبة بالسخرية والتحقير . . .

إنه أجلّ من أن تؤثر فيه أحاديث الحقراء والجبناء ، وتولد في نفسه الشعور بالحقارة والضعة حتى يفكر في الإِنتقام .

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٣٤٧ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٩ ص ٥١٩ .

٣٠٨

إنه يبغض النظر عن زلّة أبي هريرة ، ويقوم بقضاء حوائجه دون تردد . ولقد قال عليه‌السلام : «قلّة العفوِ أقبحُ العيوب . والتسرُّع إلى الإِنتقامِ أعظمُ الذنوب»(١) .

إن أسوأ رد فعل يظهره الفاشلون والمصابون بعقدة الحقارة هو الرغبة في الإِنتقام ، إذ أن من الممكن أن يقوموا بذنوب عظيمة عن هذا الطريق نكتفي بما ذكرنا في توضيح هذا الموضوع ، لننتقل في ختام المحاضرة إلى ردود الفعل الأُخرى .

العجز حافز للتقدم :

يعتبر الشعور بالعجز والحاجة عاملاً فعلاً في الأمم النشيطة والواعية نحو التقدم والتكامل والإِستمرار في النشاط . إذ لو لم ير الإِنسان نفسه ضعيفاً أمام قوى الطبيعة لم يكن بمقدوره أن ينهض للكفاح ويتسبب في هذا التحول الهائل في حياة الإِنسانية جمعاء ! .

إن عجز الإِنسان تجاه الأمراض والآلام الشديدة هو الذي دفعه لإِختراع علم الطب واكتشاف العقاقير المفيدة لأنواع الأمراض ، وبالتدريج وصل هذا العلم إلى الدرجة التي يحتلها من الأهمية . وكذلك عجزه أمام أمواج البحر العاتيه هو الذي دعاه إلى صنع البواخر الضخمة القاطعة للمحيطات . إن عجزه في قبال شدة البرد أو الحر هو الذي حفز فيه عوامل الإِهتمام ببناء القصور الضخمة المجهزة بوسائل التبريد أو التدفئة المركزية . كذلك اختراعه القوة الكهربائية واستخدام ذلك في الاضاءة وسائر الأغراض وليد الحاجة الملحّة التي كان يحسّ بها عند فقدان النور ليلاً . . . وبصورة موجزة فان شعور الإِنسان بالضعف والعجز والحقارة والحاجة أدى إلى أعظم حركة ، وسبب أكبر التحولات العلمية والصناعية في العالم .

التغافل عن النقص :

هناك كثير من الأفراد الواعين يشعرون بالحقارة في أنفسهم بسبب من

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٥٣٧ .

٣٠٩

العيوب والعاهات العضوية التي تميزهم عن غيرهم ، لكن هذا الشعور لم يقدر على تحطيم شخصياتهم نحو الكمال حتى وردوا ما كانوا يقصدون إليه وتغافلوا عن النقص الذي هم فيه ، وبذلك كشفوا عن جدارتهم وكفاءتهم لأنهم أصبحوا أعضاء نافعين في المجتمع .

يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام : «عظمّوا أقداركم بالتغافُلِ عن الدنيّ من الأمور»(١) .

«إن النكتة الأُخرى التي تعتبر مفيدة للجميع لمقاومة الشعور بالحقارة ، وإحراز النجاح في الإِتصال بالناس هي أن ننسى أنفسنا في احتكاكنا بالآخرين ، وأن نتغافل عما يعتقده الآخرون فينا والزاوية التي ينظرون منها إلينا ، فيجب أن لا نتوقع أن يجري الحديث عنا ، وعن صفاتنا ، وأذواقنا ، بل يجب علينا أن نتحدث عن الآخرين وعما يرغبون فيه» .

«إذا تناسينا أنفسنا لحظة واحدة فقد استطعنا رفع حجاب معتم عن أعيننا ، ونرى الحياة بعد ذلك مضيئة مشرقة ، فنكتشف فضائل الآخرين ونبدأ بمدحهم عليها وتشجيعهم بالاستحسان والترغيب»(٢) .

إذا أصيب شاب بشعور الحقارة لعدم استواء هندامه ، فان أفضل أسلوب لمقاومة ذلك أن يحاول الوالدان قدر المستطاع صرفه عن التفكير في ذلك النقص ، وحثّه على القيام بالأعمال المفيدة ، وحمايته بالتشجيع والتقدير . وبهذه الطريقة يمكن إحتمال النجاح في هذه المهمة إلى درجة كبيرة .

