الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

كتب العلماء حول نمو الطفل واستعداد أنسجته وأعضائه للبلوغ .

إن الطفل المتولد حديثاً عبارة عن مجموعة من الأعضاء والجوارح المختلفة . وإن أعضاء الجسم المختلفة عبارة عن مجموعة من الأنسجة المتميزة المتكونة من ذرات صغار . يتميز كل نسيج بصفات خاصة ، اجتمعت فيما بينها تحت ظروف معينة وكونت عضواً من الأعضاء . إذن فالطفل المتولد حديثاً أو أي موجود حي في العالم عبارة عن مجموعة من الأنسجة والذرات الحية . إن العلم الحديث يسمي تلك الذرات الصغار باسم (الخلايا) ، وإن نمو الجسم يعود إلى تكاثر الخلايا .

«في كل لحظة من حياة الإِنسان تتكون خلايا جديدة في جسمه وتندثر الخلايا المرهقة ، ولما كان هذان العملان يحدثان معاً فان ازدياد الخلايا الجديدة على الخلايا المندثرة يعني نمو لجسم . ينمو الجسم منذ بداية حياته حتى بداية العقد الثالث بسبب من ازدياد الخلايا ، ولكن منذ العقد الثاني تبدأ الخلايا الحادثة بالتساوي مع الخلايا المندثرة ولهذا فان النمو يتوقف تقريباً . أما عندما يبدأ دور الشيخوخة فان عدد الخلايا الحادثة يأخذ بالهبوط ، في حين يبقى عدد الخلايا المندثرة ثابتاً ، ولذلك فان الخلايا تأخذ بالتناقص في أجسام الشيوخ ، أي أن أجسامهم تأخذ بالتقهقر والإِنحطاط . إن الجسم يحتاج إلى المواد الأولية في بناء الخلايا ، والمواد الأولية عبارة عن السكر ، والدسم ، والبروتين الذي يدخل الجسم بصورة غذاء ويصبح بعد تغييرات كثيرة بشكل ذرات صغيرة تُمتص وتقع في متناول الخلايا»(١) .

النمو في الأعوام المختلفة :

إن من أدق آيات الله في بناء الإِنسان ، النظام العجيب الذي ينطوي عليه

____________________

(١) هورمونها ص ٨ .

٢٨١

صنع الخلايا . فمنذ دخول الغذاء إلى المعدة وشروع الجهاز الهضمي في العمل إلى حين تحوله إلى موجود حي باسم الخلية ، يطوي مراحل عديدة ، ويتدرج في تفاعلات متلاحقة حتى يأخذ الصورة النهائية .

«عندما تتوفر جميع الوسائل اللازمة ، فان كل خلية تصنع المقدار الكافي من المواد الضرورية في داخلها ، وعندما تصبح هذه المواد كافية لإِنعاش خليتين تنقسم الخلية الواحدة إلى شطرين ، وبهذا تتولد خلية جديدة» .

«إن الجهاز الوحيد الذي يستثنى من هذا القانون ، هو الجهاز العصبي ، ذلك لأن الطفل يتولد مع المجموعة الكاملة للخلايا العصبية ، ولا يصنع في جميع أدوار حياته حتى خلية عصبية أو مخية واحدة . . . ولذلك فان إندثار هذه الخلايا على أثر مرض أو صدمة لا يمكن أن يتدراك . بالرغم من ذلك كله فان دماغ الطفل ينمو من دون إزدياد في عدد الخلايا ، وإن هذا العمل يحدث بسرعة فائقة جداً في الأعوام الثلاثة الأولى من حياته بحيث يمكن القول بأن ٩٥% من النمو الدماغي للإِنسان يحصل في السنة الثالثة من عمره»(١) .

يختلف الرشد الطبيعي للأقسام المختلفة من بدن الطفل في الأعوام الأولى من ولادته ، والأعوام السابقة على البلوغ ، والأعوام اللاحقة له . . . وكذلك عدد دقات القلب وسرعة التنفس فان ذلك كله يختلف بحسب عمر الفرد .

«ينمو الطفل في البداية بسرعة كبيرة . فان طوله في الفترة بين ولادته وبلوغه الخمس سنين يزداد بمقدار الضعف . وبعد ذلك تأخذ سرعة النمو بالتناقص حسب الخطوط البيانية التي توضح ذلك حيث تبلغ الحد الأدنىٰ في السنة الثانية عشرة والبنات قبل ذلك

____________________

(٢) هورمونها ص ١١ .

٢٨٢

بعام واحد . إن طول الشخص يزداد في مرحلة البلوغ من عشرين إلى خمس وعشرين سنتميتراً ، وهذا المقدار ليس كثيراً بالنسبة إلى مجموع نمو الإِنسان ، لكنه لما كان يحدث بسرعة وربما كان ذلك فجأة فانه يبعث على الإِستغراب والتعجب»(١) .

«إن الأعضاء الداخلية للجسم تنمو بهذه الصورة أيضاً ، ويبلغ أكثرها الحد الأعلىٰ من الزيادة في الوزن في مرحلة البلوغ . إن حصة القلب من هذا النمو كبيرة نسبياً ، إذ أن حجمه يزداد بنسبة الضعف بين الثانية عشرة والسادسة عشرة ، هذا الإِزدياد في الحجم يتناسب طردياً ومرونة الأوردة والشرايين» .

