🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
🚖 الجزء ١ 🚖 الجزء ٢
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وتتمثل المخالفات بصورة إضبارات مدنية وجنائية وهكذا تستنزف الطاقات الإِنسانية والمالية ويضطر المتنازعون إلى الرجوع إلى الوسائل التنفيذية من حجز وسجن وما شاكل ذلك .

يذكر الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام لمالك الأشتر في العهد الذي بعث به إليه أن إحذر نقض العهود ويقول في علة ذلك : «والخلف يوجب المقت عند الله والناس»(١) .

مما لا شك فيه أن نقض العهد يحطم شخصية الإِنسان . ومهما كان الشخص الناقض للعهد عظيماً في المجتمع ويمتاز باحترام الناس له وتقديرهم إياه فانه ينحط في أعين الناس على أثر نقضه للعهد ، كل فرد يدرك بصورة طبيعية أن الشخص الناقض للعهد يرتكب عملاً قبيحاً . . . . الفقير والغني ، الكبير والصغير ، كل الناس يرون أنّ لهم أن يلوموا الشخص الذي لا يلتزم بعهوده ، وهذا يدلنا على أن الإِنسان يدرك ضرورة الوفاء بالعهد بفطرته ، ويرى أن التخلف عنه تخّلف عن قانون الفطرة .

تنمية الوفاء بالعهد عند الطفل :

لأجل أن يحيا الوفاء بالعهد في المجتمع ، وتلتزم جميع الطبقات بهذا الواجب الإِنساني ، يجب أن تبذر بذور هذه الخصلة الحميدة في نفوس الأطفال من أولى أدوار الطفولة ، ومن حين إدراكهم لمعنى (العهد) . يجب أن يتلقّوا هذا الدرس القيم نظرياً وعملياً حتى يستقر في نفوسهم بصورة ملكه ثابتة مستقرة . يجب أن يربّى الأطفال بصورة يجدون معها الوفاء بالعهد من واجباتهم القطعية والضرورية ، فلا ينقضون عهودهم وحسب بل لا يسمحون لهذه الفكرة الفاسدة أن تمر بخواطرهم ، وهذه التربية لا تحصل إلا في المحيط الطاهر والسليم الذي أعدّ للطفل ، المحيط الذي لا يعرف نقض العهد والخداع . إن الطفل يتخذ من كل كلام يسمعه أو عمل يشاهده ، صالحاً كان أو فاسداً ، قدوة له يجري عليها في حياته ، وفي محيط الأُسرة يخضع قبل كل شيء لسلوك

____________________

(١) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده ج ٣ ص ١٢٠ .

٢١

الوالدين . ففي الأسرة التي يلتزم الأبوان فيها بعهودهما ، ولا يخلفان مواعيدهما ، ولا يخدعان الطفل . . . ينشأ الأطفال على هذه الفضائل الحميدة ، ويلتزمون بعهودهم أيضاً ، أما الأبوان اللذان يرتكبان الأفعال الفاسدة فان طفلهما يتأثر بأفعالهما وينشأ على تلك الأساليب المنحرفة .

«لأجل أن تكون الإِطاعة لقوانين الحياة تامة ، يجب أن تظهر بصورة فطرية» .

«إن الشخص الذي اعتاد منذ بداية حياته على معرفة الخير والشر ، يسهل عليه اختيار الفضيلة والإِجتناب عن الرذيلة في جميع أيام عمره ، وكما يبتعد عن النار يتجنّب الإِقتراب من الرذائل . فنقض العهد والكذب والخيانة لا تعدّ أعمالاً قبيحة في نظره ، بل تعدّ مستحيلة عنده ولإِيجاد ردود الفعل هذه في الفرد يجب توفر محيط يعني فيه بالفضائل عناية بالغة . إن الإِنسان يميل ـ كالقرد ـ إلى التقليد بغريزته ولكنه يقلد الشر أسهل من الخير . وهكذا يقتبس الطفل سلوك الأفراد الذين يعرفهم أو يسمع تاريخ حياتهم أو يقرأه ، ولهذا فانه يتخذ من الأصدقاء والأساتذة ، والأب والأم ، وبصورة خاصة نجوم السينما ، والشخصيات الحقيقية أو الخيالية التي يقرأها في المجلات والصحف . . قدوة له في حياته . وكما يقول (فلتون) فان الأطفال لو سلّموا في منزلق تقليدهم للغير إلى أفراد بعيدين عن الفضيلة ، نشأت من ذلك نقائض كبيرة في سلوكهم . إن المربي الجيد هو الذي يعتقد بما يقول ويطبقه على نفسه»(١) .

المدرسة الأولى للطفل :

تعتبر الأسرة بمثابة المدرسة الأولى للطفل ، وعلى الوالدين أن يهيئا الظروف المناسبة في محيط الأسرة . ولهذا فقد جاءت الروايات الإِسلامية تؤكد

____________________

(١) راه ورسم زندگى ص ١٦٢ .

