الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

المحاضرة الثالثة والعشرون

الافراط في المحبة

قال الله تعالى في كتابه الحكيم : ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(١) .

من عوامل نشوء عقدة الحقارة ، الإِفراط في إبداء مظاهر الحب والحنان بالنسبة إلى الطفل . إن الأطفال الذين يبذل لهم من العناية والحب أكثر مما ينبغي ينشأون في النتيجة معجبين بأنفسهم ، فيلاقون طيلة أيام حياتهم ، وخاصة عند مواجهة مشاكل الحياة ، والشعور بالحقارة والضعة بشدة ، فيقدمون على أعمال غير مرضية . . . وقد يؤدي بهم الشقاء والضغط الروحي إلى الجنون والإِنتحار .

لقد ذكرنا في محاضرة سابقة أن المحبة ضرورية لنمو روح الطفل كالغذاء الضروري لنمو جسمه . وإن أهمية التوازن الصحيح في كمّ المحبة وكيفها وأسلوب إظهارها لا تقل عن أهمية المحبة ذاتها . وكما أن لكل من التقليل من الغذاء ، والإِكثار منه ، وتسمّمه ، أثراً في بدن الطفل ، كذلك لكل من التقليل

____________________

(١) سورة آل عمران ؛ الآية : ١٨٨ .

١٨١

من المحبة ، والإِكثار منها ، والمحبة في غير موضعها والتي ينحرف بها الطفل آثاراً مشومة في روح الطفل وتسبب له مشاكل كثيرة .

الاعتدال في المحبة :

الهدف من التربية الصحيحة هو أن تقرن حياة الطفل بالسعادة ، وتكلّل جهوده بالنجاح . إذ الحياة على طولها تتضمن صراعاً مع المشاكل وهكذا يواجه الفرد كثيراً من المنخفضات والمرتفعات ، والمنغصات والمصائب في مختلف أدوار حياته . والمربي القدير هو الذي يعمل على تنشئة جسم الطفل وروحه على أحسن الأساليب بحيث يعدّه للمقاومة والثبات أمام صعوبات الحياة .

وكما أن جسم الطفل يقوى نتيجة للمراقبة الصحيحة ، والتوازن في أكله ونومه وحركته ورياضته ، ويستطيع من مقاومة البرد والحر ، والجوع والعطش ، والمرض على أحسن وجه ، فكذلك روحه فانها تنمو قوية في ظل الصحة الروحية والتعاليم الخلقية ، والتوازن بين أساليب العطف والحنان والشدة والخشونة . . . وبذلك يتمكن من الصمود أمام المصائب والمشاكل والإِندحارات الروحية .

وبالعكس فإن الأطفال الذين يواجهون المحبة والرأفة الزائدتين ، ويستسلم لهم آباؤهم وأُمهاتهم بدون أي قيد أو شرط ، ويستجيبون لجميع مطاليبهم من صالح أو طالح ، وبالتالي ينشأون على الإِستبداد والإِعجاب بالنفس . . . فانهم يحملون أرواحاً ضعيفة ونفوساً سريعة الإِنهزام من ساحة المعركة ، ويتأثرون من دور الطفولة حتى آخر لحظة من العمر من مواجهة أبسط الأشياء ، وأخف المصائب ، وينكسرون أمام مشاكل الحياة بسرعة .

إن الأفراد الذين نشأوا في ظل الحنان المفرط ، هم أتعس الأفراد ، لأنهم يعجزون عن حل مشاكل الحياة الاعتيادية ، فيلجأون في الشدائد إلى الإِنتحار متصورين أن النهاية الحتمية لفشلهم يجب أن تبرّر بالإِنهزام من معركة الحياة .

١٨٢

خطأة تربوية :

بالرغم من أن كل أسلوب أهوج يتّبعه الوالدان في تربية الأولاد يكون له الأثر السيء ، ويولد نوعاً من الإِنحراف ، فإن الإِكثار الضار من المحبة للأطفال يعد من أعظم الأخطاء التربوية . إن العواقب السيئة التي يلاقيها الأطفال بهذه المناسبة مهمة وخطرة . ولقد اهتم جميع علماء النفس بهذا الموضوع في بحوثهم التربوية ، ولكلّ منهم حوله كلام مفصل .

ولأنقل لكم ـ على سبيل الشاهد ـ بعض النصوص لعدد من علماء الغرب :

١ ـ يقول (جلبرت روبين) : «إن تعويد الطفل على الإِعجاب بنفسه يورث الغضب الشديد فيه لأبسط الأشياء ، والاستبداد في الرأي . وفي الغالب يدفعه إلى الرغبة في طلب الجاه ، وفي النتيجة يحصل الطفل على القدرة التي تساعده على التقدم ، ومع كونه ذا أعصاب هزيلة فانه ينجح بواسطة الحيلة والشدة . إن جعل الأطفال معجبين بأنفسهم يكوّن منهم أفراداً تعساء ، ضعفاء ، عديمي الإِرادة» .

«لقد كان أولئك الذين يقولون للأم العابثة بلحن مصحوب بالسخرية : ليس طفلك معجباً بنفسه ، بل هو غير صالح . . . لم يكن كلامهم خالياً عن المبالغة فحسب ، بل كان تنبؤهم صحيحاً أيضاً . هناك حالات تتقزز النفوس من مشاهدتها لعدم الإِلتزام في التربية ، لأننا نشاهد في الحقيقة مقتولين أبرياء كان بالإِمكان أنقاذهم»(١) .

الأطفال المدللون :

٢ ـ يقول (مك برايد) : «الشعور بالدلّ والغنج أمارة أخرى من

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ تربيت أطفال دشوار ص ٢٣ .

