الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

الرجال المؤمنين فانها العامل الفعال في تنفيذ القوانين وحسن رعايتها .

إن جميع النصوص والأُسس الإِسلامية الواصلة إلينا حول التنظيم الجزائي لا تتجاوز البضع مائة آية وحديث . . . في حين أن هناك ألوف الآيات والأحاديث في الإِيمان بالله واليوم الآخر ، وفي بيان الفضائل والرذائل وحول الشعور بالمسؤولية والقيام بالواجب ، والحث على التقوى والتكامل الروحي . . . وغير ذلك من المعنويات والقيم والمثل . وهذا يدلنا على أن أساس إهتمام الإِسلام العظيم في تنفيذ القوانين كان منصباً على استغلال القوى المعنوية والإِيمانية . إن العقوبات إنما هي لغرض تأديب أفراد معدودين لم يستفيدوا شيئاً من ثروة الإِيمان والفضائل .

وهذا سمة فريدة يمتاز بها النظام التربوي في الإِسلام على سائر النظم التربوية والنفسية في العالم المتحضر . . . وهي عبارة عن أن الإِسلام يرسي قواعده على الإِيمان بالله ، أما النظم الأُخرى فانها فاقدة لهذا الأثر الكبير . يستفيد العلماء المعاصرون في مناهجهم العلمية من قوة التربية والأخلاق ، ومستوى الثقافة والوجدان ونحو ذلك ، فينشئون الأفراد على الشعور بالواجب والإِسلام يستفيد من هذه الأُسس أيضاً في أساليبه التربوية ، إلا أنه يتضمن منهجاً فريداً من نوعه في ضمان سعادة الإِنسان وإحياء الشعور بالواجب في نفسه وهو الإِيمان بالله .

إن تأثير الإِيمان في ضمان تنفيذ القوانين وأداء الواجبات يفوق تأثير أي قدرة أُخرى ولهو أنشط من أي عامل آخر . ذلك أن جميع الوسائل التي تضمن تطبيق القوانين يقل تأثيرها أو ينعدم في الظروف الصعبة وعند مواجهة العقبات . . . أما القدرة التي تستطيع أن تقف حاجزاً أمام إنحراف الأفراد في مختلف الظروف وشتى المواقع فهي الإِيمان بالله . إن المؤمنين الواقعيين مستقيمون في سلوكهم دائماً ويقومون بواجباتهم خير قيام . . . إنهم يسيرون في الصراط القويم في الفقر والغنى ، والصحة والمرض ، والأمن والفوضى ، والسلم والحرب ، وفي كل الحالات ، لا ينحرفون عنه قيد شعرة .

٢٤١

يعترف علماء النفس في كتبهم العلمية بقيمة الإِيمان وتأثيره العميق في المناهج التربوية . إن الطفل الذي تربى في حجر الوالدين المؤمنين ، وتلقى درس الإِيمان بالله منذ الطفولة يمتاز على الطفل الفاقد للإِيمان بميزات كثيرة . إنه يملك طيلة أيام الحياة روحاً أقوى ، واستقامة أكثر ، وأملاً أوطد . . . فهو يرى الله في جميع حالاته مشرفاً عليه ، ولذلك فانه لا يتخلى عن واجباته ولا يفر من مسؤولياته ولا يقدم على الإِجرام والإِعتداء .

الخوف من اللوم :

بعد هذه المقدمة الوافية عن الحياء وأثره الإِجتماعي ننتقل إلى صلب البحث فنقول :

إن الحياء من العوامل النفسية المهمة التي تستطيع ضمان تنفيذ القوانين ومنع الناس من الإِقدام على الإِجرام والتجاوز . هناك أفراد مستهترين ومتسيبون في كل مجتمع ، مأسورون لأهوائهم وشهواتهم ولا يفهمون معنى للشعور بالمسؤولية واحترام القانون ورعاية الآداب ، ولذلك لا يتورعون عن ارتكاب مختلف الذنوب والجرائم ، لكن الحاجز الوحيد الذي يقف أمام تنفيذ رغباتهم هو الحياء من الناس ، ويخافون استياء الرأي العام واستنكاره فيمتنعون عن القيام بذلك . لأنهم يعلمون أنهم إذا أقدموا على تلك الجرائم تعرضوا لسخط الجميع واستنكارهم ، وعند ذاك تكون الحياة بالنسبة لهم جحيماً لا يطاق .

يقول الإِمام الصادق عليه‌السلام في حديثه للمفضل الجعفي ، حول الحياء وأثره النفسي : «فلولاه لم يُقرَ ضيف ، ولم يوفَ بالعداة ، ولم تُقضَ الحوائج ، ولم يُتحرَّ الجميل ، ولم يتنكب القبيح في شيء من الأشياء . حتى أن كثيراً من الأمور المقترضة أيضاً إنما يفعل للحياء . فان من الناس من لولا الحياء لم يرع حق والديه ، ولم يصل ذا رحم ، ولم يؤد أمانة ، ولم يعفَّ عن فاحشة»(١) .

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٢ ص ٢٥ .

٢٤٢

إن خشية استنكار الرأي العام ، وخوف اللوم من الناس من أعظم العوامل الباعثة على رعاية القوانين للعالم المتحضر . ما أكثر القادة المتنفذين والأثرياء الماديين ، والشباب والفتيات المستهترين ، الذين يرغبون في تنفيذ رغباتهم وأهوائهم اللامشروعة ، ولكنهم يخافون إعتراض الناس ، ويخشون استنكار الرأي العام فيضطرون للتراجع عن تحقيق ميولهم ، وكبح أهوائهم والإِنقياد ليكونوا بمنجى عن اللوم والتفريع .