«تتغير المظاهر المهمة الأُخرى للحياة أيضاً ، ولكن التغير الحاصل فيها يكون أبطأ ، فمثلاً تكون دقات القلب في مرحلة الطفولة ١٣٥ في الدقيقة الواحدة ، وفي دور المراهقة تتناقص إلى ٩٠ في الدقيقة ، ثم تتناقص إلى ٧٥ عند الذكور و٨٠ عند الإِناث . ولهذا فان تنفس البالغين أهدأ من تنفس الأطفال ، في حين أن حجم التنفس الذي يقاس بواسطة جهاز خاص لذلك والذي يعدّ من العلائم المهمة للنشاط الحيوي ، يزداد بنسبة كبيرة فيما بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة»(٢) .

الغدد الداخلية والهورمونات :

تشكل الغدد الداخلية والهورمونات التي تفرز في الدم فصلاً مهماً من فصول علم الأحياء في نظر العلماء المعاصرين . ذلك أن نشاط الهورمونات معقد ومهم للغاية من الناحية العلمية . فهي تلعب دوراً كبيراً في أساس نمو جسم الطفل ، وفي موضوع البلوغ أيضاً .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بلوغ ص ٢٣ .

(٢) چه ميدانيم ؟ بلوغ ص ٢٥ .

٢٨٣

«لقد أثبتت البحوث الجديدة لعلماء الأحياء أن الغدد الداخلية تلعب دوراً مهماً في نمو أعضاء الجسم بواسطة الهورمونات التي تفرزها ، وإن تأثيرها كبير إلى درجة أن (پاند) قد صنف الأشخاص في دور البلوغ حسب علم معرفة الغدد . وأهم هذه الغدد هي غدة الهيبوفيز والثايروئيد والغدد التناسلية ، والغدد فوق الكلوية» .

«تؤثر بعض الهورمونات في نمو الجسم ، ويؤثر البعض الآخر في نمو الجهاز التناسلي . وإذا صح لنا تسمية المواد الكيمياوية المختلفة التي توجد في الجسم بمقادير ضئيلة باسم التيار ، فيجب أن نقول أن هذه الهورمونات تعمل في تيارين مختلفين ولكنهما يلتقيان في النهاية ، خصوصاً بالنسبة إلى مسألة إزدياد طول الجسم فانها حصيلة تأثير غدد الثايروئيد والهيپوفيز ، عند ذاك تأخذ عملية النمو في الجسم بالتباطؤ بالتدريج ، وتبدأ مرحلة البلوغ على أثر نشاط هورمون جديد يفرز الهيپوفيز ، وبفضل الهورمونات التناسلية من قبيل التستوسترون التي تفرز من الخصيتين ، والفوليكولين التي تفرز من المبيض»(١) .

هورمونات البلوغ :

تؤدي هورمونات البلوغ إلى تحول عظيم في هيكل الطفل ، فينمو جسمه بصورة طفرة وفي أشد السرعة ، ويخرج من الصورة الطفولية في فترة وجيزة فيكتسب جميع ميزات الإِنسان الراشد . إن النقطة الجديرة بالإِنتباه هي أن جسم الطفل يجب أن يكون قد تلقى قدراً كافياً من النمو قبل ذلك حتى لا يحصل اضطراب على أثر إفراز هورمونات البلوغ .

«مهما كان عمل الهورمونات مهماً فانها لا تستطيع أن توضح بوحدها جميع جوانب الطفرة البدنية ، فعندما تندثر الهورمونات أو تفرز أكثر

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بلوغ ص ٣١ .

٢٨٤

من المقدار الإِعتيادي يحصل اضطراب في عمل النمو . فوجودها إذن ضروري ولكن العمل المحرك لها يحتاج إلى ظروف مساعدة ، وأهمها استكمال الأعضاء والأنسجة نموها بالمقدار اللازم حتى تستطيع أعضاء الجسم مواصلة نموها بصورة مطردة وبعبارة أُخرى فانه لا بد من انسجام خاص بين عمل الهورمونات والظروف التي تستفيد فيها الأعضاء والأنسجة من تلك الهورمونات»(١) .

أما البلوغ المبكر فأنه عبارة عن إفراز الغدد الجنسية هورموناتها في جسد الطفل قبل أن يستكمل نموه الطبيعي ويستعد لتقبل البلوغ . . وهذا يؤدي إلى النضج الجنسي قبل أوانه .

«يتقدم سن البلوغ في النضج الجنسي السابق لأوانه عن العمر الإِعتيادي (وهو الذي يترواح بين ١٢ و١٧ سنة) أي أن الغدد الجنسية تبدأ بالعمل قبل السنة العاشرة ، وبذلك يتقدم النمو الطولي . . هؤلاء المرضى يتقدمون على أقرانهم من حيث النمو لمدة وجيزة ، ولكن لما كانت الطبقة الغضروفية تزول بعد فترة النمو الطولي السريع مباشرة فان فترة نمو هؤلاء المرضى قصيرة ، إذ لا يلبثون أن يتأخروا عن أقرانهم فيما بعد»(٢) .