١٨٣

أمارات عقدة الحقارة ، ويجب البحث عن أساسه في أسلوب التربية الخاطىء المتخذ في دور «الطفولة . إن الطفل الذي كان يرى فسه قرة عين والديه ، عندما يكبر ويصبح رجلاً كاملاً يجب أن يكون في جميع نواحي الحياة محبوباً من غير علة ومحترماً لدى الجميع . فعدما يرى أنه لم يُعتنَ به ، يفقد الهدوء والاستقرار ، ويختل ما صفا من فكره ، فإما أن يلتجىء إلى الإِنتحار ، وإما أن يبغض الآخرين . إن عقدة الحقارة التي تنشأ في الناس بهذه الظاهرة مصيبة عظيمة للمجتمع»(١) .

٣ ـ يقول (ريموند پيچ) : «يجب أن ننبه على بعض الأخطاء في السنين الأولى من حياة الطفل . وأكثرها شيوعاً هو الأسلوب الذي يؤدي إلى غرور الطفل وأنانيته إن المحبة بدون سبب في الأيام الأولى هي التي تسبب غرور الطفل وأنانيته» .

«إن الآباء والأُمهات يأملون في الطفل النجاح والسعادة طبعاً ، ولهذا فهم يرأفون به أشد الرأفة ، ويتملقون له ويبعدون كل عقبة أو مشكلة حتى لو كانت تافهة عن طريقه . . . وكلما كبر الطفل حاولوا تهيئة وسائل اللعب المناسبة له . إن هذه الأعمال تستوجب الاستحسان في الظاهر . أما في الباطن فان الخطر الكامن وراءها موحش جداً» .

«إن الفرد الناشىء في ظل الرأفة الزائدة لا يطيق المقاومة أمام تقلبات الحياة ، ولا يستطيع الصراع معها»(٢) .

٤ ـ يستشهد (ألفرد آدلر) العالم النفسي الشهير ، وزعيم المدرسة الفردية في علم النفس بامرأة «انتحرت لسبب تافهٍ هو أن جارها كان يُعلي صوت المذياع ، ولم يهتم باستنكارها المستمر . وأخيراً

____________________

(١) عقده حقارت ص ٢٧ .

(٢) ما وفرزندان ما ص ٣٩ .

١٨٤

أقدمت على الإِنتحار وتدل التحقيقات التي أجراها (آدلر) بهذا الصدد على أن هذه المرأة نشأت منذ طفولتها على الغرور والرضا بالنفس ، وكان يُحضر إليها في المنزل ما تشاء من دون قيد أو شرط . ولهذا السبب فانها لم تطق العيش في دنيا تسمع الجواب السالب على ما تطلب فيه»(١) .

الافراط في المحبة :

لقد حذرت الشريعة الإِسلامية الغراء أولياء الأطفال في أسلوب تربيتهم من الإِفراط في المحبة . إن الذين يفرطون في الرأفة بأطفالهم ، ويدفعونهم بسلوكهم الأهوج هذا إلى الإِعجاب بأنفسهم ، ملومون من قبل الأئمة عليهم‌السلام . فعن الإِمام الباقر عليه‌السلام أنه قال : «شرّ الآباء من دَعاه البرّ إلى الإِفراط ، وشرّ الأبناء من دَعاه التقصيرُ إلى العُقوق»(٢) .

إن العواقب السيئة التي يلاقيها الأطفال نتيجة الإِفراط في المحبة تجاههم مهمة جداً وخطرة . ولهذا السبب يعرّف الإِمام عليه‌السلام الآباء الذين يفرطون في التظاهر بالحب والحنان لأطفالهم بأنهم شر الآباء .

إن الطفل مفطور على حب الحرية . . . إنه يرغب في أن يعمل ما يريد ، ويمدّ يده إلى ما يشاء ، ألا يمتنع أحد من تنفيذ ما يطلب ، ولكن ذلك غير صالح للطفل ، لأنه لا يميز الحسن من القبيح ، ولا يفهم الخير من الشر(٣) . إن المربي الصالح هو الذي يسير وفق مقتضيات العقل في الإِستجابة

____________________

(١) روح بشر ص ١٣١ .

(٢) تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٥٣ .

(٣) وبصورة عامة يجب أن نفهم الطفل بأن الحرية المطلقة ليست إلا الهمجية ، والفوضى ، والحيوانية . ولا يتسنى ذلك في الأدوار الأولى التي لا يفهم فيها الطفل كثيراً من الفِكر والآراء التي يجب أن يتبناها الفرد الصالح في حياته . . . وعليه فيجب إفهامه بأن هناك حواجز وموانع تقف في سبيل تنفيذ الفرد رغباته بصورة مطلقة ، وذلك بالوقوف أمام الأعمال العابثة والضارة التي تصدر منه . عندئذ يفهم الطفل جيداً أنه يجب أن يتقيّد بالأوامر والأعراف والتقاليد النافعة وأن لا يتعداها . أما إذا فسح له المجال في أن يعمل ما

١٨٥

لمطالب الطفل ، فيعمل على تحقيق مصلحة الطفل مع العطف والحنان عليه ، ويمنعه متى كان طلبه يخالف صالحه ، بكل صرامة ، متبعاً في ذلك مختلف الوسائل ، من النظرة الشزراء ، والإِهمال المؤقت وما شاكل ذلك .

العواطف التافهة :

هناك بعض الآباء والأُمهات الجهلاء ليس لهم أدنىٰ اهتمام بخير الطفل وصلاحه . هؤلاء الوالهون المفرطون في الحب والحنان ، الذين أعمىٰ الحب عيونهم ، وأصمّ آذانهم . . . . هدفهم الوحيد هو إرضاء الطفل وتنفيذ رغباته ، فيعطون المجال له بدون حساب ، ويجعلون أنفسهم طائعين فعلاً ومتمثلين لأوامر الطفل الصغير ، منقادين له تماماً .