وقع الاستنكار :

لا شك في أن وقع استنكار الرأي العام في بعض الأحيان يكون أشد من عقوبة السجن بكثير ، ومن البديهي أنه عندئذ يكون تأثير الحياء في ضمان تطبيق القوانين أقوى من تأثير القرارت الجزائية .

إن الرجل الذي سجن بسبب ارتكابه جريمة السرقة يتألم من محاكمته ولكن إذا افتضح أمره وعرف في المجتمع بالخيانة والسرقة فان تألمه يكون أكثر . والمرأة التي ترتكب عملاً منافياً للعفة والشرف تتوطن لأن تسجن لمدة ستة أشهر ، ولا ترضى بأن تعرف بين الناس بالاستهتار والزنا ستة أيام . وطبيعي أنه كلما كان المستوى التربوي والثقافي للأمة عالياً كان نفورها واستياؤها من الأعمال المنكرة أشد .

هذا النوع من الحياء الذي يضمن تطبيق القوانين ، ويمنع الأفراد من الإِنحراف والإِعتداء ، من الصفات المحبذة والفاضلة بلا شك . وهو ممدوح في الإِسلام ، وقد وردت أحاديث كثيرة تؤكد عليه .

وها أقرأ عليكم نموذجاً منها :

١ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا لم تستح فافعل ما شئت»(١) أي أن الأفراد الفاقدين للحياء لا يتورعون عن الإِجرام والإِعتداء على حقوق الآخرين .

____________________

(١) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٨٦ .

٢٤٣

٢ ـ عن علي عليه‌السلام : «من قلّ حياؤه قلّ ورعه»(١) .

٣ ـ وعنه عليه‌السلام : «الحياء يصد عن فعل القبيحِ »(٢) .

٤ ـ عن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «لا إيمانَ لمن لا حياء له»(٣) .

٥ ـ قال أبو محمد العسكري عليه‌السلام : «من لم يتق وجوه الناس لم يتق الله»(٤) .

٦ ـ عن أمير المؤمنين عليه‌السلام : «من كساه الحياء ثوبه لم يرَ الناس عيبه»(٥) .

هذه النصوص تهدف إلى بيان أهمية الحياء من الناس في تطبيق القوانين والوقاية من الجرائم . ولكن يوجد في زوايا المجتمع أفراد لا يخافون من استنكار الرأي العام ومع ذلك لا يحومون حول الذنب . . . بل إنهم لا يقدمون على المخالفة حتى في الخلوة ، لأنهم أفراد شرفاء يستحون من أنفسهم ، ويراعون شرف طباعهم وفضائلهم التي يمتازون بها . . . هؤلاء هم أفضل طبقات المجتمع .

قال علي عليه‌السلام : «أحسن الحياء استحياؤك من نفسك»(٦) .

التظاهر بالذنب :

من العوامل التي تؤدي إلى الخروج على القيم الإِجتماعية ، وتبعث الجرأة والجسارة في نفوس الأفراد على الإِجرام ، تظاهر المجرمين بخروجهم على القانون ، ولهذا السبب فإن الإِسلام يمنع من ارتكاب الذنوب والجرائم من جهة ، ويحذر الناس من التظاهر بالذنوب المؤدي إلى فقدان الحياء من جهة أُخرى .

____________________

(١) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١٢٣٩ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٥١ .

(٣) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ١٠٦ .

(٤) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٧ ص ٢١٨ .

(٥) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٣ ص ٢٢١ .

(٦) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ١٩١ .

٢٤٤

«عن الصادق عليه‌السلام عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن المعصية إذا عمل بها العبد سراً لم تضرَّ إلا عاملها ، وإذا عمل بها علانية ولم يعيَّر عليه أضرّت بالعامة»(١) .

انحراف المجتمع :

لا يخفى أن الحياء من الناس والخوف من استنكار الرأي العام بالنسبة إلى كل من الجرائم ، يكون عندما يعتبر المجتمع تلك الأعمال مذمومة ومستهجنة . أما المجتمع المصاب بالإِنحراف والضلال ، الذي تفقد فيه بعض الجرائم والمعاصي قبحها ، ويعتبرها الجميع أموراً اعتيادية ، فانه لا يقف الإِنحراف في ذلك المجتمع عند فقدان الحياء من قبل المجرمين ، بل قد يتفاخرون بأعمالهم الهدامة وجرائمهم الشنيعة .

المجتمع الذي يرى في العفة والإِمتناع عن العلاقات الجنسيه غير المشروعة خرافة وجموداً ، ويعتبر الحرية في العلاقات غير المشروعة مثالاً للتقدم والوعي !!! .

المجتمع الذي يعتبر الأمانة والصدق علامة البلادة والحماقة ، ويرى في الإِرتشاء والكذب والتزوير سنداً للكفاءة والنجاح !!! .

المجتمع الذي لا يرى قبحاً في شرب الخمر والقمار !!!!

في هذا المجتمع لا يوجد معنى للحياء ومراقبة الأفكار العامة ، ولا يجد المجرم في نفسه خوفاً من اللوم والتقريع ولا خشية من الإِستنكار والإِستهجان .

إن كل ذنب في المجمتع ، يشبه داء خطيراً يتضمن بين طياته مشاكل كبيرة لأفراده . ولكن المصيبة العظمىٰ تتمثل في عدم اعتبار المجتمع ذلك العمل قبيحاً ، وعدم اعتبار المرتكب له مستحقاً للعقوبة واللوم . فمن البديهي أنه في هذه الحالة يسير المجتمع نحو الهاوية ، ولا يمر زمن طويل حتى تظهر الأثار الوخيمة لتلك النظرة الخاطئة .