اختلاف الظروف الطبيعية :

إن أفراد البشر ـ كسائر الموجودات الحية في العالم ـ خاضعون لتأثير الظروف الطبيعية المحيطة بهم . وبالنظر إلى اختلاف المناخ ، وتغير درجة الحرارة وسائر العوامل الطبيعية في مختلف نقاط الكرة الأرضية ، يختلف النمو عند الأطفال أيضاً . ولهذا فان السن التي تظهر فيها بوادر البلوغ الجنسي عند الذكور والإِناث تختلف باختلاف المناطق .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بلوغ ص ٣٣ .

(١) هورموناها ص ١٥ .

٢٨٥

«تختلف سن اليأس عند النساء بحسب الظروف المختلفة ، والدورة الشهرية تبدأ في المناطق الحارة أسرع منها في المناطق الباردة . فمثلاً نجد في (لاپوني) أنها تبدأ في الثامنة عشرة ، في حين أنها تبدأ في (الحبشة) في التاسعة أو العاشرة ، لقد أثبتت التجارب أنه كلما كان المناخ متغيراً كان هذا العمل أسرع وقوعاً»(١) .

من هذا نجد أنه بينما تستطيع الفتاة الحبشية أن تلد طفلين أو أكثر ، فان الفتاة اللاپونية في نفس السن لم تر الدورة الشهرية بعد . هذا الإِختلاف بينهما يستند إلى ظروف البيئة والمحيط ، فليس بلوغ الحبشيات مبكراً ، ولا بلوغ اللاپونيات متخلفاً . إن المقصود بالبلوغ المبكر هو أن الولد أو البنت تبلغ قبل الموعد الطبيعي المقرر لهما ، وتبدأ الهورمونات الجنسية بالإِفراز قبل أن يحين الوقت الإِعتيادي لذلك . وهذا نفسه نوع من أنواع المرض .

الاختلالات الهورمونية :

«بما أن البلوغ المبكر ناشىء من الإِختلال الشديد في إفراز الهورمونات ، فبالإِمكان تقديم يد العون إلى أكثر هؤلاء المرضى ، خصوصاً وأن قصر القامة ليس العارضة الوحيدة للبلوغ المبكر ، بل إن الإِختلالات التي تؤدي إلى النضج الجنسي السابق لأوانه خطيرة جداً»(٢) .

وقد يظهر الميل الجنسي عند الإِنسان قبل موعده المقرر ولا يكون مستنداً إلى مرض ، بل يعود إلى الإِثارات التافهة والمناظر المهيجة التي نفذت إلى روح الطفل وسببت النضج الجنسي المبكر .

«يقول موريس دبس : إن العوامل الروحية من قبيل مطالعة القضايا

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بلوغ ص ٣٠ .

(٢) هورمونها ص ١٥ .

٢٨٦

المثيرة أو مشاهدة المناظر المهيجة تبكر في ظهور بوادر اليأس عند النساء»(١) .

هناك عوامل كثيرة قد تؤدي إلى الإِثارات الروحية عند المراهقين ، وتسبب النضج الجنسي المبكر عندهم . إن قراءة القصص المثيرة للشهوة ، ومشاهدة المناظر المهيجة ، والتعانق مع الآخرين وتقبيلهم ، والإِضطجاع على فراش واحد بحيث يحصل الإِحتكاك والإِتصال . . . والأعمال المشابهة لذلك ، تؤدي إلى الإِثارات الجنسية والبلوغ المبكر .

إن الآباء والأُمهات الذين يرغبون في أن يكون نمو أطفالهم مسايراً لقانون الفطرة ، والأشخاص الذين يريدون أن يطوي أولادهم مرحلة الطفولة بسلام ويبلغوا بصورة طبيعية ، عليهم أن ينفذوا تعاليم الإِسلام بصدد إبقاء الميل الجنسي عند الأطفال مجمداً ، ويبعدوهم عن القضايا المثيرة للشهوة .

الانحراف الجنسي :

الإِنحراف الجنسي من الصفات الذميمة عند الإِنسان ، والتي لا تنسجم والمقاييس الفطرية ، ولا تتلاءم مع الفضائل والآداب . إن الطريق الصحيح لإرضاء الميل الجنسي في قانون الطبيعة والشريعة عبارة عن إكتفاء الرجال البالغين بالبالغات ، واكتفاء البالغات بالبالغين ، ويشبع كلٌ غريزته الجنسية بواسطة الطرف الآخر . قد ينحرف بعض الأفراد في طريق إشباع رغباتهم الجنسية عن صراط الفطرة المستقيم ، ويستجيبون لميولهم الجنسية بطرق غير طبيعية . . . هؤلاء هم الذين سمّاهم القرآن الكريم بالعادين (أي المتجاوزين) .

(. . . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)(٢) .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بلوغ ص ٣٠ .

(٢) سورة المؤمنون ؛ الآيات : ٥ ـ ٦ ـ ٧ .

٢٨٧

المناظر المنافية للعفة :

من العوامل التي تؤدي إلى إنحراف الميل الجنسي عن الصراط المستقيم للفطرة ، الخواطر المستهجنة الحادثة في دور المراهقة ، ومشاهدة المناظر المنافية . للعفة . إن الغريزة الجنسية للشاب غير البالغ مجمدة بصورة طبيعية . فان انسجمت التربية العائلية التي يتلقاها وهذا الجمود ، ولم يواجه الطفل المناظر المثيرة ، نما بصورة طبيعية بعيداً عن الاضطرابات الجنسية ، وعندما يبلغ ويظهر فيه الميل الجنسي فانه يوجَّه نحو الطريق الطبيعي المعدّ له ، أي أن الفتاة تتجه نحو الشاب ، والشاب يتجه نحو الفتاة ، ولا يبقى مجال للشذوذ الجنسي بعد ذلك .