كل يوم يزداد من عمر الطفل يزداد إعجابه بنفسه ، وتتحكم في نفسه جذور الإِستبداد والتعنّت بالرأي ، ويعود عالة على المجتمع .

هؤلاء الآباء والأُمهات ، وإن تظاهروا بمظهر الحب والحنان فانهم في الواقع يحملون معاول لهدم أساس سعادة أطفالهم ، ويقودونهم بعواطفهم التافهة ومحبّتهم غير المرضية إلى طريق التعاسة ، والمستقبل المؤلم .

إن الأطفال الذين يتربون على هذا الأسلوب المذموم ، ينشأون معجبين بأنفسهم . وهذا الخلق السيء من الآفات الروحية الخطيرة ، بحيث يترك آثاراً وخيمة على الجسم والروح ، وتظهر نتائجه السيئة من خلال أقوال المصاب وأفعاله بكل وضوح .

وبهذا الصدد يقول الإِمام علي عليه‌السلام : «شرُّ الأمورِ الرضا عن النفسِ»(١) .

____________________

يريد ، ويذهب أين يشاء ، فلذلك يؤسس ركيزة الإِيديولوجية الفردية الإِستبدادية التي ترى أن الفرد يستطيع أن يحقق لنفسه ما يريد وإن أضرّ ذلك بمصالح الجماعة ، وأخلّ بالمثل التي يتبناها بنو جنسه .

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٤٤٦ .

١٨٦

الطفل المتعنت :

إن الطفل الذي كان يحكم لسنين طوال في محيط أسرته باستبداد ، وكان أبواه مطيعين له بلا قيد أو شرط ، ينشأ ـ بالطبع ـ معجباً بنفسه ، ويتوقع من جميع الرجال والنساء أن يطيعوه كما يطيعه أبواه ، وينفذوا أوامره بدون ترديد . وبديهي أن شخصاً كهذا يتنفر منه الناس ويبتعدون عنه . وينظرون إليه بعين السخط والإِحتقار . وهذا من الآثار السيئة للرضا عن النفس .

١ ـ قال الإِمام الهادي عليه‌السلام : «من رضي عن نفسهِ كثُر الساخِطون عليه»(١) .

٢ ـ وعن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «إيّاك أن ترضى عن نفسك فيكثرَ الساخطُ عليك»(٢) .

٣ ـ وعنه عليه‌السلام أيضاً : «من رضيَ عن نفسه كثر الساخطُ عليه»(٣) .

العجب بالنفس :

إن صاحب العقل السليم والنظر الثاقب يعرف حدوده ولا يتجاوزها وإعجاب الرجل بنفسه دليل على عدم نضوج عقله ، إنه لو كان يملك عقلاً حراً لم يكن مصاباً بهذا الداء ، وجاعلاً نفسه في منزلة أرقى مما هي عليه . فعن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام أنه قال : «رضاءُ العبدِ عن نفسه بُرهانُ سخافةِ عقله»(٤) .

إن الأطفال الذين نشأوا راضين عن أنفسهم على أثر الإِفراط في المحبة تجاههم لا يتمكنون من السير مع قوانين الحياة ، والتغلب على مشاكلها هؤلاء مصابون حتى نهاية عمرهم بهذا الداء ، ويتجرعون عوارضه الوبيلة .

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٧ ص ٢١٥ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم ص ١٤٧ .

(٣) نفس المصدر ص ٤٢٤ .

(٤) نهج البلاغة ، شرح الأصفهاني ص ١٠٨١ .

١٨٧

«لا شك أن الطفل يحتاج حاجة ماسة إلى المحبة ، ولكن لا تلك المحبة المفرطة التي تحرك رغباته ومشتهياته فان هناك قوانين لا تقبل التغيير دائماً ـ في كل عصر من العصور ـ تؤثر في حياة المجتمعات . ومن ذلك القوانين : أن يقرر كل فرد مستقبله بيده في ظل صبره وتحمله واستقامته . والطفل المعجب بنفسه والفاسد أعجز من أن يقوم بهذا الواجب . إنه يعيش في عالم خيالي غير متوافق ، ويظن أبداً أن الإِبتسامة البسيطة أو الإِنكماشة الضئيلة ستحرك عواطف الجميع وشفقتهم» .

«وبناء على ما يقول الدكتور آدلر في كتابه (تربية الأطفال) فان الأطفال الذين نشأوا هذه النشأة يريدون أن يحبّهم الجميع من طبيعتهم . ولو قلنا : إن هؤلاء الأطفال سيظلون مدى العمر مؤمنين بهذه الفكرة لم نقل جزافاً . والحقيقة أننا نجد أن هؤلاء الأطفال يبقون على إعجابهم بأنفسهم حتى عندما يبلغون سن الشيخوخة . . . هؤلاء رجال قد يصلون بفضل مواهبهم وطاقاتهم إلى النجاح والموفقية ، وإذا بهم حينئذ يفقدون كل إنجازاتهم بسبب أفعالهم الركيكة» .

«ألا تصدّقون أن الإِنسان قد يواجه مراراً نساء في الستين من أعمارهن لا يزلن يعتقدن بأن خير أسلوب للحصول على ما يرغبن إنما هو التظاهر بالإِستياء ، والتزّمت ، والإِعراض ؟ !»(١) .

لعل كثيراً من الآباء والأُمهات لا يدركون بعد خطر الإِفراط في المحبة بالنسبة إلى الطفل إدراكاً تاماً ، ولا يفهمون أنهم كيف يرتكبون ظلماً كبيراً بأعمال ظاهرها الرأفة والحنان . إنهم يدفعون الطفل إلى الإِعجاب بنفسه فينشأ تعساً في جميع أدوار حياته ومستقبله من جهة ، ومن جهة أُخرى يجعلون أنفسهم في عداد (شر الآباء) علىّ حد تعبير الإِمام الباقر عليه‌السلام .