٢٢

على المسؤولية العظمى للوالدين في تربية الأطفال ، وتسدي لهما النصائح المفيدة في هذا المجال . لقد تحدّث الإِسلام عن كل خصلة من الخصال الحميدة والملكات الفاضلة بصورة مستقلة ، ومن ذلك الوفاء بالعهد :

١ ـ عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أحبوا الصبيان وارحموهم ، وإذا وعدتموهم ففوا لهم ، فانهم لا يرون إلا أنكم ترزقونهم»(١) .

٢ ـ عن كليب الصيداوي قال : قال ابو الحسن عليه‌السلام : «إذا وعدتم الصبيان ففوا لهم ، فانهم يرون أنكم الذين ترزقونهم . إن الله عز وجل ليس يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان»(٢) .

٣ ـ عن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز»(٣) .

٤ ـ عن علي عليه‌السلام ، قال : «لا يصلح الكذبُ جدٌّ ولا هزل ، ولا أن يعد أحدكم صبيه ثم لا يفي له»(٤) .

تنمية الفطريات عند الطفل :

إن الفطريات الأولية للإِنسان تشكل الثروات التي أودعها الخالق العظيم لضمان سعادة الإِنسانية في نفس كل طفل وخلقه مع تلك الثروات . فإن جوبهت الفطريات عند الطفل بالتنمية الصحيحة والحماية العلمية وخرجت من عالم القوة إلى حيّز الفعل كانت الأساس لسعادته ، وبقيت الضمان الحقيقي لرقيه طيلة أيام حياته . وعلى العكس لو أهمل المربي قيمة الفطريات ولم يعتن بها ، بل قام بتربية الطفل طبقاً للأساليب الخاطئة فانه يتطبّع على الإِنحراف

____________________

(١) الوسائل للحر العاملي ج ٥ ص ١٢٦ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٦ ص ٥٠ .

(٣) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٢٦ .

(٤) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٣ ص ٢٣٢ .

٢٣

والفساد ويفقد ثرواته الفطرية بالتدريج ، ويكون في النهاية عضواً فاسداً في المجتمع .

ومن الفطريات عند الإِنسان إدراك لزوم الوفاء بالعهد . وكما أن حب الذات ، والغريزة الجنسية ، والحاجة الى الغذاء والمأوى . . . من المقومات الضرورية للحياة ، خلقها الله تعالى بصورة غرائز في طبيعة الإِنسان فإن الوفاء بالعهد من المقومات الضرورية لسعادة المجتمع ، وقد جعل الله تعالى إدراك حسنه وضرورته في باطن كل إنسان .

الإِدراك الفطري للوفاء بالعهد بذرة غرسها الله تعالى في تربة قلب الطفل ، والأساليب التربوية الصحيحة التي يستخدمها الوالدان بمنزلة سقي تلك البذرة لإِنباتها . فإن لم يُخدع الطفل في العهود والمواعيد التي تمنح إياه ، فإن هذه البذرة الفطرية تضرب بجذورها في قلبه ، ويلتزم بعهوده فينشأ إنساناً وفياً دون أن يفكر في نقض العهد ، أما إذا كان الوالدان ينقضان عهودهما ، ويخدعان الطفل ، يعدانه ثم لا يفيان له ، أو يلتزمان أمامه لشخص آخر بشيء ثم لا ينفذان ما التزما به ، فإن الطفل ينشأ ناقضاً للعهود وخداعاً ، لا يشعر بمسؤولية تجاه وعوده . إن الوالدين الناقضين لعهودهما يلقنان الطفل بسلوكهما المنحرف درس الخروج عن العهد والتخلّف عنه ، ويعلّمانه أن الإِنسان يستطيع أن يكذب ، أن يخدع الناس ، أن ينقض العهد .

« لاحظوا أننا عندما نعجز عن تهدأة الطفل وإسكاته بالطرق الإِعتيادية والطبيعية نلجأ الى الخديعة ، نتشبث بالوعود الزائفة ، ونركن إلى التهديد والتوعد . ما أكثر الأمهات اللائي يعجزن عن إسكات أطفالهن عندما يردن الخروج من البيت فيعمدن إلى أن يعدنهم بشراء بعض الفواكه أو الدمىٰ عند العودة ، بينما يراهن الأطفال عند عودتهن إلى البيت صفرات اليد ما أكثر الأمهات اللائي يكذبن على الطفل عندما يردن أن يناولنه دواء مراً فيقلن له : إنه حلو . هذه الأمثلة كثيرة الى درجة أننا نتمكن ـ مع الأسف ـ أن نملأ الصحائف الطوال عن هذا الموضوع ، كثيراً ما

٢٤

نعد الأطفال المساكين بوعود زائفة بحيث يمكن ذكر آلاف الأمثلة بهذا الصدد» .

«السيارة مستعدة ، والأب يريد أن يرجع من المصيف إلى المدينة ، في اللحظة التي يريد الركوب يركض طفله الصغير نحوه ويرجوه أن يصحبه معه إلى المدينة ، يصر كثيراً ، ويلح ، وبما أنه لم يعوّد أن يرى في (كلا) جواباً قطعياً لا يقبل النقض لا يكف عن الإِلحاح ، عندما يحس الأب أن صرف الطفل عن فكرته هذه ليس بالأمر اليسير يلجأ إلى الطريقة التالية» .

