🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
🚖 الجزء ١ 🚖 الجزء ٢
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

سكت وسكتوا . فقال علي بن الحسين عليه‌السلام : عليَّ دَينك كله . ثم قال علي ابن الحسين : أما أنه لم يمنعني أن أضمنه أولاً إلا كراهية أن يقولوا : سبقنا»(١) .

وفي حديث آخر عن الإِمام الباقر عليه‌السلام قال : «نظر أبي إلى رجل ومعه ابنه يمشي والابن متكىء على ذراع الأب ، قال : فما كلّمه أبي مقتاً له حتى فارق الدنيا»(٢) .

الأطفال المدللون :

تظهر سيرة الأطفال الذين نشأوا معجبين بأنفسهم في أوقات مختلفة وبأشكال متنوعة . هؤلاء الأطفال يؤذون آباءهم وأمهاتهم بأعمالهم الهوجاء ، ويخلقون لهم مشاكل كبيرة .

«في الأسرة التي يكون فيها طفل مدلل ، عندما يولد الطفل الثاني تتوجه ضربة قاصمة نحو الطفل الأول الذي كان مستأثراً بحنان والديه ، لأن أُسلوب تربيته كان خاطئاً ، لأنهم كانوا قد عوّدوه حتى اليوم الماضي على أن يكون المتنفذ الفعّال في البيت وقرة عين والديه ، وعلى أن يتحملوا غنجه ودلّه بكل رحابة صدر ، ولكنه بتولد الطفل الثاني يجد أمامه رقيباً خطراً ليس مزاحماً له في كل شيء فحسب ، بل إنه يحاول عزله عن منصبه وتنحيته عن السلطة التي كان يمتاز بها طيلة الأعوام السابقة . ولذلك فإن الطفل الأول لا يملك أي ردّ فعل لهذه الحالة ، ولا يعرف ماذا ينبغي له أن يقوم به . . . فنراه يبدأ بإظهار مشاعر الفوضى والشغب ، وقد يتعمد التبول في فراشه ليلاً بغية جلب أنظار والديه نحوه ، أو يأخذ بالصياح والعويل من دون سبب ، أو يتكلم بلكنةٍ وتمتمة . . . وما شاكل ذلك من الأفعال المثيرة»(٣) .

____________________

(١) روضة الكافي لثقة الإِسلام الكليني ص ٣٣٢ .

(٢) مجموعة ورام ج ٢ ص ٢٠٨ .

(٣) عقدة حقارت ص ١٤ .

٢٠١

«ينشأ الطفل الأكبر في بعض الأسر مدللاً ، تبعث حركاته وسكناته ، ابتسامته وكلماته ، السرور والإِرتياح في قلب والديه الشابين ويتلقيان كل ذلك على أنها وقائع غير مترقبة ، ذات تأثير خاص ، ويجب أن تعتبر نموذجاً وقدوة للأسرة . إن الطفل الذي يراقب هذه القضايا يعتقد تدريجياً بأن هذا الإِهتمام كله يجب أن يختص به وحسب . فإذا وُلد طفل ثان في الأسرة عند ذاك تبدأ المشكلة الكبيرة . لأن الطفل الأكبر يجب أن لا يوافق على توزيع الحب والحنان بينه وبين أخيه فقط ، بل يجب أن يوطن نفسه أيضاً لتطرق شيء من الإِهمال والغفلة ونحوه . . . وهذا بلا ريب أمر لا يطاق بالنسبة له . إذا أصيب هؤلاء الأطفال المنكسرون بمرض فانهم يحاولون أن يستأثروا بعناية الوالدين وعطفهما وحنانهما ، وقد يتذرعون لذلك برسم خطط وتدبير حيل من شأنها أن تؤدي إلى المطلوب . . . وبهذه الصورة نجد أن الطفل الذي كان عاقلاً واعتيادياً لذلك الحين ينقلب مشاغباً وفوضوياً بمجرد تولّد الطفل الثاني ، وتظهر منه آلاف الأعمال التي ظاهرها الحماقة والبلادة إلى درجة أنها تبعث الوالدين على الإِستغراب والحيرة»(١) .

الانهيار الخلقي :

تصل المآسي والمشاكل الإِجتماعية التي يلاقيها الأطفال المدللون والمعجبون بأنفسهم قمتها عندما يتركون دور الطفولة ويدخلون في المجتمع حقيقة . . . إنهم يكشفون بأعمالهم البذيئة وسلوكهم الأهوج عن مستوى إنهيارهم الخلقي ، ويظهر عدم كفاءتهم وجدارتهم لتحمل أعباء الحياة من خلال التجارب التي يمرّون بها .

إن الشخص الذي نشأ على الدلّ يواجه مشكلتين عظيمتين :

الأولى : إنه يتوقع من أفراد المجتمع رجالاً ونساءً أن يحترموه كما كان

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٤٥ .

٢٠٢

يفعل ذلك أبواه ، وينفذوا أوامره دون تردّد ، فعندما يجد أنهم لا يحترمونه بل يسخرون منه لتوقعاته الفارغة هذه يتأذى كثيراً ويحس بالحقارة والضعة في نفسه .