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٤٠ .

١٨٨

ولمزيد إتضاح هذا الموضوع التربوي الحساس للمستمعين الكرام ، ووقوف أولياء الأطفال على تكاليفهم الشرعية والعلمية ، فسنخصص بحثنا في هذه المحاضرة بهذا الموضوع ، وبيان النتائج الوخيمة للإِفراط في المحبة ، والأمل وطيد بأن يستمع السادة المحترومون إلى هذه المحاضرة بدقة ، وأن يضعوها نصب أعينهم في التطبيق ، فيحفظوا الأطفال من التربية السيئة .

إن أول نقطة يجب أن نثيرها في بحثنا هذا هو الجواب على السؤال التالي : متى يجب أن يأخذ الوالدان بالحد الوسط من المحبة تجاه الطفل كيلا ينشأ معجباً بنفسه وأنانياً ؟ .

الكل يعلم أن الغذاء المادي للطفل يبدأ من يوم ولادته . الطفل إنسان حي ، وكل موجود حي يحتاج إلى الغذاء للمحافظة على حياته . ولكن كثيراً من الآباء والأُمهات لا يعلمون متى يبدأ التطبع على العادات الحسنة أو القبيحة ، التي تؤدي إلى السلوك المفضل أو المستهجن ، ومتى يؤثر الإِفراط في المحبة الباعث إلى نشأة الطفل أنانياً .

اقتباس العادات :

يتصور البعض أن المولود الجديد قطعة من اللحم الحي ، يحتاج إلى الغذاء والنوم فقط . ويجب أن يمر عام كامل على حياته ـ على أقل تقدير ـ حتى تستيقظ المشاعر عنده تدريجياً ، وعند ذاك يتمكن الآباء والأُمهات من الإِبتداء بتنمية العادات الحسنة في الطفل . وبعبارة أُخرى : يظن هؤلاء أن الغذاء المادي للطفل يبدأ من يومه الأول ، أما حاجته إلى الغذاء الروحي فانها تبدأ بعدم عام من ولادته على الأقل .

إن هذا التصور خطأ فاحش . فإن الطفل يستجيب في الأسابيع الأولى من حياته بفضل غرائزه واستعدادته للعادات والمؤثرات ، بحيث لو كانت سيئة فانها تمنع من الإِنطباع على العادات الحسنة .

«يملك الطفل المتولد حديثاً غرائز وانطباعات ، ولكنه يفقد

١٨٩

العادات . إن جميع العادات التي حصل عليها في الرحم لا أثر لها في أحواله بعد الولادة . ففي بعض الأحيان يجب تعليم المولود كيفية التنفس . إن الغريزة الوحيدة التي يحملها حينذاك ، والتي تكون قد نمت نمواً حسناً هي غريزة مص الثدي والإِرتضاع . وعندما يشتغل بالإِرتضاع يأنس بالمحيط الجديد ، وتمرّ عليه سائر أوقات يقظته في حالة عدم شعور مبهم ، وإنما يتخلص من هذه الحالة في ساعات النوم التي تستغرق أكثر ساعات اليوم . . . ثم تتغير جميع هذه الأوضاع من بعد أسبوعين ، فيحصل الطفل من تجاربه التي تتكرر عليه خلال هذه المدة بصورة منتظمة على إنطباعات يتذكرها حينذاك . ولعل تذكره ذاك يكون أكمل وأكثر من كل الأزمنة اللاحقة ، ويتنفر من تغيير كل ما اعتاد عليه وأنس به» .

«إن السرعة التي يسير بها الطفل في اكتساب العادات عجيبة . وسيكون حصوله على كل عادة سيئة في أولى أدوار الطفولة سداً أمام اكتسابه العادات الحسنة . ولهذا يعتبر التعوّد على العادات في أوائل أيامه مهماً للغاية . إذ لو كانت العادات الأولية حسنة فسوف نتخلص في المستقبل من الترغيبات وبواعث التشجيع والإِطراء التي لا تتناهى ، هذا مضافاً إلى أنه يبقى في جميع أدوار حياته المقبلة متطبعاً على الغزائز المكتسبة في أوائلها وستظل مهيمنة عليه ، ولا يمكن للعادات التي اكتسبها فيما بعد المنافية لها الوصول إلى تلك الدرجة من الهيمنة والقوة . ولهذا يجب أن يُراعى موضوع العادات الأولية رعاية تامة . إن الأطفال الرضع محتالون أكثر مما يتصوره الأشخاص البالغون والكبار ، لأنهم عندما يرون أن نتائج البكاء أنفع لهم فانهم بلا شك يستعملون هذه الطريقة ، وعندما يرون بعد ذلك أن البكاء والعبوس يسبب النفور والإِستياء منهم بدلاً من الحنان عليهم يتعجبون وتكون الدنيا في أنظارهم تافهة لا فائدة فيها» .

١٩٠

«إذن فالوقت المناسب والصحيح الذي يجب فيه البدء بالتربية إنما هو لحظة الولادة . لأنه هذا الوقت هو الذي يمكن البدء فيه من دون وجود إحتمال لليأس والفشل . أما لو شرع في التربية بعد هذا الحين فاننا سوف نضطر إلى مقاومة العادات المنحرفة التي اكتسبها . وفي النتيجة فإن من يحاول القيام بالمهمة التربوية بعد هذه الفترة ، يقع مورداً للإِنقياد ويلاقيه الفشل حتماً»(١) .

أساس السلوك :

إن العادات المرضية أو غير المرضية تمد جذورها في نفس الطفل منذ الأسابيع الأولى . فالصفات التي يعتاد عليها في دور الطفولة تنفذ إلى أعماق روحه ويصعب تغييرها بعد ذلك .

