الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

هذه الجمل القصار للإِمام عليه‌السلام تتضمن بيان قيمة التربية في دور الطفولة ، والسعي في تلقي التربية ، وإسداء الأب النصائح للولد ، وإيجاد الشعور بالمسؤولية الشخصية ، وإحياء روح الاستقلال عند الطفل ، وتنمية الإِعتماد على النفس والإِنقطاع عن الناس ، والجدّ في أداء الواجبات ، وأجر القيام بالواجب . . . وجميع الدقائق التربوية التي تتعلق بالشخصية والإِعتماد على النفس .

ظهور الاستعدادات :

يعتبر الاستقلال في الإِرادة والإِعتماد على النفس منشأ لظهور الإِستعدادات الداخلية . هذا الخلق الفاضل يحبّب صاحبه إلى الناس ويمنحه جمالاً إجتماعياً خاصاً . وعلى العكس من ذلك فان الطفيلية تكبح المواهب والقابليات الباطنية وتسبب الكراهية للفرد من قبل الآخرين . إن الوالدين الواعيين مسؤولان عن تربية طفلهما على الإِستقلال والإِرادة بحيث يستطيع من العيش بكل فخار وعز . . . وهذه التربية إنما هي من الحقوق الدينية للأولاد على آبائهم .

قال الإِمام السجاد عليه‌السلام : «فاعمل في أمره عمل المتزيّن بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا»(١) أي عليك أن تسلك مع الطفل سلوكاً يسبب الإِفتخار والمباهاة له في المجتمع .

النشاط الفردي :

يستند ضمان السعادة الروحية والوصول إلى الكمال المعنوي إلى المسؤولية الفردية شأنه في ذلك شأن السعادة الدنيوية . فكما أن النجاح المادي لكل إنسان يرتبط بنشاطه الفردي ومقدار الجهد الذي يبذله ، كذلك نجاحه المعنوي وتكامله الروحي فانه يرتبط بمستواه من الإِيمان والجهد الذي يبذله في ذلك المجال .

____________________

(١) تحف العقول عن آل الرسول ص ٢٦٣ .

٢٢١

وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم : ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا(١) .

كما أننا نلاحظ في الدنيا أخوين ، يحصل أحدهما على الدرجات العالية بفضل اعتماده على نفسه وبذله الجهود المتواصلة ويعيش في النهاية حياة ملؤها العز والفخار ، ويسقط الآخر عن أنظار الناس على أثر تسامحه وكسله فيعيش فقيراً محتقراً . . . كذلك في الآخرة . فمن الممكن أن يصل أحدهما إلى أعلى عليين في ظل الإِيمان بالله وأداء الواجب ، وينحط الآخر إلى أسفل سافلين نتيجة لانحرافه وتلوّثه بالإِجرام والذنب .

إن الأب الذي قام بواجباته المادية معتمداً بنفسه ومستنداً إلى شخصيته ، وحصل على أثر ذلك على سمعة طيبة ، ودرجة رفيعة ، ومنزلة سامية . . . لو قام بتربية طفله على ما هو عليه من الاستقلال والإِعتماد على النفس والجدّ في أداء الواجب ، فان الطفل سيسعد في حياته أيضاً .

إن السعادة المعنوية للأب والابن والقيام بالواجبات الروحية تتطابق مع السعادة المادية والقيام بالوجبات الدنيوية من حيث المسؤولية الفردية . فلو قام الوالدان المؤمنان بتربية أولادهما على الإِيمان بالله والإِستقامة في العمل ، وقام الأولاد مع النظر إلى مسؤوليتهم الشخصية بين يدي الله تعالى بأداء واجباتهم فلا شك في أنهم سيكونون كأبويهم مشمولين لرحمة الله عز وجل ، وعنايته التي تفوق كل عناية . وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم حيث قال :

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)(٢) .

ركيزة السعادة :

نستنتج مما تقدم أنه حسب المقاييس الدينية والعلمية فان الشعور

____________________

(١) سورة مريم ؛ الآية : ٩٥ .

(١) سورة الطور ؛ الآية : ٢١ .

٢٢٢

بالمسؤولية الشخصية ، والإِعتماد بالنفس ، والجد في أداء الواجب . . . تشكل ركائز السعادة المادية والمعنوية للإِنسان . إن كل فرد يحصل على نتيجة عمله ، وكل شخص رهين بأعماله ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشرّ . إن الوالدين اللذين يدركان هذا الأمر بنفسهما ويربّيان الطفل على الشعور بالمسؤولية الشخصية منذ الطفولة يكونان قد أدّيا خدمة جبارة له ، وأخذا بيده نحو طريق السعادة والتكامل والفلاح .

التفاخر بالآباء :

لقد كان الناس في الجاهلية(١) يتفاخرون بآبائهم وأجدادهم ، بدلاً من التفاخر بالعلم والفضل ، وكانوا يستندون إلى أمجاد أسلافهم والإِنتصارات التي أحرزوها بدلاً من التفاخر بالجهود والنشاطات الخاصة بكل منهم . وعندما جاء نبي الإِسلام العظيم بتعاليمه القيمة كافح ضد هذه الفكرة الخاطئة التي كانت العامل الأكبر لانحطاط المجتمع حينذاك ، وبذل الجهود المضنية في سبيل تحويل الأفكار العامة عن الإِعتماد على الغير والتفاخر بالآباء إلى الإِعتماد على النفس . لقد أكد الإِسلام للجميع بأن الكمال الإِنساني والتفاخر بالشرف إنما يستند إلى ما يبذله كل فرد من جهد في طريق التكامل والتعالي .

قال علي عليه‌السلام : «الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية»(٢) .