«يقول له : عزيزي ، لا يمكن أن أصحبك معي إلى المدينة بهذه الصورة ، إذهب والبس ملابسك الأنيقة» .

«يذهب الطفل وملؤه اعتماد على أبيه لتبديل ملابسه ، ولكنه عندما يعود لا يجد في نهاية الشارع غير الغبار المتصاعد وراء سيارة أبيه . ينظر إلى هذه الحيلة ، يتسمر في مكانه ، يجزع ، يصيح : إنك خداع ، كذاب إنه يصدق فقد كذب عليه أبوه ، وإن فرصة تعوّده على الكذب حتمية»(١) .

في جميع الدول الغريبة والشرقية في العالم آباء وأُمهات كثيرون غافلون عن التربية الصحيحة لأطفالهم ، يلوثونهم ـ عن علم أو جهل ـ بالصفات الذميمة . فالآباء والأمهات الذين يكذبون ، وينقضون عهودهم ، ويخدعون أطفالهم ، ولا يفون بوعودهم تجاههم يعلّمونهم دروس الإنحراف ، ويجرمون في حقهم وحق المجتمع الذي يقوم عليهم .

إن قلب الطفل كعدسة تصوير ، يلتقط الصور المختلفة من أفعال والديه وأقوالهما ، وتعتبر مشاهداته ومسموعاته في دور الطفولة منهاجاً لحياته المقبلة وهكذا يجب أن نهتم بالتعاليم الصالحة وغير الصالحة التي يتلقاها الطفل من والديه أو معلّميه ، فقد يتـأثر الطفل بمشاهدة عمل ما أو سماع كلام ما إلى

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٦٧ .

٢٥

درجة أنها تبعث أعمق الجذور في نفسه ، ولا تزول آثار ذلك مدى الحياة ، وربما أدت إلى قلب مجرى الحياة بصورة تامه .

التهم الباطلة :

يركن بعض الزعماء في نشاطاتهم السياسية ، وفي الحرب الباردة التي يشنونها ضد رقبائهم إلى أُسلوب الدجل والإِفتراء وإلصاق التهم الباطلة بمعارضيهم . ومما يؤسف له أن هذا الأسلوب المنحرف كان موجوداً في العصور السابقة وعصرنا هذا ، وقد وقعت فيه الأمة الإِسلامية بعد وفاة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قليلاً أو كثيراً .

لقد أقدم على هذا الأسلوب المنحرف معاوية بن أبي سفيان ، بغية الحفاظ على كرسي الخلافة الإِسلامية لبضعة أيام ، ولغرض الوصول إلى الإِمارة على الناس . . . فأخذ يلصق التهم الباطلة بالمثل الأعلى للإِيمان والإِنسانية علي بن أبي طالب عليه‌السلام .

لقد سحق معاوية الأصول الإِنسانية ، واتهم علياً بترك الفرائض والإِنحراف عن الطريق المستقيم ، وصرف في سبيل ذلك قسطاً عظيماً من بيت مال المسلمين . أمر جميع الموظفين والعسكريين أن يشتموا علياً في خطبهم بعد حمد الله والثناء على نبيه . . . الخطباء على منابرهم ، والمعلمون في مدارسهم ، وأكثر الناس في أنديتهم ومجالسهم أخذوا يعتبرون سب علي من واجباتهم اليومية ، وكانت هذه الخطة المشؤومة قدوة لجميع الرعية .

كان في أرجاء الدولة رجال شرفاء ومؤمنون يعرفون علياً حق المعرفة وكانوا على علم واسع بمكائد معاوية وأساليبه في الدعاية ، ولكنهم كانوا يفضلون السكوت خوفاً على أرواحهم من أن تزهق ، وعلى دماءهم من أن تراق . وإذا صادف أن صرح بعضهم بما يحمله من شعور تجاه ذلك الإِمام العظيم في بعض الظروف والمناسبات ، فقد كان يلاقي مصيره الأسود على يد معاوية أو جلاوزته(١) !

____________________

(١) في التاريخ شواهد ناصعة على الصراحة التي اتبعها ثلة من المؤمنين بحقيقة الإِسلام

٢٦

هذه البدعة الخائنة كانت قد بعثت بجذورها في قلوب مختلف الطبقات إلى درجة أنها ظلت عالقة بأذيال الناس حتى بعد موت معاوية بسنوات طوال ، فقد كان سبّ الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام متمثلاً بصورة واجب ديني عندهم .

وعندما تولى عمر بن عبد العزيز زمام الأمر ، وجلس على كرسي الخلافة ، قام بكل عزم وقوة لإِقتلاع جذور هذه الوصمة التاريخية الكبيرة فبدأ ـ بأسلوب حكيم ـ بجلب شعور وزراءه وقواده الكبار إلى جانبه وتحمل في سبيل ذلك صعوبة بالغة ، ثم أمر جميع ولاته على الأمصار بأن يقاوموا كل حركة تحاول أن تذكر الإِمام علياً عليه‌السلام بسوء ، وحثهم على معاقبة من يخالف هذا الأمر . . . وتوفق بعدّ جهد طويل إلى استئصال جذور هذه الوصمة من أذيال المجتمع الإِسلامي ، وبهذا استطاع من أن يكسب شعبية منقطعة النظير ، واستمرت الندوات والمجالس تذكره بخير وتمجد فعلته تلك .