الانزواء عن المجتمع :

إن بعض الأفراد الذين يقعون في هوة الشعور بالحقارة ويتجرعون المآسي

____________________

(١) تحف العقول عن آل الرسول ص ٢٢٤ .

(٢) رشد شخصيت ص ١٢٠ .

٣١٠

والويلات من ذلك باستمرار ، يخسرون أنفسهم ويفقدون شخصيتهم فيفرّون من المجتمع كيلا يقعوا موقع السخرية والإِستهزاء . . . يختارون الإِنزواء ، ويتهربون من عبء المسؤوليات الإِجتماعية ، وبهذا الأُسلوب يتداركون فشلهم الروحي ، ويقللون من الضغط الداخلي .

«إذا أُصيب شخص على أثر زلّة أو خاطرة مؤلمة بحالة مرعبة فان نبذة حياته يمكن أن تلخص في أفكاره السلبية . وبعبارة أُخرى فان هذا بدلاً من أن يتقدم نحو الكمال والإِعتماد على النفس بواسطة الثبات والعزم يحاول الرجوع إلى دور الفراغ والإِهمال الطفولي . هذا الأسلوب يسمى في اصطلاح علماء النفس بالسير القهقرائي . لقد كان هذا الفرد في طفولته فاقداً لكل اختيار في القيام بأعماله ، وفارغاً من كل مسؤولية تلقى على عاتقه ولذلك فانه كان يعيش بفكر هادىء ، والآن حيث أصيب بالخوف والشعور بالضعة والدونية فانه يرغب في الرجوع إلى حالته الأولى» .

«هذا بعينه هو التفسير المعقول للسلوك الطفولي عند كثير من الكبار ، وهو السبب في عدم بلوغ الجيل الجديد إن فرداً كهذا لا يرغب في الرجوع إلى دور الطفولة فحسب ، بل يبقى قلقاً وحائراً في مواجهة صعوبات الحياة ومشاكلها»(١) .

الطفيليون :

إن الأفراد الذين يظهر ردّ الفعل لعقدة الحقارة عندهم في الإِنزواء والهروب من المجتمع ، يكونون تعساء وتافهين في الغالب . إنهم طفيليون يعتمدون على غيرهم في تسيير شؤونهم المادية . في حين أن الإِسلام ينقم أشد النقمة على هذه الطبقة .

ففي رواية عن الإِمام الصادق عليه‌السلام قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ملعونٌ

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٦ .

٣١١

ملعونٌ من ألقى كلَّه على الناس»(١) .

«يرغب كل فرد في الإِتصال بالآخرين ، ويأمل في أن يكون محبوباً وناجحاً في المجتمع . أما عندما لا يتحقق هذا الأمل فأن الفرار من الناس يبدو أسهل من التوافق مع الناس ، في حين أن الحقيقة غير هذا . لأن الفرار من الناس والعجز عن الإِنسجام معهم يهدىء الألم الموقت ، ولكنه لا يلبي الحاجة الغريزية والرغبة الفطرية المستقرة في أعماقنا»(٢) .

ألم الانزواء :

قد يكون الألم الروحي الناشىء من الإِنزواء والحرمان من معاشرة الناس أشد بكثير من ألم الشعور بالحقارة . لأن الشخص الذي ينزوي عن الآخرين لجهله وضعف نفسه يتصور أنه سيصون بذلك نفسه من التحقير ، في حين أنه وقع في سجن أضيق من سجن التحقير والسخرية .

قال الإِمام الصادق عليه‌السلام : «الرجلُ يجزع من الذلّ الصغير فيدخله ذلك في الذّل الكبير»(٣) أي أن شدّة جزعه تنقلب ذلاً كبيراً .

من ردود الفعل السيئة لعقدة الحقارة عند الأشخاص حب الإِنزواء عن المجتمع ، إنهم يحرمون بهذا السلوك الأهوج من النشاطات المثمرة ، ويجعلون أنفسهم طفيليين في المجتمع .