وكما أن الآباء والأُمهات الواعين يراقبون غذاء الطفل المادي من يوم ولادته ، ويغذونه بتوازن صحيح ، ومواعيد مضبوطة طبقاً للطرق العلمية الناجحة . . . كذلك عليهم أن يهتموا من ذلك الحين بتغذيته الروحية ، ويؤدبوا الطفل حسب منهاج تربوي صحيح ، ويعوّدوه على العاداة الحسنة .

والآن أتصور أنه قد اتضح ما أردنا الإِجابة عليه من السؤال الذي أثرناه في بداية البحث ، وثبت لزوم القيام بتحديد المحبة تجاه الطفل ، والمنع من نشأته أنانياً ومعجباً بنفسه منذ الأسابيع الأولى من حياته .

إن الطفل الذي مرّ عام كامل على حياته ، يكون قد ترك وراء ظهره مراحل تربوية عديدة . فإذا نشأ الطفل عامة ذاك نتيجة لمحبة والديه المفرطة وغير المناسبة ، معجباً بنفسه ، فإن إصلاحه صعب جداً .

«والخلاصة : إن الأُسس والركائز الخلقية للطفل تصب في الأشهر المبكرة من عمره . وبعد مضي سنة واحدة ـ حسب كيفية تربية الوالدين ـ فإما أن يكونا قد أوجدا إنساناً له الكفاءة والإِستعداد

____________________

(١) در تربيت ، ص ٥٧ .

١٩١

لتقبل النظام والإِنضباط ، أو يكون فاقداً لهذا الإِحساس بالمرة» .

«لا شك أنه سيأتي زمان لا نقدر فيه على القيام بأي عمل من شأنه إصلاح تربية الطفل وتعديل سلوكه لأننا نسينا واجبنا تجاه التربية الأولية للطفل . . . التربية التي فكرّنا فيها أقل من تفكيرنا في سائر الأعمال الإِعتيادية»(١) .

كيف نوازن في المحبة ؟

الموضوع الثاني الذي يلزم أن يتضح من هذا البحث هو كيفية التوازن والتعديل في المحبة والحنان ، ولا ريب أن الأطفال كما لهم الرغبة في الغذاء والهواء وسائر الحاجات الطبيعية كذلك لهم رغبة فطرية نحو الحنان والمحبة ، فيلزم الإِستجابة لهذه الرغبة الطبيعية بدورها حسب أُسلوب صحيح تشبع تلك الرغبة ، وترضي الطفل ، فيربّي حسب السنة الخلقية والفطرية .

إن الواجب الدقيق والثقيل على الأبوين في تحسين تربية الطفل هو أن يعلما متى معاملته بالحنان والمحبة ، ومعرفة المقدار الذي يجب القيام به حينذاك ، لأن نشوء الطفل أنانياً ومعجباً بنفسه حصيلة أحد أمرين : المحبة حيث لا داعي لها ، أو الإِكثار منها مع وجود المقتضي إليها .

ولبيان الأخطاء التربوية ، يمكن التمثيل بعشرات الأمثلة للعواطف التي يبرزها بعض الآباء والأُمهات الجاهلين من غير داع لها ، نذكر ثلاثة نماذج منها عسىٰ أن ينتبه المستمعون الكرام إلى غيرها بفضل ذكائهم الفطري .

العناية بالطفل في مرضه :

١ ـ من الموارد التي يتحبب الآباء والأُمهات الغافلون إلى الأطفال بصورة مفرطة ، وربما يكون ذلك في غير محله ، إذ قد ينشأ الطفل نتيجة لذلك معجباً بنفسه . . . هو عندما يتمرض الطفل ويكون مستلقياً على فراش الألم .

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٣٩ .

١٩٢

إن الوالدين العاقلين يستعدان في هذه المناسبة للعناية به وعلاجه ، فيأتيان بالطبيب ويحضران له ما يناسبه من غذاء ودواء ، ويسجلان درجة حرارة الطفل في ساعات الليل والنهار . يكون الأب والأم أمام عيني الطفل الفاحصتين كممرضين يقومان بواجبهما ، ويوحيان إلى الطفل إن حالتنا وحالتك طبيعية إلا أنه حدث أن تمرضت وحُرمت لذلك من الركض واللعب وأكل الطعام العادي . إننا ننفذ أوامر الطبيب تجاهك ، ويجب أن نطيعه في استعمال الدواء وزرق الإِبرة ، وستبرأ طبعاً بعد أيام قليلة ، وعلى فرض أن الأبوين متأثران في الواقع لمرض الطفل ، فانهما يظهران أمامه الوضع الإِعتيادي ، ولا يسببان إحساس الطفل بتشوشهما واضطرابهما .

أما بعض الآباء والأُمهات فانهم يضطربون ويرتبكون . . . ويظهرون إضطرابهم الشديد هذا للطفل ، ويجلسون عنده ناظرين إليه وآثار التألم بادية عليهم ، يبكون ، يمسحون بأيديهم على رأسه ويتكلمون معَه بتوجع واضطراب ، وربما يقبّلون وجهه المحموم ، ويحنّون عليه قدر المستطاع ، ويعتبرون مرضه حادثاً جللاً ، ويفهمونه ـ عملياً ـ أنهم جميعاً فاقدون راحتهم واطمئنانهم ، فيترك الأب عمله ، وتنسى الأم كل شيء ، وتضطرب الأسرة كلها لمرضه .

هذه الأعمال الفارغة التافهة ليس لها أقل تأثير على المريض ، لكنها من الجانب الآخر تفسد أخلاق الطفل وتمنحه الكثير من الأنانية ، فيعتقد الطفل بذلك أن له قيمة كبيرة ويقول في نفسه : أنا صاحب هذه الأهمية والمكانة ، أنا الذي يسبب مرضي اضطراب العائلة وارتباكها ، ويجلب الأنظار نحوي .