تأثير كلام المعلم :

هذا الكفاح المقدس الذي غير وجه الأمة الإِسلامية ، وحول مجرى السياسة العامة للدولة آنذاك ، كان مستنداً إلى عزم الخليفة عمر بن عبد العزيز ، وهو نفسه يعزو السبب في ذلك إلى أيام طفولته ، وإلى كلمة سمعها من أُستاذه . والآن إليكم القضية كما يحكيها لنا بنفسه :

«كنت أطلب العلم في المدينة وكنت ملازماً لخدمة عبيد الله بن عبد الله ابن عقبة بن مسعود ، فبلغه أني أسبّ علياً عليه‌السلام كسائر الأمويين . فأتيته يوماً وهو يصلي ، فأطال الصلاة . فقعدت أنتظر فراغه فلما فرغ من صلاته إلتفت إلي . فقال لي :

____________________

بالنسبة إلى تفنيد التهم الباطلة التي كان يلصقها أعداؤه إلى أعظم قائد من قادة المسلمين ، وأول إمام من أئمتهم . . . إن فات المؤرخين حصرها فلم يفتهم تدوين طرف من أخبار تلك الثلة الخيّرة أمثال : ميثم التمار ، وحجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، ورشيد الهجري وغيرهم .

٢٧

ـ متى علمت أن الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم ؟! .

قلت : لم أسمع .

قال : فما الذي بلغني عنك في علي ؟! .

فقلت : معذرة إلى الله وإليك . . .

وتركت ما كنت عليه»(١) .

الحوار الذي جرى بين الأُستاذ والتلميذ في المدينة كان قصيراً جداً ، ولم يكن أحد منهما يتصور أن هذه الجمل ستكون منشأ لإِنقلاب عظيم في الأمة الإِسلامية . ولكن كلام الأُستاذ في ذلك اليوم أثر في قلب الطفل تأثيراً بالغاً . . . ومرت الأعوام وإذا الطفل يشب ويصبح في عداد الرجال البارزين في المجتمع . ثم تقع الحوادث المفاجئة وتحدث تحولات عظيمة في الدولة ، ويجلس طفل الأمس على كرسي الخلافة ويأخذ بزمام الملايين من الناس ! .

كان كلام المعلم بمنزلة البذرة التي بُذرت في قلب الطفل آنذاك ثم جاءت عوامل الرئاسة والسلطة فعملت على تنمية تلك البذرة ، وأخيراً ظهرت بصورة حقل كبير للسعادة ، واستفاد ملايين الناس من ذلك وتخلصوا من البدعة الجائرة المتمثلة في سب علي بن أبي طالب عليه‌السلام .

يستفاد من هذه القضية وقضايا مماثلة لها أن الواردات الفكرية للأطفال تمثل المنهاج العام لحياتهم الإِجتماعية ، وإن الخواطر الصالحة أو الفاسدة التي تستقر في ذهن الطفل لا تمحى ، بل تظهر آثارها الخيرة أو الشريرة في دور الشباب .

يجب على الآباء والأمهات أن يتنبهوا إلى المسؤولية الخطيرة الملقاة على عوانقهم ويحذروا من الكلام أو السلوك البذيء ، أمام الأطفال ، ويربوا أفلاذ أكبادهم منذ البداية على الطهارة والصدق ، ويؤدوا واجبهم الديني المقدس من هذا الطريق .

____________________

(١) الكامل لابن الأثير ج ٥ ص ١٧ .

٢٨

يجب على المعلمين والمدرسين أن يلتفتوا في الصف إلى ما يقولون ويفعلون ، وعليهم أن يحذروا من كل ما يشين ، فكما أن الكلمة الفاضلة والمناسبة التي صدرت من معلم لائق استطاعت أن تؤثر في نفس عمر بن عبد العزيز عندما كان طفلاً ، وظهرت ثمار ذلك بعد عدة أعوام في إنقاذ ملايين الناس مما كان أصابهم من انحراف . . . كذلك الكلمة الشريرة تستطيع أن توجد إنحرافاً في فكر الطفل وتؤدي إلى مآسي عظيمة لا تجبر ، له وللمجتمع الذي يعيش فيه .

٢٩
٣٠

المحاضرة السابعة عشرة

تدريب الطفل على الصدق

قال الله تعالى في كتابه العظيم : (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً)(١) .

الصدق :

الصدق من الصفات الحميدة التي تنسجم والطبيعة الإِنسانية . كل إنسان يميل بفطرته إلى الصدق ، وإلى أن يعتبر الكلام الذي يسمعه من الآخرين صادقاً ، فالكذب إنحراف عن صراط الفطرة المستقيم .

