الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

غير المعقول ، والخجل المفرط الناشىء من ضعف النفس والضعة فهو مذموم عنده .

لقد أوصىٰ الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسلمين بوصايا كثيرة منعاً من نشوء عقدة الحقارة فيهم . ورسم لهم الخطوط العريضة للحياة الصالحة السعيدة بفضل تعاليمه القانونية والخلقية . وفي ذلك كله وقاية عن ظهور هذا الداء الإِجتماعي .

في نهاية المحاضرة أذكر لكم بعض الموارد التي لا يستحسن فيها الحياء حيث صرح الإِسلام بالمنع منه فيها .

من ذلك قوله تعالى : (وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)(١) والرجال المؤمنون يتبعون أوامر الله عز وجل ويقولون الحق بكل صراحة وصرامة ويصرّون عليه دون حياء أو خوف .

إن الرجال المؤمنين لا يخافون لومة لائم في طريق الحق والواقع . . ولذلك فقد وصفهم الله تعالى في كتابه المجيد حيث قال : (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)(٢) .

والرجال المؤمنون لا يستحقون أن يتعلموا ويتزودوا بالمعرفة في أي سن كانوا ، ففي الحديث : «ولا يستحينَّ أحدٌ إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه»(٣) .

والرجال المؤمنون لا يستحون أن يعترفوا بجهلهم إذا سئلوا عن شيء وكان يجهلونه . فقد قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «ولا يستحينّ أحدٌ منكم إذا سئل عمّا لا يعلم ، أن يقول : لا أعلم»(٤) .

لقد حذر الأئمة عليهم‌السلام المسلمين من الخجل والحياء في كثير من

____________________

(١) سورة الأحزاب ؛ الآية : ٥٣ .

(٢) سورة المائدة ؛ الآية : ٥٤ .

(٣) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١١١٣ .

(٤) نفس المصدر .

٢٦١

الموارد ، حيث لا داعي لذلك .

وما أكثر الأشخاص المصابين بعقدة الحقارة بسبب من فقدان الإِيمان أو الجهل ، أو ضعف الشخصية . . . فيرتطمون في هوة الخجل المفرط في موارد لا تستحق ذلك . أما الأفراد المؤمنون فانهم بمنجى عن هذه المشاكل بفضل إتباعهم التعاليم الإِسلامية القيمة ، واقتدائهم بسيرة أئمتهم عليهم‌السلام .

٢٦٢

المحاضرة السادسة والعشرون

تعديل الميل الجنسي

قال الله تعالى في كتابه العظيم : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)(١) .

العفة :

من الصفات الفاضلة والملكات الإِنسانية القيمة : إنها تدعو الفرد إلى الإِتزان في الإِستجابة لميوله الجنسية ، وتحفظه من التلوث بالإِنحرافات المختلفة ، على الوالدين أن ينمّيا هذه الفضيلة الخلقية في الطفل ، ويهتما بنشوئه على ذلك في كل مرحلة من مراحل حياته .

في قبال ذلك نجد أن الغريزة الجنسية تعتبر من أقوى الغرائز عند الإِنسان . إن المآسي والمشاكل التي تصيب الفرد من هذا الطريق والميول المكبوتة والرغبات التي لم تلاق إستجابة صحيحة تستطيع أن تولد في النفس الإِنسانية عقداً عظيمة ، وتؤدي إلى مفاسد وإنحرافات ، وجرائم وخيانات وحوادث قتل وغارات . . . وفي بعض الأحيان تتسبب في ظهور مرض روحي أو تنتهي إلى الجنون .

____________________

(١) سورة المؤمنون ؛ الآية : ٥ .

٢٦٣

إن مسألة الإِستجابة للغريزة الجنسية وكيفية إرضاء الميول المتعلقة بها من أهم المسائل العلمية والدينية . لقد أدلىٰ علماء البشرية على مر القرون الطويلة ، نظريات مختلفة حول هذا الموضوع ، وقد ارتطم بعضهم بمشكلة الإِفراط أو التفريط في أفكاره . تتميز الأمم والشعوب في العالم بأساليب خاصة في الإِستجابة للغريزة الجنسية ، وتختص بعادات مختلفة في ذلك . أما في العصر الحديث فقد اتخذ الميل الجنسي لوناً جديداً ، وحصل على أهمية أكبر من السابق . إن الطبقة الواعية تعتبر هذه المسألة من مسائل العلوم الحياتية ، والإِجتماعية ، والنفسية ، والطب النفسي ، والتربية والتعليم وتجري البحوث العميقة حولها .

. . . وللإِسلام نظرته الخاصة في هذه الغريزة القوية ، ومنهجه الفريد في الإِستجابة لها ، وقد استوعب ذلك عشرات التعليمات والوصايا المهمة في كيفية الإِتزان في إرضاء الميل الجنسي ، والوصول إلى الأسلوب الأمثل الذي يجنب صاحبه الإِنحراف .

إن البحث التفصيلي الكامل في هذا الموضوع يحتاج إلى وقت طويل ويستغرق عدة محاضرات ، ولما كان يحتل مكانة سامية في تربية الطفل من الناحيتين : الدينية والعلمية ، فسنخصص محاضرتنا هذه بذلك ، متطرقين إلى أُمهات القضايا بصورة مضغوطة .