____________________

(١) قرب الإِسناد ص ٢٦ .

٢٤٥

لقد اعتبر الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه الظاهرة من أخطر المشاكل الإِجتماعية حيث قال :

«كيف بكم إذا فسدت نساؤكم ، وفسق شبابكم ، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر» ؟!

فقيل له : ويكون ذلك يا رسول الله ؟!

قال : نعم ، وشرُّ من ذلك ، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ، ونهيتم عن المعروف ؟!

قيل : يا رسول الله ويكون ذلك ؟! .

قال : نعم ، وشرُّ من ذلك. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟!»(١) .

لقد شرح الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مظاهر الإِنحراف الإِجتماعي في ثلاث مراحل : ـ الأولى ارتكاب الأفراد للذنوب والجرائم . والثانية دعوة بعضهم إلى الفساد والإِجرام والتناهي فيما بينهم عن عمل الخير والصلاح . والمرحلة الثالثة ـ وهي أخطر المراحل ـ أن يحصل تغيير أساسي في أفكار الناس فيروا الفساد والإِنحراف خيراً ، وينظروا إلى الصلاح والخير شراً .

إن مما يؤسف له أن كثيراً من البلاد الإِسلامية مصابة بهذه البلية العظمىٰ ، فقد فقدت غالبية الذنوب والجرائم قبحها في أنظار المسلمين وتعتبر أفعالاً اعتيادية ومألوفة . هذه الصفة الذميمة مزقت حجب الحياء الإِسلامي ، والخوف من استنكار الناس ، في أنظار المجرمين فيقدمون على الجرائم من دون خوف أو رادع ويصابون بالمآسي والمشاكل من جراء ذلك .

وفي الغرب فقدت بعض المسائل ـ وخصوصاً الأمور المرتبطة بالمسائل الجنسية ـ القبح الذي كان في أنظار الناس تجاهها . . . وعلى أثر ذلك نجد الشباب والفتيات يقدمون على أعمال فاسدة دون أي شعور بالخوف أو

____________________

(١) قرب الإِسناد ص ٢٦ .

٢٤٦

الإِستنكار ، وتكون النتيجة أن يتزلزل أساس طهارة النسل ، والعفة الخلقية في تلك البلدان . . . وهذا ما تدل عليه الإِحصاءات الجنائية في تلك الدول وبعض الإِحصاءات الإِجتماعية الأُخرى .

وعلى سبيل الشاهد نكتفي بنموذج بسيط من ذلك :

«يونايتد پرس ـ لقد أعلن (الدكتور رونالد جبسون) قبل أيام في مؤتمر جمعية الأطباء البريطانية ، عند قراءة تقرير يتعلق بالقضايا الجنسية ، بأنه في إحدى المدارس الإِنكليزية للبنات كانت الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين الـ ١٤ والـ ١٥ سنة يضعن شارات خاصة على صدورهن ، تشير إلى أنهن قد فقدن بكارتهن ! لقد أدى هذا التقرير إلى اضطراب شديد في الأوساط الدينية ومن قبل أولياء أمور الفتيات» .

«لقد صرح الدكتور جبسون في مؤتمر كانتربوري أن البرامج التلفزيونية تقتل الذوق السليم عند الشباب ، وتؤدي إلى إثارات فاسدة فيهم . . . ولقد أدت التعاليم الجنسية ـ التي لا يقصد منها غير معرفة شؤون الحياة ـ إلى نتائج مؤلمة جداً» .

«أكد الدكتور جبسون في مؤتمر جمعية الأطباء البريطانية أن انعدام الضبط الخلقي يسيطر على جميع نقاط البلاد ، واعتبر الطب الروحي الجديد مقصراً كل التقصير» .

«لقد أعلن (الدكتور أمبروس لينك) ـ وهو من المعنيين الإِختصاصيين في الأمراض الجنسية ـ بعد أيام من ذلك بأنه منذ عام ١٩٥٧ وحتى الآن فقد ظهر مرض جنسي جديد بين الشباب الأحداث وقد شاع بين الفتيات الذين تترواح أعمارهم بين الـ ١٥ والـ ١٩ عاماً بنسبة ٦٧.٣% ، أما بين الفتيات اللاتي في نفس السن فقد ازداد المرض بنسبة ٦٥.٤%»(١) .

____________________

(١) جريدة (إطلاعات) الإِيرانية ـ العدد / ١٠٥٦١ .

٢٤٧

والخلاصة أن الحياء الذي يمنع الفرد من ارتكاب الذنوب ، ويلعب دوراً مهماً في ضمان رعاية القوانين وتطبيقها من الصفات الفاضلة عند الإِنسان . وكما ذكر الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فان هذا النوع من الحياء يدل على قوة العقل ومتانة الشخصية ، وهو رمز الضمير الحر والإِرادة الرصينة .

تنمية الحياء عند الطفل :

على الوالدين أن يعوّدا طفلهما على الحياء منذ الصغر ، وأن يفهماه قبح الذنب واستياء الناس من المذنب ، وبهذا يستطيعان أن يقفا أمام انحرافه وخروجه على القانون .

إن الحياء المذموم أي الخجل المفرط من الصفات الذميمة . وأساس هذا النوع من الحياء هو ضعف الشخصية وعقدة الحقارة . وقد عبر الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك بحياء الحمق والجهل .

إن عقدة الحقارة قد تنشأ من سوء التربية ، وقد تستند إلى العيوب الطبيعية أو النقائض الإِجتماعية . والخلاصة أن هناك عوامل وعللاً كثيرة يمكن أن تؤدي إلى نشوء عقدة الحقارة ، فتبعث الإِنسان على الخجل المفرط والحياء التافه .