«عندما تستيقظ غريزة الإِلتذاذ في مرحلة البلوغ ، بعد أن كانت راقدة ، وتتجه إلى العالم الخارجي تحاول أن تتشبث بشيء حتى تجد به منفذاً لقدرتها الباطنية . في هذه اللحظة الحاسمة تعمل الإِرادة الواعية الطبيعية على إرشاد هذه الغريزة إلى طريق سليم هو التكاثر والتناسل . ومن علائم إرشاد الطبيعة أن الرجل والمرأة يشعران بتغير محسوس في أعضائهما التناسلية . إن الطبيعة تريد بهذه العلائم أن تفهم الطرفين بضرورة سلوك الطريق الفطري السليم الذي هو عبارة عن التناسل» .

«فإذا أدرك الشخص هذا القانون وانقاد إليه ، أي أن الرجل اقترب من المرأة ، والمرأة اتجهت نحو الرجل حتى يبادرا إلى عملهما الفطري والمنتج ، فانه يمكن القول بأن النمو الشهواني قد سار في طريق مستقيم ومنظم ، وصرفت القدرة الغريزية في طريق طبيعي واعتيادي . إن ملايين الأشخاص يسلكون هذا الخط المنظم والطبيعي ، الذي يسميه فرويد بالإِنسجام المزدوج»(١) .

____________________

(١) فرويد ص ٦٦ .

٢٨٨

الرغبات والاستياءات :

إن الرغبات والإِستياءات التي تؤثر في روح الطفل ، والكلمات الطيبة أو البذيئة التي تطرق سمعه ، والمناظر القبيحة أو الجميلة التي يشاهدها . . . تؤثر في باطنه ، ثم تظهر نتائجها من خلال سلوكه وأقواله وأفعاله عندما يصبح عضواً بارزاً في المجتمع .

الأُسر التي لا تلتزم بالعفة الجنسية ولا تتورع من القيام بالأعمال المنافية للأخلاق والآداب أمام الأطفال غير البالغين . . . .

الآباء والأُمهات الذين لا ينقادون للقوانين الفطرية في تجميد الميل الجنسي عند الأطفال ، بل يثيرون الغريزة الكامنة في أولادهم بسلوكهم الأهوج ، ويحملونهم على التفتيش والبحث عن الأعمال والنشاطات الجنسية المختلفة . . .

وبصورة موجزة : الأشخاص الذين يعدّون وسائل الإِثارة الروحية في أطفالهم تجاه القضايا الجنسية ، ويوجدون في أذهانهم صوراً للخواطر القبيحة . . .

هؤلاء جميعاً يتسببون في الإِنحراف الجنسي لأطفالهم عندما يكبرون ، فنراهم ـ بعد أن أصبحوا رجالاً يحتاج إليهم المجتمع في إلقاء قسط من عبء المسؤولية على عواتقهم ـ غير جديرين بذلك .

يرى علماء النفس أن منشأ الإِنحراف الجنسي نوع من أنواع الحقارة ، يوجد في نفس الشخص المنحرف ، وإن كان لا يعترف بهذه الحقارة في الظاهر .

«إن الإِنحراف ، والفشل في الزواج الطبيعي بالنتيجة ، وليد نوع من أنواع الشعور بالحقارة . ومهما كان هؤلاء الأفراد ذوي أفكار وروحيات عالية في الظاهر ، فانهم يتألمون من الشعور بالحقارة . ولو كان الأمر غير هذا لكانوا يقومون باحتياجاتهم الطبيعية بأنفسهم

٢٨٩

، ويجدّون بكل شجاعة وبسالة لبقاء النسل واستمرار التكاثر»(١) .

الميول المكبوتة :

والمظهر الآخر من عوارض الإِثارة الجنسية عند الأطفال قبل بلوغهم ، العقد التي تنشأ عند الكبار بسبب من كبت الميول في أيام الطفولة .

إن الطفل حر في أقواله وأفعاله قبل البلوغ ، لا يحاسبه القانون ولا المجتمع على سلوكه . فان كان أبواه عفيفين وكان المحيط التربوي طاهراً تربى على أحسن ما يرام ، وعبر مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ باستقامة وسلام . أما إذا كان المحيط التربوي فاسداً وكان أبواه غير عفيفين فانه يتعرض للأخطار والمشاكل العديدة .

إنه يتأثر بمشاهدة الأعمال الفاسدة والحركات المنافية للعفة الصادرة من أبويه ، فينشأ على الرذيلة والإِنحراف ، وسيكون أصلاحه بعد البلوغ صعباً جداً . . . عند ذاك يكون معرضاً للتلوّث بالذنوب والجرائم والسيئات الخلقية .

ثم إن الأعمال المثيرة الصادرة من أبويه ، وكذلك المحيط الفاسد الذي يعيش فيه تؤدي إلى إثارة الميل الجنسي عنده وهو بعد لم يبلغ . . . وطفل كهذا عندما يبلغ ويصبح عضواً مستقلاً في المجتمع يلاقي مشاكل وصعوبات كثيرة ، ويواجه عقداً نفسية عديدة . . .