الغرائز والحرية المطلقة :

يعترف جميع العلماء من مختلف الأمم والشعوب بصورة تعديل الميول والغرائز لضمان النظام الإِجتماعي واستمراره على أُسس من التعاون والإِنسجام ويؤمنون بأن استجابة كل فرد لميوله ورغباته يجب أن تكون محدودة وتابعة لمقياس صحيح .

هناك تضاد حتمي بين الميول النفسانية والمصالح الإِجتماعية في كثير من الأحيان ، ولا طريق لاستمرار المدنية ، وحفظ النظام الإِجتماعي بغير التخلي عن الميول اللامشروعة . إن الإِنسان مضطر إلى التخلّي عن فكرة الحرية

٢٦٤

المطلقة تجاه رغباته وأهوائه في الحياة الإِجتماعية ، ويرى نفسه مندفعاً ـ بصورة تلقائية ـ إلى جعل استجابته لغرائزه محدودة بإطار المصلحة العامة للأفراد الذين يعيشون معه في المجتمع .

«هناك كثير من الأفراد يعارضون التمدن بسبب من أن ذلك يؤدي إلى تقييد حرياتهم في الإِستجابة لغرائزهم يجب أن نتنبه في خصوص هذه المعارضة بأنها غير منطقية أبداً . إذ يمكن القول بضرورة تحديد الغرائز من الناحية الفنية في سبيل تحقيق التمدن لمقاصده وأهدافه» .

«إن الحصول على الأمن والهدوء الناشئين من المدنيّة ، من دون الإِنصراف عن فكرة الحرية المطلقة ، نوع من الأنانية والاثرة فعلى الإِنسان أن يتخلى عن حريته الطبيعية التي كان يمتاز بها قبل نشوء المدنية ـ من الناحية النظرية ـ حتى يستطيع الدخول في الحياة الإِجتماعية» .

«إن هذه الرغبة في الحرية ناشئة في الحقيقة من أن كل فرد يريد إرضاء رغباته النفسية بطريق خفي ، من دون الإِعتناء برغبات الآخرين ، على الرغم من أنه يستفيد من القوي والوسائل الإِجتماعية في سبيل الوصول إلى غاياته» .

«إن الرغبة في الرجوع إلى الحالة الطبيعية للحصول على مقدرة إرضاء الغرائز بصورة حرة خطأ فاحش . ولكن الرغبة في العيش في المجتمع المتمدن إلى جانب امتلاك الحرية الكاملة ، نفاق ممقوت ، وأنانية مذمومة . . . لأنها تؤدي إلى الإِضرار بحريات الآخرين»(١) .

____________________

(١) انديشه هاي فرويد ص ١٢١ .

٢٦٥

تزكية النفس :

ترى المدنية الإِسلامية أن الناس مقيدون في إرضاء غرائزهم والإِستجابة لميولهم ، كما ترى المدنيات المادية ذلك ، مع فارق كبير هو أن المدنيات المادية تهدف إلى ضمان الاستقرار المعيشي للإِنسان ، ولذلك فان ترك الحرية في الإِستجابة للغرائز إنما يتحدد بإطار المصالح المادية ، والحفاظ على النظام الإِجتماعي . . . في حين أن المدنية الإِسلامية تهدف إلى أمرين : أحدهما الحفاظ على النظام في الحياة المادية ، والآخر الوصول إلى الكمالات الروحية وإحراز الصفات الإِنسانية العليا .

إن إحراز المقام الشامخ في الإِنسان لا يتيسر بضبط النظام المادي في المجتمع . فمن يرغب في الوصول إلى هذا الهدف العظيم عليه أن يهتم بتزكية نفسه وتطهيرها من الجرائم والآثام ، ويعمل على بلوغ الدرجة التي يستحق معها إعتباره إنساناً واقعياً في ظل الإِيمان بالله وإلتزام المثل العليا . وكما إن استقرار النظام الإِجتماعي وضمان حقوق الآخرين يتطلب من الإِنسان أن يقيد غرائزه ، كذلك الوصول إلى الكمال الإِنساني وبلوغ مرحلة القيم والفضائل فانه لا يتيسر إلا بتقييد هوى النفس والتخلي عن الرغبات اللامشروعة .

الدين والمدنية :

إن التضاد الذي قد يلحظ أحياناً بين التعاليم الدينية والمدنية المعاصرة ناشىء من هذا الإِختلاف في الهدف . فالتعاليم الدينية ترى أن كل عمل يخالف المصلحة الإِجتماعية أو يتنافى والسعادة الفردية فهو محرّم ، وبعبارة أُخرى لا يجوز لأي فرد أن يقوم بعمل من شأنه الإِضرار بمصلحة المجتمع أو يتصادم مع سعادته الفردية . أما في المدنية المعاصرة فان كل فرد يعتبر حراً في الأفعال التي لا تتصادم مع النظام الإِجتماعي ولا تتضمن الإِضرار بالآخرين والتجاوز على حقوقهم ، حتى لو كان ذلك العمل مضراً بسعادته كشرب الخمر ، والقمار ، والزنا ، والإِنتحار ، هذه الحرية هي التي سببت المآسي والمشاكل في عالم الغرب .