الثاني : إن حوادث الإِخفاق والفشل التي يلاقيها ـ والتي كانت منشأ ظهور عقدة الحقارة فيه ـ جعلت منه فرداً عصابياً وسيء الأخلاق ، وأدت إلى أن يفقد الصبر والثبات أمام أبسط مشكلة ، وينظر إلى الناس جميعاً نظرة ملؤها التشاؤم والإِستياء ، فيبدأ بالتعرض لهم بالكلمات البذيئة والعبارات المشينة . ويظل يئن من هاتين المشكلتين طيلة عمره ! .

«إن الحياة في القرن العشرين تتطلب الشجاعة والصلابة قبل كل شيء ، وبغير ذلك لا يمكن مواجهة مشاكلها . إن الطفل الذي لم ينل حصة وافرة من التربية الصالحة فاقد لهاتين الصفتين ، بمعنى أنه كان قد تُرك حراً في طفولته ، وعُوّد على أن يُحضر له جميع ما يريد ، وبصورة عامة كان ديكتاتوراً مطلقاً في عالم الطفولة ، وفي جو الأسرة بالخصوص ، وتكون النتيجة أن تكون الحواجز والموانع والصعوبات والمشاكل والغربة كلمات فاقدة للمعنى عند طفل كهذا» .

«إن الطفل الذي أُسيئت تربيته عندما يكبر ويرث ثروة ضخمة فانه يضطر إلى الإِتصال بالناس والإِحتكاك بهم ، ولكنه إذ لا يرى أصحابه ومن حوله كأصحابه الذين كانوا يتساهلون معه ويحنّون عليه في أيام الطفولة ، يضطر إلى أن يعتبر الجميع منحطين لا يستحقون الصداقة والمعاشرة . . . وهكذا ينكد العيش على نفسه . أما إذا لم يرث ثروة ما من أبويه واضطر إلى أن يذهب وراء عمل ليسدّ به رمقه ، عند ذاك تبدأ المأساة بالنسبة له ويحصر بين صخرتي اليأس والشقاء ، ويدرك بسرعة أنه لفقدانه الشعور بالشجاعة والإِعتماد على النفس لا يستطيع الاستمرار في حياة

٢٠٣

يكون التنازع فيها على البقاء ، ولا يقدر على الوقوف على قدميه . . . حينئذ ينخرط في سلك الأفراد الذين ليسوا عالة على المجتمع فقط ، بل يشكلون خطراً كبيراً على الآخرين كالسرّاق والمشعوذين ، والمقامرين ، والخمارين . . . الخ»(١) .

إن صفة الإِعجاب بالنفس أساس جميع العيوب والنقائص . فالمصابون بهذا الداء الخُلُقي يتميزون بانحراف ظاهر في سلوكهم وأحاديثهم ، والذي يكشف عن نفسه من خلال صداقتهم وعداوتهم ، وتصديقهم وتكذيبهم ، وموافقتهم ومخالفتهم . . . هذا الإِنحراف المتمثل في الاثرة والأنانية وتقديم الصالح الفردي على الصالح الجماعي . لكن هؤلاء يفضحون أنفسهم بسلوكهم ويكشفون عما خفي من عيوبهم .

وفي هذا يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «بالرّضاءِ عن النفس تظهر السوءات والعيوب(٢) .

وعنه عليه‌السلام أيضاً : «من رضيَ عن نفسهِ ظهرت عليه المعايب»(٣) .

ضعف النفس :

من الآثار الوخيمة للإِعجاب بالنفس ضعف النفس . فالأطفال المدللون الذين يجدون الإِنقياد الكامل لهم من قبل آبائهم وأُمهاتهم ، وينالون ما يريدون دون جهد أو تعب يتميزون بضعف كبير في نفوسهم . إنهم لا يملكون القدرة على المقاومة في قبال مشاكل الحياة ، والعقبات الكأداء التي تعترض سبيلهم ، إنهم يسخرون المعركة في الصراع القائم ، عندما يصطدمون بالحواجز والآلام . . . عند ذاك يضطرون إلى الإِنسحاب وأمارات الفشل بادية عليهم ، إن أولى مظاهر هذا الإِنسحاب تتمثل في التملق للآخرين ، والإِنزواء ، والإِنتحار ، والرضوخ للذلة وأفعال تشابه ذلك .

____________________

(١) عقدة حقارت ص ١٤ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٣٣٨ .

(٣) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٦٨٥ .

٢٠٤

«ما هو الدافع إلى الإِنتحار ؟ وما هي العوامل التي تجعل الفرد يقدم على ذلك ؟ إذا تجاوزنا الأشخاص المجانين ، والبلداء ، أو المدمنين على الخمرة فان الأفراد الإِعتياديين يقدمون على الإِنتحار على أثر الفشل والحرمان أو للخلاص من المشاكل ، والفرار من وصمة المحكومية . لا يوجد أي أثر للشجاعة والبطولة في الإِنتحار ، بل يمكن اعتباره عملاً ناتجاً من العجز ، لأنه بواسطة هذا العمل يثبت الفرد أنه لا يستطيع مواجهة مشاكل الحياة ، ويعجز عن إيجاد مفرّ من الآلام التي تعتريه ، ولا يريد أن يتحمل عبء المسؤولية . . . وهكذا نخلص إلى أن الإِنتحار كالإِجرام مظهر من مظاهر الشعور بالأنانية وعبادة الذات»(١) .