____________________

(١) هناك تفسيرات عديدة للجاهلية :

أ ـ فيذهب البعض إلى أن المراد منها الجهل الذي هو في مقابل العلم .

ب ـ ويذهب البعض الآخر إلى أن المراد منها الجهل الذي هو في مقابل الحلم ، فيكون بمعنى السفه أيضاً .

ج ـ ويذهب آخرون إلى أنها اصطلاح خاص بالعرب قبل الإِسلام .

ولكن هذه التفسيرات الثلاثة بعيدة عن الواقع . والصحيح أن يعتبر مصطلح (الجاهلية) خاصاً بكل ما يخالف الإِسلام في نظرته إلى الكون والنفس والوجود ، سواء كان ذلك متداولاً بين العرب أم غيرهم من الأقوام ، وسواء كان ذلك قبل ظهور الإِسلام أم بعده . ويدل على ذلك قوله تعالى : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا . . .) .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٨٧ .

٢٢٣

الاتكال على الأمل :

من المناسب أن أنبّه المستمعين الكرام ، والشباب منهم بالخصوص إلى مسألة ضرورية ، وهي أن المراد من الإِعتماد على النفس أن يستند كل فرد في طريق الوصول إلى سعادته على علمه وأخلاقه الفاضلة وجهوده ، لا على آماله الفارغة ، وأمنياته غير الناضجة . وبعبارة أوضح فان آمال كل شخص ناشئة من حالاته النفسية الخاصة به ، ولكن ليس المراد من الإِعتماد على النفس ، الإِتكال على هذه الآمال النفسية الواهية . إن الذين يعمرون قلوبهم بالآمال فقط ، ويتعهدون ضمائرهم بالأماني الطوال بدلاً من أن يعمروها بالعلم والفضائل ، ويتعهدوها بالجد والعمل . . . أفراد حقراء تافهون ، ويستحيل عليهم أن يحصلوا على السعادة والكمال .

عن علي عليه‌السلام : «إيّاك والإِتكالَ على المنى ، فانها بضائع النوكى»(١) .

وعنه عليه‌السلام أيضاً : «العاقل يعتمد على عمله ، والجاهل يعتمد على أمله»(٢) .

* * *

عندما نتصفح التاريخ الإِسلامي نجد أن الأُسر التي طبقت تعاليم الإِسلام في أسلوب تربية الطفل ، وإلتزمت بأفضل النصائح الواردة من الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الصدد ، توصلت إلى نتائج لامعة حيث أثبت الأولاد من الجدارة ما يؤيد ذلك . وعلى سبيل المثال نستعرض قضيتين تاريخيتين لطيفتين :

١ ـ الطفلة الجريئة :

غضب عبد الملك بن مروان على عباد بن أسلم البكري يوماً ، فكتب إلى واليه على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي بأن يقتله ويبعث برأسه إلى الشام . فأرسل الحجاج إلى عبّاد يطلب حضوره لتنفيذ أمر عبد الملك بشأنه :

____________________

(١) نهج البلاغة ، شرح الأصفهاني ص ٩٢٢ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلام للآمدي ص ٤٣ .

٢٢٤

لقد تألم عبّاد من معرفة الخبر ، واضطرب كثيراً وأقسم على الحجاج في أن يتخلى عن قتله لأنه يعيل أربعاً وعشرين امرأة وطفلاً ، وبقتله سوف تختل شؤونهم وتضطرب حياتهم . فرقّ الحجاج لكلامه وأمر بإحضار عائلته إلى دار الإِمارة . وعندما حضر أُولئك إلى دار الإِمارة وأطلعوا على ما صمم عليه الحجاج ، وشاهدوا الحالة المزرية التي كان عليها وليهم ، بدأوا بالبكاء والعويل . . . وفجأة قامت طفلة صغيرة من بينهم ، كانت في غاية الجمال وأرادت أن تتكلم ، فقال لها الحجاج : ما هي صلتك بعبّاد ؟ ! .

قالت : أنا أبنته .

ثم قالت له بكل صراحة : يا أمير ، إسمع ما أقول . . . وأنشأت تقول :

أحجّـاج ، إما أن تمنّ بتركه

علينا وإمّا أن تقتّلنــا معــا

أحجّاج ، لا تفجع به إن قتلته

ثماناً وعشراً واثنتين وأربعــا

أحجّاج ، لا تترك عليه بناته

وخالاته يندبنه الدهر أجمعــا

هذه الكلمات الصريحة والقوية من هذه الطفلة الجريئة أبكت حجاجاً القاسي ، وجعلته ينصرف عن قتل عبّاد ، ويكاتب عبد الملك بشأنه حتى حصل على عفو الخليفة عنه(١) .

٢ ـ الصبي الخطيب :

لما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز ، أخذت الوفود تتقاطر عليه من أنحاء الدولة لتهنئته . . . . وكان من تلك الوفود وفد الحجاز . كان في ذلك الوفد صبي صغير ، قام في مجلس الخليفة ليتكلم ، فقال الخليفة : ليتكلم من هو أكبر منك سناً . فقال الطفل : أيها الخليفة ، إن كان المقياس للكفاءة كبر السن ففي مجلسك من هو أحق بالخلافة منك . فتعجب عمر بن عبد العزيز من هذا الكلام وأيّده على ذلك ، ثم أذن له في التكلم . فقال :

لقد قصدناك من بلد بعيد . وليس مجيئنا لطمع فيك أو خوف منك . . .

____________________

(١) المستطرف في كل فن مستظرف للابشيهي ج ١ ص ١٩٥ .

٢٢٥

لا نطمع فيك لأننا متنعمون بعدلك ومستقرون في بيوتنا بكل أمن واطمئنان . . . ولا نخاف منك لأننا نجد أنفسنا في أمنٍ من ظلمك ، وإن مجيئنا إلى هنا إنما هو لغرض التقدير والشكر .