٢٦٦

وبهذه المناسبة يقول الدكتور (الكسيس كارل) :

«يجري كل فرد في حياته حسب ذوقه الخاص . إن هذا الميل فطري في الإِنسان ، ولكنه في الدول الديمقراطية قد بلغ أشد ما يمكن حتى أدى إلى نشوء أضرار كثيرة . إن فلاسفة عصر النور هم الذين وضعوا أساس هذه الحرية المطلقة في أوروبا وأمريكا ، وسخروا من المنطق وأصوله باسم المنطق واعتبروا كل إلزام أو تقييد أمراً غير معقول ، ومن هنا بدأت المرحلة الأخيرة من الحرية ضد القواعد والأُسس التي كان يجري عليها أسلافنا في حياتهم ، والتي كان يلزم بها الأفراد جميعاً طيلة آلاف الأعوام حسبما توصلوا إليه من تجاربهم وعلى ضوء الأخلاق والآداب الدينية»(١) .

«تلك الحرية التي يتمتع بها أكثر الأفراد ليست اقتصادية أو فكرية أو أخلاقية . إن الأشخاص الذين لا يوجد ما ينغص عليهم حياتهم هم المتمتعون بهذه الحرية ولذلك نجدهم يتنقلون من كوخ إلى آخر ، ومن محل كوّاز إلى محل كواز غيره ، ويقرأون الأكاذيب التي ملئت بها المجلات والصحف ، ويستمعون إلى الدعايات المتناقضة التي تنقلها لهم الإِذاعة»(٢) .

الحريات المضرة :

إن موضوع إرضاء الغريزة الجنسية من الموارد التي فسح للأفراد في دنيا الغرب الحرية المطلقة في ممارستها . وهكذا نجد أن كثيراً من الشباب والفتيات في تلك الدوله يصابون بالإِفراط على أثر الحرية المطلقة الممنوحة لهم ، فينزلون إلى هوة الإِنحراف والفساد عند إشباعهم للغريزة الجنسية . . . وهذا ما يتضمن بين طياته المفاسد الكثيرة للأمة والدولة .

____________________

(١) راه ورسم زندگي ص ٢ .

(٢) المصدر السابق ص ٩ .

٢٦٧

«يونايتدپرس / دلت الإِحصاءات التي أُجريت على حقائب طالبات المدارس المتوسطة في بريطانيا أن ٨٠% منهم كن يحملن الأقراص المانعة من الحمل . لقد كتب أحد المحققين الإِجتماعيين في الرسالة التي بعث بها إلى صحيفة (تايمز) اللندنية أن الإِحصاءات التي حصل عليها مضبوطة تماماً . إنه يقول : إن بعض الطالبات كن قد سألن مدرساتهن عن النوع المفضل لأقراص منع الحمل» .

«يقول هذا المحقق الإِجتماعي في نهاية رسالته : إن هذه الحقيقة المرة والمأساة المخيفة ناتجة من الحرية المفرطة الممنوحة للفتيات الإِنكليزيات»(١) .

«آسوشيتدپرس / يقول الدكتور مولنز : إن من بين كل خمس فتيات إنكليزيات يذهبن إلى الكنيسة لعقد الزواج فتاة واحدة حامل . يقول هذا الدكتور وهو يشتغل بالطب في المنطقة الجنوبية من مدينة لندن ، في مقال خاص بهذا الموضوع : يحدث في لندن كل عام خمسون ألف حادثة إجهاض جنائية . ويوجد من بين كل عشرين طفلاً متولداً ، طفل واحد غير شرعي ، وبالرغم من أن الظروف المعيشية تتحسن كل عام ، فإن عدد هؤلاء الأطفال يزداد باطراد . يعتقد الدكتور مولنز أن الأطفال غير الشرعيين غالباً ما يولودن في الأسرة الموسرة وإن الفتيات اللاتي نشأن في الأسر الثرية يلدن أولاداً غير قانونيين أكثر من غيرهن»(٢) .

لا تقف أضرار الحرية المفرطة للناس في اتباع غرائزهم الجنسية عند حد إنهيار أساس الأسرة ، وتلوّث النسل ، والإِنحرافات الجنسية المختلفة والإِنتحارات الناشئة من الإِخفاق في الحب والغرام ، واضطراب الأُسس

____________________

(١) جريدة (إطلاعات) الإِيرانية ـ العدد / ١٠٦٢٣ .

(٢) جريدة (كيهان) الإِيرانية ـ العدد / ٥٣٥٦ .

٢٦٨

الخلقية . . . بل إن هذا الأمر يتعارض مع الشرف الإِنساني والميول البشرية العالية . إن الإِنسان أعظم من أن يكون عبداً مطيعاً لشهواته ، وأسيراً منقاداً لغرائزه .

الأحرار :

لا شك أن الغريزة الجنسية تتطلب الإِستجابة لها وإرضاءها كسائر الغرائز ، وعلى كل فرد أن يشبع هذه الغريزة وفقاً لقانون الخلقة . ولكن النقطة الجديرة بالإِهتمام هي أن الشهوة يجب أن تكون مسخّرة للإِنسان ، لا أن يكون الإِنسان مسخّراً لشهوته .