إذا كسر طفل نافذة في أثناء اللعب ولم يصبه خوف شديد وارتباك زائد من جراء ذلك ، فعندما يسأل : من الذي كسر النافذة ؟! فإنه سيشرح الحادثة بكل هدوء واتزان ، ويجيب على الأسئلة دون أي اضطراب ذاكراً كيف كسرت النافذة في أثناء اللعب . أما عندما يخاف الطفل فانه يحاول أن يستعين لإِثبات براءته بالكذب ، حينئذ يكون الوضع الشاذ للطفل واضحاً تماماً ، فالحركات غير المتزنة للعين ، واضطراب الهندام ، وجفاف الفم ، وسرعة النبض ، والكلمات المتقطعة والغامضة . . كل ذلك يدل على كذب الطفل وعمله المنافي للفطرة .

____________________

(١) سورة المنافقين ؛ الآية : ١ .

٣١

لقد جاء الأنبياء ، والقسم الأهم من واجباتهم يتمثل في إحياء الفطريات عند الإِنسان ، يدعون الناس الى الصدق ، ويحذرونهم من الكذب بشدة . إن الإِسلام يعتبر الكذب عاملاً هداماً للإِيمان ، ويعده أفظع من كثير من المعاصي الكبيرة .

١ ـ عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : «إن الكذب هو خراب الإِيمان»(١) .

٢ ـ قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «لا يجد عبدٌ طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله وجده»(٢) .

٣ ـ وعن الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «قال رجلٌ له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المؤمن يزني ؟ قال : قد يكون ذلك . قال : المؤمن يسرق ؟ قال : قد يكون ذلك . قال : يا رسول الله ، المؤمن يكذب ؟ قال : لا ، قال الله تعالى : (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ(٣) .

٤ ـ وعن الإِمام الرضا عليه‌السلام : «سئل رسول الله : يكون المؤمن جباناً ؟ قال : نعم . قيل : ويكون بخيلاً ؟ قال : نعم ، قيل : ويكون كذاباً ؟ قال : لا»(٤) .

أسوأ من كل سوء :

٥ ـ عن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «قال أمير المؤمنين : ولا سوءة أسوأ من الكذب»(٥) يفهم من هذا أنه مهما اشتد قبح الشيء فلا يبلغ قبح الكذب .

مما لا شك فيه أن الكذب مخالف للوجدان الأخلاقي الفطري ، وكذلك مخالف للوجدان الأخلاقي التربوي . فالكذب قبيح في نظر جميع الشعوب والأمم في العالم ، وفي تعاليم رسل السماء كافة .

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٣٣٩ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٣٤٠ .

(٣) سفينة البحار للقمي ص ٤٧٣ . مادة (كذب)

(٤) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٣ ص ٢٣٢ .

(٥) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ١٠٠ .

٣٢

ومما يبعث على الأسف أن هذا الوبيل لا يختص بالكبار ، بل إن الأطفال الصغار يقعون في أسر هذا المرض الهدام أيضاً ، فيعتداون على الكذب من الصغر ، وقد يستأنسون بهذا الصفة الذميمة إلى درجة أنهم يتلذذون باختلاق كذبة ، ويرتاحون كثيراً عندما يرون أن الغير قد خُدع بأكاذيبهم .

مفتاح الجرائم :

إن الكذب يقرب الإِنسان إلى سائر الذنوب فيقدم الكذاب على المعاصي الأُخر ، وعندما يُسأل منه فانه يكذّب ذلك بكل وقاحة ويظهر نفسه بمظهر البريء ولكنه في الواقع جعل الكذب والخديعة ملجأ لفراره من الجرائم . «عن أبي محمد العسكري عليه‌السلام قال : حُطّت الخبائث في بيت ، وجُعل مفتاحه الكذب»(١) .

«الكذب أحد النقائض التي لا يخفى قبحها ، فإن الكذب هو الذي يجر وراءه سلسلة من الرذائل الأُخر ويفتح باباً على الجرائم الباقية . إن عجزنا عن الوقاية من انتشار هذه الصفة ، وضعفنا عن مقاومتها جريمة لا تغتفر»(٢) .

شرب الخمر والكذب :

إن شرب الخمر عامل كبير في ارتكاب الجرائم . ما أكثر الناس الذين لا يرتكبون بعض الذنوب في الحالات الإِعتيادية ، ولكنهم يفقدون عقولهم في حالة السكر فلا يتورعون عن القيام بأي جريمة خطيرة وأي عمل مناف للعفة(٣) .

____________________

(١) المصدر السابق .

(٢) ما وفرزندان ما ص ٥٩ .

(٣) أحطت ـ وأنا أعدّ هذه المسودات للمطبعة ـ بحادثة أليمة رأيت من المناسب ذكرها هنا :

توفي أحد الأشراف في النجف الأشرف عن زوجة وولد وبنت ، وكانت الزوجة ثرية قد ورثت مالاً عظيماً من أبيها ، وبعد عدة سنين توفي ولدها الشاب وهو في مقتبل دراسته الجامعية ، وبقيت الأم المسكينة تندب حظها العاثر ، وخصت ابنتها الوحيدة بكل حبها وحنانها حتى أنها تنازلت عن جميع أملاكها لها .

