الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

السعادة والكمال المحدّد للإِنسان لا يكون بدون تنمية الإِيمان والفضائل . . . علماً بأن ركائز ذلك يجب أن تصب في أيام الطفولة .

«يجب أن يتنبه الآباء والمربون إلى أن الدين أعظم العوامل المساعدة في سيبل تربية الطفل ، وأن الإِيمان مشعل وضاء ينير أحلك الطرق ، ويوقظ الضمائر ويعدل الإِنحرافات»(١) .

«إن ما يدفع الإِنسان إلى مصيره النهائي يكمن في المشاعر لا العقل . فالنفس تقبل التكامل بواسطة الألم والشوق أكثر من مساعدة العقل . وفي هذا السير العنيف عندما يصبح العقل حملاً ثقيلاً تلجأ النفس إلى الجوهرة الثمينة التي تنطوي عليها وهي عبارة عن الحب» .

«إن كثيراً من الأشخاص المعاصرين يقتربون إلى الحياة الحيوانية إلى درجة أنهم يحصرون إهتمامهم بالقيم المادية ولذلك فأن حياتهم أخس من حياة الحيوانات ، لأن القيم المعنوية فقط هي التي تستطيع أن تمنحنا النور والسرور»(٢) .

«ليس المبدأ الأول عبارة عن تنمية القوى العقلانية ، بل البناء العاطفي الذي تستند إليه جميع العوامل النفسية . ليست ضرورة الشعور الخلقي بأقل من ضرورة السمع والبصر . يجب أن نتعوّد على أن نميز بين الخير والشر بنفس الدقة التي نميز بها النور والظلمة . والصوت عن السكوت . . . ومن ثم يجب علينا أن نعمل الخير ونحذر الشر» .

«إن النمو القياسي للروح والجسد لا يحصل بغير تزكية النفس . هذا الوضع الفسيولوجي والنفسي وإن بدا غريباً في نظر علماء التربية والإِجتماع المعاصرين لكنه يصنع الركن الضروري

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٧٦ .

(١) راه ورسم زندگي ص ٦٤ .

١٤١

للشخصية ، وفي نفس الوقت فهو المطار الذي تحلق منه النفس»(١) .

دين تجاه الأطفال :

إن تنمية الإِيمان والفضائل في نفس الطفل حق له على عاتق أبيه ، وقد وردت روايات كثيرة في هذا الصدد : ـ

١ ـ يقول الإِمام السجاد عليه‌السلام : «وأنك مسؤول عما ولّيته به من حسن الأدب والدلالة على ربه»(٢) .

٢ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «حق الولد على والده ـ إذا كان ذكراً ـ أن يَستفرِه أمَّه ، ويستحسن اسمه ، ويعلمه كتاب الله ويطهره»(٣) .

٣ ـ وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً : «إن المعلم إذا قال للصبي بسم الله كتب الله له وللصبي ولوالديه براءة من النار»(٤) .

٤ ـ وفي الحديث عن الإِمام العسكري عليه‌السلام : أن الله تعالى يجزي الوالدين ثواباً عظيماً .

فيقولان : يا ربنا أنى لنا هذه ولم تبلغها أعمالنا ؟ .

فيقال : «هذه بتعليمكما ولدكما القرآن وبتبصيركما إياه بدين الإِسلام»(٥) .

حق المعلم :

٥ ـ كان عبد الرحمن السلمي يعلم ولداً للإِمام الحسين عليه‌السلام سورة الحمد ، فعندما قرأ الطفل السورة كاملة أمام والده ، ملأ الإِمام عليه‌السلام فم معلمه

____________________

(١) راه ورسم زندكي ص ٩٩ .

(٢) تحف العقول ص ٢٦٤ .

(٣) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٦ ص ٤٩ .

(٤) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٢٥ .

(٥) نفس المصدر ج ١ ص ٢٩٠ .

١٤٢

دراً بعد أن أعطاه نقوداً وهدايا آخر . فقيل له في ذلك . فقال عليه‌السلام : «وأين يقع هذا من عطائه»(١) يعني تعليمه .

لقد استأثر موضوع التربية الدينية للأطفال بقسط وافر من إهتمام الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلى درجة أنه كان يتبرأ من الآباء الذين يهملون القيام بذلك الواجب ، ولا يرضى بانتسابهم له . وهذا ما يظهر من الحديث الآتي :

٦ ـ «روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه نظر إلى بعض الأطفال فقال : ويلٌ لأولاد آخر الزمان من آبائهم ! فقيل : يا رسول الله من آبائهم المشركين ؟ فقال : لا ، من آبائهم المؤمنين لا يعلمونهم شيئاً من الفرائض وإذا تعلموا أولادهم منعوهم ورضوا عنهم بعرَضٍ يسيرٍ من الدنيا ، فأنا منهم بريء وهم مني بُرآء»(٢) .

ضرورة التربية الايمانية :

لقد أكد علماء الغرب على أهمية التربية الدينية ، وضرورة ذلك لضمان سعادة الأطفال وحسن تربيتهم .