فمن حيث أنه نشأ على التربية الفاسدة في طفولته يرغب في أن يكون حراً في الإِستجابة لميوله وأهوائه ، لكن القيود الإِجتماعية التي تلزمه بمراعاة المصالح العامة وإتباع المقررات العقلية تجبره على التخلي عن ميوله المنحرفة ، ولا شك أن هذا الفشل في تحقيق حريته يؤدي إلى نشوء عقدة جنسية في روحه .

ومن جهة أُخرى فان إنساناً كهذا يتألم من الأعمال القبيحة التي ارتكبها قبل بلوغه ، ولذلك يصاب بعقدة الحقارة . . إنه يشعر بالضعة والدونية عندما

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٣٦ .

٢٩٠

يتذكر ما جرى عليه ، ولذلك فهو يحاول التخلص من تلك الخواطر قدر المستطاع .

نستنتج من محاضرتنا هذه أن الميل الجنسي للأطفال في الأعوام السابقة على البلوغ تعيش في حالة من الجمود والضمور بصورة طبيعية . وعلى الوالدين أن ينقادا في منهجهما التربوي لقانون الفطرة ، ويوجدا الظروف الصالحة لتربية الطفل بصورة تساعد على إبقاء الغريزة الجنسية جامدة ومضمرة .

إن الأطفال الذين لاقوا إثارات فاسدة لغرائزهم الجنسية قبل دور البلوغ على أثر إنحراف البيئة التي عاشوا فيها يصابون بالعقد النفسية ، والمشاكل الروحية ، والإِنحرافات الخلقية العديدة بعد البلوغ .

٢٩١

المحاضرة السابعة والعشرون

تدارك الحقارة

قال الله تعالى في كتابه الحكيم : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)(١) .

إن التربية السليمة للطفل أولى وأهم أُسس السعادة الفردية والإِجتماعية وهذه المسؤولية الخطيرة تقع على عاتق الأبوين قبل كل شيء . تتحقق التربية السليمة في ظل قاعدتين مهمتين :

الأولى ـ أن يكون المربي بصيراً بالواجبات التربوية الدقيقة من الناحية النظرية .

الثانية ـ أن يطبق معلوماته بكل جدّ وإخلاص في تربية الطفل ، ويقوم بواجباته خير قيام .

إن الآباء والأُمهات الجاهلين بالأساليب التربوية ، والبعيدين عن خيرها وشرها . . أو العالمين بها لكنهم لا يطبقونها على أولادهم بصورة صحيحة ، يعجزون عن تربيتهم بصورة سليمة ، وجعلهم أفراداً صالحين .

____________________

(١) سورة فصلت ؛ الآية : ٢٦ .

٢٩٢

التربية الفاسدة :

إن القواعد التي ذكرناه في محاضراتنا السابقة عن التربية الفاسدة للطفل تعود إلى إحدى هاتين الجهتين . فالإِفراط في المحبة ، والتزمّت التافه والدّل والغنج ، والإِهمال الذي لا يستند إلى مبرر ، والإِفراط في التشجيع والإِستحسان أو للوم والتقريع . . . كل ذلك يعود إلى جهل المربي ، أو تغافله عن تطبيق واجبه بصورة صحيحة بالرغم من عمله بوظائفه . والنتيجة هي نشوء الطفل على التربية الفاسدة .

«تعني التربية الفاسدة ترك الطفل لوحده دون تخطيط منهج لسلوكه وتقسيم لأوقاته . في هذه الحالة يستطيع من الطفل أن يصل إلى ما يريد دون جهد أو صعوبة ، خصوصاً إذا كان معتقداً بأنه لا يجازى على أفعاله . إن طفلاً كهذا تكون تربيته فاسدة إذا تلقى تشجيعاً زائداً على المعتاد ، أو قوبل بالدلال لغير سبب ، أو تربى في أُسرة من دون وجود مشرف عليها ، أو كان المشرف متسامحاً على الأقل ، أو سمح له بإيذاء من حوله أو الإِستهزاء من الآخرين من دون مبرر ، أو لا يطرق سمعه حديث عن النشاط والعمل ، أو ينشأ في أسرة خاملة وحقيرة ، أو تسير حياته على عدم الإِيمان وحب الكمال ، أو يسير من دون هدف ومرشد»(١) .

تترك التربية الفاسدة آثاراً سيئة في جسم الطفل وروحه ، وقد تستمر تلك الآثار حتى نهاية العمر تؤلم صاحبها وتقضّ عليه مضجعه . وكما سبق شرحه في المحاضرات السابقة فان من الآثار السيئة للتربية الفاسدة ظهور عقدة الحقارة . إن المصابين بهذه الحالة النفسية ، والذين يشعرون بنوع من الحقارة والضعة في أنفسهم قلقون ومضطربون دائماً ، وتلاقي ضمائرهم الأمرّين من العذاب والتأنيب الداخلي .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص٢٢ .

٢٩٣

«إن شخصية رجل كهذا مركبة من عدم الثبات ، وفقدان الإِعتماد على النفس ، والحيرة والتردد ، ثم الفرار من الواقع والإلتجاء إلى الأحلام والخيالات ، والمخدّرات» .

«ومن جهة أُخرى فان هذا الفرد يصبح فوضوياً وعابثاً ولكي يستر الشعور بالحقارة في نفسه ، يمتهن قول الزور ويشعر بالإِستعلاء ، ويتخذ المبالغة والإِفراط في كل شيء قدوة له في سلوكه»(١) .