درس الجَلد والثبات :

يجب أن يلقّن الطفل منذ اليوم الأول درس الجلد والثبات ، ويُعوّد على كيفية مجابهة مشاكل الحياة برحابة صدر . يجب أن يتربى شجاعاً وصلباً ، وعلى الوالدين أن يهتما بذلك أيما إهتمام ، فان الإِعجاب بالنفس لا ينسجم وقوة الإِرادة بحال من الأحوال .

إن غريزة حب الأولاد حجاب يُسدل على العقل فيمنعه عن مشاهدة الحقائق ، فإذا انضم إلى ذلك الجهل والإِهمال من قبل الوالدين في تطبيق الأساليب التربوية الصالحة ، أدىٰ ذلك إلى إنحرافهما عن الصراط المستقيم الذي يجب عليهما أن يسلكاه في التربية ، فنجدهما يهملان الجوانب الدينية والعلمية المهمة ، ويفرطان في معاملة الطفل بالحب والحنان ، الأمر الذي يتضمن بين طياته آلاف المشاكل والصعوبات . وفي الحقيقة فان هذا الإِفراط في المحبة لا يعدو أن يكون عداءً في مظهر الحب .

إن تربية كهذه لا يرضى بها الدين ولا يوافق عليها العلم . إن الآباء والأُمهات الذين يظلمون أولادهم بالإِفراط في المحبة تجاههم يتسببون في

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ جنايت ص ٢٤ .

٢٠٥

نشأتهم على الإِعجاب بالنفس ، ولذلك فهم مسؤولون أمام الله في تعريض أطفالهم إلى الإِنحراف والشقاء .

تذكروا دائماً حديث الإِمام الباقر عليه‌السلام ، حيث يقول : «شرُّ الآباء منَ دعاهُ البرّ إلى الإِفراط» .

٢٠٦

المحاضرة الرابعة والعشرون

الاعتماد على النفس

قال الله تعالى في كتابه الحكيم : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ(١) .

يتضمن الإِفراط في الحب من قبل الوالدين تجاه الطفل عوارض وخيمة له ، فانه يؤدي إلى شقائه وتعاسته طيلة أيام عمره . من هذه العوارض الوخيمة أن الطفل ينشأ معجباً بنفسه ومدللاً . وقد بحثنا عن مساوىء ذلك بالتفصيل في المحاضرة السابقة .

ومن عوارض الإِفراط في المحبة تجاه الطفل أيضاً أنه ينشأ طفيلياً وعالة على غيره ، ولا يشعر بالإِعتماد على النفس ، ولا ينزع إلى الإِستقلال . إن خطر هذه الصفة البذيئة للأطفال إن لم يكن أكبر من خطر الإِعجاب بالنفس ، فليس أقل منه .

الشعور بالمسؤولية :

إن الشعور بالمسؤولية والإِعتماد على النفس أحد الأركان المهمة لسعادة

____________________

(١) سورة الطور ؛ الآية : ٢١ .

٢٠٧

الفرد والمجتمع . إن الإِنتصارات العظيمة التي أحرزها الرجال الأفذاذ في العالم ، والترقيات العلمية والإِجتماعية والإِقتصادية التي حصلوا عليها ، مدينة إلى وعي المسؤولية الفردية من قبلهم وما يستتبع ذلك من نشاط دائب وجهد متواصل .

إن الإِنتصارات العلمية إنما تنال الأشخاص الذين يطمئنون إلى أنفسهم بالمواصلة والسهر والجد والجهد . والطالب الذي لم يدرس جيداً ، ولم يجهد نفسه بالمقدار الكافي ، ثم يدخل قاعة الإِمتحان معتمداً على الآخرين ، ومستنداً إلى مساعدة المصحّح ، وتسامح المراقب لا ينال المدارج العلمية الراقية .

وهكذا فالتقدم الإِقتصادي يكون من حصة أولئك الذين يعتمدون على جهودهم فقط ، ولا يتوقعون المساعدة من أحد . إن من يفقد الإِعتماد على النفس ويكون عالة على غيره ، ويرتزق من حصيلة جهود غيره لا يستطيع أن ينال التقدم الإِقتصادي مطلقاً .

«الإِعتماد على النفس أساس كل تقدم وترقٍّ . فإن اتصف أكثر أفراد الشعب بهذه الفضيلة كان ذلك الشعب قوياً وعظيماً ، وكان السرّ في ارتقائه وتقدمه وقدرته هو تلك الخصلة فقط . لأنه في هذه الصورة يكون عزم الإِنسان قوياً ، وفي صورة الإِعتماد على الآخرين ضعيفاً . إن المساعدات التي تصل الفرد من الخارج تضعف فيه روح المثابرة والعمل غالباً ، لأن الإِنسان في هذه الحالة لا يرى داعياً للجد والعمل خصوصاً عندما تتجاوز المساعدات الخارجية عن الحد الضروري . . . حينئذٍ تفقد الأعصاب قوتها ، وتموت روح العزيمة والمثابرة في نفسه . إن أحسن الشرائع والقوانين ، هي تلك التي تجعل الإِنسان مختاراً في حياته ، وتمنحه الحرية في الإِعتماد على نفسه وإدارة حياته»(١) .

____________________

(١) إعتماد بنفس ص ١٤ .

٢٠٨

الاعتماد على النفس :

إن المراد من الاعتماد على النفس ، الذي شاع في الآونة الأخيرة بين الناس ، ويلوح للعين في الكتب النفسية والتربوية دائماً ، هو أن يعتمد كل فرد في ضمان سعادته المادية والمعنوية على نفسه ، ويستند إلى إرادته وعمله ، فيقطع الأمل عن الجار والصديق وجميع الناس ، ولا يلتجىء إلى أحد في ذلك .