«إن جميع المظاهر الحقيقية أو المجازية للتحقير الذي يحسّ به الطفل في اتصاله بالبيئة التي يعيش فيها يمكن أن تؤدي إلى نشوء هذه العقدة النفسية . يقول الدكتور آلاندي في كتابه (الطفل المجهول) : إن قلة ذات اليد واشتمال الملابس الرثة ، ووجود العاهات العضوية ، والمرض ، أو الشعور بالنقص في الأسرة . . . . كل ذلك من الأمور التي تلعب دوراً كبيراً في نشوء هذه العقدة وعلى هذا فمن الضروري أن تُعار أهمية بالغة إلى جميع هذه العوامل حتى لا تنشأ الشخصية المنحرفة عند الأطفال ، لأن تغيير هذا الوضع الروحي في الفترات التالية يفتقر إلى كفاح

٢٤٨

عنيف ، وجهد متواصل»(١) .

إن الجانب الكبير من الأمراض النفسية والشعور بالحقارة ناشىء من سوء التربية في دور الطفولة ، فقد يترك السلوك الأهوج للوالدين في نفوس الأطفال أثراً إلى درجة يصيبهم بالضعة والدونية ، ويظلون يتجرعون النتائج الوخيمة لذلك مدى العمر ! .

إن أفضل الأساليب المقترحة لوقاية نشوء هذا المرض هو التربية الصحيحة . على الوالدين أن يعدّا الأطفال منذ الأشهر الأولى لتربية سليمة ورعاية دقيقة حتى لا يصابوا بعقدة الحقارة أصلاً .

«بالرغم من أن جميع حركات الطفل انعكاسية في بداية الأمر . . (الضحك ، البكاء ، الأكل ، والمشي ، والتكلم) فانه يجب تنظيم هذه الإِنعكاسات . إن كيفية رعاية الوالدين وتغذيتهما لأطفالهما توضح لنا هل أنهما مربيان أم لا . أما أنه هل يجب تطوير الحركات الإِنعكاسية وإخضاعها ؟ نعم ، ومنذ الأيام الأولى يجب أن تبدأ هذه التربية . إن البكاء والعويل والتزمت كل ذلك يتصل إتصالاً وثيقاً بالرقابات الأولية ، فان كانت منحرفة أدت إلى نشوء الطفل على الأخلاق الذميمة والصفات الشريرة»(٢) .

المدح والثناء :

من الميول الفطرية عند الإِنسان ، والتي تظهر منذ أولى أدوار الطفولة وتظل تلازمه مدى العمر ، الرغبة في المدح والثناء من قبل الآخرين . إن كل صغير وكبير يتوقع أن يلاقي استحساناً ومديحاً من قبل الأصدقاء والزملاء في الإِنتصارات التي يحرزها في الحياة ، والتقدم الذي يناله في كل مرحلة .

إن الإِستعدادت الباطنية للأفراد تصل إلى مرحلة الفعلية ، وتخرج إلى

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٥٨ .

(٢) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٦٥ .

٢٤٩

حيز الوجود في ظل التشجيع والاستحسان . وكأن الإِستحسان والثناء يمنحان الأفراد طاقة جديدة ، ويفتحان لهم طريق التعالي والتكامل .

«يقول أحد علماء النفس العظماء المعاصرين ، وهو (ماكدوگل) : إن جميع الأطفال ـ دون استنثاء ـ في حاجة إلى التشجيع وتحفيز الشعور بالإِعتماد على النفس أكثر من حاجتهم إلى الخشونة والعقوبة . ما أكثر الأطفال الذين ظلوا جاهلين بالطاقات والمواهب المودعة فيهم على أثر فقدان المحفزات والمشجعات لهم ، في حين أن تذكيراً بسيطاً أصبح قادراً على إظهارها . إن الجانب الأعظم من الإِضطرابات الفكرية والعصبية للأطفال ناشىء من السلوك المصحوب بالشدة والغلظة تجاههم ، هذه الأمراض العصبية تظل ملازمة للإِنسان مدى العمر»(١) .

«إن الحاجة لاسترضاء خاطر الآخرين من ضرورات الحياة الإِجتماعية . تذكروا اللذة التي حصلتم عليها عندما أحرزتم نجاحاً لأول مرة ولاقيتم تشجيعاً واستحساناً من والديكم ، أو عندما سمعتم مديحاً من المعلمين في المدرسة» .

«إن استحسان الآخرين ومديحهم هو الأجر الذي يهوّن الصعوبات وينسي المتاعب . إننا ـ صغاراً وكباراً» .

«وفي أي سنٍ ومقام كنا ـ إذا كان ما فعلناه قد قوبل بالاستحسان فقد توصلنا إلى الأجر الذي نستحقه ، ولا ريب في أن ذلك يبعث على اللذة والسرور ، ويحثنا على الاستمرار حتى نهاية الطريق . إن الترغيب والتشجيع ضروريان من أي شخص كانا ، وأينما حصلا . . . خصوصاً إذا كانا صادرين من الأصدقاء والزملاء والأقارب . وطبيعي أن يكون إهتمام البعض بالتشجيع أكثر من الآخرين ، لكن من المستحيل أن يستغني أحد من تشجيع

____________________

(١) عقدة حقارت ص ١٧ .

٢٥٠

الآخرين تماماً»(١) .