إن الذي نقاد لرغباته وأهوائه ليس حراً ، بل هو عبد ذليل لشهوته . إن الأحرار هم الذين يستطيعون السيطرة على حب المال والشهوة بقوة الإِيمان والعقل ، وفي ظل الأخلاق والفضائل .

وفي هذا يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام :

١ ـ «من تَرك الشهواتِ كان حراً»(١) .

٢ ـ «عبدُ الشهوةِ أذلُّ من عبد الرِقّ»(٢) .

٣ ـ «أعدى عدوّ للمرء غضبُه وشهَوتُه . فمن ملكهما عظمت درجتُه وبلغ غايته»(٣) .

الميول الحيوانية والميول الانسانية :

يحتوي الإِنسان على طائفتين من الميول : ـ الطائفة الأولى عبارة عن ميول مشتركة بين الإِنسان وسائر الحيوانات كحب الذات ، وحب الأولاد والشهوة والغضب والأكل والشرب وما شاكل ذلك . والطائفة الثانية عبارة عن الميول الخاصة بالإِنسان ، كأداء الأمانة ، والوفاء بالعهد ، والتضحية والعفة ،

____________________

(١) تحف العقول عن آل الرسول ص ٨٩ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٤٩٨ .

(٣) المصدر السابق ص ٢٠٣ .

٢٦٩

والحياء وعزة النفس . . . وما شابه ذلك .

أما الميول المشتركة بين الإِنسان وسائر الحيوانات ، فهي وإن كانت ضرورية لإِدامة الحياة ، وذات أهمية خاصة ، ولكنها لا تكون ملاكاً للشرف ومقياساً للفضيلة الإِنسانية مطلقاً . إنها لا يمكن أن تكون أساساً لتقدم الإِنسان وتكامله . ذلك أن الميول التي تشكل الأساس للتكامل البشري هي الميول التي تضع الحد الفاصل بين الإِنسان والبهائم ، وفي ظلها يستطيع الفرد بلوغ قمة الإِنسانية والكمال . وكلما كانت هذه الميول المعنوية التي هي أساس الفضائل قوية في أُمة من الأمم كانت قيمة تلك الأُمة في الحياة الإِجتماعية أكثر ، وكانت إلى السعادة الحقيقية أقرب .

إن قسماً من الميول الخاصة بالإِنسان يملك جذوراً فطرية في نفس الفرد . وعلى المربي القدير إحياء تلك الميول بالتنمية الصحيحة ، وإخراجها إلى حيز الفعلية ، وذلك كالوفاء بالعهد وأداء الأمانة .

ولكن القسم الآخر من تلك الميول لا يملك جذوراً فطرية في نفس الفرد . . . عندئذ يجب على المربي القدير استغلال جميع الوسائل العلمية والعملية في التربية لترسيخ أُسس هذه الميول في نفوس الأطفال الذين عهدت إليه تربيتهم . . . ومثال هذه الميول : العفة والحياء .

إن الميول الإِنسانية العليا هي مكارم الأخلاق التي بعث نبي الإِسلام العظيم لإِتمامها والتي شكلت جانباً مهماً من برنامج دعوته ، وقد وردت في ذلك مئات الآيات والأحاديث .

يظهر أثر الميول الإِنسانية في حفظ الشرف والرفعة للفرد ، والرقابة على الميول الحيوانية ، فعندما تحاول الميول الحيوانية الخروج من حدود المصلحة وتلويث شرف الإِنسان ، تعمل الميول الإِنسانية على التلطيف من حدتها ، والتخفيف من ضراوتها ، وبالتالي منعها عن الإِنحراف .

وفي هذا يقول القرآن الكريم : (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا

٢٧٠

يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)(١) .

إن الميل الحيواني للإِنسان الجائع عبارة عن الحصول على الغذاء وسدّ حاجة الجوع . وهو لا يكترث بأي عمل في سبيل الوصول إلى ما يريد ، في حين أن الرجال الشرفاء وأصحاب الفضيلة الذين يتمتعون بالميول الإِنسانية العليا لا يقدمون على أعمال مخلة بالشرف في سبيل إرضاء غريزة الجوع ، ولا يستسلمون لذلّ السؤال والاستعطاء . إن عزّة النفس تسيطر على الميل الحيواني عندهم ، وتمنعهم من التجاوز عن الحد المعقول .

العفة الجنسية :

والعفة الجنسية من الميول الإِنسانية العليا ، التي يتعهد المربي بتنميتها في نفس الإِنسان حسب الأساليب التربوية الصحيحة . إن أثر هذه الفضيلة الخلقية هو الرقابة على الغريزة الجنسية فعندما تطغي الشهوة وتحاول أن تدفع الفرد اإلى الإِعتداء والإِنحراف ، تقف العفة كسد محكم في قبالها وتمنعه عن الإِنزلاق في المهواة السحيقة ، فينجو عن الإِنهيار الحتمي والإِنحراف الخلقي أما الأفراد المحرومون من هذه الفضيلة السامية فانهم معرضون للسقوط والإِنهيار في كل لحظة ، وإذا دفعتهم حوادث الدهر إلى شفا جرف من الفساد والضلال فقلما يستطيعون إنقاذ مواقفهم ، وتدارك الأخطار المحتمة التي ستصيبهم .