إن مرض الطفل يزول ، ولكن تبقى هذه النظرة الخاطئة في أعماق فكره ، فيتوقع دائماً من أبويه وسائر الناس أن يحترموه لدرجة كبيرة ، ويعجبه حين ابتلي بصداع أن يضطرب له جميع الناس فضلاً عن أفراد أسرته .

تمارض الطفل :

وقد يتمارض كي يلتذ من حنان أبويه ويسكن إلى محبتهما له . وحين

١٩٣

يكبر هذا الطفل على هذا التصور الخاطىء ويرى عدم إعتناء الناس به ، وعدم اضطراب أحد لمرضه . فمن الواضح أنه يستصغر نفسه ويحس بالحقارة في ضميره الباطن .

وبهذا الصدد أنقل لكم نصاً من كتاب لعالم نفسي شهير هو (ديل كارنيجي) :

«ذكرت لي القصاصة الشهيرة (ماري روبرتس راين هارت) قصة سيدة شابة سليمة تمارضت حتى تجلب إهتمام العائلة نحوها ، وتثبت مكانتها ، وكلما إزداد عمرها علمت بضعف إحتمال تزوجها ، فأظلمت الدنيا في عينيها ، ولم يكن لها ما يسعدها في الحياة» .

«كانت السيدة الكاتبة تقول : تمرضت هذه السيدة فكانت أمها العجوز تداريها طيلة عشرة أعوام ، وتحمل أواني طعامها كل يوم مراراً من السلام إليها . إلى أن توفيت أمها فأخذت المريضة بالنياحة مدة أسابيع ، وبما أنه لم يستجب لندائها أحد ، نهضت وارتدت ملابسها ، وجعلت تستمر في الحياة بصورة اعتيادية»(١) .

إن الإِعجاب بالنفس أحد العوامل المهمة للشقاء والشعور بالحقارة في جميع أدوار الحياة . والعطف الفارغ لأولياء الأطفال ـ الذي هو ظلم عظيم لهم ـ هو سبب نشوء هذه الصفة الذميمة .

أُذكّركم جميعاً ـ أيها المستمعون الكرام ـ أن تكفوا من المحبة الزائدة التي لا داعي لها نحو أطفالكم ، ولا تكونوا سبباً لشقائهم ، وتذكروا دائماً كلمة الإِمام الباقر عليه‌السلام : «شرّ الآباء من دعاه البر إلى الإِفراط» .

اللحظات الحاسمة :

٢ ـ طفل حديث عهد بالحركة ، يلعب بمحضر والديه في الغرفة ، وبيده

____________________

(١) آئين دوست يابى ص ٣٥ . وقد ترجم الكتاب إلى العربية تحت عنوان : (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس) .

١٩٤

كرة صغيرة ، يرميها إلى جهة ثم يتبعها ويأخذها ، ويرميها كذلك ، ويكرر هذا العمل . . . في إحدى المرات تصل الكرة إلى جانب الجدار ويأتي الطفل منحياً ليرفعها فترتطم جبهته بالجدار . . . إن هذه الصدفة تعتبر للطفل جديدة ولا يعلم ما ينبغي أن يكون موقفه منها . هل يبكي أو يضحك أو يسكت ؟! فهو متحير . . . ينظر إلى أبويه كي يطلع على مدى تأثير هذه الصدفة فيهم ، وعند ذاك يظهر ردّ الفعل المناسب تجاهها . ليس للطفل رأي في الموضوع ، بل يفعل ما فعله والداه ، فان ضحكا يضحك ، وإن تألما يبكي ، وإن سكتا يسكت ويستمر في لعبه .

إن هذه اللحظة ولحظات أُخر مثلها شديدة التأثير في الطفل من الوجهة التربوية ، فإن سلوك الوالدين السيء تجاه مواقف كهذا يترك أثراً سيئاً في نفسية الطفل .

إن الآباء والأُمهات الواعين لا ينظرون في هذه الأحيان إلى الطفل أصلاً ، ولا يعتنون بتوقعه العطف والحنان منهما ، ولا يعتبرون هذه الصدفة شيئاً ، وبذلك كله يفهمون الطفل عملياً أن الإِرتطام بالجدار ، والسقوط على الأرض ، وما يشبه ذلك حوادث اعتيادية في حياة الإِنسان .

هناك بعض الآباء والأُمهات الواعين لا يظهرون أي رد فعل للحادثة ولكنهم يستفيدون من تلك الفرصة فينصحون الطفل قائلين له : عندما تقترب من الجدار أو العمود ، تأخر قليلاً حتى لا ترتطم جبهتك بالحائط عندما تنحني .

أما الأباء والأُمهات الغافلون فانهم يظهرون في مثل هذه الحوادث حناناً مفرطاً فيضمون الطفل إلى صدورهم ويقبلونه ، ويمسحون بأيديهم على جبهته أو ما تألم من أعضائه ، ويظهرون التأثر والتألم لما حدث للطفل وربما يضربون الأرض أو الجدار ترضيه للطفل ، فيبدي رد الفعل أمام كثرة ما يلاقيه من حب وحنان ، ويرفع صوته بالبكاء والعويل ، ويسكب الدموع ، ويرى نفسه أهلاً للحنان بالنسبة لما حدث له . . . وعندما تتكرر محبة الوالدين الفارغة في

١٩٥

حوادث أخر مشابهة لهذه الحادثة ، تتولد جذور الصفة الرذيلة (الإِعجاب بالنفس) في ضمير الطفل تدريجياً ، ويكبر الطفل على الدلّ ، ويتوقع الحنان والمحبة لكل حدث حقير يقابله .