سلوك النبي (ص) في الثناء :

لقد كان قادة الإِسلام وأئمته يهتمون بالأفعال الصالحة التي تصدر من الناس في أمورهم الدينية والدنيوية ، وكانوا يشجعونهم على المزيد منها وعلى سبيل المثال أذكر لكم نموذجين بهذا الصدد :

١ ـ لقد رأى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعرابياً يدعو في صلاته ، ويتزلف إلى الله تعالى بعبارات عميقة ومضامين عالية ، لقد أثرت كلماته المتنية وعباراته المشيرة إلى وعي صاحبها والكاشفة عن درجة الإِيمان والكمال التي هو عليها في النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فعين شخصاً لإِنتظار الأعرابي حتى يفرغ من صلاته . فيأتي به إليه . وما إن فرغ الأعرابي حتى مثل بين يديه فأهداه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قطعة من الذهب . ثم سأله : من أين أنت ؟ .

قال : من بني عامر بن صعصعة .

قال له النبي : هل عرفت لماذا أعطيتك الذهب ؟! .

قال : لما بيننا من القرابة والرحِم .

فقال له النبي : «إنّ للرحِم حقاً ، ولكن وهبته لك لحسن ثنائك على الله عز وجل»(٢) .

لقد بعث استحسان النبي وتشجيعه الرغبة في عمل الخير في نفس الأعرابي أكثر من السابق ، هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى فقد أدىٰ إلى أن يقتدي الآخرون به .

٢ ـ يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في العهد الذي بعثه إلى مالك الأشتر ، حول سلوكه تجاه ولاته :

«وأوصِلْ في حسن الثناء عليهم ، وتعديد ما أبلي ذوو البلاء منهم فان

____________________

(١) رشد شخصيت ص ٤٢ .

(٢) حياة الحيوان للدميري ج ٢ ص ٦٣ .

٢٥١

كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهزّ الشجاع ، وتحرّض الناكل إن شاء الله تعالى»(١) .

وكما أن التملق والمدح الذي في غير محله أمر مذموم من الناحية الخلقية وقد يتضمن مفاسد كثيرة . . . كذلك الإِمتناع عن التشجيع والإِستحسان فانه من الصفات الذميمة ، ويتضمن نتائج سيئة .

وفي هذا المعنى يقول أمير المومنين عليه‌السلام : «الثناءُ بأكثر من الإِستحقاق ملق والتقصير عن الإِستحقاق عيُّ أو حسد»(٢) .

المديح بالاستحقاق :

قد يؤدي المديح الناشىء عن استحقاق ، إلى تغيير حياة إنسان تغييراً تاماً ، فيقوده نحو طريق السعادة والفلاح ، ويحيي شخصيته ، ويبعث نور الأمل في أعماق روحه ، ويمنحه الطمأنينة والهدوء . . . فيسلك طريق التكامل من دون تردد أو حيرة ويحصل على نجاح باهر في النهاية . وعلى العكس فقد يؤدي الإمتناع عن مدح شخص يستحق الثناء والتقدير إلى قتل شخصيته وإصابته بالحقارة والدونية فيفقد الإِعتماد على النفس ، ويستولي عليه اليأس والقنوط ، ويقول في نفسه : إنني غير جدير بأي تقدير أو شكر حتى أن أصدقائي لا يهتمون بشأني عندما أقوم بعمل كبير يسترعي الإِنتباه ، عند ذاك تبدأ تعاسته ، ويدبّ اليأس إلى روحه ، ويستأصل داء الحقارة في نفسه ويصاب بالعوارض الوخيمة .

ومن عوارض هذا الإِنهيار الروحي ، الخجل المفرط والحياء الشديد فقد يصاب الإِنسان بالحقارة إلى درجة أنه لا يجرأ على الإِحتكاك بالناس ومعاشرتهم . . وكأنه يرى نفسه أقل من أن يتكلم معه الآخرون ويعتبروه إنساناً واقعياً فيحترموا شخصيته .

____________________

(١) نهج البلاغة شرح الفيض الأصفهاني ص ٩٩٧ .

(٢) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١٢٣٩ .

٢٥٢

«عندما يجد الفرد أنه لم يسترع إنتباه الآخرين كما يتصور فانه يفر من الناس مرة واحدة ، ويفضل الإِنزواء على الإِتصال بالناس خوفاً من أن يُحتقر من قبلهم ، أو يختار زاوية من المجلس فيستقر فيها بكل اضطراب وقلق دون أن يتكلم بشيء»(١) .

إن المديح المناسب المستند إلى الإِستحقاق والجدارة شرط ضروري لتربية الطفل . ذلك أن وسائل وقاية ظهور مرض الخجل المفرط وشدة الحياء عند الأطفال ، الثناء عليهم وتوجيه الشكر والمدح على أفعالهم الطيبة إن الأطفال الذين نشأوا على يد أبوين شديدين أنانيين لا يحسّون طعم الإِستحسان والمدح أبداً ، ولذلك فانهم يملكون أرواحاً محطمة وقلقة ، ويعيشون في حقارة مستمرة .

وكما أن الوالدين مدعوّان إلى توجيه اللوم لأطفالهما على أفعالهم السيئة وتعويدهم على الإِستقامة والأدب عن هذا الطريق ، كذلك يجب أن يشجعاهم في الأفعال الصالحة التي يقومون بها كي يستمروا على ذلك ، ويعرفوا بأنهم يجب أن يلتزموا السلوك المفضل في حياتهم . ولكن يجب التنبيه إلى أن التشجيع والتوبيخ دواءان تربويان مؤثران ، ومن الضروري الإِستفاده منهما في المواقع المناسبة حسب مقدار صحيح . إن التشجيع والتوبيخ التافهين اللذين لا يستندان إلى استحقاق ، أو الإِفراط فيهما قد يكون عديم الفائدة في تربية الطفل ، وقد يؤدي إلى نتائج وخيمة .