الإِعتماد على النفس عبارة عن أن يرى كل فرد نفسه مسؤولاً عن أعماله ، فيقوم بواجباته خير قيام ، ويعلم أن مثابرته وجهده ، ومواصلته واستمراريته . . . كل ذلك أساس نجاحه وتقدمه ، وعلى العكس فإن تسامحه وكسله ، ويأسه وتهاونه أساس شقائه وتعاسته .

ليس هذا الأمر بالجديد تماماً ، حتى يتصور البعض أن عالم الغرب هو الذي توصل إليه وأكد عليه أمام سكان العالم . . . بل إن الشريعة الإِسلامية الغراء علّمت معتنقيها هذه الحقيقة الناصعة التي هي أساس سعادة الفرد والمجتمع بكل صراحة ، وذلك قبل أربعة عشر قرناً . . . وإن الإِنتصارات الباهرة التي أحرزها المسلمون في ذلك العصر المظلم مدينة إلى هذه الثروة العظيمة ـ وهي الإِعتماد على النفس والشعور بالمسؤولية الفردية ـ .

المسؤولية الفردية :

إن التعليم والتربية في الإِسلام يرتكزان على المسؤولية الفردية ، وأداء الواجب ، والإِعتماد على النفس . لكل مسلم تكاليف معينة في شؤونه الدينية والدنيوية ، ويجب عليه لضمان سعادته أن يعتمد على نفسه ، وعلى نيته ، ويقتصر على عمله في مراعاة تطبيق تلك الوظائف .

ترتبط سعادة كل فرد في الإِسلام بعقائده وأعماله ، وإن المآسي التي يلاقيها الإِنسان تستند إلى نواياه الفاسدة وأعماله المنحرفة . . . كذلك المكافآت والعقوبات الدنيوية والأخروية التي يحصل عليها الأفراد تعود إلى الأعمال الصالحة أو الفاسدة التي ارتكبوها . هذا الموضوع من أوضح المسائل الدينية

٢٠٩

وأشدها بداهة ، وقد وردت في ذلك آيات وأحاديث كثيرة ، نذكر بعضها على سبيل الشاهد .

١ ـ قال تعالى : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ(١) .

٢ ـ وقال تعالى : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(٢) .

٣ ـ وقال تعالى : ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ)(٣) .

من هذه الآيات الثلاث ندرك بوضوح المسؤولية الشخصية ، وقيمة أفعال كل شخص بالنسبة إليه . إن الله تعالى يصرح في هذه الآيات بأن تبعة الأفعال الصالحة أو الطالحة لكل فرد إنما يعود عليه نفسه ، وأن سعادة كل فرد رهينة بعمله ، وهذا هو المعنى الكامل والجامع للإِعتماد على النفس ، والشعور بالمسؤولية الفردية .

٤ ـ يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «قَدرُ الرجلِ على قدر همته»(٤) .

أي إن قيمة شخصية كل فرد يجب أن يُبحث عنها في مستوى إعتماده على نفسه ، ودرجة علو همته ، وكلما كانت حصة الإِنسان من هذه الفضيلة الخلقية أكبر كانت قيمته أكثر . وبهذا الصدد يقول الشاعر :

كن كالشمس في استنادك إلى نفسك

فإن نور الشمس يشع من نفسه

يعتبر الإِسلام كل فرد مسؤولاً عن سعادته وشقائه . . . فهو الذي يستطيع أن يقوم بواجباته خير قيام في ظل جده وسعيه فيقود نفسه إلى شاطىء السعادة

____________________

(١) سورة البقرة ؛ الآية : ٢٨٦ .

(٢) سورة المدثر ؛ الآية : ٣٨ .

(٣) سورة النجم ؛ الآية : ٣٩ .

(٤) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١١٠٠ .

٢١٠

والنجاح ، وهو الذي يستطيع أن يحطم شخصيته بالأعمال السيئة والنوايا الفاسدة وينتهي بنفسه إلى الشقاء واستحقاق العذاب الإِلٰهي .

النهي عن الاعتماد على الناس :

لم يكتف الإِسلام في سبيل إيجاد الإِعتماد على النفس ، ببيان المسؤولية الفردية وضرورة إحياء كل فرد شخصيته ، بل نهى كثيراً عن النقطة المقابلة لذلك وهي عبارة عن الإِعتماد على الناس ، وحذر الجميع عن هذه الصفة الذميمة . وبهذا الصدد يقول الإِمام علي بن الحسين عليه‌السلام : «رأيت الخير كلَّه قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناسِ»(١) .

إن الإِعتماد على النفس ، والإِستناد إلى الجهاد الشخصي ، والسعي وراء تحقيق السعادة المادية والمعنوية أُسس استقلال الشخصية ، والمحبوبية عند الله والناس . وعلى العكس فإن الإِعتماد على الناس ، والطفيلية ، وانتظار العون والمساعدة من الآخرين أساس الحرمان المادي والمعنوي للشخص ، ويسبب الذل والهوان عند الله ، وفي أنظار الناس .

عن أبي عبدالله عليه‌السلام : «اليأسُ ممّا في أيدي الناسِ عزٌّ للمؤمن»(٢) .