إن أساس العفة يجب أن يصب ـ كسائر الميول الفطرية عند الإِنسان ـ منذ دور الطفولة . على الوالدين أن يستفيدا من هذا الدور ، ويوجدا هذه الفضيلة في ضمير الطفل قبل أيام البلوغ .

إن السلوك الممتاز للوالدين العفيفين ، وكذلك العوامل المساعدة التي يقومان بتهيئتها في جو الأسرة للأطفال لغرض تنشئتهم على العفة ، أحسن

____________________

(١) سورة البقرة ؛ الآية : ٢٧٣ .

٢٧١

السبل لترسيخ هذه الفضيلة في نفوسهم .

لقد اهتم الإِسلام بهذه القاعدة الخلقية في منهاجه التربوي إهتماماً بالغاً . ولأجل أن ينشأ الأطفال المسلمون على العفة والطهارة أوصى الوالدين بتعليمات قيمة . وسنتعرض في هذه المحاضرة إلى طائفة منها إن شاء الله ، ولكن من المناسب أن نوجه أذهان المستمعين الكرام إلى نموذج من البحوث العلمية للعلماء حول أصل الميل الجنسي .

ينبوع الحب :

لا شك في أن الغريزة الجنسية من أقوى الغرائز البشرية . ليس المراد من الغريزة الجنسية في الإِصطلاح العلمي الحديث هو الميل للإِتصال الجنسي بين الرجل والمرأة فقط ، بل المقصود من ذلك معنى أوسع لا يعتبر الميل للإِتصال الجنسي إلا مظهراً من مظاهره .

يرى العلماء أن الغريزة الجنسية بمنزلة ينبوع للحب والحرارة ، خُلق في باطن الإِنسان منذ البداية . ففي أيام الطفولة والأعوام التي قبل البلوغ يجري هذا الينبوع في بعض المجاري الدقيقة ، ويبدي شيئاً من الحرارة الكامنة فيه . أما في أيام البلوغ فانه يظهر باندفاع أشد ، وحرارة أقوى فتضطرم نيران الغريزة الجنسية في مزاج الشاب ، وتؤدي إلى تحول عظيم في روحه وجسمه .

لقد اعترف جميع العلماء بأن بعض أفعال الطفل تنبع من الغريزة الجنسية في حين أن فرويد أُصيب في هذه المسأله ككثير من المسائل بالإِفراط والمبالغة ، وغشَتْ عيناه عن رؤية الحقيقة . لقد استند (فرويد) في نظرياته إلى الغريزة الجنسية أكثر من الحد الواقعي ، إلى درجة أنه نسب حنان الأم وعطفها لطفلها إلى هذه الغريزة . . . ولسنا الآن في صدد ذلك . بل نقول : إن فرويد يعتقد بأن في الإِنسان غريزتين أصليتين فقط : إحداهما حب الذات والأُخرى الغريزة الجنسية . ولكنه يعزو القسم الأكبر من اللذائذ البشرية منذ الطفولة حتى

٢٧٢

نهاية العمر إلى الغريزة الجنسية . . إن فرويد وأتباعه يرون أن إلتذاذ الطفل بامتصاص ثدي أُمه ، أو مصّ إصبعه يعود إلى جذور جنسية ! .

«إن الميل الجنسي عند الأطفال يشترك مع الميل الجنسي عند البالغين ، وفي أن هناك طاقة محركة واحدة تغذي الميلين ، ويكفي مع اشتراك الطاقة المحركة هذا لأن نفسر بعض حركات الطفل وأفعاله بتفسير جنسي بحت» .

«يميز فرويد في التطور بين مراحل مختلفة ، بمعنى أن الميل الجنسي يظهر في البداية على الفم ويتمثل في الإِمتصاص ثم ينتقل إلى الأسنان ويظهر في صورة المضغ»(١) .

لقد تعرضت نظريات فرويد إلى نقد شديد من قبل العلماء والباحثين فقد اعتبروا قسماً من تلك النظريات بعيدة عن الواقع تماماً ، وكتبوا في الردّ عليها بحوثاً مطولة ، ولكنهم يؤمنون بأن شطراً من أفعال الأطفال يعود إلى طبيعة جنسية .

«يقول موريس وبز أُستاذ جامعة استراسبورغ : إذا حاولنا الإِيمان بجميع النظريات التي أوردها فرويد حول القضايا الجنسية فقد ارتكبنا شططاً ما بعده شطط . إنها بحاجة إلى تصفية ضرورية ، وقد بدىء في الآونة الأخيرة ، ولكن يشترط في صحتها أن لا نخلط بين المسائل الجنسية ومسائل التناسل . إن مما لا يقبل الإِنكار هو أن الطفل ـ خصوصاً في المرحلة الثانية من حياته ـ أي ما بين ٣ إلى ٦ سنوات يشتمل على بعض المبادىء الجنسية وليس هذا خاصاً بالإِنسان ، فالجميع يعلمون أن القرد أيضاً يملك في الأعوام السابقة على بلوغه بعض التطلعات الجنسية»(٢) .