ليس الهروب من الناس بسبب من خوف التحقير والسخرية مختصاً بالكبار . إن الأطفال المصابين بالشعور بالحقارة قد يفضلون الإِنزواء نتيجة الخوف من التحقير والسخرية . حينئذ يجب على الآباء والأُمهات بذل مزيد من العناية لهؤلاء الأطفال والعمل على مقاومة الضعف الروحي الذي هم عليه . لأن الطفل في البداية يشعر بالحقارة من جانب واحد ولكي لا يحتقر من ذلك

____________________

(١) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ١٣٣ .

(٢) رشد شخصيت ص ١١٥ .

(٣) تحف العقول عن آل الرسول ص ٣٦٦ .

٣١٢

الجانب يفضل الإِنزواء . ولكن هذه الحالة النفسية تترك أثرها الفعال في سائر شؤون الطفل ، وينشأ على حب الإِنزواء ، ويفرّ من الإِختلاط بالناس . . . وهذا بنفسه يتضمن نتائج وخيمة في مستقبله .

«يقول شاختر : «ولدٌ من أقاربي كان يفضل الإِنزواء دائماً . . . كان يمشي وحده في فرص المدرسة ، ويجول في غيوم الخيال وسمائه . كان يبادر بالذهاب إلى البيت فور خروجه من المدرسة ، وكان يفر من اللعب مع زملائه . . . لم يشترك في أية جمعية خيرية ، ولم يكن يدعو أحداً إلى داره كما كان لا يذهب ضيفاً لأحد . كان يقول : أحب مكتبتي وغرفة عملي أكثر من أي شخص آخر . ولكن الحقيقة هي أن ذلك الشاب لم يكن ذا مزاج سليم ، ولكي يستر ضعفه ولا يقع موقع السخرية والتحقير كان يحذر من اللعب . . . وبالتدريج فان هذه العادة جعلت منه إنساناً منزوياً في جميع المناسبات الأُخرى» .

«لو كان ذلك الولد يفهم مرضه أو أنه كان يستشير الطبيب النفسي في ذلك كان يعلم أن من الممكن أن يقوي عضلاته وجسمه ، ولو كان فاقداً للإِستعداد في بعض الألعاب الجسمانية بصورة مطلقة فأنه لا بد وأن يكون على استعداد تام للنجاح في فرع آخر بفضل سعيه واجتهاده»(١) .

إشاعة عيوب الناس :

المظهر الآخر من ردود الفعل لعقدة الحقارة ، الرغبة في نشر عيوب الآخرين وإشاعتها . إن الأشخاص الذين يشعرون بالضعف والحقارة من جانب ويتألمون في باطنهم من هذا الشعور ، يبحثون عن عيوب الآخرين دائماً ويتحدثون عن نقائص غيرهم ، وإذا ذكر تلك العيوب غيرهم فانهم يفرحون لذلك كثيراً .

____________________

(١) رشد شخصيت ص ١١٦ .

٣١٣

قال علي عليه‌السلام : «ذَوُوا العيوبِ يُحبّون إشاعةَ معايبِ الناس ، ليتّسع لهم العذرُ في معايبهم»(١) .

إن الطالب الذي رسب في الإِمتحان على أثر التكاسل والتماهل في الدراسة لا يرضى بذكر أسماء الناجحين ، ومدحهم على نشاطهم العلمي . إنه يسعى للحصول على أسماء الراسبين ، ويحاول الإِكثار من الحديث عنهم حتى يخفف من شدة الشعور بالحقارة من جانب ، ويقلّل من سيل اللوم والعقاب المتوجه نحوه من والديه وأقاربه من جانب آخر .

كذلك التاجر الذي أصيب بعجز مالي ، ولم يستطع الوفاء بالتزاماته يشعر بالحقارة . ولكي يقلل من تأمله الروحي إلى درجة ما ، يعمد إلى إبعاد التهمة عن مجالها الضيق فيشرك أسماء التجار الآخرين الذين هم على شرف الإِنهيار أيضاً ، ويرغب في انتشار أخبارهم حتى لا ينحصر سيل النقد والعتاب عليه وحده .

تخدير الأحاسيس :

هناك مظهر آخر لردّ الفعل تجاه عقدة الحقارة ، هو إقدام البعض على الخمرة والمواد المخدرة ، ومن المؤسف أن كثيراً من سكان العالم المصابون بهذا الداء الوبيل .