القدرة على المقاومة :

إن الأفراد الحقراء والمتقاعسين لا يملكون القدرة على المقاومة في خضم الحياة وصراعها . . . إنهم يندحرون بسرعة ، وينسحبون من المعركة بأتم الخذلان والفشل . أما ذوو الهمم العالية ، الذين يعتمدون على أنفسهم فانهم يقاومون مصاعب الحياة ومشاكلها ببسالة وبطولة ، يتحملون الآلام بكل جلد ، وينجحون في نهاية الجولة .

١ ـ عن علي عليه‌السلام : «الحلمُ والاناةُ توأمان ، ينتجهما عُلوّ الهمّة»(٣) ، أي

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ١٤٨ .

(٢) المصدر السابق .

(٣) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١٢٨٧ .

٢١١

أنه إذا كانت همة الإِنسان عالية ظهرت عنده خصلتا الحلم والأناة .

٢ ـ وعن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثماني خصال : وقوراً عند الهزاهز ، صبوراً عند البلاء . . .»(١) .

٣ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «المؤمنُ الذي يُخالط الناسَ ويصبر على أذاهم أعظمُ أجراً من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم»(٢) .

الفرار من المسؤولية :

إن الأفراد الذين يتميزون بضعف النفس ، والفاقدين للإِعتماد على النفس ، المصابين بالحقارة يتهربون من المسؤولية بالإِنزواء وبالتطرف ويعيشون حياة ملؤها الحرمان ، أما الأفراد ذوو الشخصية ، والمعتمدون على أنفسهم المتميزون بالبسالة والبطولة فإنهم بتحملهم المسؤولية وإلتزام الصبر والأناة في مواجهة مصائب الحياة ، ينالون النجاح الباهر في ما ينبغون من الأمور الدنيوية من جانب ، ويستحقون الأجر والثواب الكبير عند الله تعالى على حد تعبير الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

إن ركائز الإِستقلال والإِعتماد على النفس تصب منذ أولى أدوار الطفولة في روح الطفل . . . وكذلك الطفيلية والإِعتماد على الناس فانهما ينبعان من التربية الخاطئة التي تعود إلى أيام الطفولة . على الآباء والأُمهات الذين يرغبون في تحقيق السعادة الحقيقية لأولادهم أن يكونوا واعين في جميع تصرفاتهم ، ويحذروا من القيام بما من شأنه تعويدهم على الطفيلية وانعدام الشخصية .

الأولاد الصالحون :

لقد ورد التعبير في القرآن الكريم والأحاديث الإِسلامية عن الطفل الذي أحسنت تربيته بـ (الولد الصالح) . على الآباء والأُمهات أن يربوا أولاداً صالحين . ومعنى الصلاح أن يكون واجداً لجميع الصفات الخيرة الجسمية والروحية .

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ١ ص ٤٧ .

(٢) مجموعة ورام ج ١ ص ٩ .

٢١٢

إن الآباء والأُمهات الذين يكونون صالحين من الناحية النظرية والعملية يستطيعون تربية أطفال صالحين ، لأن مجموعة أقوالهم هي التي تعتبر قدوة للطفل بحيث تبني صفاته وعاداته وسلوكه . فإن كانت صالحة وطيبة نشأ صالحاً ، وإن كانت فاسدة وبذيئة نشأ ـ بموجبها ـ فاسداً .

عن أبي جعفر عليه‌السلام : «يُحفَظ الأطفالُ بصلاح آبائهم»(١) .

وفي حديث آخر عن إسحاق بن عمار قال : «سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : إن الله ليُفلحُ بفلاح الرجل المؤمنِ وُلدَه ، ووُلدَ ولده»(٢) .

من صفات الأولاد الصالحين إحساسهم بالمسؤولية واعتمادهم على أنفسهم . إن الآباء والأُمهات الذين يتميزون بشخصية رصينة يستطيعون أن يلقنوا أولادهم هذا الدرس التربوي القيم ، ويجعلوهم ينشأون على الاعتماد على النفس . نسأل الله عز اسمه أن تكونوا جميعاً واجدين لهذه السجية الخلقية الحميدة ، وأن توفقوا في ظل تعاليم الإِسلام القيمة إلى تربية أبنائكم تربية صحيحة .

ضعف الطفل :

إن الطفل في رحم أُمه ، موجود طفيلي وقائم بوجود أُمه ، ولا يملك استقلالاً وإرادة من نفسه . إن حياته ترتبط بحياة أُمه ، يتغذى من الغذاء الذي تتناوله ، ويتبعها في القوة والضعف . أما بعد الولادة فانه وإن انفصل عن أُمه وحصل على استقلال عضوي ، لكنه لا يزال ضعيفاً ، ولضعفه فهو مضطر إلى أن يعيش طفيلياً على أُمه لمدة ، لا يدرك فيها الخير أو الشر ، ولا يستطيع دفع الضرر عن نفسه أو جلب النفع إليها . . . إنه يحتاج أمه في غذاءه ، ونظافته ، وطرد العدو عنه ، وبصورة موجزة في جميع الحاجات الحياتية ، في حين يوجد في باطن الطفل استعداد للتكامل ونيل الاستقلال ، وبالتدريج يحصل على استقلاله .

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٥ ص ١٧٨ .

(٢) نفس المصدر .