____________________

(١) انديشه هاي فرويد ص ٤٢ .

(٢) چه ميدانيم ؟ بلوغ ص ٤٣ .

٢٧٣

تنمية مواهب الطفل :

يتولد الطفل من أُمه وهو يملك موهبة التكلم ، والتفكير . ولأجل التنمية الصحيحة لهاتين الموهبتين يجب إلتزام منهجين كاملين : أحدهما المنهج الطبيعي ، والآخر المنهج التربوي .

أما في النهج الطبيعي فلا بد من كون جميع عوامل نمو الطفل سالمة حتى يستطيع اللسان والمخ من مواصلة سيرهما التكاملي في ظل نشاطات تلك العوامل ، وبذلك تتفتح المواهب الكامنة وتخرج إلى حيز الوجود . فان توقف اللسان أو المخ عن النمو على أثر مرض أو علة أُخرى فان الطفل يبقى أبكَم وغير قادر على التفكير .

وأما في المنهج التربوي فتحتاج التنمية الصحيحة لموهبة التكلم والتفكير إلى مربّ قدير يراقب لسان الطفل ومخه ويهديهما نحو الطريق الصحيح ، فيجنّب لسانه عن الباطل والكلام البذيء ؛ ويصون مخه عن الإنحراف في التفكير ، وطروّ العقائد الخرافية عليه .

كذلك الإِستعداد للنشاط الجنسي موجود في الطفل منذ البداية . ولا بد من وجود عوامل طبيعية تنمي هذه الغريزة طبقاً لسنن الخلقة ، وتخرجها إلى حيز الوجود بالتدريج . كما أنه لا بد من عوامل تربوية تقود تلك الغريزة نحو الطريق الصحيح وتحفظها بمنجى عن الإِنحراف والفساد .

إن الأبوين الفاقدين للعفة ، واللذين لا يتورعان عن التكلم بالعبارت البذيئة أمام طفلهما ، أو يرتكبان الأفعال المنافية للعفة أمامه بوقاحة ، يقودانه نحو الإِنحراف والفساد ، ويعوّدانه على الإِستهتار واللامبالاة منذ الصغر .

الانسجام بين التربية والطبيعة :

إن القاعدة الأساسية في التربية الصحيحة عبارة عن الإِنسجام التام بين المناهج التربوية والقوانين الطبيعية . على الآباء والأُمهات أن يسيروا حسب قوانين الفطرة في تربية أطفالهم خطوة خطوة ، ويربّوا الطفل على الأُسس

٢٧٤

الفطرية ، فمثلاً يختلف الغذاء المناسب للطفل قبل ظهور الأسنان في فمه عنه بعد ظهورها . وعلى المربي أن يسير في أُسلوب تغذية الطفل ونوع الطعام الذي يلائمه وفقاً لقانون الخلقة ، ويثبت منهاجه الغذائي على الموازين الطبيعية والتكامل التدريجي للطفل . إن الرغبة في اللعب من الأمور الفطرية عند الطفل . وعلى المربي أن يجعل منهاجه التربوي منسجماً وهذا الميل الفطري فيعوّده على الألعاب السليمة والبعيدة عن الأخطار .

والغريزة الجنسية من أهم الأمور الفطرية عند الطفل . هذه الغريزة تسلك طريق تكاملها ونموها في ظل سلسلة من القوانين والقواعد الطبيعية الدقيقة ، وتمر بمراحل عديدة وفقاً لمنهاج الفطرة حتى مرحلة البلوغ .

ولكيلا يصاب الأطفال بالإِنحراف الجنسي ، بل ينشأوا على العفة والنزاهة ، يجب على الآباء والأُمهات أن يخضعوا أطفالهم إلى رقابة واعية بواسطة منهاج تربوي سليم يتماشى والمنهاج الفطري . . . وبذلك يستطيعون أن يقودوهم نحو الطريق المستقيم المؤدي إلى السعادة والفلاح .

«لقد بات من الأمور المتسالم عليها في الآونة الأخيرة أن النشاط الجنسي عند الأطفال يظل جامداً بين السادسة والثانية عشرة من أعمارهم ، وكما يقول علماء التحليل النفسي فان هذه الفترة هي فترة ضمور . في هذه الفترة تحصل علاقات بين الأولاد والبنات أو بين الأطفال من جنس واحد ، قائمة على الحب ولكنها بعيدة كل البعد عن الشهوة . أما القوة الجنسية المحركة فانها تستيقظ في مرحلة البلوغ بأقوى ما يمكن . وقبل هذه المرحلة فان هذه النار بالرغم من وجودها ، مختفية تحت الرماد ، لكنها منذ هذه المرحلة تأخذ بالإِندلاع وإبداء مظاهرها المختلفة»(١) .

نلاحظ في هذه الفقرة المقتبسة ثلاث نقاط جديرة بالإِنتباه :

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بلوغ ص ٤٣ .

٢٧٥

الأولى ـ أن الفترة الواقعة بين السادسة والثانية عشرة عند الأطفال فترة خاصة من الناحية الجنسية .

الثانية ـ أن الغريزة الجنسية في هذه الفترة كالنار المستورة بالرماد ، أما في دور البلوغ فان الرماد يتنحى وتندلع ألسنة النار .