فقال له عمر بن عبد العزيز : عظني .

قال الصبي : لقد أُصيب بعض بالغرور لحلم الله عليهم ، وأُصيب آخرون بذلك لمدح الناس إياهم ، فاحذر من أن يبعث هذان الأمران الغرور فيك ، فتنحرف في تدبير شؤون الدولة .

لقد سُرّ عمر بن عبد العزيز لهذا الكلام كثيراً ، وسأل عن عمر الصبي فقيل له : هو ابن اثنتي عشر سنة(١) .

الشعور بالاستقلال :

إن التربية العائلية الصحيحة هي التي تستطيع أن تربي الطفل على الإِستقلال والإِعتماد على النفس ، وتقوده نحو التكامل المادي والمعنوي . إن الأطفال الذين نشأوا طفيليين على أثر الأُسلوب الفاسد للتربية المتخذ بحقهم ، والذين لا يشعرون بالإِستقلال والإِعتماد على النفس ، يرزحون تحت كابوس الحقارة والذلة مدى العمر . . . إنهم لا يطمئنون إلى أنفسهم ، ولذلك فهم ينتظرون العون والمساعدة من هذا وذاك دائماً ، وهذا يكشف لنا عن إصابتهم بعقدة الحقارة وتجرعهم نتائجها الوخيمة .

«إن المأساة العظمىٰ هي أنه من بين جميع الأحياء فان وليد الإِنسان يتميز بطول فترة الطفولة . فوليد الحيوانات الأُخرى يصل إلى مرحلة البلوغ في خلال بضعة أسابيع أو أشهر ، أي أنه يستطيع أن يستغني عن مساعدة الآخرين فيعيش لوحده . فمثلاً على ذلك نجد صغار الكلب أو القط ما إن تمر بضعة أشهر على تولدها تبلغ ، ولا تعود محتاجة إلى أبويها والآخرين في إعداد

____________________

(١) المصدر السابق ج ١ ص ٤٦ .

٢٢٦

الطعام والمأوى والدفاع عن أنفسها ، في حين أن هذه المرحلة عند صغار الإِنسان تستغرق عدة سنين ، وقد يبقى البعض منهم طفيلياً على غيره حتى آخر يوم من حياته» .

«يعتقد كثير من المفكرين أن النصف الأكثر من الأمراض العصرية يعود إلى أن البشر لم يبلغ حد الرشد ، ولا يملك القدرة على الإِستقلال في العمل ، أي أنه لا يزال يشعر بالحاجة إلى القيّم . إن السبب المباشر لوجود الديكتاتوريات في بعض نقاط العالم هو هذا الأمر . إن نتائج الرشد الناقص تظهر في أن صاحبه ينظر إلى الحياة ومسائلها نظرة طفولية ، وينكر أية مسؤولية اجتماعية . هذا الاسلوب من التفكير الطفولي يمكن قراءته بوضوح من بين أسطر الجرائد وأخبارها . إن عبادة نجوم السينما والممثلين ، والحب الجنوني تجاه أبطال الرياضة وحوادث الطلاق المستمرة . . . وما شاكل ذلك ، أمارات تدل على هذا التسيب الخلقي»(١) .

التكامل الفردي والاجتماعي :

لقد توصلنا في بحثنا هذا إلى أن من الشروط الأساسية للتكامل الفردي والإِجتماعي ، الشعور بالمسؤولية الشخصية والإِعتماد على النفس . على كل فرد أن يستند إلى علمه وأخلاقه ، وجدّه وجهده ، ويسعى في طريق ضمان سعادته نظرياً وتطبيقياً ، وأن يحذر من الإِعتماد على الآخرين وكونه عالة على غيره . إن الوالدين مسؤولان عن تنمية هذه السجية الخلقية في أطفالهما منذ الصغر .

وكما سبق ، فان هذا الموضوع من أهم المسائل الأساسية في الإِسلام حسب ما تؤكد عليه الآيات والأحاديث من جانب ، ومن جانب آخر فانه من المواضيع العلمية المهمة في نظر علماء النفس المعاصرين ، وأساتذة التعليم والتربية .

____________________

(١) عقدة حقارت ص ١٠ .

٢٢٧

إن قادة الإِسلام العظماء علّموا المسلمين قبل أربعة عشر قرناً بأن كل فرد مسؤول عن أعماله ، وأنه مرهون بعمله ، وهو الذي يتحمل تبعة ما صدر منه من خير أو شر ، وأن الجزاء الذي يناله أو يصيبه إنما هو النتيجة الطبيعية لما اكتسبت يداه .

كذلك العلماء المعاصرون فانهم يعتقدون بأن النجاح الفردي والإِجتماعي مستند إلى الإِعتماد على النفس ، وإلى الجهود التي يبذلها الأفراد بهذا الصدد . وكلما كان الإِستقلال الروحي والنشاط المبذول أكثر ، كانت دائرة النجاح والتقدم أوسع .

الاتكال على الله :

تمتاز المدرسة الإِسلامية بميزة فريدة في هذا الصدد ، لا توجد في سائر المدارس الفلسفية والنفسية . . . وتلك هي مسأله الإِتكال على الله . لقد أكد القرآن الكريم والأحاديث المستفيضة على موضوع الإِتكال على الله والإِستمداد من قدرته اللامتناهية . إن الشجاعة الفائقة وصلابة النفس التي امتاز بها الأنبياء ، وكذلك الإِنتصارات المذهلة التي أحرزوها مدينة إلى طاقة الإِيمان العظيمة ، وقوة الإِتكال على الله .