«يقول ريموندپيچ : لا شك في أن المهمة الأخلاقية والدينية تقع على عاتق الأسرة قبل سائر المسائل ، ذلك أن التربية الفاقدة للأخلاق لا تعطينا سوى مجرمين حاذقين . ومن جهة أُخرى فان قلب الإِنسان لا يمكن أن يعتنق الأخلاق من دون وجود دافع ديني ، ولو حاول شخص أن يتفهم الأصول الخلقية بمعزل عن الدين فكأنه يقصد تكوين موجود حي لكنه لا يتنفس» .

«إن أول صورة يرسمها الطفل في ذهنه عن الله تنبع من علاقاته مع والديه . وكذلك أول فكرة ترتسم في مخيلته عن الطاعة والسماح والإِستقامة ترتبط إرتباطاً وثيقاً بسلوك الأسرة . . . كل هذه المسائل

____________________

(١) المصدر نفسه ، والصفحة نفسها .

(٢) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ ص ٦٢٥ .

١٤٣

يجب أن تتم في الأعوام الأولى من حياة الطفل ، لأن ذهن الطفل في هذه الأعوام فقط يبدي استعداداً لضبط ما يدركه أكثر من أي وقت آخر» .

«لا يملك الوالدان الفرصة المناسبة لتربية نفس الطفل وتنقية أفكاره فحسب ، بل عليهما أن يعرّفا الله لأطفالهما بأحسن صورة وقوة ، وبكل إرادة ومتابعة . وهما في هذا السبيل يستطيعان أن يستعينا بمصدرين فياضين ، أولهما الدين والثاني الطبيعة»(١) .

أثر الايمان في الطفل :

إن الطفل الذي يتربى على أساس الإِيمان بالله منذ البداية يمتاز بإرادة قوية وروح متطامنة ، تظهر عليه أمارات الشهامة والنبل منذ الصغر ، وتطفح كلماته وعباراته بحقائق ناصعة وصريحة .

وكمثل على ذلك نأخذ الصديق يوسف ، فقد كان ابن النبي يعقوب . هذا الطفل المحبوب تلقّى درس الإِيمان بالله من أبيه العظيم ، ونشأ طفلاً مؤمناً في حجر يعقوب . . . لقد نقم إخوته الكبار منه وصمّموا على إيذائه ، فأخذوا الطفل معهم إلى الصحراء وبعد أساليب مؤلمة ووحشة فكروا في قتله ، ثم انصرفوا عن هذه الفكرة إلى إلقائه في البئر . . . وكانت النتيجة أن بيع الطفل إلى قافلة مصرية ، وبصدد معرفة عمره عندما أُلقي في البئر يقول أبو حمزة : «قلت لعلي بن الحسين عليهما‌السلام : ابن َكم كان يوسف يوم ألقوه في الجب ؟ فقال : ابن تسعِ سنين»(٢) .

ماذا يتوقع من طفل لا يتجاوز عمره التسع سنوات في مثل هذه الظروف الحرجة والمؤلمة ، أليس الجواب هو الجزع والاضطراب ؟!! في حين أن قوة الإِيمان كانت قد منحت يوسف حينذاك مقدرة عجيبة وتطامناً فائقاً ، ففي الحديث : «لما أخرج يوسف من الجب واشتُرِي قال لهم قائل : استوصوا بهذا

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٨ .

(٢) تفسير البرهان ص ٤٩٥ .

١٤٤

الغريب خيراً . فقال لهم يوسف : من كان مع الله فليس في غربة»(١) .

ونظير هذا نجده في قصة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع مرضعته حليمة السعدية . تقول حليمة : لما بلغ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الثالثة من عمره قال لي :

ـ أماه ، أين يذهب إخوتي نهار كل يوم ؟ .

فأجبته : يخرجون إلى الصحراء لرعي الأغنام .

قال : لماذا لا يصحبوني معهم ؟ .

فقلت له : هل ترغب في الذهاب معهم ؟ .

قال : نعم .

فلما أصبح دهّنته وكحّلته وعلّقت في عنقه خيطاً فيه جَزع يمانية ، فنزعها ثم قال لي : «مهلاً يا أماه ، فإن معي من يحفظني»(٢) .

الإِيمان بالله هو الذي يجعل الطفل في الثالثة حراً وقوي الإِرادة بهذه الصورة .

المبادرة إلى تنمية الايمان :

تشبه روح الطفل في تقبلها للتعاليم الدينية والأخلاقية الأرض الخصبة القابلة لاحتواء البذرة في باطنها . وعلى الوالدين أن يبادرا إلى زرع بذور الإِيمان والفضائل في نفس الطفل وأن لا يفرّطا بشيء من الفرصة السانحة لهما . من الضروري أن يبكر المربي في تنشئة الطفل نشأة دينية صالحة .

«عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : بادِروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة»(٣) .

____________________

(١) مجموعة ورام ج ١ ص ٣٣ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٦ ص ٩٢ .

(٣) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٦ ص ٤٧ . والمرجئة طائفة ضالة تخالف الرأي الإِسلامي الصحيح في القضاء والقدر القائم على : (لا جبر ولا تفويض) . وكأن الحديث يشير إلى ضرورة ملء أفكار الطفل بالعقائد الصحيحة ليتحصن بها ضد التيارات المضلة التي تستغل الفراغ العقائدي في أذهان الناشئة .