إن الشخص الذي يشكو من أحد أعضائه ويتألم لذلك كثيراً ، يمكن إنقاذه من ذلك بأحد طريقين : علاج المرض ، وتهدئة الألم بواسطة العقاقير المسكّنة والمخدرة . إن المريض يرتاح في كلتا الصورتين مع فارق كبير هو أنه في الصورة الأولى يكون قد تخلص من المرض تماماً ، أما في الصورة الثانية فان المرض لا يزال على حاله ، غاية ما هناك أن المريض لا يشعر به .

وعقدة الحقارة مرض روحي يؤلم صاحبه ويقض عليه مضجعه . وبالإِمكان إنقاذ المصاب بذلك بأحد طريقين : ـ

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٤٠٧ .

٣١٤

أحدهما ـ حل العقدة التفسية .

والثانية ـ تخدير الأحاسيس .

إن المصاب بعقدة الحقارة يتخلص من الإِضطراب والألم في كلتا الصورتين ، مع فارق عظيم هو أنه في الصورة الأولى يكون قد تخلص من هذه العقدة تماماً ، بينما لا تزال العقدة موجودة في الصورة الثانية لكن المصاب لا يشعر بها .

قد يلجأ العاجزون عن علاج عقدهم النفسية إلى الخمرة والمواد المخدرة الأُخرى لكَي يستريحوا من عناء الألم لبضع ساعات ويتخلصوا من وطأة الاضطراب والقلق . . . ولكن ما ان يزول أثر السكر يعود الألم والشعور بالحقارة إلى صاحبه ، مخيماً ، ومضيقاً الخناق عليه .

«لما كان كل ألم معلولا لإِدراك معين فيجب العمل على إزالة العلل الروحية والجسمية التي توجب ذلك الإِدراك أو إضعافها . ولذلك فأن أولى الوسائل التي تستخدم في هذا السبيل عبارة عن المواد الكحولية والعقاقير المخدرة» .

«يجب أن نعلم بأن الاستمرار في تناول المخدرات يقلل من تأثيرها بالتدريج ، بحيث لا تنتج الحساسية المطلوبة بعد ذلك ، بل قد تؤدي هي إلى الآلام والاضطرابات المختلفة . وتسرع من السير العادي نحو الفناء»(١) .

«عندما نتعمق في هذه القضايا من وجهة نظر علم النفس نجد أن هؤلاء الأفراد فاقدون للإِعتماد على النفس . ومن البديهي أن الشخص الذي عرف نفسه واطلع على الإِستعدادات الباطنية المودعة عنده لا يرضى بأن يكون في عداد هؤلاء . إن هؤلاء التعساء اصطدموا بموانع في حياتهم الإِجتماعية وأصيبوا باليأس . وبدلاً من أن يلتمسوا الطريق الصحيح في حل المشاكل ومقاومتها

____________________

(١) انديشه هاي فرويد ص ١٨٠ .

٣١٥

نجدهم يلجون إلى المواد الكحولية والمخدرة ، والقمار ونحو ذلك . . . وهم يريدون أن ينسوا عقدهم الروحية وبعبارة أُخرى فأن هؤلاء غير مستعدين للكفاح في ساحة الحياة فيفرون بكل جبن»(١) .

وهكذا نجد أن الإِنتقام ، والنقد اللاذع ، والإِنزواء ، والبحث عن عيوب الآخرين لإِشاعتها ، وتناول الخمر . . . والأعمال المشابهة لذلك ، ردود فعل يظهرها المصابون بعقدة الحقارة بغية تدارك ما هم عليه من النقص والضعة وإقناع أنفسهم بتبرير فشلهم . ولكن شيئاً من ذلك لا يحل العقدة النفسية ، ولا يعالج الداء علاجاً قطعياً ، مضافاً إلى أنه يتضمن أضراراً مادية ومعنوية للإِنسان .

أفضل طرق المقاومة :

إن أفضل الطرق لمعالجة الشعور بالحقارة أن لا يندحر الإِنسان أمامه ولا يخسر شخصيته ، بل يحاول التغافل عنه قدر الإِمكان ، وأن يفكر بهدوء ويجدّ لتنمية مواهبه واستغلالها حتى يبرز في جانب معين مفيد للمجتمع ، ويعيش حياة ملؤها العز والفخار .