وهنا أجد من المناسب أن أتطرق في ختام البحث ، إلى الإِتكال على الله وأثر ذلك في السعادة المادية والمعنوية للبشر . عسى أن تتضح للمستمعين الكرام أهمية المدرسة الإِسلامية في التربية ورجحانها على سائر المدارس العالمية .

الإِتكال على الناس ، والإِتكال على النفس ، والإِتكال على الله . . . ثلاث مراحل مستقلة ومتتابعه في مضمار التقدم البشري ، ولكل منها نتائج وآثار نفسية وعملية خاصة .

الإِتكال على الناس عبارة عن أن يستند الفرد إلى الآخرين في سبيل تحقيق سعادته ، ويتخلى عن الواجبات المفروضة عليه اعتماداً على هذا

٢٢٨

وذاك . هذه الحالة النفسية تعتبر من الصفات المذمومة من وجهة نظر الدين والعلم ، وان الأفراد الإِتكاليين هم أحقر الناس .

إن ضرورات الحياة توجب على كل فرد أن يحتك بالآخرين ويعاشرهم ، لكن الإِحتكاك بالناس يختلف عن الإِتكال عليهم . إن الإِنسان العاقل يتصف بالأدب واللين في العلاقات الإِجتماعية التي ينشئها مع الآخرين ، فهو يحترم شخصية الآخرين ، ويقابلهم بالبِشر والحنان ، ويراعي حقوقه وحدوده تجاه غيره . . . لكنه لا يرضى بالذلة ، ولا يستسلم للهوان ، ولا ينتظر من الآخرين أن يقوموا بالعمل الذي يجب عليه القيام به . . .

«كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول : لِيجتمعْ في قلبِك الافتقارُ إلى الناسِ والاستغناءُ عنهم . فيكون افتقارُك إليهم في لينِ كلامك وحُسن بِشْرِك . ويكون استغناؤك عنهم في نزاهةِ عِرضك وبقاء عزّك»(١) .

الاتكال على النفس :

أما الإِتكال على النفس فهو عبارة عن أن يستند كل فرد إلى نفسه ، ويعتمد على عقله وعلمه ، وسلوكه وأخلاقه ، وعزمه وتصميمه ، وجدّه وجهده ، وأن يقف على قدميه في الحياة فيعلم أنه مسؤول بنفسه عن أفعاله الصالحة أو الفاسدة . لقد اعتبر هذا الموضوع في القرآن الكريم والأحاديث الإِسلامية من أشد المسائل الدينية بداهة . وكذلك العلماء المعاصرون فانهم يرون في الإِعتماد على النفس أساساً لجميع النجاحات الفردية والإِجتماعية ، ويؤكدون على أن سعادة كل فرد تبتني على استقلال شخصيته واعتماده على نفسه . إن الأفراد الذين يعتمدون على أنفسهم يشعرون بالاستقرار والهدوء ، الأفراد الذين يعتمدون على أنفسهم رجال نشاط وعمل ، الأفراد الذين يعتمدون على أنفسهم يملكون شخصية رصينة واستقلالاً في الإِرادة وطموحاً كبيراً يجعلهم يغضون النظر عما في أيدي الآخرين ، ولا يستسلمون للذل والهوان أبداً .

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ١٤٩ .

٢٢٩

هناك توافق وانسجام في هاتين المرحلتين بين المناهج الإِسلامية القيمة والأساليب العلمية المعاصرة . أي أن علماء التربية والنفس المعاصرين يؤكدون في كتبهم العلمية ما علّمه الإِسلام قبل أربعة عشر قرناً لأتباعه في مناهجه التربوية ، والتي تتمثل في القرآن الكريم والأخبار المستفيضة .

لقد اعتبر قادة الإِسلام الإِعتماد على الناس أمراً مذموماً ، ورأوا الخير والسعادة في قطع الطمع عما في أيدي الآخرين . وكذلك العلماء المعاصرون فانهم يذمّون الإِعتماد على الناس ، والطفيلية بشدة .

كما عمل قادة الإِسلام على إحياء المسؤولية الشخصية ، والشعور بالاستقلال والإِعتماد على النفس في الأفراد ، وأكدوا على أن كل فرد مسؤول عن أفعاله ، ورهين بما كسبت يداه . وكذلك فعل العلماء المعاصرون فانهم اعتبروا الإِعتماد على النفس من أهم أركان السعادة الفردية والإِجتماعية .

الاتكال على الله :

الإِتكال على الله عبارة عن أن يستند كل فرد مؤمن ، بالإِضافة إلى استغلال جميع طاقاته النفسية والجسمية والطبيعية ، إلى القدرة اللامتناهية لله تعالى ، وأن يستمد العون منه عز وجل في جميع المناسبات والظروف . وبعبارة أوضح فان الرجال المؤمنين يستغلون في سبيل الوصول إلى السعادة المادية والمعنوية ، جميع طاقات العقل . والعلم ، والذكاء ، والأخلاق ، والقوى الجسمية ، والطاقات الطبيعية ويستخدمون جميع الوسائل التي خلقها الله تعالى لذلك . . . ولكنهم لا يقصرون آمالهم على هذه الطاقات والقوى أبداً ، ولا يحصرون أرواحهم في سجنها الضيق ، بل يعتقدون بأن وراء جميع العلل والعوامل الإِعتيادية ، وفوق كل الطاقات الجسمية والروحية ، قدرة لا تتناهى ، وطاقة لا تقبل التحديد هي قدرة الله تعالى ، المسيطرة على الكون كله . . إنهم يعتقدون بأن جميع العلل إنما اتصفت بالعلية بإرادته ومشيئته ، فهو علة العلل . . . . وإن جميع الأسباب إنما اتصفت بالسببية بقدرته وأمره ، فهو

٢٣٠

مسبّب الأسباب . إن أصحاب هذه العقيدة لا يخسرون المعركة أمام مشاكل الحياة أبداً ، ولا يعرف اليأس طريقاً إلى أرواحهم . هؤلاء يملكون بالإِستناد إلى القدرة الإِلٰهية العظيمة أرواحاً مطمئنة ، وعزماً ثابتاً ، وإرادة حديدية .