٢١٣

هناك تضاد لا مفر منه في وجود الطفل ، فمن يفقد الاطمئنان إلى نفسه لما يشعر به من الضعف والذلة ، ولذلك فهو يحتاج دائماً إلى من يملك القدرة على تحقيق ما يريد ، ويحب أن يكون في حمايته وكنفه ، وهذا الأمر يضطره إلى التسليم لأوامر صاحب القدرة دائماً . . . ومن جهة أُخرى فانه يميل بفطرته إلى التفوّق والحصول على القدرة ، يجب أن يصبح مستقلاً ، وأن يعتمد على نفسه ، ويتخلص من الذلة والحقارة ، وهذا لا يتحقق إلا في ظل القوة والقدرة .

التكامل التدريجي :

إن التكامل الطبيعي للطفل ورشده يمنحانه القوة بصورة تدريجية . ذلك أن الميل نحو الاستقلال يدفع الطفل إلى استغلال القوى المكتسبة ، وبالتدريج يصبح الميل الفطري نحو الإِستقلال والتفوق فعلياً فيخلص الطفل من كونه عالة على غيره وطفيلياً ، وينجو بهذه الصورة من الشعور بالحقارة وكلما إزدادت قوة الطفل كان قد خطا خطوة في طريق الإِستقلال ، وفتّت قيداً من قيود الإِعتماد على الغير .

لا توجد للطفل لذة أعلىٰ من لذة الإِحساس بالقوة والحصول على الإِستقلال ، فكلما حصل على قوة ووجد أنه استطاع القيام بعمل ما لوحده كان ذلك مبعث سرور وارتياح في نفسه . عندما تتفتح أصابعه ويستطيع أن يمسك شيئاً بيده يفرح كثيراً . . . وعندما يحرك بيده الصغيرتين (خرخاشته) فينبعث الصوت منها يجد أنه قد قام بفتح عظيم . . . وحين يتحرك من مكانه لأول مرة ويقف على رجليه يضحك من دون اختيار وتظهر أمارات الفرح والسرور على عينيه ووجهه :

«يقول برتراند رسل : «عندما يستطيع الطفل أن يثبّت عينيه نحو الأشياء فانه يلتذ كثيراً من مشاهدة الأشياء المتحركة ، والذرات المتقلبة عند هبوب الرياح . في هذه المرحلة بالذات يفرح الطفل للأصوات الرتيبة والجديدة» .

«تعتبر حركة الأصابع في بداية الأمر من الأفعال الإِنعكاسية فقط .

٢١٤

لكن الطفل يكتشف فيما بعد أنه يستطيع أن يحركها متى شاء . إن هذا يبعث الفرح والسرور في نفس الطفل بقدر ما يبعث استيلاء امبراطور مستعمر على دولة من الدول الإِرتياح في نفسه . في هذه الحالة تخرج الأصابع عن حالتها المغتربة وتصبح جزء من الوجود . لقد لاحظت هذه الحالة في ولدي بصورة قطعية في السن الخامسة الأول مرة ، وذلك عندما استطاع بعد محاولات عديدة أن يرفع الجرس الذي كان ثقيلاً نوعاً ما من فوق المنضدة ويضعه على نحو ينبعث منه الصوت . . . وإذ توصل إلى هذه النتيجة السارة أخذ ينظر إلى من حوله بابتسامة ذات مغزى»(١) .

يعتبر كل من خروج الأسنان ، والقدرة على مضغ الطعام ، والتكلّم والمشي ، والشروع في الجري ، واللعب نجاحاً مستقلاً يحصل عليه الطفل بالتدريج ، ويبعث فيه السرور واللذة كلّ على حدة .

يجب على الآباء والأُمهات الذين يرغبون في تنشئة أطفالهم على الإِستقلال والإِعتماد بالنفس أن يستفيدوا من هذا القانون الفطري المودع في الطفل بالأمر الإِلٰهي ، وأن يؤسسوا منهجهم التربوي على أساس الميل الفطري له . ومن الضرروي أن يربّياه على الاستقلال التربوي جنباً إلى جنب مع الاستقلال الطبيعي ليقف ذلك أمام أي اضطراب أو فوضى .

إحياء فطريات الطفل :

على الوالدين أن يمنحا الطفل شيئاً من الحرية مراعيين في ذلك درجة وعيه وتكامله . ينبغي أن يسمحا له بإحياء حس الإِبتكار والميل نحو الاستقلال الفطري في أثناء اللعب والجري . . وفي نفس الوقت ينبغي أن يراقباه مراقبة جدية ، بحيث لا تخرج الحرية عن الحد المسموح به ، ولا يسيء التصرف في ذلك .

____________________

(١) در تربيت ص ٦٣ .

٢١٥

إن الآباء والأُمهات الواعين يتركون الطفل حراً في مثل هذه المناسبات حتى تخرج استعدادته الكامنة إلى حيز الفعلية ، وتتفتح أكمام الشعور بالإِبتكار في باطنه ، وينشأ إنساناً مستقلاً ومعتمداً على نفسه . أما الآباء والأُمهات الجاهلون فانهم بتشديدهم أو إهمالهم يتسببون في شقاء الطفل وتعاسته . . . إنهم يفسحون المجال له كثيراً أحياناً ، ويضيقون عليه كثيراً أحياناً أُخرى ، وبذلك يوردون نقصاً كبيراً على استقلاله واعتماده بنفسه .