هناك أفراد ذوو عاهات عضوية كثيرون ، تناسوا النقص الذي فيهم وعملوا في سبيل تحقيق غاياتهم بكل جد وإخلاص ، وذلك في ظل العلم والثقافة ، والجهد والنشاط وتوصلوا إلى منازل رفيعة ودرجات سامية .

قال علي عليه‌السلام : «بالتّعبِ الشديدِ تُدرَك الدرجات الرفيعة والراحةُ الدائمة»(٢) .

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٣٣ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٣٣٨ .

٣١٦

المحاضرة الثامنة والعشرون

الأساس النفسي للتكبر

قال الله تعالى في كتابه الحكيم : (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)(١) .

التكبر :

من ردود الفعل التي تظهر عند المصابين بعقدة الحقارة لغرض إخفاء الفشل والإِخفاق : التكبر . هذه الصفة الذميمة في نظر العلم والدين تعتبر من السيئات الخلقية الكبيرة ، وتعدّ من الأمراض النفسية الخطيرة . إن الرجال المتكبرين محتقرون في أنظار الناس ، معذبون عند الله تعالى .

قال الإِمام الصادق عليه‌السلام : «الكِبرُ رداءُ الله . فمن نازع الله عز وجل رداءَهُ لم يَزِدُه الله إلا سَفالاً»(٢) .

إن أساس هذه الصفة الذميمة هو نوع من الحقارة التي يشعر بها المتكبر في ضميره ، والذي يؤلمه ويقلقه دائماً . إنه يحاول أن يخفي حقارته الباطنية بالتظاهر بالكبر ، وبهذه الطريقة يقنع نفسه ، ويخفف من فضله .

____________________

(١) سورة لقمان ؛ الآية : ١٨ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٣٠٩ .

٣١٧

عن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «ما من رجلٍ تكبَّر أو تجبَّر إلا لذلّة وجدها في نفسه»(١) .

وعنه عليه‌السلام : «ما مِن أحدٍ يتيهُ إلا من ذلّةٍ يجدها في نفسه»(٢) والتيه هو التكبر والإِستعلاء .

قد يبدو لأول وهلة بأن أساس التكبر هو الشعور بالعظمة . أي أن الإِنسان عندما يرى نفسه عظيماً ، ويحس بالكبر والعلو في نفسه يتكبر ويستعلي على غيره . لكن هاتين الروايتين تذكران عكس ذلك تماماً . فقد وجدنا أن الإِمام عليه‌السلام يذكر الأساس الوحيد للتكبر ـ بهيئة الاستثناء المتعقب للنفي ـ عبارة عن الشعور بالذلة في نفس الشخص . وكذلك يعترف العلماء المعاصرون بأن التكبر من الوجهة النفسية ناشىء من عقدة الحقارة . ولتوضيح معنى الحديثين ، وتحليل الحالة النفسية للمصابين بالتكبر لا بد من إلمامة مبسطة بذلك .

التوقعات المعقولة :

لكل فرد من أي طبقة كان وفي أي مقام حلّ قيمة معينة ومنزلة محدودة ، يعرفه المجتمع بذلك المقدار ولا يوافق على احترامه أكثر من استحقاقه . أما الأشخاص الذين يعرفوا حدود أنفسهم وينتظرون الإِحترام من المجتمع بمقدار كفاءتهم وجدارتهم فان الناس يقيمون وزناً لتوقعهم ذاك بكل رحابة صدر ، ويقدّرون شعورهم فيحترمونهم بذلك المقدار .

قال علي عليه‌السلام : «مَن وقف عند قدْرِه أكرمهُ الناسُ»(٣) .

أما الأفراد المتواضعون ، الذين يحمّلون المجتمع أقل من القيمة الواقعية التي هم عليها فان موقف الناس تجاه تواضعهم ذاك يكون باحترامهم أكثر مما يستحقون .

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٣١٢ .

(٢) نفس المصدر .

(٣) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٦٦٨ .

٣١٨

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن التواضُعَ لا يزيدُ العبد إلا رِفعةً . فتواضعوا رحمكم الله»(١) .