قد يصاب الأطفال ، الشباب ، الشيوخ ، الرجال ، والنساء . . . وبصورة موجزة كل الطبقات في الأعوام المختلفة من حياتهم بعقدة الحقارة من جهة أو عدة جهات . فإن لم تُحلّ تلك العقدة الروحية ، واستأصلت تلك الحالة النفسية في روح الفرد بصورة مرض مزمن ، أدى ذلك إلى عوارض وخيمة قد تنتهي إلى الجنون .

وكما أن الخجل يؤدي إلى إحمرار الوجه ، والخوف يبعث الصفرة في البشرة ، وبصورة عامة تؤثر الحالات الروحية في الجسم ، كذلك عقدة الحقارة فانها ضغط روحي مؤلم ، وتتضمن ردود فعل مختلفة على جسم الإِنسان .

رد فعل الحقارة :

إن كثيراً من مظاهر الضحك والبكاء ، والتواضع والتكبر ، والإِنتقام والتسامح ، والإِنزواء والتظاهر ، والإِكرام والتحقير ، والتقدم والتقهقر ، والنصح والموعظة ينبع من عقدة الحقارة . وقد تصدر هذه الأفعال بصورة طبيعية تماماً بحيث لا يغفل الناس عن أساسها النفسي فقط ، بل لا يعلم صاحبها عن أساس سلوكه المستند إلى عقدة الحقارة أيضاً ! .

ولما كان الإِنتباه إلى الأفعال المؤدية إلى نشوء عقدة الحقارة مهماً جداً في تربية الطفل ، فيلزم على الآباء والأُمهات معرفة هذا الأمر النفسي الدقيق . . . هذا من جهة . ومن جهة أُخرى فان شرح هذا الموضوع يفيد في

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٧ .

٢٩٤

تهذيب الأخلاق العامة ، وتطهير أعمال الأفراد عن هوى النفس فمن الضروري إذن أن نبحث هذا الموضوع بصورة مفصلة ، ونبين الأخلاق والأعمال السيئة للأطفال والكبار ، التي تنبع من عقدة الحقارة . . آملين أن يكون هذا البحث مفيداً من جوانب عديدة .

إن غريزة حب الذات من الميول الأساسية والفطرية للإِنسان ، فكل فرد يحب ذاته وجميع الكمالات المتعلقة به بصورة فطرية . والشعور بالحقارة يقع في النقطة المقابلة لحب الذات . تشبه عقدة الحقارة عدواً قوياً يقف بوجه حب الذات ويحاول تحطيم شخصية الفرد والتقليل من مكانته . إن المصاب بهذه العقدة وإن كان يعاني صراعاً شديداً في باطنه إلا أنه يسعى في أن لا يفشي هذا السر المكنون بين الناس ، ويحاول أن لا تجرح غريزة حبه لذاته . . . إنه يصرف قسماً من جهوده في سبيل إخفاء هذه الحالة النفسية ، ولذلك فانه سرعان ما يفقد مقاومته .

الصراع الداخلي :

«عندما يشعر فرد سالم وقوي تماماً بالضعف والكسل في نفسه من دون سبب فمعنى ذلك أن روحه غير سليمة إنه يعاني صراعاً روحياً شديداً في باطنه ، بحيث تثير أعصابه بصورة خطيرة وتتعبه كثيراً . إن أفضل مثال حي لإِنسان كهذا أن نتصور سيارة ضغط السائق فيها على جهاز الإِيقاف (البريك) ولكنه يحاول في نفس الوقت أن يدفعها للسير بأقصىٰ سرعة ، إن هذا العمل مضافاً إلى أنه يورد ضغطاً لا مبرر له على الإِطارات ، يتسبب في فساد المحرك وعطبه بسرعة . فالسيارة التي كان بالإِمكان أن تعمل لعدة سنوات بصورة طبيعية . نجدها قد عطبت وسقطت عن الاستفادة في فترة وجيزة كذلك الدماغ الذي يلاقي إرهاقاً من أثر القلق الروحي فانه يشبه كابوساً على روح الإِنسان ومخه ، ويتلف الأعصاب قبل موعد تلفها»(١) .

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٣١ .

٢٩٥

تدارك النقص :

إن الشخص المصاب بعقدة الحقارة ، أو الذي يشعر بالحقارة يحاول أن يسد نقصه الداخلي ، أو لأجل إقناع نفسه على الأقل ، يقدم على أفعال يتصورها صحيحة ومناسبة ، ولكنه يحرص أشد الحرص على أن لا ينتبه الأفراد إلى العلة الواقعية لتلك الأفعال ، التي هي الشعور بالضعة والدونية . لهذا فانه يحاول أن يبرر كل عمل من أعماله بأسلوب معقول صحيح حتى يقنع الناس بذلك باستقامته وصحة أفعاله .