١٤٥

إن تزكية النفس والإِهتمام بالجوانب المعنوية من الواجبات اليومية لجميع الأفراد . ومن اللازم ـ في سبيل الوصول إلى الكمال الإِنساني اللائق به ـ أن يهتم كل فرد منا بالجوانب الروحية إلى جانب النشاطات المادية وإشباع الغرائز ، ويفكر كل يوم في إحراز التقدم المعنوي والكمال الروحي .

وقد جاء عن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذا الصدد : «للمؤمن ثلاث ساعات : فَساعةٌ يناجي فيها ربه ، وساعة يَرمُّ معاشه ، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذتها فيما يحلّ ويجمل»(١) .

أساس تقدم الانسان :

إن السعي وراء الطعام وجلب اللذائذ خاصة مشتركة بين الإِنسان والبهائم ، أما ما يكون مائزاً للإِنسان ، وأساساً لتقدمه فهو الجوانب الروحية التي يمكنه إحرازها ، والكمالات العقلية والعاطفية التي يستطيع بلوغها .

قال أبو عبد الله عليه‌السلام : «إقصر نفسك عما يضرها من قبل أن تفارقك ، واسْعَ في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك ، فإن نفسك رهينة بعملك»(٢) .

محاسبة النفس :

كما أن حفظ الصحة يحتاج إلى النشاط الإِقتصادي المستمر والرقابة الصحية ، كذلك الحفظ على سلامة الروح يحتاج إلى الجهد المتواصل . فمن يرغب في تكامل نفسه ويهتم بصفاء باطنه ، عليه أن يراقب أقواله وأفعاله مراقبة دقيقة ، ولا يحوم حول الذنب والإِجرام ، ولا يعوّد لسانه على الكلمات البذيئة . عليه أن يحاسب نفسه كل يوم على ما صدر منه من حسنات وسيئات فيستمد العون من الله تعالى في المزيد من الحسنات ، والإِقلال من السيئات .

____________________

(١) نهج البلاغة شرح الفيض الأصفهاني ص ١٢٦١ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٤٥٥ .

١٤٦

«عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم»(١) .

إن المقر الأصيل للإِيمان عبارة عن أعماق قلوب الناس وزوايا أرواحهم ، والشخص المؤمن هو الذي يؤمن في باطنه بخالق الكون ، ويعتقد بتعاليم الأنبياء ، ولكن بالنظر إلى التماثل الموجود بين الروح والجسد ، وتأثير كل منهما في الآخر فمن الضروري أن تظهر آثار الإِيمان على جوارحه . ومن هنا نجد الروايات الإِسلامية تعرف الإِيمان كمجموعة من الإِعتقادات القلبية ، والإِقرار باللسان ، وظهور أثر ذلك على الجوارح أيضاً .

وكما أن قيام أُستاذ بعملية التدريس ، ومزاولة جراح للعمليات الجراحية يقوّي الجذور العلمية في باطن كل منهما ، كذلك العبادات الجسدية والأذكار فانها مدعاة لتركز الإِيمان واستحكامه(٢) .

وبهذا الصدد ورد عن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «إنّ الإِيمان ليبدو لمعة بيضاء ، فإذا عمل العبد الصالحات نما وزاد حتى يبيضَّ القلب كله»(٣) .

إن ما لا شك فيه هو أن الاستمرار في العبادة والحصول على الحالات من الخضوع والخشوع والإِستغفار بين يدي الله تعالى أعظم العوامل لترسيخ أُسس الإِيمان وإضاءة القلب وبعث النور فيه .

المناجاة في السحر :

يتلخص جانب من تعاليم الإِسلام في منهاج التكامل النفسي في

____________________

(١) المصدر السابق ج ٢ ص ٤٥٣ .

(٢) وجد علماء النفس من التجارب العديدة التي أجريت على عملية التعلم أن هذه العملية تسير وفقاً لقوانين معينة . وأول من وضع هذه القوانين في صيغة شاملة هو العالم الشهير (ثورندايك) . وأهم تلك القوانين ثلاثة : أحدها قانون التدريب . ويعني منه أن كلّ تجربة تمر بذهن الإِنسان أو مسألة علمية تطرق باله تزداد قوة باستعمالها ، وتضعف باهمالها . ومن هنا قيل : (الدرس حرف والتكرار ألف) .

(٣) المحجة البيضاء للفيض الكاشاني ج ١ ص ٢٧٧ .

١٤٧

العبادات والمناجاة مع الله . هناك بعض العبادات والأذكار في صورة صلوات واجبة ومندوبة ، مشرّعة بكيفيات خاصة ، وهناك عبادات غير مقيدة بكيفيات معينة بل تندرج ضمن إطار واسع هو ذكر الله والدعاء . لا بد من الجهر في بعض العبادات تحقيقاً لبعض المصالح ، وفي قبال ذلك يرد التأكيد على التخفّي في عبادات أُخرى . قال الإِمام الصادق عليه‌السلام : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أعظم العبادات أجراً أخفاها»(١) .

فعندما يسدل الليل أستاره ، ويغط الناس في النوم ، ويسود الكون ظلام وسكون ، يقوم المؤمنون للتضرع بين يدي الله تعالى . . ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ(٢) . العشق الإِلٰهي يلتهب في أعماقهم ويُضاء سراج الإِيمان في قلوبهم ، فينهضون بشوق ورغبة شديدين ، ويتوضأون ويتجهون نحو الله تعالى بكل خضوع وخشوع ، يستغفرون ربهم ، وينيبون إليه ، يذرفون الدموع ، ويفقدون الوعي ، يتذكرون زلاتهم ، ويعتذرون إلى الله تعالى ، ويعاهدونه على عدم العود إليها ، ويستمدون العون منه في جميع أمورهم .