بلغت الفتاة مبلغ الزواج فتقدم لخطبتها الكثيرون ، وأخيراً تم الزواج بينها وبين شاب

٣٣

إن أثر الظلمة التي يوجدها الكذب في عقل الإِنسان وروحه أشد بكثير من أثر الظلمة التي يوجدها شرب الخمر ! فالشخص المعتاد على الكذب أشد استهتاراً من شارب الخمر ولا يتورع من أي جريمة . فعن الإِمام الباقر عليه‌السلام أنه قال : «إن الله عز وجل جعل للشر أقفالاً وجعل مفاتيح تلك الأفعال الشراب ، والكذب شر من الشراب»(١) .

وكما أن الكذب يلوّث الإِنسان بكثير من الذنوب فإن التوبة الحقيقية عنه تعصم الإِنسان عن كثير من الذنوب أيضاً .

«أتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجلٌ ، فقال : إني رجل لا أُصلي وأنا أزني وأكذب ، فمن أي شيء أتوب ؟ ! قال : من الكذب فاستقبله فعهد أن لا يكذب فلما انصرف وأراد الزنا فقال في نفسه : إن قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هل زنيت بعدما عاهدت ؟ فأن قلت : لا ، كذبت ، وإن قلت : نعم ، يضربني الحد»(٢) .

وفي حديث آخر نجد ترك الكذب داعياً إلى ترك بقية المعاصي . «قال رجل لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا رسول الله دلّني على عمل أتقرب به إلى الله تعالى فقال : لا تكذب . فكان ذلك سبباً لاجتنابه كل معصية لله لأنه لم يقصد وجهاً

____________________

مدمن على الخمر . وتقرر أن يسافر العروسان إلى البصرة لقضاء شهر العسل هناك .

وفي البصرة استأجر غرفة في فندق فخم ، وجلسا يتسامران ، وقام الزوج ليتناول الخمر كعادته وقدّم شيئاً من ذلك لزوجته التي لم تكن قد ذاقت طعم الخمر ، فتغيّر حالها وأحست بحاجة الى القذف . . . خرجت إلى المرافق الصحية وهي بكامل زينتها لتقذف ، أظلمت الدنيا في عينها فلم تعد تحس بشيء ، حاولت أن تعود إلى الغرفة ، والزوج الغرّ جالس في مكانه ، وفتحت ـ وهي فاقدة الوعي ـ باب غرفة فدخلت وألقت بنفسها في حضن شاب كان قد أستأجر غرفة مجاورة لغرفتهم . . . وجد هذا الشاب في العروس لقمة سائغة فنال منها وطره . . . ولم تستيقظ إلا عند الصباح حيث الشرف المهدور ونظرات الإِتهام والريبة من الزوج وتنكره لها . . . وعادت إلى أمها تندب حظها العاثر وشبابها الزائل وكرامتها المهدورة .

(١) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٣ ص ٢٣٢ .

(٢) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ١٠١ .

٣٤

من وجوه المعاصي إلا وجد فيه كذباً ، أو ما يدعو إلى الكذب ، فزال عنه ذلك من وجوه المعاصي»(١) .

تنمية الصدق في الحديث :

إن من أهم واجبات الوالدين في تربية الطفل هو تنمية فطرة الصدق المودعة عنده . على الوالدين أن يسلكا في محيط الأسرة سلوكاً يجعل الأطفال يعتادون على الصدق والإِستقامة ، ولا ينحرفون إلى طريق الكذب والتزوير والدجل ، وهذا الأمر أصعب من تنمية كثير من الصفات في الأطفال ، وللوصول إلى هذه الغاية لا بد من إتباع كثير من الرقابات العلمية والعملية ! .

«يبدو لي أن الوالدين لا يملكان تلك السلطة التي يملكانها في مكافحة الكسل والخروج على النظام بالنسبة إلى الكذب . والخلاصة أن من بين العيوب التي نسعى إلى اقتلاعها من كيان الأطفال يمتاز الكذب بأنه أكثرها إغضاباً وإزعاجاً لنا ، والسبب في ذلك يعود إلى أن من الصعب أن يتصور الإِنسان تصوراً صحيحاً وواقعياً عن الكذب والكاذب» .

«يجب أن لا نعتبر الكذب للأطفال عملاً بسيطاً ، لأنه في الحالات الإِعتيادية وعند الأطفال السالمين ـ على الأقل ـ يجب أن ينعدم الكذب . إن فشلنا وعجزنا وخطأنا في مكافحة الكذب ينشأ من أننا نحكم على هذا العمل من زاوية نفسه ، دون أن ننظر إلى علة الكذب والغاية منه ، ونوعه ، وحالة الكذاب ، وأوضاعه»(٢) .

أساس داء الكذب :

إن أول طريق لمكافحة الكذب هو معرفة أساس هذا الداء الوبيل ، مما لا شك فيه أن حالة نفسيّة خاصة توجد في باطن الشخص الذي يكذب مما

____________________

(١) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ١٠٠ .

(٢) ما وفرزندان ما ص ٥٩ .

٣٥

يدفعه إلى هذا العمل ، وما لم تقتلع جذور هذه الحالة النفسية العارضة لا يمكن معالجة الكذب .