ينشأ الطفل مع هذا التوقع الخاطىء ، ويترك مرحلة الطفولة منتقلاً إلى المراحل الأُخرى من حياته ، ويقابل في المجتمع آلاماً كبيرة فلا يتجنب إليه أحد خلافاً لما كان يتوقعه . . . حينذاك يتألم ، ويحس في نفسه بالدناءة ويصاب بعقدة الحقارة ، فيقضي حياته كلها بالتعاسة والشقاء .

إن محبة الوالدين التافهة هي التي أدت إلى هذا المصير . . . فشرّ الآباء من دعاه البر إلى الإِفراط .

الميول المضرة :

٣ ـ هناك تضاد طبيعي بين متطلبات نفس كل إنسان من جهة ، ومصالحه الفردية والإِجتماعية من جهة أُخرى . ويجب كل فرد ـ بدافع من رغباته الفردية وأهوائه الشخصية ـ أن يتحرر من كل قيد ، وألّا يقف مانع في طريق آمله ، فيقول ما يشاء ، ويأكل ما يرغب ، ويحاول إرضاء شهواته كيفما كان . ولكن مصلحته الخاصة ومصلحة المجتمع الذي سيعيش فيه تستوجب أن يتخلى كل فرد عن آماله الضارة وغير المشروعة وينصرف عن إرضائها . . . وهذا أهم شرط في الحياة الإِجتماعية لجميع شعوب العالم .

يتمكن المجتمع البشري الوصول إلى هذا الهدف المقدس والحياة السعيدة باتباع أصلين مهمين :

الأول : أن يتعرف كل فرد على حسنات الحياة وسيئاتها .

والثاني : أن يسيطر كل فرد على نفسه ويبعدها عن المساوىء .

وهذا هو هدف القادة الإِلٰهيين والغرض المهم الذي يتبناه رجال التربية العظماء . فإن الآلام والجرائم تقل بنسبة تقدم التربية الصحيحة في المجتمع وحكومة الأدب على الناس . وبالعكس من ذلك كلما أهمل الناس القيام بالتربية إزداد حجم المساوىء فيه .

١٩٦

عن علي عليه‌السلام : «من كُلّف بالأدب قلت مساويه»(١) .

وفي حديث آخر : «من قلّ أدبه كثرت مساويه»(٢) .

تقبل التربية :

وبالرغم من أن البشر في جميع أدوار حياته يتقبل التربية ، ولكن استعداده في دور الطفولة لذلك أكثر . إن جسم الطفل وروحه مستعدان لكل تربية صالحة أو فاسدة ، وكل ما يتعلمه في دور الطفولة ينفذ إلى أعماق روحه ، ومن السهولة بمكان ضمان استمرار ذلك مدى العمر :

«تتوقف قيمة الإِنسان على قدرته على مواجهة المواقف المعاكسة بسرعة ومن غير بذل جهد . ويمكن بلوغ مثل هذه اليقظة بإنشاء أكثر ما يستطاع من أنواع الإِنعكاسات وردود الفعل الغريزية . . وكلما كان الفرد صغيراً ، سهل توطيد الإِنعكاسات . ففي استطاعة الطفل أن يكدس كنوزاً ضخمة من المعلومات غير الواعية . . كما أنه أسهل تدريباً ، بل أنه لا يقارن في ذلك حتى بكلب الحراسة الذكي . . كما أنه يستطيع أن يتعلم كيف يركض من غير أن يتعب ، وكيف يسقط كالقط ، وكيف يتسلق ويسبح ويقف ويمشي بانسجام ، ويلاحظ الأشياء بدقة ، ويستيقظ بسرعة ، ويتكلم عدة لغات ، ويطيع ويهاجم ويدافع عن نفسه ، ويستعمل يديه بتناسق في تأدية مختلف أنواع العمل . . الخ . وتخلق العادات الأدبية فيه بطريقة مماثلة . . والكلاب نفسها تتعلم ألا تسرق . . فالأمانة والإِخلاص والشجاعة تنمو بوساطة العمليات نفسها التي تستخدم في تكوين الإِنعكسات ، أي بغير ما حاجة إلى مناقشة أو شرح . . . وصفوة القول : يحب أن يكيف الأطفال»(٣) .

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٦٤٥ .

(٢) المصدر السابق ص ٦٣٥ .

(٣) الإِنسان ذلك المجهول ، تأليف : الكسيس كارل ، تعريب : عادل شفيق ص ٢٣٤ .

١٩٧

إن المدرسة الأولى لتربية الطفل هي حجر الوالدين . فالوالدان مكلفان بتعليم الطفل حسب مقتضيات فهمه واستعداده بالمحاسن وترغيبه في هذا العمل بها ، وإرشاده إلى المساوىء ثم تحذيره من ارتكابها . وبلوغ هذا الهدف لا يتيسر مع المحبة المفرطة التافهة . إن الطفل الذي يجد نفسه حراً من جميع الجهات ، ويرتكب كل قبيحٍ وحسنٍ ، ثم لا يرى من أبويه في قبال سلوكه إلا المحبة والحنان ينشأ مدللاً معجباً بنفسه . إنه لا يكتفي بعدم الإِجتناب عن القبيح ، بل يتوقع استحسان الناس وتقديرهم لأعماله السيئة ، وذلك لأن والديه عاملاه بهذه المعاملة .

بين الخوف والرجاء :

يجب أن يعامل الطفل في البيت بين الخوف والرجاء دائماً ، يرجو من أبويه المحبة ، ويخاف منهما الغضب والشدة . يجب أن يعتقد الطفل أنه ليس حراً في ارتكاب الأعمال القبيحة وسيؤاخذ عليها . يجب أن تتوفر في الأسرة : المحبة والشدة ، والتغافل والمحاسبة ، والترغيب والإِهمال . . . كل في محله ، وعلى الآباء والأمهات الإِتصاف بهذه الصفات في كل مورد مناسب حتى ينشأ الطفل وفق تربية صحيحة . . . في محيط كهذا يحس الطفل بالمسؤولية ولا ينشأ معجباً بنفسه أبداً .