الآثار النفسية للمناجاة :

هذه الحالة النفسية التي تطرأ على الرجال الإلٰهيين في أعماق الليل حقيقة يعجز العالم عن وصفها ، ولا يستطيع العقل إدراكها . . . أما آثارها العظيمة فتبدو من جميع ذرات وجود الرجل . . . فتقيم ثورة في روحه وجسده ، وتسيطر على جميع قواه ، وتبعث الطمأنينة إلى قلبه ، وتمنحه الشهامة والشجاعة ، تكبح غرائزه الثائرة ، وتمنعه عن الإِجرام والتلوث بالذنب تمنحه روح التضحية والإِيثار . . . وبصورة موجزة تجعله إنساناً كاملاً وتوقظ فيه جميع الفضائل الحميدة والسجايا الخلقية . . . هذه الحالة المعنوية اللامعة ، هي حقيقة التقوى التي تهدف إليها تعاليم الإِسلام القيمة .

«عن أبي بصير قال : سألت أباعبد الله عليه‌السلام عن قول الله عز وجل : ﴿اتَّقُوا

____________________

(١) قرب الإِسناد ص ٦٤ .

(٢) سورة السجدة ؛ الآية : ١٦ .

١٤٨

اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال : يُطاع فلا يُعصى ، ويُذكر فلا يُنسى ، ويُشكَر فلا يُكفَر»(١) فالتقي الحقيقي هو الذي يطيع أوامر الله تعالى دائماً ولا يعصيه ، ويذكر خالقه على كل حال .

«لقد أشربت الإِنسانية بالوحي الديني أكثر مما أشربت بالتفكير الفلسفي . . . فقد كان الدين هو أساس الأسرة والحياة الإِجتماعية في المدنية القديمة . فما زالت الكتدرائيات وبقايا المعابد التي أنشأها أسلافنا تغطي أرض أوروبا . . . بالطبع ، إن معناها قلما يكون مفهوماً في الوقت الحاضر . . . ومهما يكن من أمر فان الإِحساس الديني لا يزال حتى اليوم نشاطاً لا مفر منه بالنسبة لشعور عدد من الأفراد ، كما أنه يظهر نفسه بين الأشخاص المثقفين ثقافة عالية .

«وللنشاط الديني جوانب مختلفة مثل النشاط الأدبي . . . وهو يتكون في أبسط حالاته من تطلع مبهم نحو قوة تفوق الاشكال المادية والعقلية لعالمنا . . . إنه نوع من الصلاة غير المنطوقة ، إنه بحث عن جمال أكثر نقاء من الجمال الفني أو العلمي ، وهو مماثل لنشاط الجمال» .

«ما زال الجمال الذي ينشده المتصوفون أكثر غنى واتساعاً من المثل الأعلى الذي ينشده الفنان . . إنه لا شكل له ، ولا يمكن التعبير عنه بأية لغة ، ويختفي بداخل أشياء العالم المنظور ، وقلما يظهر نفسه . ويتطلب السمو بالعقل نحو الذات العلية التي هي مصدر جميع الأشياء ، نحو قوة ، بل مركز القوى ، نحو الله ـ جل جلاله ـ ففي كل حقبة من حقب التاريخ وفي كل شعب من الشعوب ، أشخاص يتمتعون بهذا الإِحساس العجيب في درجة

____________________

(١) معاني الأخبار ص ٢٤٠ .

١٤٩

عالية . . .»(١) .

العبادات التمرينية :

لضمان التربية الدينية للأطفال يجب أن يكون هناك تماثل بين أرواحهم وأجسامهم من الناحية الإِيمانية . ولهذا فان الإِسلام أوجب على الوالدين من جهة أن يعرّفا الطفل بخالقه ويعلماه الدروس الدينية المتقنة ، ومن جهة أُخرى أمرهما بتدريب الطفل على العبادات والصلاة بالخصوص .

١ ـ عن معاوية بن وهب قال : «سألت أبا عبد الله عليه‌السلام : في كم يؤخذ الصبي بالصلاة ؟ فقال : بين سبع سنين وست سنين»(٢) .

٢ ـ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «مُروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً»(٣) .

٣ ـ يذكر الإِمام الباقر عليه‌السلام في حديث طويل واجبات الوالدين في إلهام أطفالهما بالقضايا الدينية حسب التدرج في السن ، فيجب عليهما أن يعلما الطفل كلمة التوحيد لثلاث سنين ، وفي الرابعة يعلماه الشهادة بالرسالة ؛ وفي الخامسة يوجهاه إلى القبلة ويأمراه بالسجود . . . «فإذا تمّ له ست سنين عُلّم الركوع والسجود حتى يتم له سبع سنين . فإذا تمّ له سبع سنين قيل له : إغسل وجهك وكفيك ، فإذا غسلهما قيل له : صلِّ»(٤) .