طاقة الانسان المحدودة :

يهدف علماء النفس المعاصرون إلى أن ينشئوا أفراداً مستقلين ومعتمدين على أنفسهم ، ويمنعوا من نشوئهم طفيليين . لا شك في أن تربية كهذه قيّمة جداً ، وتستحق الإِكبار والتقدير ، كما تظهر آثارها النيرة طيلة أيام الحياة بصورة تدريجية ، ولكن يجب أن لا ننسى أن الطاقة الجسدية والروحية للإِنسان محدودة ، ولذلك فان درجة إطمئنانه ونشاطه ستكون محدودة أيضاً .

إن من كان محروماً من الإِيمان بالله ، وكانت تربيته مطابقة للأساليب العلمية المحضة ، فنشأ معتمداً على نفسه . . . فهو رجل العمل والنشاط ما لم يصل في حياته إلى مأزق حرج . . . أما عندما يصطدم بمشاكل تستعصي على الحل ، وتغلق جميع الأبواب والطرق الطبيعية بوجهه ، يشعر باليأس والفشل ، ويشلّ نشاطه ، عندئذ يعجز الإِعتماد على النفس من تهدئة خاطرة والتخفيف من اضطرابه ، وبعث الأمل في نفسه .

أما المؤمنون بخالق الكون ، والذين يستندون إلى قدرة العظيمة بالإِضافة إلى الاستقلال الروحي الذي يملكونه ، والإِعتماد على النفس الذي يتميزون به ، فانهم لا يصابون باليأس والقنوط أبداً . . . إنهم يذكرون الله تعالى في الأحوال الإِعتيادية ، ويستغلون جميع الوسائل والعوامل التي أوجدها خالق الكون في هذا العالم لتحقيق غاياتهم النبيلة وأهدافهم السامية . إنهم لا يتركون أبسط الفرص المؤدية إلى السعادة تذهب عبثاً ، وعندما يقعون في مأزق حرج لا يفقدون الأمل والتطامن ، لأنهم لم يحصروا أروحهم في دائرة العلل الطبيعية فقط ، ولم يغفلوا عن القدرة الإِلٰهية العظيمة التي هي فوق جميع القوى والطاقات لحظة واحدة . إنهم يستمدون العون من عناية الله في أشد الظروف وأحرج المواقف ، ولا يطفأ له الأمل في أرواحهم أبداً . . . إن

٢٣١

أعظم عامل لاستقرار النفس وقوة الإِرادة هو الإِتكال على الله . . . (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(١) .

. . . وهذه سمة فريدة يمتاز بها المنهج التربوي لرسل السماء . إن المناهج العلمية والتطبيقية تستطيع أن تربي الناس على الإِعتماد بالنفس . . . أما المنهج التربوي في الإِسلام فانه بالإِضافة إلى تأكيده على قيمة الإِعتماد بالنفس ، يربي الأفراد على الإِيمان بالله والإِتكال عليه ، وهذا هو من أعظم ميزات المدرسة الإِسلامية في التربية .

التشاور والعزم والتوكل :

لا شك في أن الأنبياء كانوا رجالاً ذوي إرادة قوية ، ومعتمدين على أنفسهم ، ولكن أساس الطاقات المذهلة التي كانوا يملكونها هو الإِتكال على الله . لقد كان يستحيل على موسى بن عمران أن يقارع فرعون بفضل إعتماده على نفسه فقط ، وأن يقوم لوحده بهدم تلك الحكومة الظالمة القوية لكن إتكاله على قدرة الله وعظمته هو الذي منحه القدرة على ذلك كله .

وكذلك نبينا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فانه ذا شخصية روحية صلبة ، واستقلال في الإِرادة لا يضاهي . . . ولكن الطاقة التي منحته القوة في ذلك الظرف الأهوج ، والدور العصيب ، وأعطته الاستقرار والهدوء في أشدّ المواقف ، ومكنته من خوض المعارك العقائدية والسياسية والإِجتماعية بكل نجاح . . . إنما هي الإِيمان بالله والإِستناد إلى عظمته .

لقد ذكر القرآن الكريم منهج الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الذي كان سرّ نجاحه وتقدمه في عبارة موجزة حيث قال : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ(٢) .

لقد ذكرت هذه الآية الكريمة واجب النبي تجاه الناس ، وواجبه تجاه نفسه ، وواجبه تجاه الله تعالى .

____________________

(١) سورة الرعد ؛ الآية : ٢٨ .

(٢) سورة آل عمران ؛ الآية : ١٥٩ .

٢٣٢

أما واجبه تجاه الناس ـ فقد كان عبارة عن استشارتهم في الأمور الإِجتماعية ، ورسم الخطط العسكرية ، وغير ذلك من الأمور التي لم يرد بشأنها نصّ . . . وعن طريق التشاور وتبادل الآراء يعين للمسلمين طرق انتصارهم وتقدمهم . إن الاعتماد على الناس ، والفرار من عبء المسؤولية إستناداً إلى جهود الآخرين مذموم في الإِسلام . أما احترام شخصية الأفراد ومعاشرتهم بالجميل ، واستشارة العقلاء وذوي الرأي منهم فهو محبذ ومرغوب فيه .