الثالثة ـ إن قانون الخلقة يقضي بأن يكون النشاط الجنسي جامداً ومضمراً في الأعوام الواقعة بين السادسة والثانية عشرة .

هذه النقاط الثلاث مما تعترف بها المدرسة الفرويدية ، ويذعن لها سائر العلماء والباحثين . وإذا عدنا إلى ما ذكرناه آنفاً من ضرورة انسجام الأساليب التربوية مع القوانين الطبيعية ، فان أفضل المناهج التربوية في كيفية توجيه الغريزة الجنسية في الفترة الواقعة بين السادسة والثانية عشرة هو المنهج الذي ينسجم وضمور النشاط الجنسي ، حيث تكون علاقات الحب بين الأطفال منزهة من شائبة الميل الجنسي .

وبعبارة أوضح : فان المنهج الطبيعي في الأعوام السابقة على البلوغ يقضي باختفاء الميل الجنسي وجموده . . إذن يجب أن يكون المنهج التربوي منسجماً مع قانون الطبيعة ، ويساعد على هذا الجمود والضمور في سبيل تربية الطفل تربية صحيحة .

المنهج الاسلامي :

لقد أولى الإِسلام في منهاجه التربوي عناية فائقة للفترة الواقعة بين السادسة والعاشرة من عمر الأطفال ، فقد أورد جميع التعاليم الضرورية في مراقبة الميل الجنسي وإيجاد ملكة العفة ، في خصوص هذه الفترة .

لقد راعى الإِسلام في منهاجه التربوي الانسجام الكامل بين قوانينه التشريعية والقوانين التكوينية ، وحقق بذلك الوسائل الممهدة لجمود الميل الجنسي عند الأطفال في الفترة المذكورة . فقد جنّبهم عن كل عمل مثير يؤدي إلى نضج النشاط الجنسي قبل أوانه ، وأوجب على الآباء والأُمهات إهتمامهم

٢٧٦

بإيجاد الجو المناسب لبقاء هذا النشاط مجمداً حتى يحين موعد نضجه .

وفي هذا المعنى روايات كثيرة ، نكتفي بذكر نبذة منها :

١ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الصبيُّ والصبيُّ ، والصبي والصبيّة ، والصبيّة والصبيّة يُفرَّق بينهم في المضاجع لعشر سنين»(١) .

٢ ـ وعن الباقر عليه‌السلام : «يُفرَّق بين الغلمان والنساء في المضاجع إذا بلغوا عشرَ سنين»(٢) .

٣ ـ عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «فرّقوا بين أولادكم في المضاجع إذا بلغوا سبع سنين»(٣) .

٤ ـ وفي حديث آخر : «رُوي أنه يفرَّق بين الصبيان في المضاجع لِستّ سنين»(٤) .

٥ ـ وعن الإِمام موسى بن جعفر قال : «قال علي عليه‌السلام : مروُا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا أبناءَ سبع سنين ، وفرّقوا بينهم في المضاجع إذا كانوا أبناء عشر سنين»(٥) .

في هذه الأحاديث نجد أن الإِسلام يساير قانون الفطرة والخلقة ، فيأمر بالتفريق بين مضاجع الأطفال الذين يتجاوزون الست سنوات حتى يمنع من إتصال أجسامهم بشكل مثير للغريزة الجنسية في حين أن قانون الخلقة يقضي بجمود هذه الغريزة في الفترة التي هم فيها .

٦ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا بلَغتِ الجاريةُ ستّ سنين فلا يقبّلها الغلام ، والغلام لا تقبّله المرأة إذا جاوز سبع سنين»(٦) .

____________________

(١) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ٢٨ .

(٢) مكارم الأخلاق للطبرسي ص ١١٥ .

(٣) بجار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٢٣ ص ١١٤ .

(٤) مكارم الأخلاق للطبرسي ص ١١٦ .

(٥) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٥٥٨ .

(٦) مكارم الأخلاق للطبرسي ص ١١٥ .

٢٧٧

٧ ـ وعن أبي الحسن عليه‌السلام : «إذا أتت على الجارية ستّ سنين لم يجز أن يقبّلها رجلٌ ليست هي بمحرمٍ له ، ولا يضمّها إليه»(١) .

٨ ـ وعن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «إذا بلَغتِ الجارية ستّ سنين فلا ينبغي لك أن تقبّلها»(٢) .

٩ ـ وعنه عليه‌السلام ، سأله أحمد بن النعمان ، فقال : عندي جُويريةٌ ليس بيني وبينها رحِمٌ ولها ستّ سنين . قال : «فلا تضعها في حجرك ولا تقبّلها»(٣) .

١٠ ـ قال علي عليه‌السلام : «مباشرةُ المرأة ابنتَها إذا بلغتْ ستّ سنين شعبةٌ من الزنا»(٤) والمقصود من المباشرة هنا مسّ عضوها الخاص .

إن التقبيل ، والمعانقة ، والتضاجع ، ومسّ العضو الخاص للطفل . . . كل ذلك من الأمور المثيرة للميل الجنسي ، ولكي يبقى النشاط الجنسي عند الأطفال من السادسة فما فوق مجمداً ، أوصىٰ الإِسلام بالحذر عن القيام بتلك الأمور .