الافراط في فسح المجال :

هناك بعض الآباء يفرطون في فسح المجال لأطفالهم فراراً من عبء المسؤولية ، أو رغبة في التظاهر بالحب الفارغ ، فيتركونهم وشأنهم في جميع أفعالهم وأقوالهم . . . ولكن لا يمضي زمن طويل حتى يترعرع الطفل وهو جاهل لأبسط واجبات الحياة . عند ذلك يقوم الوالدان بتنبيهه على واجباته واحدة بعد الأُخرى ، ومن دون أن يؤدي ذلك إلى نتيجة مرضية ، لأن أوان التربية قد فات .

«هناك أطفال يجب تكرار كل موضوع عدة مرات معهم : قم ، أُنظر ، لا تقتل نفسك ، نظف أظفارك وأُذنيك ، إعتن بنظافة أنفك ، سر مستقيماً ، لا تمزق كتبك ، لا توسخ دفاترك ، كن مؤدباً في حديثك مع الفرّاش ، لا تتلكم كثيراً . . . وغير ذلك . هؤلاء ـ وحتى أولياؤهم ـ يتعبوننا ، إننا لا نعلم من هو الذي يستحق اللوم . لكنه لا ريب في ضرورة توجيه اللوم للوالدين لأنهما لم يبدءا في تربية طفلهما في الوقت المناسب ، ولم يعيرا أهمية تذكر لأفعاله . وبهذه الصورة فان الأطفال الذين كان بالإِمكان أن يصبحوا أعضاء نافعين في المجتمع ، ويصبحون عالة على الغير ، ومما يؤسف له أنهم ليسوا قابلين للإِصلاح»(١) .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٧٢ .

٢١٦

هؤلاء الأطفال لا يملكون اعتماداً على أنفسهم ، ويفقدون الشعور بالاستقلال ، بل هم يعيشون عالة على غيرهم في حياتهم دائماً على أثر سوء التربية التي اتخذها الوالدان بحقهم . . . . إنهم مصابون بعقدة الحقارة ، ويظلون يئنون من ويلات ذلك مدى العمر .

الوالدان المتزمتان :

في النقطة المقابلة للآباء الذين ذكرنا فسحهم المجال للطفل ، يوجد آباء وأُمهات متزمتون لا يسمحون للطفل بالحرية بالمقدار الكافي ، ويسدّون طرق الإِبتكار والنشاط الفردي عليه . . . يتدخلون في جميع شؤون الطفل ـ صغيرها وكبيرها ـ فيقتلون بذلك الشعور بالإِستقلال والإِعتماد على النفس عنده . . . . وهذا بدوره يؤدي إلى أن يقف الطفل في مستوى محدود من التكامل ، وهو بلا شك عداء في لباس الحب . هؤلاء الآباء والأُمهات يقودون أطفالهم نحو الحضيض بتزمتهم وسلوكهم ذاك .

«وبالمناسبة يقول (جلبرت روبين) : «لا ريب في أن الطفل زينة حياتنا ، ولكن يجب أن لا ننظر إليه كنظرتنا إلى فاكهة أو وردة على الشجرة ، لأنه وإن كان يأخذ عصارته النباتية وغذاءه منا ، لكنه ليس جزء من شجرة ، وجودنا ، بل انه نبتة مستقلة ، يجب أن نقطع الجذور والأغصان الصغيرة التي تربطنا به حتى لا نقف أمام نموه ، ونمنع ـ بدورنا ـ من وصول العصارة النباتية إليه .

«إن الأم الشابة تقول بكل غرور : (إنه من دمي ولحمي) ولكن ما يؤسف له أنه لا يمضي وقت طويل حتى تتحسر بآهة من أعماق قلبها لأن هذا الإِرتباط قد قطع . إننا نسمع هذه الجملة غالباً : (إني أحبه كثيراً لأني لا أملك في الدنيا أحداً غيره) في حين أنه يجب إبعاد الطفل عن مثل هذه العواطف يجب أن لا نكون أنانيين ولكن ينبغي أن نعلم بأن طفلنا يملك حياة مستقلة تماماً . . . حتى أن التعبير عنه بـ (طفلنا) زائد أيضاً ، لأننا ننجح

٢١٧

في تربيته متى ما أدركنا أنه ليس لنا ، بل هو متعلق بشخصه ، وله حياة مستقلة تدعوه إلى نفسها . وبصورة موجزة فانه يجب أن يتربى لنفسه لا للآخرين . . . . هلموا إذن للتخلي عن إعتبار الطفل ملكاً لنا ، لمّا لم نكن أكثر من حلقة وصل في هذه الحياة»(١) .

المساعدة المعقولة :

إن المساعدة المعقولة التي يبذلها الوالدان للتلميذ الذي لم يستوعب الدرس من معلمه في المدرسة هي أن يدرساه في البيت مرة ثانية ويحاولا إفهامه الدرس تماماً . أما عندما يعمد الأب أو الأم بقصد مساعدة الطفل إلى حلّ التمارين الرياضية التي كلّف بحلها من قبل المعلم ، أو كتابة القطعة الإِنشائية بدلاً منه وإعطاؤها له لينقلها في دفتره ، فانه يستحيل أن يصبح هذا التلميذ في عداد العلماء فيما بعد . . . ولا شك أن هذه المساعدة ظلم لا يُتدارك بالنسبة إلى الطفل .