عن علي عليه‌السلام : «أكبر الحمق : الإِغراق في المدح والذم»(٢) .

«يتعلم الطفل في الأشهر الثلاثة الأولى من ولادته كيفية الإِبتسام ، ويختلف إنطباعه تجاه الأشخاص ، عن انطباعه تجاه الأشياء . في هذه السن يوجد الإِرتباط بين الطفل وأمه ، ويستطيع الطفل حينئذ أن يظهر سروره وارتياحه بمشاهدة أمه ، وإن الإِستجابات التي

____________________

(١) رشد شخصيت ص ٧٧ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ١٨٢ .

٢٥٣

تصدر منه لا تتصف بالصورة الحيوانية البحتة . . . بل يؤثر فيه الميل للمدح والتشجيع بسرعة . ومنذ هذه اللحظة يحصل المربي على سلاح جديد هو المدح والذم» .

«هذه الأسلحة تملك قدرة فعالة خلال دور الطفولة ، ولكن يجب إستعمالها بحيطة وحذر شديدين . يجب أن لا يستعمل اللوم والتقريع في العام الأول ، وبعد ذلك يجب التريث في استعماله . أما المديح والثناء فان ضررهما أقل ، ولكن يجب أن لا يُصرفا بسهولة كي يفقدا قيمتهما كذلك لا ينبغي اللجوء إليهما في التحفيز الزائد على المعتاد لطاقات الطفل . لا يوجد أبٌ مهمل يرى طفله يمشي أو يتكلم لأول مرة ، ويستطيع أن يجري بعض الكلمات على لسانه بصورة صحيحة ، ومع ذلك يتمالك على نفسه من التشجيع والإِستحسان . وبصورة عامة فانه عندما يسيطر الطفل على أمر صعب بعد ثبات وجهد شديدين فان الاستحسان والثناء عليه أحسن مكافأة له . مضافاً إلى أنّ من الأفضل أن نجعل الطفل يشعر بموافقتنا لميله نحو التعلّم واكتشاف المجهولات»(١) .

طريق التقدم :

يبذل الطفل نشاطاً بصورة طبيعية في طريق الوصول إلى الكمال المنشود ، يستغل طاقته الطفولية في هذا السبيل . إن تشجيع الوالدين والأصدقاء يفسح المجال أمامه للتقدم أكثر ، ويمد سراج الأمل والتطامن في نفسه بالوقود باستمرار . . . وفي النتيجة تتفتح مواهبه واحدة بعد الأُخرى وعلى العكس من ذلك فان إهمال الوالدين أو تزمتهما يضعف النشاط الفردي عند الطفل ويبعث فيه الفتور والملل في سلوك طريق الجد والعمل . إن تكرار هذا السلوك المذموم يهدم روح الطفل ويتضمن نتائج وخيمة . ولأجل أن يتضح الأمر بصورة أجلى للمستمعين الكرام نستشهد بالمثال التالي :

____________________

(٢) در تربيت ص ٦٤ .

٢٥٤

صبي صغير السن لم يمضي على دخوله المدرسة أكثر من عدة أشهر وقد تعلم بعض الدروس من كتاب الصف الأول . والآن قد كتب صفحة كاملة لأول مرة ، وأظهر نتائج جهوده على صفحة من القرطاس . إن هذه الكتابة تعتبر الإِنتصار العلمي العظيم لهذا الصبي . . . فهي خلاصة الأتعاب التي بذلت معه طيلة عدة أشهر ، وهي ـ بعدُ ـ مرآة تعكس شخصيته . يثبت عينيه نحو باب الدار ويعدّ الدقيقة بعد الأُخرى لقدوم والده وإراءة هذا الأثر اللامع له . . . إنه يأمل في التشجيع والاستحسان من أبيه ، وهذه الساعة هي أسعد ساعات حياته .

يدخل الأب إلى البيت ، فيركض الصبي لكي يريه ما كتبه ثم يظل ينظر إلى أبيه بعينين نافذتين . إن الأب العاقل ، الأب الواعي . . . يقرأ كتابة الصبي بإمعان ، فيبتسم . . . ثم يحمله بين ذراعيه ، ويعامله باللطف والمحبة ويكرر الإِستحسان والثناء عليه . وبهذا يكافئه بأحسن صورة . إن سلوك الأب يمنح الصبي روحاً طرية ، فيزداد نشاطه وجدّه ، ويستمر في التقدم العلمي بكل شوق ورغبة .

أما الأب الجاهل ، الأب المهمل . . . فانه يفاجىء الصبي بعكس ما كان يتوقع . لا يقرأ كتابته ، وإذا قرأها فلا يستحسن ولا يثني عليه . وأشدّ من ذلك أن بعض الآباء يجبرون الإِخفاق والفشل الذي يلاقونه خارج المنزل بالشدة والخشونة مع الزوجة والأطفال فيرزمون بالصبي الذي كله أمل ورجاء ، وبهذا يقتلون روح التقدم فيه ، ويحطمون شخصيته ، ويطفئون سراج أمله واطمئنانه .

يبتعد الطفل عن أبيه بروح منكسرة ، وقلب متحطم ، وينام ليلته مع خاطرة مرة . قد لا يتنبه الأب إلى سلوكه الأهوج أبداً ، ولكن الطفل لا ينسى هذا الموقف المؤلم . إن القسم الأكبر من مآسي الأفراد وتعاستهم ينبع من خاطرة مرة ، أو نقطة طفيفة . . . ثم تتسع حتى تعود عليه بالدمار والإِنهيار .