وأما واجبه تجاه نفسه ـ فهو عبارة عن عزمه وتصميمه في الأمور وقيامه بأدائها بنفسه . يجب عليه أن يكون صلباً أمام الحوادث ، لا تزعزعه المشاكل المختلفة ، بل يقابلها بإرادة حديدية وثبات لا يغلب عليه .

وأما واجبه تجاه الله ـ فهو أن يتوكل عليه بعد استشارته المسلمين ، والوقوف على رأي قاطع . . . يجب عليه أن يستمد العون منه عز وجل ، ويعزّز مكانته بالإِستناد إلى قدرته اللامتناهية .

إن تبادل الآراء والتشاور مع الناس لتنظيم شؤون العمل ، وكذلك الإِعتماد على النفس ، والعزم والتصميم في تنفيذ خطة العمل عاملان كبيران لنجاح البشرية وتقدمها ، وقد تكفل صدر الآية الكريمة ببيان ذلك وإن العلم الحديث يهتم بهذين الأمرين إهتماماً بالغاً أيضاً . لكن الطاقة التي لا تقبل «الإِندحار ، والشعلة التي لا تنطفىء ، والثروة التي تنبع منها جميع الطاقات الروحية ويستند إليها الاستقرار والتطامن إنما هي النقطة التي تكفل ختام الآية ببيانها ، وهو الإِتكال على الله . . . إن الإِتكال على الله أعظم من الإِعتماد على النفس بكثير .

إن أعظم المراتب في المدارس التربوية العالمية هي تنمية الإِعتماد على النفس وحسب . أما المدرسة الإِسلامية في التربية فانها ترقى إلى ما هو أهم من ذلك ، حيث تغذي النفوس من نمير الإِيمان بالله والإِعتماد عليه ، وهذه هي سمة فريدة يمتاز بها المنهج القرآني ، دون غيره .

٢٣٣

المحاضرة الخامسة والعشرون

الحياء المحبذ والحياء غير المحبذ

قال الله تعالى في كتابه العظيم : (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)(١) .

الخجل المفرط :

من الصفات الذميمة التي قد تصيب الإِنسان منذ طفولته ، وتلازمه حتى نهاية عمره بصورة مرض مزمن يؤلم صاحبه ، الخجل المفرط والحياء في غير محله . هذه الحالة النفسية تنبع من الشعور بالخسة وعقدة الحقارة في الغالب .

ما أكثر التلاميذ الذين درسوا بكل جد وتتبع ، واستوعبوا المناهج الدراسية باتقان ، ولكنهم أصيبوا في الإِمتحان ـ وفي القسم الشفوي منه بالخصوص ـ بالخجل والحياء الشديدين بسبب من ضعف النفس ، فخسروا المعركة . . . وكأنهم لم يقرأوا شيئاً ، أو نسوا ما قرأوه تماماً ، وبالتالي عجزوا عن الجواب وحصلوا على درجات واطئة ، وبالنتيجة حرموا من التقدم المعتاد في السنوات الدراسية .

____________________

(١) سورة المائدة ؛ الآية : ٥٤ .

٢٣٤

وما أكثر الأطفال الذين لا يملكون الجرأة على الإِتصال بالناس على أثر الخجل المفرط ، فيشعرون بالحقارة والدونية ، ويتخوفون من المشاركة في المجالس العامة والإِتصال بالأشخاص ، حتى أنهم يمتنعون أحياناً عن الذهاب إلى بيوت أقاربهم والتحدث معهم نظراً لما يحسون به من خجل وحياء . وقد يستأصل داء الخجل وضعف الشخصية في أعماق قلوب البعض إلى درجة أنه يحطم شخصيتهم ، ويجعلهم مصابين به حتى بعد البلوغ ، فالشيخوخة .

تألم الروح :

هناك عوامل عديدة تتسبب في ظهور صفة الحياء المفرط والخجل الشديد عند الأطفال . . . ولكن الجامع بينها هو السلوك المصحوب بالتحقير والإِهانة تجاه الطفل .

إن الطفل الذي يقع موقع السخرية والتحقير من الآخرين منذ الصغر وتألمت روحه على أثر الضربات المتتالية ، يرى نفسه حقيراً وتافهاً ويشعر بالضعفة والدونية . إن طفلاً كهذا يصاب بالإِنفعال والخجل ، ومن البديهي أن يتخوف من الإِتصال بالناس .

«إن الخوف والفرار من المجتمع ، والمظاهر الأُخرى والمشابهة لذلك كالخجل وحب الإِنزواء . . . وليدة كون الشخص معرضاً للإِهمال والتحقير في دور الطفولة أو البلوغ في الغالب . ولا يمكن أن نجد علة لذلك غير ما ذكر ، بمعنى أن الشخص عندما يتعرض للتحقير من قبل الآخرين ، ويبقى أثر ذلك في مخيلته ، فلا شك في أنه يشعر بالحقارة والتفاهة في نفسه تجاه المجتمع»(١) .

الحياء المعقول وغير المعقول :

الحياء عبارة عن الشعور بالإِنفعال والإِنكسار النفسي نتيجة للخوف من اللوم والتوبيخ من الآخرين . هذه الحالة النفسية تكون صحيحة ومناسبة في

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٢١ .

٢٣٥

بعض الحالات وتعتبر من الصفات الطيبة ، وتكون تافهة وغير مناسبة في حالات أُخر وتعتبر من الصفات الذميمة .

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الحياءُ حياءان : حياءُ عقل وحياءُ حمق . فحيَاء العقل هو العلم ، وحياء الحمق هو الجهل»(١) .

وعن الإِمام الصادق عن آبائه عليهم‌السلام ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحياء على وجهين ، فمنه الضعف ومنه قوة وأحلام وإيمان»(٢) .