دعاء الطفل :

إن العبادات التمرينية للطفل ، ودعاءه ووقوفه بين يدي الله تعالى ، يترك أثراً عظيماً في نفسه . قد لا يفهم الطفل العبارات التي يؤديها في أثناء الصلاة ، ولكنه يفهم معنى التوجه نحو الله ، ومناجاته ، والإِستمداد منه ، بكل جلاء . إنه ينشأ مطمئن البال مستنداً إلى رحمة الله الواسعة وقدرته العظيمة .

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ، تعريب : عادل شفيق ص ١١٠ .

(٢) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٢ ص ٣ .

(٣) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ١ ص ١٧١ .

(٤) مكارم الأخلاق للطبرسي ص ١١٥ .

١٥٠

هذا الاطمئنان والإِستناد ، والإِلتجاء نحو القدرة اللامتناهية أعظم ثروة للسعادة في جميع أدوار الحياة ، فهو يستطيع في الظروف الحرجة أن يستفيد من تلك القدرة العظيمة ويطمئن إليها ، ويبقى محتفظاً على توازنه واعتداله في خضّم المصاعب والمشاكل . . . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(١) .

«لتحصيل الكمال النفسي لا يلزم أن لا يكون الإِنسان عالماً أو ذكياً ، بل يكفي أن يكون مختاراً لذلك . . . يكفي أن يختلي كل فرد منا كل يوم صباحاً ومساءً لبضع دقائق ، بعيداً عن الضوضاء ويجعل ضميره حكماً في تصرفاته فيعرف أخطاءه ويخطط لسلوكه . وفي هذه الفرصة يجب أن يتوجه إلى الدعاء إن كان يعرف ذلك فللدعاء أثره حتى ولو لم يكن هذا الأثر ذلك الذي نريده . ولهذا يجب تعويد الأطفال منذ البداية على أن يقضوا فترات قصيرة في سكوت وهدوء خاص للدعاء ومن توفق لذلك مرة واحدة يستطيع أن يصل إلى العالم الهادىء الذي يفوق الصور والكلمات المألوفة متى شاء . . . عند ذاك يزول الظلام تدريجياً ، ويظهر إشعاع خلاق يهدي صاحبه إلى الطريق الأمثل»(٢) .

مثال الانسان الكامل :

إن أعلى مثال للإِنسان الكامل ، والفرد المؤمن من نجده في مولى الموحدين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، ذلك الرجل العظيم الذي يصادف اليوم ذكرى استشهاده ، تلك الشخصية الفذة التي عجز الدهر أن يلد مثله ، ذلك الإِنسان الذي لم يستطع تعاقب الأعوام والقرون أن يمحو حرفاً واحداً من اسمه الكبير ، أو يسلّمه إلى عالم النسيان .

علي بن أبي طالب مع ألمع النجوم الساطعة في سماء الإنسانية . ان

____________________

(١) سورة الرعد ؛ الاية : ٢٨ .

(٢) راه ورسم زندگي ص ٩٨ .

١٥١

حياته تكشف لنا عن جانب عظيم من التقوى والفضيلة ، والعدالة والشجاعة والتضحية والجود ، والثبات والإِستقامة ، وبصورة موجزة جميع الفضائل والسجايا الحميدة . لقد سلك علي عليه‌السلام جميع مدارج الكمال ونال الشرف العظيم في هذا المجال .

لقد تربّى علي عليه‌السلام في حجر الرسول الأعظم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وخضع منذ الصغر للرقابة التربوية الدقيقة المليئة بالدفء والحنان والعف من قبل النبي العظيم . وقد منحه جميع ما يحتاجه طفل لائق في تربيته وتنمية روحه وجسمه . . . فنشأ عليه‌السلام عظيماً من كل جانب .

كان عمر علي عليه‌السلام عشر سنوات عندما بعث الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدعوة الإِسلامية . فعرض الرسول الإِسلام على الصبي الفطن العاقل ودعاه لاعتناق ذلك الدين السماوي . فآمن علي عليه‌السلام وصار هو وخديجة زوجة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أول مسلمين إتبعا محمداً واعتنقا دينه وقبلا دعوته . . . وتكونت نواة الدعوة الإِسلامية من هذا الثالثوث المقدس .

في المراحل الأولى من الدعوة لم يكن ليطرق الأسماع نبأ الدين الجديد فكان الجميع يجلهون عن دين الله الذي أتىٰ به محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل شيء . . إلا أنهم كانوا يرون شاباً يقف للصلاة بين يدي الله ، ويقف إلى يمينه صبي ، ومن خلفهما امرأة . فإذا ركع الشاب ركعا معه ، وإذا سجد سجدا وفي بعض المرات رأى أحد كبار العرب هذا المنظر وتعجب منه فقال للعباس بن عبد المطلب الذي كان حاضراً هناك : أمر عظيم !

فقال العباس : أمر عظيم ! أتدري من هذا الشاب ؟ هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ـ ابن أخي ـ أتدري من هذا الغلام ؟ هذا علي بن أبي طالب ـ ابن أخي ـ أتدري من هذه المرأة ؟ هذه خديجة بنت خويلد ، إن ابن أخي هذا حدثني أن ربه رب السماوات والأرض ، أمره بهذا الدين الذي هو عليه . ولا والله ما على ظهر الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة(١) .

____________________

(١) الإِرشاد للشيخ المفيد ص ١٣ .