إن الأطفال الذين لا يلاقون تشجيعاً واستحساناً على أفعالهم الطيبة التي

٢٥٥

يقومون بها ، بل يقابلون بالتحقير والإِهانة من قبل الوالدين ، تندحر شخصياتهم ويصابون بعقدة الحقارة ، ويقعون في شرك المشاكل والمآسي الكثيرة . ومن هذه العوارض الخجل المفرط في مواجهة الناس .

«إن الأشخاص الذين تلمسون الخجل وسرعة الإِنفعال منهم ، أو تجدونهم مستهترين ومشاكسين ، أو يلاحظ عليهم الخمول والهدوء ، أو الثرثرة والفضول ، أو البرودة وضعف الإِرادة ، أو التهور والسطحية . . . هم رجال لا يملكون اطمئناناً بأنفسهم ويفقدون الإِعتماد على النفس أي أنهم يتصورون أن المجتمع لا يعترف بهم كما ينبغي ولا يحلّهم المحل الذي يستحقونه»(١) .

إذن يجب على الوالدين ، ضمن القيام بواجباتهما التربوية ، الإِنتباه إلى هذه النقطة المهمة ، فيستحسنا الأفعال الصالحة التي تصدر من أطفالهما ويفرّحاهم بالمدح والثناء . . . وهذا هو أحسن الوسائل للوقاية من نشوء الخجل المفرط وضعف النفس فيهم .

لقد ورد عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا نظر الوالد إلى ولده فسرَّه ، كان للوالد عتق نسمة»(٢) .

ومن البديهي أن المدح والثناء عن استحقاق أفضل الوسائل لبعث السرور في نفس الطفل ، وهذا يشتمل على أجر أخروي ومكافأة إلهية في نظر الإِسلام ، بغض النظر عن فوائده التربوية . لقد اهتم الأئمة عليهم‌السلام بهذا الموضوع كثيراً ، وطبقوه في أسلوبهم التربوي الأمثل بالنسبة إلى أطفالهم . . . إذ كانوا يشجعونهم على الأفعال المفيدة التي تصدر منهم ويرغبونهم في الاستزادة منها .

والقصة التالية نموذج طريف لما تقدم .

____________________

(١) رشد شخصيت ص ٧٩ .

(٢) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٢٦ .

٢٥٦

نموذج عن الاستحسان :

كان الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام جالساً يوماً في بيته ، وقد جلس على جانبيه طفلاه الصغيران : العباس ، وزينب .

«قال علي عليه‌السلام للعباس ـ قل : واحد .

فقال : واحد .

فقال : ـ قل : اثنان .

قال : أستحي أن أقول باللسان الذي قلت ، واحد : اثنان !

فقبّل علي عليه‌السلام عينيه . . . ثم التفت إلى زينب ـ وكانت على يساره ـ فقالت : يا أبتا ، أتحبّنا ؟ .

قال : نعم يا بنيتي ، أولادنا أكبادنا ! .

فقالت : يا أبتاه ، حبّان لا يجتمعان في قلب المؤمن ، حبّ الله ، وحب الأولاد . وإن كان لا بدّ فالشفقة لنا والحب لله خالصاً .

فازداد علي عليه‌السلام بهما حباً»(١) .

إن تقبيل الإِمام عليه‌السلام عيني طفله الصغير على صراحته واستقامته وازدياد حبه له ولأخته الصغيرة مكافأة جميلة لهما على ما صدر منهما . وفي الواقع فان بيت علي عليه‌السلام كان طافحاً بالتوحيد والإِيمان ، مليئاً بالحب الإِلهي والفناء في ذاته . . . ولذلك فان الأطفال قد تلقوا تربية سليمة وطفحت قلوبهم ـ كأبيهم ـ بحب الله وتوحيده .

عاملان لسرعة الانفعال :

ليس منشأ الخجل المفرط سوء التربية فحسب . بل هناك طائفة من النقائص العضوية والعوامل الإِجتماعية التي تؤدي إلى ظهور هذا المرض . لقد استخدم الإِسلام جميع الوسائل والطرق لمعالجة هذه الحالة النفسية وأوصى المسلمين بالتعليمات اللازمة .

____________________

(١) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٣٥ .

٢٥٧

وفي ختام بحثنا هذا نشير إلى عاملين فقط لذلك : أحدهما الفقر ، والآخر الإِنحطاط العائلي .

يعتبر الفقر من أعظم المصائب في حياة البشر : فالشخص الفقير مصاب بالحرمان من جانب ، ومعرّض لتحقير الناس والسخرية منهم من جانب آخر .

«قال علي عليه‌السلام لابنه محمد بن الحنفية : يا بني إني أخاف عليك الفقر ، فاستعذ بالله منه ، فان الفقر مَنقصة للدين ، مدهشة للعقل ، داعية للمقت»(١) .

وقال لقمان لابنه : «إعلم أي بنيّ ، إني قد ذقت الصبر وأنواع المر ، فلم أرَ أمرَّ من الفقر . فان افتقرت يوماً فاجعل فقرك بينك وبين الله ، ولا تحدّث الناس بفقرك فتهون عليهم»(٢) .

فالفقراء إذن ، يشعرون بالحقارة والضعف في أنفسهم بسب الفقر والحاجة ، ولذلك فهم شديدو الخجل في علاقتهم مع الناس»(٣) .