يجب على الوالدين في المنهج التربوي الذي يتخذانه تجاه طفلهما أن ينميا فيه الشعور بالحياء المعقول من جهة ، بحيث لا ينشأ مستهتراً وعابثاً وعليهما من جهة أُخرى أن يراقبا عدم إصابته بضعف الشخصية والحياء غير المعقول لأن ذلك يبعث فيه الشعور بالخجل المفرط لأبسط حادثة .

ولكي يهتم المستمعون الكرام في أُسلوب تربية أطفالهم بهذا الواجب الخطير ، فينشئوا أولادهم على الحياء ومراعاة القيم الإِجتماعية ، بجانب حفظهم من الإِصابة بالخجل المفرط وضعف الشخصية ، أرى من اللازم التطرق إلى مسألة الحياء ، وفوائده الإِجتماعية ، ثم التوصل إلى الحياء المحبذ والحياء غير المحبذ .

هناك صفات نفسانية مشتركة بين الإِنسان وسائر الحيوانات ، كحب الولد أو الخوف وما شاكل ذلك . أما الحياء فانه من الحالات النفسية التي تختص بالإِنسان فقط ، ولا يمتنع بها شيء من الحيوانات مطلقاً . لقد ذكر الإِمام الصادق عليه‌السلام ذلك لتلميذه المفضل الجعفي في الحديث القيم الذي أملاه عليه حول التوحيد ، فقال :

«أنظر الآن يا مفضل إلى ما خص به الإِنسانَ دون جميع الحيوان من هذا الخلقِ الجليلِ قدرُه ، العظيم غناؤه ، أعني الحياء»(٣) .

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ١٠٦ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٥ ص ١٩٧ .

(٣) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٢ ص ٢٥ .

٢٣٦

لقد صرح الإِمام الصادق عليه‌السلام في هذا الحديث بأن الحياء إنما يختص بالإِنسان وهو مفقود في الحيوانات . وكذلك العلماء المعاصرون فانهم يعتبرون الحياء من الصفات الخاصة بالإِنسان :

«يعتقد مارك توين أن الإِنسان هو الحيوان الوحيد الذي يستحي أو يشعر بأنه في حاجة إلى الحياء . يقول الدكتور فلاسن أستاذ جامعة روجستر في تأييد هذه النظرية : إن الحياء علامة السلامة ، وهو متداول ومألوف عند جميع أفراد البشر حتى أُولئك الحفاة العراة . ولذلك فانه يعتقد بأن ما يبعث على تصاعد الدم في وجه الإِنسان هو الشعور الناشىء من إخفاء حقيقة ما»(٢) .

الأثر الاجتماعي للحياء :

إن الفائدة الإِجتماعية لخصلة الحياء عبارة عن منع الإِنسان عن ارتكاب الجرائم ، وحفظه من التلوث بالذنوب والأعمال المنافية للأداب . إن كل فرد يرغب في أن يكون حراً في إشباع ميوله وأهوائه ، حتى يستطيع ممارستها مطلقاً من كل قيد أو شرط . . . لكن هذه الحرية المطلقة لا تتلاءم مع مصلحته وسعادته . ولهذا فإن الأمور المضرة بالمصالح الفردية والإِجتماعية ممنوعة على الفرد في التعاليم السماوية ، والقوانين الوضعية في العالم أيضاً . . . وعلى الجميع أن يتجنبوها ، ويمتنعوا عن ممارستها .

لا بد من وجود قوة تحمي القانون حتى يستطيع من فرض إرادته على الأفراد فيضبطوا ميولهم غير المشروعة ، وتنفّذ الأساليب المحققة للمصالح المادية والمعنوية . . . ولا بد من وجود سلطة تضمن إتباع الأفراد وانصياعهم لنصوص القانون وإن كانت مخالفة لمشتهيات أنفسهم ، فان القانون يحتاج إلى من يتعهد بتطبيقه وتنفيذه ، ولا يكفي تشريعه لإِصلاحه المجتمع . . . إذ ما لم توجد الضمانات التنفيذية له فلا سبيل إلى التغلب على ميول الأفراد ورغباتهم ومنعهم من متابعة شهواتهم اللامشروعة .

____________________

(١) جريدة (إطلاعات) الإِيرانية العدد / ١٠٣٦٦ .

٢٣٧

يختلف الضمان التنفيذي للقانون باختلاف المستوى العلمي والتربوي لشعوب العالم ، لأنهم متفاوتون في درجة تكاملهم المعنوي ورشدهم الروحي بالنسبة إلى بعضهم البعض .

إن أفضل الوسائل التنفيذية للأمم الوحشية أو شبه الوحشية ، التي لم تحصل على المقدار الكافي من التكامل الروحي والتعالي النفسي ، والتي لم تتلقّ تربية صحيحة ، وهو السجن ، والجلد ، والإِعدام ، وسائر الوسائل الجزائية المشددة . في مثل هذه المجتمعات تستند الحكومة إلى العنف والقسوة ، وتحمل الناس على إطاعة القوانين الموضوعة من قبلها بالتعذيب والضغط والتهديد ، والحديد والنار .

أما في الأمم المتمدنة والراقية . . . في المجتمع الذي يكون الأفراد قد نالوا ـ قليلاً أو كثيراً ـ بعض الكمالات الروحية ، فان الضامن لتنفيذ القوانين وحسن تطبيقها ليس المواد الجزائية والتعذيب فقط ، بل إن العوامل التربوية والذخائر الروحية للأفراد تساعد كثيراً على رعاية القوانين وتطبيقها وإن لمعنويات الأفراد أثراً كبيراً في استيلاء النظام وسيادة القانون على ذلك المجتمع .