الخوف ، الضعف ، العجز ، الإِحساس بالحقارة ، عقدة الحقارة ، أو بعض الحالات النفسية المشابهة لذلك ، تستطيع أن تنحرف بالإِنسان عن الطريق المستقيم في الصدق ، وتبعثه على الكذب . «عن النبي (ص) : لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه»(١) .

الضعف والظلم :

الكذب أحد أنواع الظلم ، والظلم من الناحية النفسية لضعف الظالم . إن الشخص الذي يهرق الدماء البريئة ، والذي يظلم الناس بسبّههم وشتمهم ، والذي يتجاوز على أموال الناس ، وبصورة موجزة كل من يمد يداً للجور والظلم فلا شك في أن ذلك للنقص الذي في باطنه والضعف الذي يحسّ به .

يقول الإِمام السجاد عليه‌السلام في بعض أدعيته : «وقد علمتُ أنه ليس في حكمك ظلم ولا في نقمتك عجلة ، وإنما يعجل من يخاف الفوت ، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف . وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علواً كبيراً»(٢) .

الحقارة والكذب :

إن المدين العاجز عن وفاء مبلغ الدين يجلس في البيت ويقول لولده ـ كذباً ـ أن يقول للدائن : إن أبي ليس في البيت . والجاهل الذي يحس بالحقارة في مجلس العلماء ويجد نفسه عاجزاً عن الدخول في البحث والمناقشة يدّعي كذباً أن حالته الصحية لا تساعد على ذلك . والموظف الذي تغيب عن واجبه بلا عذر مشروع يلتجىء إلى الكذب خوفاً من العقوبة أو الغرامة فيدّعي أن أخاه قد مات وكان مشغولاً بتجهيزه . . . والخلاصة أن الكذابين يلجأون الى الكذب بسبب الحقارة والعجز اللذين يحسون بهما ليدرأوا التهم عن أنفسهم .

____________________

(١) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ١٠٠ .

(٢) الصحيفة السجادية ـ دعاؤه يوم الأضحىٰ والجمعة .

٣٦

لقد عظم أمر المسلمين في المدينة ، وبلغ المؤمنون غاية عزهم ومجدهم . . . كانت الفتوحات المتتالية تعود لصالحهم يوماً بعد يوم . أما غير المؤمنين فقد كان ينظر إليهم بنظر الإِحتقار في المجتمع ، وهذا ما أدىٰ إلى إضعاف روحياتهم ، فأخذوا يحسون بالحقارة والضعة من جهة ، ومن جهة أُخرى كانوا يمتنعون عن الإِيمان . فاضطروا إلى أن يظهروا خلاف ما يبطنون ، ويتظاهروا بالإِيمان حتى يجبروا حقارتهم بذلك . وجاء القرآن الكريم كاشفاً عن سرائرهم وفاضحاً نواياهم حيث قال : «إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ . اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً»(١) .

الكذب عبارة عن ردّ فعل لعقدة الحقارة أو الخوف أو الحالات النفسية الأخر . وبعبارة أُخرى فإن هذه العقد النفسية والإِنهيارات الداخلية للناس هي التي تظهر بمظهر الكذب في الصور المختلفة .

كلما كانت عقدة الحقارة في حياة الفرد أو الأسرة أو الأمة أشد كان رواج الكذب فيهم اكثر . إن من يصاب بالفشل في القضايا السياسية أو الإِقتصادية وتنحط منزلته في أنظار الناس يكون الدافع إليه نحو الكذب أقوى ، والأسرة التي تسوء سمعتها لانحراف خلقي أو لسبب آخر فتصبح مبغوضة في نظر المجتمع ويحس أفرادها بالحقارة والضعة في نفوسهم تلجأ إلى الكذب لتدارك النقائص التي أصابتها . وفي الدول التي تنعدم فيها العدالة والحرية ويديرها الحكام بنظام إستبدادي مطلق ، ويتملك الناس فيها خوف ورعب شديدان تروج سوق الكذب ، وكذلك الأمم التي خضعت لسنين طوال إلى الظلم والاضطهاد ولم تذق طعم الاستقلال يكون تلوثها بالكذب اكثر . . . وبصورة موجزة فان الكذابين لا يكذبون إلا للحقارة التي يحسون بها ، كما صرح بذلك الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين قال : «لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه» .

____________________

(١) سورة المنافقين ؛ الآيتان ـ ١ ـ ٢ .

٣٧

داء الكذب :

الكذب مرض خطير يمكن أن يصيب الإِنسان من أولى أدوار حياته ويظل مصاباً به حتى نهاية العمر . ومما يؤسف له أن بعض الأسر تنظر إلى هذا الداء الخطير نظرة عارية من أي إهتمام . إذا أُصيب الطفل بحمّى في ليلة من الليالي أو أخذ يعطس أكثر من المعتاد يتألمون لذلك كثيراً ، ولكنهم لا يعيرون أي إهتمام لكذبة الطفل . وهناك أُناس آخرون يعرفون ـ إن قليلاً أو كثيراً ـ خطورة الكذب ويتألمون إذا وجدوا الطفل يكذب ولكنهم يجهلون طريق معالجة ذلك وتكون النتيجة أن يلوث الكذب أغلب الأسر ، ويظل الجميع يئنون من ويلات هذا الداء الفتاك .