المناظرة المثيرة :

لقد اهتم الإِسلام كثيراً بمنع الكبار من القيام بما من شأنه إثارة الميل الجنسي عند الأطفال وفي هذا يقول القرآن الكريم :

١ ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ)(٥) .

____________________

(١) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ٢٨ .

(٢) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ٢٨ .

(٣) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٢٣ ص ١١٤ .

(٤) مكارم الأخلاق للطبرسي ص ١١٥ .

(٥) سورة النور ، الآية : ٥٨ .

٢٧٨

إن الله تعالى يأمر المسلمين في هذه الآية الكريمة بضرورة استئذان عبيدهم وأطفالهم غير البالغين عليهم قبل دخول الغرفة في ثلاث أوقات هي : قبل النهوض لصلاة الصبح ، وعند الظهر حيث يتخفف الإِنسان من ملابسه ، وبعد صلاة العشاء حيث يستعد للنوم . فهذه الأوقات الثلاثة عورة للمسلمين ، ولا يجوز للأطفال الدخول على أبويهم فيها لأنهم في الغالب متخففون عن ملابسهم ، وقد يكونون عراة .

٢ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «والذي نفسي بِيَده لو أنّ رجلاً غشيَ امرأته وفي البيتِ صبيٌّ مستيقظٌ يراهما ويسمع كلامه ونَفَسهما ما أفلح أبداً ، إن كان غلاماً كان زانياً أو جاريةً كانت زانيةً»(١) .

٣ ـ وعن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «لا يجامعُ الرجلُ امرأتَه ولا جاريته وفي البيت صبيٌّ ، فانه ذلك مما يورث الزنا»(٢) .

٤ ـ وعن الإِمام الباقر عليه‌السلام : «إيّاك والجماعَ حيث يراك صبيٌّ بأن يِحسنَ أن يصفَ حالك»(٣) .

لقد أوصى الإِسلام في منهاجه التربوي الآباء والأُمهات بالإِمتناع عن إثارة الغريزة الجنسية عند الأطفال بالمناظر المهيجة والعبارات المشينة ، ويهدف من وراء ذلك كله إلى مسايرة قانون الفطرة وضمور الميل الجنسي عند الأطفال حتى يحين وقت نضوجه . وقد عرفنا أن المنهج التربوي الصحيح هو الذي يساير الفطرة في قوانينها ويساعد على إبقاء الميل الجنسي عند الأطفال مجمداً ومستوراً . وقد روعي هذا الأمر في الروايات المتقدمة مراعاة تامة . فقد أمر الأئمة المسلمين ببذل مزيد من الدقة في مراقبة أوضاع أطفالهم ، وإيجاد العوامل المساعدة لبقاء الميل الجنسي مضمراً عندهم والحذر عما من شأنه إثارة الشهوة فيهم .

____________________

(١) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ١٦ .

(٢) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ١٦ .

(٣) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ١٦ .

٢٧٩

هذا الدور لا يستطيع القيام به إلا الآباء والأُمهات العفيفون الذين يحذرون من القيام بالأعمال المنافية للنزاهة في أقوالهم وأفعالهم ، في حضور الأطفال أو غيابهم .

جزاء التخلف :

إن جميع السنن الكونية والقوانين الطبيعية في العالم قائمة على أساس الحكمة والمصلحة ، وإن التخلّف عن كل منها والخروج عليها يتضمن نتائج وخيمة ، ويستتبع جزاءً معيناً .

وضمور الميل الجنسي عند الأطفال في الأعوام السابقة على البلوغ ، من القوانين الإِلٰهية الحكيمة المودعة في نظام الخلقة . إن قوى الطفل تستغل الفرصة في أيام ضمور الميل الجنسي ، فتعمل على تنمية جميع الأنسجة والأعضاء بصورة جيدة ، وتبلغ بالطفل إلى النمو المناسب ، والكمال اللائق له . وبذلك تعدّه لتقبل البلوغ . وعندما تظهر الغريزية الجنسية من خلف الستار ، وتندلع نيران الشهوة من تحت الرماد يكون جسد الطفل قد استكمل بناءه ، واستعد لتقبل هذا التحول مع توفر جميع الشروط المناسبة ، عندئذ يطوي مرحلة الطفولة دون أي خطر ومع أسلم وضع طبيعي ، ويصل إلى المرحلة الثانية من حياته وهي مرحلة البلوغ .

النضج الجنسي السابق لأوانه :

لو لم ينفذ قانون تجميد الميل الجنسي عند الأطفال بدقة ، ونشطت عوامل البلوغ ـ على أثر ذلك ـ قبل موعدها المقرر ، فأدت إلى النضج الجنسي السابق لأوانه ، كان ذلك داعياً لنشوء العوارض الوخيمة والآثار السيئة على روح الطفل وجسمه .

إن البلوغ المبكر والعوارض الناشئة من ذلك من أولى الآثار السيئة لهذه الحالة . ولكي يتضح هذا الموضوع إلى درجة ما ، ويحصل المستمعون الكرام على معلومات أوسع في هذا الصدد أستعرض لكم بعض الأمور المبسطة من

٢٨٠