لتوضيح هذا الموضوع أذكر لكم نموذجين :

١ ـ لنتصور طالباً لم يتلقّ مقداراً كافياً من الثقافة والتعلم إما بسبب من قصوره وضعف إدراكه ، أو لتهاونه وكسله . إنه يحس بالحقارة في باطنه ، ويرى نفسه في مستوى أقل وأوطأ من مستوى بقية الطلاب ، إنه يعرف جيداً أنه لو اشترك في الإِمتحانات فنتيجته الرسوب المحتم وافتضاح أمره لدى زملائه . ولكي يخفي حقارته الباطنية يتمارض أو يترك الدراسة تماماً ويقول في تبرير عمله هذا : ما هي فائدة الدراسة ؟! إن الثقافة في هذه البلاد تؤدي إلى الحرمان والتعاسة ! ما أكثر الأشخاص المثقفين الذين بقوا عاطلين عاجزين عن تحصيل ما يسدّ رمقهم . . . وبالمناسبة يذكر أسماء بعضهم . إنه يحاول بحديثه هذا أن يشرك الطلاب الآخرين معه في عقيدته ويحثهم على ترك الدراسة أيضاً .

٢ ـ يقول شاختر :

«أتذكر فتاة دعيت إلى حفلة كبيرة ، فظلت تستعد لملابسها عدة أيام ، ولكنه تنبهت قبل ذهابها إلى الحفلة بساعتين أو ثلاث إلى أن أُمها مصابة بمرض ولذلك يجب عليها أن تتخلى عن الذهاب» .

«مهما ألحوا عليها وأصرّت الأم نفسها عليها بالذهاب لم يجد ذلك نفعاً وأخيراً أجهشت بالبكاء . كانت تقول كيف أستطيع أن أترك

٢٩٦

أُمي على هذه الحالة وحيدة وأذهب للترفيه عن نفسي ؟ في حين أن مرض أُمها لم يكن جديداً ولم تكن هناك حاجة لبقائها . لقد ذكرت الأُم فيما بعد أن هذه الفتاة كانت مضطربة منذ ليالٍ وكانت لا تنام باستقرار ، ولقد أدركت جيداً أنها كانت تخشى من الذهاب إلى تلك الحفلة كثيراً ، لأنها كانت تتصور أنها لا تستطيع مضاهاة الفتيات هناك بملابسها . ولكنها ما أن تذرعت بمرضي وشكرتها على حنانها هدأت واعتقدت أنها تلمك مبرراً معقولاً لعدم الذهاب إلى الحفلة . ولذلك فقد نامت تلك الليلة ـ على عكس الليالي السابقة ـ على أتم الراحة والإِستقرار . ولكن كان يظهر من خلال كلماتها في الأيام اللاحقة أنها كانت متألمة في باطنها من عدم الذهاب إلى الحفلة»(١) .

إن كلاً من الطالب والفتاة كان يحس بالحقارة في نفسه . الأول لجهله وقلة حظه من الثقافة ، والثانية لعدم أناقة ملابسها . هذا الشعور دفع الطالب إلى ترك المدرسة والفتاة إلى عدم الحضور في الحفلة . لقد برر الطالب عمله ذاك بحرمان الرجال المثقفين وبطالتهم ، وبررت الفتاة عملها بمراقبة أُمها في مرضها ، ولم يوافق أيّ منهما على التصريح بالحقارة التي يشكو منها والتي كانت الدافع الحقيقي لسلوكهما .

تختلف ردود الفعل التي يبديها الأفراد على أثر إصابتهم بعقدة الحقارة . لأنه بغض النظر عن اختلاف الشعور بالحقارة عند الأفراد من حيث الشدة والضعف ، فان الظروف البيئية والعوامل الإِجتماعية المؤثرة في أفعال الفرد وأقواله تختلف أيضاً من فرد إلى آخر . إن البناء الروحي والتربية العائلية والخواص الفطرية والمكتسبة للأشخاص تختلف اختلافاً كبيراً ، وعندئذ فمن البديهي أن تكون أفعال الناس المتولدة من أفكارهم متنافرة ومتضادة أحياناً .

وهكذا فان البعض يظهرون ردود الفعل لعقدة الحقارة بالسكوت

____________________

(١) رشد شخصيت ص ٨١ .

٢٩٧

والهدوء ، والبعض الآخر بالثرثرة والإِطالة في الحديث . . . قسم منهم يتذرع بالتملق ، والقسم الآخر يلتزم التكبر والإِستعلاء ، طائفة تتصف بالعطف والحنان ، وأُخرى تتسم بالفحش والتسيب .

الانتقام :

الرغبة في الإِنتقام من أهم ردود الفعل لعقدة الحقارة وأخطرها على الإِطلاق . ذلك أن هذه الرغبة الموجودة عند بعض الأطفال والكبار تؤدي إلى الطغيان والفوضى ، وبذلك تتضمن سلسلة من المشاكل والمآسي التي لا تُجبر .

«إن العلة الأُخرى لظهور عقدة الحقارة هي السلوك المتزمّت والشديد الذي يلاحظ تجاه بعض الأطفال ، أي الذين يُنظر إليهم نظرة السخرية والتحقير . وأشدّ من ذلك موضوع العقوبات البدنية التي تؤلم جسد الطفل وروحه معاً . إن الأطفال الأبرياء الذين يواجهون هذه المشاكل يصبحون بلا شك أخطر أعداء المجتمع . وكما أن الحب والحنان أساس التنظيم الإِجتماعي ويؤدي إلى تجمع الأفراد وتمركزهم فان الحقد والبغضاء عامل أساسي في التفرقة والتشتيت . وهكذا فالطفل الذي يشعر بأن جو الأسرة وحجر الوالدين ليسا إلا مقراً للكراهية والحقد ، ولا يستطيع أن يتصور بأن جميع الناس ينظرون إليه بغير نظرة الكراهية والإِحتقار . . . ولذلك فانه يثأر ، وينتقم ، ولا يوجد في قلبه محل للحب واللين ، عند ذاك يصبح في عداد الناقمين على المجتمع الساخطين على جميع الأفراد . إن كل ما يصيب الفرد من شر أو انحراف في صغره يسبب رد فعل مشابه له من جانبه»(١) .