عوامل ظهور الداء :

لأجل أن يهتم أولياء الأطفال في سبيل تربيتهم بهذا الموضوع الحساس ويعوّدوا أفلاذ أكبادهم على الصدق والإِستقامة نتكلم في هذه المحاضرة عن عوامل ظهور هذا الداء في الأطفال راجين أن تكون مفيدة للجميع .

أساليب وقائية :

١ ـ «عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : رحم الله من أعان ولده على بره .

قال : قلت : كيف يعينه على بره ؟

قال : «يقبل ميسوره . ويتجاوز عن معسوره . ولا يرهقه . ولا يخرق به»(١) .

إن من علل كذب الأطفال ، ثقل عبء الواجبات التي يكلفون بأداءها . إن تشديد الأولياء وتوقعاتهم الشاذة التي هي فوق طاقة الأطفال يقودهم إلى الكذب ويوقظ فيهم هذه الصفة الرذيلة

«يقول ريموندپيچ : أعرف فتاة شابة تأصل الكذب في نفسها بحيث لا يقبل العلاج . إنها عندما كانت في السن السابعة كانت تذهب

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٦ ص ٥٠ .

٣٨

كل يوم إلى المدرسة وكان عدد الطالبات التي يدرسن معها لا يتجاوز الـ ٢٥ . كان لها مربية تأخذها إلى المدرسة كل يوم ، وتأتي بعدها انتهاء الدرس لأخذها إلى البيت . كانت هذه المربية مكلفة بمراقبة الطفلة في واجباتها ودراستها ، وبصورة موجزة كانت مسؤولة عن تربيتها بصورة تامة . في تلك العصور كان الأسلوب المتداول ـ الذي تعده التربية الحديثة فاشلاً تماماً ـ يقضي بأن يصنّف الطلاب كل يوم على حسب الدرجات التي حصلوا عليها في الإِمتحانات التحريرية ، وهكذا كان يعين الطالب الأول والثاني والثالث . كانت الطفلة بمجرد أن تخرج من الصف حاملة حقيبتها بيدها تقابل بالسؤال الرتيب للمربية التي كانت تقول : (ما هي مرتبتك في الصف ؟) فإن قالت : (الأولى) أو (الثانية) كان الأمر يجري على ما يرام . ولكن صادف مرة أن كانت مرتبتها الثالثة لثلاث مرات على التوالي ، وبالرغم من أن الحصول على المرتبة الثالثة بين ٢٥ طالبة أمر مستحسن ، فإن المربية لم تكن تفهم ذلك . لقد حاولت أن تهدىء على نفسها في المرة الأولى والثانية ، ولكنها في المرة الثالثة لم تستطع أن تتمالك على نفسها ، ففي الوقت الذي كانت الطفلة قد تملكتها الحيرة والذهول صاحت بوجهها : ألا ينتهي حصولك على المرتبة الثالثة ؟ يجب أن تكوني الأولى غداً هل سمعين ؟ الأولى . . . يجب أن تصبحي الأولى !

لقد أشغل هذا الأمر الصعب والجاد بال الطفلة طوال اليوم ، وفي اليوم الثاني كانت فريسة الرعب والتفكير ، بذلت كل عنايتها ودقتها في أداء واجباتها ، كانت العمليات الحسابية التي أجرتها صحيحة ، وأجابت على الأسئلة بنجاح ، وكانت نتائجها مرضية إلى قبيل الظهر عندما حان درس الإِملاء ، فقد وقعت لها أربع خطآت في امتحان الإِملاء ، وأخيراً حازت على المرتبة الثالثة في

٣٩

ذلك اليوم أيضاً . . . وكانت هذه هي الطامة الكبرى .

عندما رنّ جرس الدرس الأخير كانت المربية واقفة بباب الصف منتظرة الطفلة ، وما أن وقعت عينها عليها حتى صاحت : ما الخبر ؟

كانت الطفلة مذهولة لا تستطيع بيان الحقيقة ، فقالت : (صرت الأولى) . وهكذا بدأت تكذب .

كثيرون هم الآباء والأمهات الذين يسلكون مثل هذا السلوك ، وبهذه الصورة يتحملون مسؤولية إنحراف الأطفال وإصابتهم بداء الكذب»(١) .

الاعتدال في العبادة :

من تعاليم الإِسلام الاعتدال في العابدة . إن علماء الحديث يوردون في هذا الصدد روايات كثيرة نذكر هنا بعضها :

١ ـ «عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله»(٢) .

٢ ـ وعن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «لا تكرهوا إلى أنفسكم العبادة»(٣) .

٣ ـ عن الإِمام الصادق أيضاً : «اجتهدت في العبادة وأنا شاب فقال لي أبي : يا بنيّ دون ما أراك تصنع ، فإن الله إذا أحب عبداً رضي عنه باليسير»(٤) .

٤ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يا علي ، هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٦١ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٨٦ .

(٣) المصدر السابق ج ٢ ص ٨٦ .

(٤) المصدر السابق ج ٢ ص ٨٧ .

٤٠