التجاوز عن الحد :

أما الأفراد الذين يرغبون بدافع من الإِثرة والأنانية أن يحمّلوا المجتمع أضعاف ما هم عليه من القيمة الحقيقية ، والذين لم يعرفوا حدودهم الواقعية فيدفعهم ذلك إلى أن يروا أنفسهم فوق الجميع ، ويتوقعوا المزيد من الشكر والتقدير والإِحترام من الناس . . . فانهم غافلون عن أن الناس ليسوا يهملون توقعاتهم الفارغة هذه فحسب ، بل يستهزؤن بهم ويحتقرونهم بسبب من تكبرهم وأنانيتهم .

قال علي عليه‌السلام : «من تعدّى حدَّه أهانَه الناس»(٢) .

إن الأناني الذي يرى المجتمع أن قيمته الحقيقية خمس درجات ، ويعتقد هو خطأ بأن قيمته خمسون درجة يستطيع للإِستمرار في علاقاته مع الناس أن يسلك أحد طريقين :

الأول ـ أن يعترف بقيمته الواقعية التي هي عبارة عن خمس درجات ، ويغض النظر عن توقعاته الفارغة ، وينصرف عنها تماماً .

الثاني ـ أن يستمر في غيّه ، ويصرّ على خطأه فيتصور أن قيمته الحقيقية عبارة عن خمسين درجة .

في الصورة الأولى سيتغير موقف الناس تجاهه ويصبح اعتيادياً تماماً ، وتعود العلاقات بينه وبين الآخرين على أساس الإِحترام المتبادل ، لأن مرضه النفسي قد عولج ، وانصرف الأناني المتكبر عن غيه ، وأخذ يعترف بقيمته الواقعية فلا ينتظر من المجتمع توقعات فارغة . والناس أيضاً سيسلكون معه حسب الواجبات الإِنسانية ، ويحترمونه بالمقدار الذي يستحقه .

____________________

(١) مجموعة ورام ج ١ ص ٢٠١ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٦٦٨ .

٣١٩

أما الصورة الثانية فأنها تؤدي إلى نشوء عقدة الحقارة ، وظهور صفة التكبر فيه . إن الأناني المخدوع ينتظر من الناس أن يستسلموا لأوهامه التافهة ويحترموه بمقدار خمسين درجة . أما الناس فأنهم لما كانوا يرون أن قيمته الحقيقية لا تتجاوز الخمس درجات ، لا يحترمونه أكثر من ذلك ، ولا يوافقون على التسامح معه في هذا المجال . إن إهمال الأفراد تجاه توقعاته الفارغة يؤدي إلى إهانته وتحقيره ، وعلى أثر ذلك فانه يواجه أولى الضربات الروحية القاصمة . إنه يشعر بالاضطراب وعدم الإِرتياح في نفسه من هذا التحقير ، ويظن أن الناس لم يعرفوا قدره وغمطوا حقوقه فيأخذ بالتصريح بتوقعاته ويطالب الناس بتنفيذها له . . . في حين أنهم يضحكون لهذه الأماني والأوهام الفارغة ويسخرون منه فينال جزاء أنانيته وإثرته بذلك .

إن الإِهانات وسيل السخرية والإِستهزاء التي تواجه هذا الفرد تشدّد من تألمه ، فيتراكم فشله وانهياره في ضميره ، ويصاب بعقدة الحقارة في النتيجة . إنه يسيء الظن بالمجتمع ويحمل في نفسه حقداً تجاه الأفراد ، ويصبح عدوّاً لمحتقريه . ولكي يتلافى ذلك يقوم بأعمال مماثلة فيحتقر المجتمع ، ويقول في نفسه : هؤلاء الأشخاص الجهلاء ، الفاشلون ، الغافلون ، المغرضون ، لا يسوون شيئاً . . . هؤلاء الأفراد الحقراء ، الأراذل ، التافهون ليسوا بشيء ولا يستحقون احتراماً .

احتقار الناس :

إنه يؤمن بهذه الكلمات الباطلة والخيالية على أثر تكرر الإِيحاءات الداخلية ، وتتركز هذه القضايا في ضميره فيحتقر الناس دائماً . ثم يصبح إحتقاره هذا في عداد صفاته الذميمة الأُخرى خُلقاً ثابتاً في نفسه ، فيكوّن جزءاً من شخصيته وكيانه . . .

هذا الخُلق المذموم يسمى بـ (التكبر) في علم النفس والأخلاق .

وقد ورد عن الإِمام الصادق عليه‌السلام في تعريفه : «الكِبرُ أن يغمصَ الناسَ

٣٢٠