١٥٢

إن دافع علي عليه‌السلام لهذه المؤاساة هو الإِيمان بالله . لقد سيطر الحبّ الإِلٰهي على جميع جوانحه وجوارحه ، فيؤمن بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويعتنق الدين الذي بشر به ، ويدافع عن ذلك الدين دفاعاً مستميتاً . . . في ذلك الظرف الحاسم والجو الخطر تتجه الأخطار والمشاكل المتوالية نحو النبي وتهدده فينبري علي للدفاع عنه مستخدماً جميع قواه وطاقته . وكلما كثر المسلمون وزاد عددهم ، وأقبلوا على إعتناق دين الله زرافات ووحداناً ، إزداد حنق المشركين وعداءهم ، ومضوا في التصميم لدحر الدين الجديد وقتل النبي المبشر به أكثر . فيضطر الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للهجرة إلى المدينة ، فيهاجر علي أيضاً ، يلازم النبي في مشاكله قبل الهجرة وفي غزواته بعدها ، مدافعاً عن دين الله ، ومدافعاً عن رسوله العظيم . . . ثم هو يقول : «والله ما زلت أضرب بسيفي صبياً حتى صرت شيخاً»(١) .

شجاعة علي :

لقد كانت تضحيات الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام تسير جنباً إلى جنب مع شجاعته وشهامته ، وتبرهن على ثباته واستقامته حتى قال : «ما ضعفتُ ولا جبنتُ»(٢) . إن من ينشأ على الإِيمان والإِستقامة ، ويستند في جميع أموره إلى القدرة الإِلٰهية اللامتناهية لا يخاف أبداً ولا يجبن في موقف مهما كان حرجاً .

لقد شهدت أيام خلافة الإِمام عليه‌السلام في الكوفة موجة من الاضطرابات والفتن ، وفي بعض الأحيان كان يصمم الحزب المجرم المتمثل في (الخوارج) في وضع خطة لاغتيال الإِمام ، ومع ذلك فقد كان يخرج في أواخر الليل إلى نقطة هادئة من المدينة ويناجي ربه . وكان يخرج (قنبر) الخادم الوفي وراءه حاملاً سيفه مختفياً عن أنظار الإِمام . وفي إحدى الليالي نظر علي عليه‌السلام إلى خلفه فرأى قنبر . . . .

____________________

(٢) المصدر السابق ص ١٣٦ .

(٣) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١٠٢ .

١٥٣

فقال له : يا قنبر ما لكَ ؟ .

قال : جئت لأمشي خلفك ، فان الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين فخفت عليك .

فقال له الإِمام : إن أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئاً إلا بإذن الله عز وجل ، فارجع . فرجع(١) .

الايمان والنفس المطمئنة :

إن علياً عليه‌السلام رجل الله ، ومعتمد على ذات الله عز وجل . ومن كان معتمداً على الله كان ذا نفس مطمئنة وروح هادئة ، لا طريق للاضطراب والقلق إلى ضميره . إنه يختلي بربه كل ليلة ، في مكة والمدينة في الكوفة والبصرة ، في المدينة والصحراء . . . الأمر سواء عنده . إنه يخصص ـ أينما كان ـ ساعة من أواخر الليل لمناجاة ربه ، والتكلم معه بخشية وتضرع ، وبكاء وخشوع . . . يتكلم بكلمات منبعثة من أعماق القلب ، ويسأل الله العون والمدد لجعل قلبه النير أكثر إشعاعاً ، وضميره الطاهر أكثر صفاء .

لقد كانت الثورة الباطنية والتحولات الروحية التي تطرأ على الإِمام علي عليه‌السلام في مناجاته مع ربه على درجة من الدقة والعمق بحيث يعجز العقل عن إدراكها ، ويقصر اللسان عن وصفها . وكان يصادف أن يطلع عليه أحد فيرى ما هو فيه من الفناء في ذات الله والتوجه نحوه فيصف بعض ذلك بعبارات تقصر عن بيان الحقيقة ، فيقول أحدهم :

«إذ نحن بأمير المؤمنين في بقية الليل ، واضعاً يده على الحائط شبيه الواله»(٢) .

ويقول آخر : «فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرك . فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، مات والله علي بن أبي طالب»(٣) .

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٩ ص ٥٠٨ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٩ ص ٥١٣ .

(٣) نفس المصدر ج ٩ ص ٥١٠ .

١٥٤

الحكومة وإقامة الحق :

إن الطاقة العظيمة التي دفعت علياً عليه‌السلام منذ الصغر نحو أعلىٰ مدارج الكمال الإِنساني هي إيمانه بالله ، فقد كان تحقيق مرضاة الله والإِنقياد لأوامره الهدف الماثل نصب عينيه ، وكان يوجه حركاته وسكناته طبقاً لذلك الهدف المقدس . لقد خضعت جميع مشاعر الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام لإِطار الإِيمان . . . . وعليه فقد كان يقيم وزناً للمال والجاه ، والعاطفة ، والحياة ، ولكل شيء في حدود مرضاة الله .

وعندما جلس على كرسي الخلافة وأصبح الحاكم الأعلىٰ للأمة لم يكن يهدف إلى المقام والجاه أو ضمان الغذاء واللباس والمسكن والمركب الفاخر لنفسه ، بل كان هدفه الأول والأخير تحقيق مرضاة الله وإحقاق الحق وإقامة العدالة بين الناس .