«يلزم القيام بكل ما هو ضروري لصحة الطفل وحفظ سلامته . فحينما يشكو الطفل من الزكام فلا بد من مراقبة مزاجه وحفظه في مكان دافىء بعيداً عن البرد والرطوبة . . . لكنه لو بكى بدون علة محسوسة يلزم تركه على حاله يصيح أنى يشاء . فلو عومل بغير ذلك نشأ بصورة حاكم مستبد ، أما عندما يكون الإِهتمام به ضرورياً فلا بد أن يكون ذلك بدون إفراط ، بل يجب الإِقتصار على قدر الضرورة . وهكذا لا يفرط في العطف تجاهه ، ولا يصح مطلقاً أن يؤخذ الطفل في مرحلة من مراحل حياته كآلة لهو ، بل لا بد أن ننظر إليه من أول أمره نظرة إهتمام وجدّ ، ونظرة داعية إلى أن هذا الطفل سيبلغ في غد ويصبح عضواً بارزاً في المجتمع» .

١٩٨

«لا ريب أنه لا يمكن للطفل أن يستوعب جميع عادات الأفراد البالغين ولكن علينا الإِبتعاد عما يقف حاجزاً في طريق اكتسابه هذه العادات ، وبصرف النظر عن ذلك يجب أن نوجد في الطفل الإِحساس بأهمية نفسه ، الإِحساس الذي ستؤلمه التجارب المستقبلة ، ولا يطابق الواقع في حال من الأحوال . . . إن الطفل لو لم يراقب بدقة فانه سيشعر بذلك ويحكم بأهمية نفسه إلى درجة إحساس أبويه بذلك ، وسوف لا ينظر إليه المجتمع في الحياة المقبلة نظرة الإِستحسان والتقدير ، وستؤدي عاداته التي سببت أنانيته بحيث يرى نفسه ذا مكانة عظيمة في الأوساط إلى اليأس والحرمان»(١) .

لقد أدت محبة الآباء والأُمهات الجاهلين حيث لا داعي لها ، وتغافلهم حيث لا مبرّر له إلى نشأة بعض الأطفال مضافاً إلى كونهم عديمي الحياء ، مسيئين ، معجبين بأنفسهم ، أنانيين بحيث يبعث ذكر أعمالهم على التأثر الشديد والخجل . إننا نرى أطفالاً يبلغ بهم الإِعجاب بالنفس وسوء التربية إلى حدّ الفحش في القول وإيذاء خادم البيت ، وتمزيق ملابسه ، ورميه بالعصا والحجارة ، وقد يؤدي ذلك إلى كسر الرأس والأضرار البدنية . إن الآباء والأُمهات الغافلين يلتذون من الأفعال السيئة لأطفالهم ، ويضحكون في وجوههم بدلاً من مؤاخذتهم وتوبيخهم ، وبضحكتهم الجنونية يشجعون أطفالهم على تلك الأعمال البذيئة ويسوقونهم نحو الشقاء .

قال الإِمام الباقر عليه‌السلام : «شرّ الآباء من دعاه البرّ إلى الإِفراط» .

توقع المدح :

إن الأطفال الذين نشأوا معجبين بأنفسهم نتيجة المحبة المفرطة تجاههم يتوقعون من والديهم وسائر الناس توقعات فارغة . إنهم يحبون أن تقع أفعالهم وأقوالهم دائماً موقع الإِستحسان والإِحترام في الأسرة والمجتمع لأنهم نشأوا

____________________

(١) در تربيت ص ٥٦ .

١٩٩

على ذلك منذ الطفولة . إنهم يريدون أن يمجدهم الناس ويقدروهم لأعمال حسنة لم يفعلوها ، أو أفعال سيئة قاموا بها . إن المجتمع لا يعتني لهذه الأماني التي لا مبرر لها ، ولا يرى هذه التوقعات الجنونية قابلة للتنفيذ .

قال علي عليه‌السلام : «طلبُ الثناء لغير استحقاقٍ خرقٌ»(١) .

إن الإِنكسار الذي يصاب به المعجبون بأنفسهم عندما يجدون عدم إعتناء الناس ونظرتهم السيئة إليهم مرهق جداً . . . إنه يؤدي بهم إلى الدناءة والإِحساس بالحقارة ، ويتألمون في باطنهم من تحقير الناس بشدة ، وبالتالي إما أن يصابوا بداء روحي ـ والذي قد ينتهي إلى الجنون ـ وإما أن يقدموا الجرائم والأعمال الشنيعة .

لقد توعد القرآن الكريم هؤلاء المعجبين بأنفسهم بالعذاب بصراحة ، حيث قال : ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(٢) .

وقد ورد عن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذا الصدد : «رضاءُ العبدِ عن نفسه مقرون بسخَطِ ربه»(٣) .

الحذر من العجب بالنفس :

لقد كان أولياء الإِسلام يجتنبون من كل عمل تشم منه رائحة الإِعجاب بالنفس ، وينفرون من أولئك الأشخاص الذين كانوا يقومون بها . وبالمناسبة أذكر لكم حديثاً من سيرة الإِمام السجاد عليه‌السلام .

«عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : لما حضر محمدَ بن أُسامة الموتُ دخلت عليه بنو هاشم فقال لهم : قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم وعليّ دَين فأحبّ أن تضمنوه عني . فقال علي بن الحسين عليه‌السلام : أما والله ثُلثَ دَينك عليَّ ، ثم

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٤٧٠ .

(٢) سورة آل عمران ؛ الآية : ١٨٨ .

(٣) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٤٢٤ .

٢٠٠