إن التربية الصحيحة منذ الطفولة ، وارتفاع مستوى العلم والمعرفة ، والإِستفادة من قوة العقل والتفكير ، وإحياء الوجدان الأخلاقي ، واستخدام ذلك . . . عوامل مساعدة في تطبيق القوانين ، ويلعب كل منها دوراً مستقلاً في حسن رعايتها .

القيام بالواجب :

إن الأفراد الذين تلقوا تربية صالحة منذ الصغر ، ونشأوا على الشعور بالمسؤولية ومعرفة الواجب الملقى على عاتق كل منهم ، يسلكون في الحياة باستقامة من دون تكلف ، ويلزمون رعاية الحق والعدل دائماً . . . إنهم لا يحومون حول الذنب أصلاً ، ولا يفكرون في الخروج على القانون والإِعتداء على حقوق الآخرين أبداً . من هنا نستنتج أن التربية الصالحة المتبعة في دور

٢٣٨

الطفولة من أهم العوامل المساعدة لتنفيذ القوانين وحسن رعايتها .

كذلك الأشخاص الذين حصلوا على ثقافة علمية ، ونالوا بعض مدارج الكمال فانهم يدركون الخير والشر أفضل من غيرهم ، ويعرفون الأضرار الفردية والإِجتماعية للإِجرام قبل الآخرين . هناك بعض الإِنحرافات والجرائم التي يرتكبها الأفراد المحرومون من العلم والثقافة ولا يحوم حولها الأفراد المثقفون والواعون ، إن العلم والثقافة يمكن أن يمنع من الخروج على القانون بدوره ، ويكون أداة لحسن تطبيق الأنظمة والقوانين .

بالرغم من أن جميع الدول الحية والمتقدمة في العالم تملك أنظمة جزائية لمعاقبة الأفراد الخارجين على القانون ، فان الملجأ الأول لرعاية تطبيق القوانين في تلك الدول هو القوى الثقافية والخلقية والتربوية للأفراد وبعبارة أُخرى فإن تأثير الشعور بالمسؤولية ، والمستوى التربوي في حسن تطبيق القوانين من قبل أفراد الشعب المتقدم والمثقف ، أقوى من تأثير الجزاءات المادية المفروضة في نصوص القانون .

الجزاء :

توجد في الشريعة الإِسلامية المقدسة سلسلة من القوانين الجزائية لغرض المحافظة على أرواح الأفراد وأموالهم وأعراضهم ، وعلى المحاكم والقضاة التصدي للجرائم والمخالفات ضمن الحدود المقررة ، ومعاقبة كل مجرم بحسب ما ارتكبه .

لا شك في أن النظام الجزائي في الإِسلام عامل فعال في حسن تطبيق القوانين ، وحاجز دون انتهاك الأفراد لحرمتها والخروج عليها . ولكن الضمان التنفيذي للقوانين في الإِسلام لا يتمثل في النظام الجزائي فقط . لقد استخدم المشرع الإِسلامي قبل أربعة عشر قرناً جميع ما يستفاد منه في تطبيق القوانين الدول المتمدنة اليوم .

يرى العلماء المعاصرون أن التربية الصحيحة للطفل ، وتنمية الشعور بالمسؤولية فيه ، وإحياء وجدانه الخلقي ، واستغلال الطاقات العلمية والعقلية

٢٣٩

المودعة عنده . . . عوامل مساعدة لتطبيق القوانين وإحقاق الحق .

لقد أولى قائد الإِسلام العظيم كل هذه الوسائل المعنوية عناية كاملة وكما ذكرنا في المحاضرات السابقة فان التعاليم الإِسلامية القيمة تهدف إلى التكامل الروحي والتعالي النفسي والوصول إلى أعلىٰ قمم الرقي الإِنساني . إن قتل النفس البريئة جرم عظيم وعمل غير قانوني ، وجزاءه إعدام القاتل . هذا الجزاء هو الذي يضمن عدم انتشار حوادث القتل . . . في حين أن الشخص الذي تربى على الفضيلة والطهارة منذ البداية ، ونشأ على الإِستقامة وإلتزام المثل العليا ، لا يفكر في الإِجرام أبداً ، ولا يحدث نفسه بالتجاوز على حياة الآخرين . إن شخصاً كهذا يحترم حق الآخرين في الحياة قبل أن يخاف الجزاء ، ولذلك فلا يقدم على قتل النفس المحرمة . وهكذا تجري إطاعة القانون والحذر من الإِجرام على هذا المنوال . فالخوف من الجزاء يمنع الفرد من الإِعتداء على حقوق الآخرين حيناً ، والشعور بالمسؤولية والرغبة في التكامل الروحي هو الدافع لاحترام الفرد حقوق غيره حيناً آخر .

لا فخر للإِنسان إن كان الدافع إلى انقياده للقوانين العادلة واحترامه حقوق الآخرين هو الخوف من العقوبة ، لأن كثيراً من الحيوانات تنقاد لأصحابها خوفاً من حدة السوط . إن الإِنقياد المنبعث من أعماق وجود الإِنسان الناشىء من حب الكمال . هو الذي يعتبر محبذاً وقابلاً للتقدير والاستحسان وهو أمارة الإِنسانية . والهدف من التعاليم الإِسلامية القيمة هو تربية هؤلاء الأفراد .

الايمان والانقياد للقانون :

بالرغم من أن هناك عقوبات وقرارات جزائية في الإِسلام بشأن رعاية تطبيق القوانين ، لكن الأساس الذي استند إليه مشرّع الإِسلام العظيم في تطبيق القوانين هو المبادىء المعنوية والتعاليم الروحية التي لقنها لأصحابه . وبعبارة أُخرى فإن دور العقوبات في الإِسلام بالنسبة إلى تنفيذ القرارات العامة ضئيل جداً . . . على العكس من الطاقات الإِيمانية العظيمة المستقرة في باطن

٢٤٠