«قال عبد الله بن عباس : دخلت على أمير المؤمنين عليه‌السلام بذي قار وهو يخصف نعله . فقال لي : ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت : لا قيمة له . فقال عليه‌السلام : والله لهي أحب إليّ من إمرِتكم إلّا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً»(١) .

أجل فإن إقامة الحق وتحقيق العدالة ، إنقياد لأوامر الله تعالى ، وهذا واجب مفروض على كل فرد مؤمن .

التألم من الظلم :

لقد كان علي عليه‌السلام يبدي ثباتاً منقطع النظير أمام الحوادث والمشاكل الجمة التي كانت تواجهه ، وكان يظهر من الجلَد والصبر تجاه الآلام ما يفوق الوصف ، لكنه كان يتألم من تجاوز الغاصبين واعتداء المعتدين ، ويتأثر كثيراً لأنين المظلومين . فعندما بلغه نبأ غارة جنود معاوية على الأنبار ، وقتل والي الإِمام عليها (حسان بن حسان البكري) ، ونهب حلي النساء ، وهتك أعراضهن سواء منهن المسلمات والمعاهدات . . . تألم لذلك كثيراً وخطب في قومه

____________________

(١) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ١٠٢ .

١٥٥

خطبة عظيمة ابتدأها بذكر وجوب الجهاد وفوائده ، وذم التقاعس والتماهل إلى أن قال : «فلو أن امراءً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً ، بل كان به عندي جديراً»(١) .

وصيته على فراش الموت :

لقد أضعفت ضربة السيف المسموم الإِمام عليه‌السلام وطرحته على فراش الموت ، وأفقدت عينيه بريقهما ، وخفتَ صوته . . . بينما كانت روحه الطاهرة وضميره النيّر في أتم الإِشعاع . . يتكلم ، يوصي أولاده ، كل جملة من وصاياه درس عظيم للمجتمع البشري . ومن جملة ما أوصىٰ به أن أكد على حماية الضعيف ومقاومة الظالم فقال : «وكونوا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً»(٢) .

ومن هنا نفذ حب علي عليه‌السلام إلى قلوب الأصدقاء والأعداء . وها هي حياته صفحة مشرقة في غرة الدهر ، وجبين الإِنسانية . . . تحتذي به في كل صغيرة وكبيرة أملاً في النجاح والتقدم .

____________________

(١) نفس المصدر ص ٨٦ .

(٢) نهج البلاغة ، شرح الفيض الاصفهاني ص ٩٦٨ .

١٥٦

المحاضرة الثانية والعشرون

عقدة الحقارة

قال الله تعالى في كتابه العظيم : ﴿. . . وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ(١) .

تهدف المناهج الدينية والعلمية في تربية الطفل إلى الإِهتمام بجسده وروحه إهتماماً بالغاً . وكما أن جسد الطفل وروحه مرتبطان إرتباطاً وثيقاً فان الصلة وثيقة أيضاً بين تربيته البدنية والروحية . وكما أن الحالات النفسية تؤثر في الجسم ، والجسد يؤثر في الروح ، فان العناية بصحة الجسم أو إهمالها تترك أثراً مماثلاً على الوضع الروحي والعكس بالعكس . وكما أن جسد الصبي يصاب بالإِنحراف نتيجة النقصان في المواد الغذائية أو الإِفراط فيها كذلك روحه فانها تصاب بالإِنحراف نتيجة النقصان في الحنان والعناية أو الإِفراط في ذلك .

يجب عن الآباء والأُمهات الذين يأخذون على عاتقهم تربية أطفالهم أن يهتموا في جميع مراحل حياة الطفل إلى المصالح الجسمية والروحية جنباً إلى جنب ، ويحاول إرضاء الغرائز التي تعلق بها حسب منهج مستقيم .

____________________

(١) سورة الحجرات ؛ الآية : ١١ .

١٥٧

الاحساس بالحقارة :

الإِحساس بالحقارة أحد الحالات النفسية الشاذة التي قد تصيب الإِنسان منذ الأدوار الأولى من حياته . فان اشتدت هذه الحالة الروحية وأوغلت في الضمير الباطن ظهرت بصورة عقدة نفسية ربما جرت وراءها سلسلة من الآثار الوخيمة والنتائج المؤلمة والمآسي الكثيرة .

«عندما يستمر الصراع الروحي بين شخص ما وعقدة معينة فان الأعصاب تفقد قدرتها بالتدريج ويصاب الإِنسان بمرض خاص . من الواضح أن هذا الضعف الحاصل في الأعصاب نتيجة للإِلتهابات والإِثارات الروحية ، وليس وليد الضعف الصحي . أي أنه رد فعل روحي قبل أن يكون رد فعل جسمي . ولذلك فأنه لا يعالج بالتنزه واستعمال الأدوية والعقاقير . . . فكل علاج لا يعدو أن يكون مؤقتاً ، إلا أن يحدث تغيير جدري في أسلوب تفكير الشخص» .

«في خضم هذا الوضع ، يبلغ الصراع الروحي في الإِنسان درجة لا تستطيع الأعصاب معها أن تقاوم ، فهي قد استنفذت قدرتها على المقاومة ، وتكون النتيجة أن يصاب الإِنسان بالصرع والرعشة العصبية» .