إن المساعدات غير المعقولة للوالدين تجاه الطفل تعود على الطفل بالضرر وتمنع من نمو شخصيته . فالحب التافه والمساعدة غير المتزنة يطفئان جذوة الإِستقلال والإِعتماد على النفس في ضمير الطفل ، وبالتالي ينشأ إنساناً طفيلياً وتافهاً .

«إحذروا من أن تحرموا الطفل من الفرص المناسبة التي يستطيع من خلالها أن يتعلم بعض التجارب بنفسه ، بمعنى أن لا تساعدوه في أداء كل عمل . هذه المساعدات التي تتجاوز الحد المقرر لها أحياناً تعوّده على مساعدة الآخرين دائماً ، ونشوئه عالة على الغير ، فيفقد قدرته الشخصية في النهاية ، ويعجز عن إنقاذ موقفه المتأزم لوحده بسبب من هذا الضعف والتعوّد على مساعدة الآخرين له»(٢) .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٦١ .

(٢) ما وفرزندان ما ص ٤١ .

٢١٨

إن أفضل الفرص لإِحياء الشعور بالمسؤولية الفردية ، وإيجاد الإِستقلال والإِعتماد على النفس هو دور الطفولة ، يجب على الوالدين أن يعلما أن طفلهما إنسان واقعي ومستقل ، وعليهما أن يعاملاه معاملة إنسان حقيقي . . . ويؤسسا قواعد التربية على هذا المنهج المستقيم ، حتى ينشأ الطفل مستقلاً وشاعراً بالمسؤولية منذ البداية .

التشجيع والتوبيخ :

على الوالدين أن يقوما بنصيحة الطفل في الأعوام الأولى من عمره حسب رشده وإدراكه ويفهماه بأنه هو المسؤول عن أفعاله الصالحة أو الفاسدة . . . عليهما أن يشجعاه على الأفعال الحسنة بالمقدار الذي يستحقه ، ويوبخاه على الأفعال السيئة بالمقدار المناسب . . كما عليهما أن يحذرا من الإِفراط في المحبة ، والإِكثار من الشدة . عليهما أن يكررا هذا الأُسلوب التربوي بكل صراحة حتى يطمئن الطفل إلى استقلاله ويقف على مسؤوليته . إن طفلاً يتلقى تربية كهذه ، عندما يبلغ العاشرة من عمره يصبح إنساناً معتمداً على نفسه ، ويدرك معنى الشخصية بصورة واضحة .

«إن المربي يعدّ الطفل للحياة ، إذن يجب ترجيح الطفل على تصوراته الخاصة . إن المربي سوف يصغي إلى أوامر قلبه وعقله ، وسيسلك مع الطفل سلوكاً إنسانياً ، ذلك أنه يجب ألا نترك الجانب الإِنساني مطلقاً . . . يجب أن نسلك سلوكاً إنسانياً من دون أي إثرة أو أنانية ، يجب أن نكون إنسانيين ومحادين في آن واحد» .

«إن الوالدين والمربي العادل هم القادرون على أن يهبوا الطفل نصائح محايدة ، وأن يجعلوا منه إنساناً كاملاً لا إتكالياً ، إنهم يحبون الأطفال لا حباً أعمى بل حباً معقولاً يقودهم نحو الطريق الصحيح في الحياة» .

«إن محبة كهذه لا تغفل عن أُسس عملها أبداً ، بل تحافظ على

٢١٩

الإِعتدال دائماً ، ذلك أن العدل والإِنصاف هما بمنزلة الملجأ للطفل» .

«إذا كان الأب عادلاً فان جدّه وتشدّده لا يخلفان أثراً سيئاً في الحياة . إن طريق الطفل يمكن أن يكون مليئاً بالعقبات والعراقيل ، لكن لما كان أساسه التربوي متيناً فانه لن يتضرر من ذلك»(١) .

التأدب في الصغر :

لقد أكد الأئمة عليهم‌السلام ضمن بيان المناهج التربوية للأطفال ، على أهمية إحياء المسؤولية الشخصية ، والتنشئة على الإِستقلال ، وأوصوا أتباعهم بجميع التعاليم اللازمة في هذا الصدد .

يقول الإِمام الصادق عليه‌السلام : «قال لقمان : يا بنيّ ، إن تأدبت صغيراً انتفعت به كبيراً . ومن عنى بالأدب اهتم به . ومن اهتم به تكلّف علمه . ومن تكلف علمه اشتد له طلبه . ومن اشتدّ له طلبه أدرك به منفعة»(٢) .

ثم يستمر في نصائحه فيقول : «يا بُنيّ ، إلزِم نفسك التوءدة في أمورك . وصبّر على مؤنات الاخوان نفسك . فان أردت أن تجمع عزّ الدنيا فاقطع طمعك مما في أيدي الناس فانما بلغ الأنبياء والصدّيقون ما بلغوا بقطع طمعهم»(٣) .

وفيما يتعلق بالقيام بالواجبات والحرص على أدائها يقول : «يا بُنيّ إنما أنت عبد مستأجَر قد أُمرتَ بعمل ، ووُعدت عليه اجراً ـ فأوفِ عملك واستوفِ أجرك»(٤) .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٦٠ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٥ ص ٣٢٣ .

(٣) نفس المصدر والصفحة .

(٤) المصدر نفسه ج ٥ ص ٣٢٤ .

٢٢٠