إن الطفل الذي يتجرع الضغط والتحقير والسخرية من أبيه أو أُمه أو زوجة أبيه أو مربيه ، يحمل حقداً خاصاً في قلبه ، ويحاول تدارك الفشل الذي لاقاه

____________________

(١) عقدة حقارت ص ١٦ .

٢٩٨

في حياته فيقدم على كل عمل خطير وحقير ولا يتورع من ارتكاب أي جريمة أو ذنب .

إن أبسط نموذج لطغيان الأطفال والشباب هو الفرار من أسرهم وترك والديهم . . . وذلك ما نقرأه في الصحف كل يوم ، ونسمع استغاثة الآباء في سبيل العثور على أولادهم . وقد تنتهي هذه الحوادث بقضايا مؤلمة ومشاكل لا تجبر كالإِنحراف الجنسي ، أو السرقة ، أو الإِنتحار . وأخيراً فان كلاً من الولد أو الفتاة الهاربين ينتهي إلى مصير تعس ومؤلم ، ويكون بعمله هذا قد انتقم لكرامته من أبويه بتلويث سمعتهما والحط من منزلتهما في المجتمع .

وبهذا الصدد يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «ولَدُ السوء يهدم الشرفَ ، ويَشينُ السلَف»(١) .

نماذج للانتقام :

تخطر ببالي عدة نماذج للإِنتقام من قبل الأطفال والشباب والمحتقرين ، لا أرى من الصالح ذكرها في هذا الإِجتماع العام ، لأن ذلك قد يؤدي إلى إثارة نائرة الإِنتقام في نفوس بعض الشباب الذين يلاقون الأمرّين من التحقير والإِهانة من قبل آبائهم ، وفي ذلك مفساد كبيرة . لكني سأكتفي ببعض النماذج المفيدة في حسن تربية الأطفال ليطلع الآباء على واجباتهم في هذا الصدد

الافراط في المحبة :

من عوامل نشوء عقدة الحقارة عند الطفل ، الإِفراط في الحب والحنان من قبل الوالدين تجاه طفلهما ، إن الطفل الذي عومل بمقدار اعتيادي من الحب واللين لا يتألم لولادة الطفل الثاني في الأسرة لأن المقدار الذي كان يعامل به لا يزال موجوداً الآن . لكن الطفل الذي عومل بحب وحنان زائدين ونشأ على الدلّ والغنج يتألم كثيراً لولادة الطفل الثاني ، لأنه يرى أن قسماً من الحب الذي كان يستأثر به إلى ذلك الحين قد صار من حصة أخيه أو أخته ،

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٧٨٠ .

٢٩٩

ولذلك فانه يحقد عليه ، ويتحين الفرص للإِنتقام منه . فيضربه ، أو يدخل إصبعه في عينه ، أو يقرصه . كذلك يحاول الإِنتقام من أبويه فيسيء إليهما ، ويعاملهما بالقسوة والإِهمال ، لا يعتني بكلامهما ، وقد يسمعهما ما لا يرضيان .

الأطفال المحرومون :

والعامل الآخر من عوامل إيجاد عقدة الحقارة عند الطفل ، الحرمان من اللباس المناسب والغذاء الطيب ووسائل اللعب أو أدوات المدرسة . إن الطفل الذي يلبس حذاءاً بالياً أو ثوباً رثاً بين الأطفال الأنيقين في ملابسهم أو الذي يرى مختلف وسائل اللعب بأيدي الأطفال الآخرين ويجد نفسه فاقداً لها . . . أو الذي يذهب إلى المدرسة وهو لا يملك حقيبة أو أدوات مدرسية ، يشعر بالحقارة في نفسه ، ويرى أنه في مستوى دون مستوى الآخرين .

إن الآباء الموسرين الذين يستطيعون الإِستجابة لحاجات أطفالهم بصورة معتدلة ، ولكنهم يقترون عليهم بسبب من لؤمهم وبخلهم يرتكبون جرماً عظيماً . فقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ليس منّا مَن وُسُع عليه ، ثم قتر على عياله»(١) .

وعن علي بن الحسين عليه‌السلام قال : «أرضاكم عند الله أوسعكم على عياله»(٢) .

وفي حديث عن ابن عباس ، قال : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «مَن دخل السوق فاشترى تحفةً فحملها إلى عياله كان كحامل صدقة إلى قومٍ محاويجَ ، وليبدأ بالإِناث قبل الذكور . فانه مَن فرّح ابنته فكأنما أعتق رقبة من وُلد إسماعيل ، ومن أقرّ عين ابن فكأنما بكى من خشية الله ، ومَن بكى من خشية الله أدخله جنّات النعيم»(٣) .

____________________

(١) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٤٣ .

(٢) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ١٣٢ .

(٣) مكارم الاخلاق للطبرسي ص ١١٤ .

٣٠٠