«إن العوارض الظاهرية لهذه الحالة المضطربة عبارة عن إنقباض العضلات والأرق والضعف المفرط . . . وإذا حاولنا البحث عن رابطة العلية والمعلولية لهذه الظواهر فإن جذورها توجد في حوادث دور الطفولة أو الحوادث القريبة الوقوع . لا شك في أن إكتشاف علة ذلك أمر عسير جداً لأنه يقع بواسطة تمحيص القوى الباطنية للمريض فقط . وأحياناً نجد جذوره في الإِستياء من تحقير سابق أو مخافة مجابهة ذلك . وفي أحيان أخر توجد جذوره في الخوف من إنهيار الشخصية وفقدان السمعة»(١) .

____________________

(١) عقدة حقارت ص ٣١ .

١٥٨

إنهيار الشخصية :

إن الحوادث المؤلمة والخواطر المرة التي تحطم شخصية الفرد ، وتوجه ضربة قاصمة إلى أنانيته وغروره الذاتي تؤدي إلى إحساسه بالحقارة . قد يولد الإِحساس بالحقارة على أثر الإِهانة أو الضرب المبرح ولكنه يزول بعد عدة ساعات أو بضعة أيام . . . في حين توجد عوامل ثابتة ورصينة تتسبب أحياناً في إيجاد الشعور بالحقارة فينفذ هذا الشعور إلى الأعماق ، ثم يتحول إلى عقدة الحقارة ويلازم المريض بصورة مرض مزمن .

هناك عوامل وأسباب كثيرة تتسبب في إيجاد هذه العقدة النفسية . من ذلك : العاهات العضوية ، والنقائض التربوية .

«يرى (آدلر) أن عقدة الحقارة توجد في الغالب عند ثلاث طوائف من الأشخاص :

١ ـ ذوو العاهات العضوية ، أي الأفراد المصابون بنقص عضوي منذ الطفولة . هذا النقص يتسبب في أن يرى الطفل نفسه دون مستوى الآخرين دائماً ، وهذا ما يلاحظ بوضوح عند الطفل المصاب بشلل ، فانه يحرم من اللعب مع مجموعة الأطفال» .

«٢ ـ الأفراد الذين يخضعون منذ الصغر إلى رقابة مشددة من قبل الوالدين ، ويمكن تقسيم هذه الطائفة بدورها إلى صنفين :

أ ـ الأطفال المدللون ـ وهم الذين يقابَلون بالحنان المفرط والعناية البالغة لإِنفرادهم واستئثارهم بمحبة الوالدين .

ب ـ الأطفال المكبوتون ـ وهم الذين يلاقون ضغطاً شديداً ، وكلما حاولوا إثبات وجودهم وجدوا الكبح والقمع من الكبار الذين يضطرونهم للسكوت والتزام الصمت» .

«٣ ـ الأطفال المهملون ، فالأطفال الذين كان نصيبهم من العناية قليلاً منذ الصغر يشعرون بأنهم أفراد تافهون في المجتمع ، عديمو

١٥٩

الفائدة»(١) .

العاهات العضوية :

إن من أعظم النعم الإِلٰهية سلامة ولادة الطفل . فالطفل الذي يتولد سالماً طبيعياً ، ذا روح مستوية وهندام منسجم يكون قد نال ٥٠ % من سعادته حين ولادته . وإنسان كهذا يملك من ناحية البناء الطبيعي ، واعتدال الخلقة ، روحاً هادئة وفكراً مطمئناً . أما الطفل الذي يتولد أعمىٰ ، أو أصم ، أو أشلّ ، وبصورة عامة يكون ذا عاهة عضوية عند ولادته ، أو تصادفه حوادث تفقد بعض أعضائه أو تقف في سبيل نموه الطبيعي ، فانه يكون شقياً ومتذمراً ، يحس بالحقارة والضعفة في نفسه ، وأخيراً يصاب بعقدة الحقارة . وبعبارة أُخرى فانه كما تتسبب العيوب والعاهات العضوية حين الولادة في نشوء عقدة الحقارة عند الإِنسان ، كذلك العمى والصمم والبكم الحاصل للإِنسان بعد أعوام من البصر والسمع والتكلم .

قال علي عليه‌السلام : «اللهم اجعل نفسي أول كريمة تنتزعها من كرائمي ، وأوّل وديعة ترجعها من ودائع نعمك عندي»(٢) ويعني هذا أن يبقى سالماً عن العوارض والعاهات حتى الموت .

وللإِمام الحسين عليه‌السلام من دعائه في عرفات : «ومتعني بجوارحي واجعل سمعي وبصري الوارثَين مني»(٣) أي تحفظني من العمى والصمم والعاهات العضوية إلى آخر يوم من عمري .

«هناك أطفال يعيشون في ألم مستمر لضعف أو نقص في أجسامهم . هذا النقص يشمل مختلف الحالات كظهور خال أو بقعة صغيرة في وجه فتاة حسناء ، أو تقوس الساقين ، أو إنحناء العمود الفقري وغير ذلك» .

____________________

(١) روح بشر ص ٢٤٠ .

(٢) نهج البلاغة ، شرح الفيض الأصفهاني ص ٦٧٠ .

(٣) بلاغة الحسين ـ دعاؤه في عرفات .

١٦٠