حماية الفقراء :

لقد شرع الإِسلام قوانين خاصة لحماية الفقراء الذين يستحقون المساعدة حقيقة ، ولغرض مكافحة المرض النفسي الذي هم في أسره . وهكذا نجد أن الدولة الإِسلامية تتكفل بضمان الحد الأدنى لحاجاتهم من الموارد العامة لبيت المال ، بحيث تسمح لهم بأن يعيشوا أعزاء . . . ومن جهة أُخرى نجد أنه يحترم شخصيتهم في مناهجه القانونية والخلقية ، ويراعي عواطفهم تماماً .

لا يحرم الفقير بسبب قلة ذات اليد من العزة الإِجتماعية والإِحترام

____________________

(١) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١٢٢٨ .

(٢) سفينة البحار للقمي ص ٣٧٩ .

(٣) تتبادر الأذهان غالباً عند ذكر الفقراء إلى الأشخاص الذين امتهنوا الكدية والاستعطاء ومن الواضح أن هؤلاء يبلغ بهم الجشع والحرص أعلىٰ درجاته وهم فاقدون للحياء لبيعهم ماء وجوههم . لكننا نقصد من الفقير الرجل العفيف الذي لا يملك ما يكفي لمؤونته ومؤونة عياله فيضطر إلى القناعة بالبسيط والإِكتفاء باليسير الذي يدفع به غائلة الموت .

٢٥٨

القانوني . إذ لا يحق لمسلم أن ينظر إليه بعين التحقير والإِهانة . إن الفقر الإِيماني والخلقي هو منشأ الحقارة والتعاسة للإِنسان في نظر المؤمنين الواقعيين وإنهم يرون في الثروات المعنوية والروحية سبباً لرفعة الشأن وسمو المنزلة ، لا الثروة المادية .

إن المؤمنين الواقعيين قد يواجهون حرماناً من بعض الأشياء بسبب من فقرهم ، ولكنهم لا يشعرون بالحقارة والضعة في أنفسهم . إن الإِيمان بالله يمنحهم قوة وشخصية روحية متينة بحيث لا يستطيع الفقر أن يسيطر عليهم ويبعدهم عن الحساب . . . هؤلاء الأفراد كانوا موجودين في العصور الماضية ، ولا يزالون موجودين في عصرنا الحاضر .

التوصيات الخلقية :

لقد أكد الإِسلام في تعاليمه القانونية والخلقية على أهمية رعاية عواطف أطفال الفقراء حتى لا يصابون بعقدة الحقارة ، ولا يتجرعوا عوارضه الوخيمة فبغض النظر عن المساعدات المالية التي أوجبها القانون لصالحهم ، فضمن بذلك حياتهم ومعيشتهم ، أكد الإِسلام على الوصايا الخلقية المهمة حول عدم جرح عواطف الأيتام بالخصوص والأطفال الفقراء على وجه العموم . وعلى سبيل الشاهد أذكر لكم رواية واحدة .

يقول الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ضمن بيان واجبات الجيران وحقوقهم : «وإذا اشتريت فاكهة فأهدها له ، وإن لم تفعل فأدخِلْها ستراً ولا يخرج بها ولدك يغيظ بها ولده»(١) .

الانحطاط العائلي :

والإِنحطاط العائلي عامل آخر من عوامل نشوء عقدة الحقارة والإِصابة بالخجل المفرط في الإِتصال بالناس . إن المصابين بهذه المشكلة يحسون بعدم الإِرتياح في ضمائرهم ويخافون تعيير الناس لهم .

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٨ ص ٢١٢ .

٢٥٩

لقد حذر الإِسلام أتباعه في تعاليمه الخلقية والإِجتماعية من التنابز والسخرية . إن المجرم يجب أن يعاقب حسب التعاليم الإِسلامية ، ولا يجوز تعييره على ذنبه .

«قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا زنَت خادم أحدكم فليجلدها الحدّ ولا يعيّرها»(١) فإذا كان المسلم لا يحق له أن يعيّر الزانية على عملها ، كيف يحق له أن يعيّر أحداً بذنب صدر من أبيه أو أمه ؟ .

لقد أنقذ الإِسلام كثيراً من المسلمين الذين كانوا ينتمون إلى عوائل منحطة من ضغط الحقارة بمنعه من ذم بعضهم البعض ، وهكذا نجد أن هؤلاء يتصلون بالناس ويعاشرونهم دون شعور بالخجل والإِنحطاط ، وإذا كان أحدٌ من المسلمين يوجه الذم نحوهم فان الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يمنعه من ذلك بصراحة .

كلنا نعلم ما كان يقوم به أبو جهل في صدر الإِسلام من معارضة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نشر دعوته . وقد اشتهر بسبب من سوء ما أضمر ، وفظاعة الجرائم التي قام بها بالخيانة والدنس بين المسلمين . لقد حضر ابنه عكرمة بعد موت أبيه بين يدي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واعتنق الإِسلام ، فقبل النبي إسلامه ، واحتضنه وأثنىٰ عليه . لكن لما كان عكرمة ينتمي إلى أسرة أصرت على الكفر واشتهرت بسوء السمعة بين المسلمين ، فان ذلك كان داعياً إلى احتقاره من قبل المسلمين . وفي رواية أن المسلمين كانوا يقولون : «هذا ابن عدو الله أبي جهل ، فشكى ذلك إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمنعهم من ذلك . ثم استعمله على صدقات هوازن»(٢) .

* * *

نستنتج مما تقدم أن الإِسلام يرى أن الحياء المعقول الذي يضمن تنفيذ القوانين ويمنع من ارتكاب الذنوب ، من الصفات الفاضلة . أما الحياء المفرط

____________________

(١) مجموعة ورام ج ١ ص ٥٧ .

(٢) سفينة البحار للقمي ، مادة (عكرم) ص ٢١٦ .

٢٦٠