🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٣٨٤
🚖 الجزء ١ 🚖 الجزء ٢
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

إن الطفل الذي يربّيه نبي الإِسلام في حجره ويحيي شخصيته النفسية ، يعتقد بسمّو مقامه ولا يرضى التكلم بذلة وحقارة .

استغلال الفرص :

نستخلص من مجموع الأحاديث المتقدمة أنّ على الآباء والأُمهات من الناحية الدينية والعلمية أن يستغلوا جميع الفرص في سبيل إحترام الأطفال وإحياء شخصياتهم ، ويحذروا القيام بما من شأنه تحقيرهم وتحطيم شخصياتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة . لأن احتقار الأطفال يؤدي إلى إصابتهم بعقدة الحقارة التي قد تلازمهم مدى العمر ، وتنحرف بهم عن الصراط المستقيم فيقدمون على الأعمال الإِجرامية المختلفة .

كسب قلوب اليتامى :

واليوم هو التاسع عشر من شهر رمضان ، وهو يوم علي بن أبي طالب عليه‌السلام . ولا بأس بأن نختم حديثنا هذا بذكر مثلٍ من سلوك ذلك الإِمام العظيم تجاه اليتامى وكسب قلوبهم .

لقد رأى الإِمام علي عليه‌السلام امرأة في بعض الطرقات تحمل قربة من الماء ، فتقدم لمساعدتها وأخذ القربة وأوصلها إلى حيث تريد . وفي الطريق سألها عن حالها . فقالت : إن علياً أرسل زوجي إلى إحدى النواحي فقتل . وقد خلف لي عدة أطفال لا أقدر على إعالتهم ، فاضطررت للخدمة في بعض البيوت . فرجع علي عليه‌السلام وأمضى تلك الليلة من منتهى الإِنكسار والاضطراب . وعند الصباح حمل جراباً مملوء بالطعام واتجه إلى دار المرأة . في الطريق كان بعض الأشخاص يطلبون منه أن يحملوا الجراب عنه فيقول لهم : من يحمل عني أوزاري يوم القيامة ؟ وصل إلى الدار وطرق الباب . فقالت المرأة : من الطارق ؟

قال : الرجل الذي أعانك على حمل القربة البارحة . لقد جئت ببعض الطعام لأطفالك .

١٠١

فتحت الباب وقالت : رضي الله عنك ، وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب .

فقال لها : أتخبزين أم تُسكتين الأطفال فأخبز ؟

قالت : أنا أقدر على الخبز ، فقم أنت بإسكات الأطفال .

فأخذت تعجن الدقيق ، وأخذ علي عليه‌السلام يخلط اللحم بالتمر ويطعم الأطفال منه ، وكلما ألقم طفلاً لقمة قال له بمنتهى اللين والرفق : يا بنيّ ، إجعل علي بن أبي طالب في حِلّ .

استوى العجين ، فأوقد علي عليه‌السلام التنور . وفي الأثناء دخلت امرأة تعرفه ، وما رأته حتى صاحت بوجه صاحبة الدار : ويحك ! هذا أمير المؤمنين .

فبادرت المرأة وهي تقول : واحيائي منك يا أمير المؤمنين !

فقال : بل واحيائي منكِ يا أمة الله في ما قصرت في أمرك(١) .

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٩ ص ٥٢٠ .

١٠٢

المحاضرة العشرون

العقل والعواطف ـ تنمية عواطف الطفل

قال الله تعالى في كتابه العظيم : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ(١) .

العواطف :

تمثل العواطف والمشاعر أهم الفطريات الإِنسانية التي رُشت بذورها الأولى في طبائع جميع الناس بالقدرة الإِلٰهية . والميول العاطفية تبدأ بالظهور منذ الأسابيع الأولى بصور متفاوته وتستمر كذلك حتى نهاية العمر . إن العواطف والمشاعر تسيطر على جميع شؤون الإِنسان مدى عمره . وبالإِمكان معرفة درجة رقي الأمة وتقدمها أو إنحطاطها وتخلفها عن طريق مشاعر تلك الأمة . فهناك إلى جانب العقل طاقة جبارة أُخرى هي العواطف والمشاعر ، والتي بإمكانها أن تطفىء جذوة العقل وتدحره بالرغم مما هو عليه من قوة وسلطة .

«إن النشاط العقلي ظاهر وغير ظاهر في وقت واحد . في الكومة المتدفقة لحالاتنا الشعورية الأُخرى . . . إنه وسيلة من كياننا ، وهو متغير مثلنا أيضاً . ويمكننا أن نقارنه بشريط سينمائي يسجل المراحل المتعاقبة لقصة على سطح يختلف في درجة حساسيته من

____________________

(١) سورة النحل ؛ الآية : ٩٠ .

١٠٣

نقطة لأُخرى . . . بل انه أكثر ترادفاً للوديان والتلال التي تحدثها موجات المحيط العاتية والتي تعكس بطريقة مختلفة السحب التي تعبر السماء . فالعقل يبرز مرئياته فوق الشاشة الدائمة التغيير لحالاتنا المتأثرة لآلامنا ومباهجنا ، لحبنا وبغضنا . ولكي ندرس هذه الناحية من أنفسنا فاننا نفصلها صناعياً عن الكل غير المنظور . وفي الحقيقة إن الشخص الذي فكر ويلاحظ ويتعقل يكون في وقت واحد ، سعيداً أو تعساً ، مضطرباً أو مطمئناً ، منتعشاً أو منقبض الصدر ، بوساطة شهواته وبغضائه ورغباته . ومن ثم تتخذ الدنيا مظهراً مختلفاً في نظره تبعاً للحالات المؤثرة والفسيولوجية التي تتحرك في مؤخرة الشعور في أثناء النشاط العقلي . . . إن كل إنسان يعرف أن الحب والكراهية والغضب والخوف تستطيع أن تشيع الاضطراب حتى في المنطق . . . ولكي تظهر هذه الحالات الشعورية نفسها فانها تحتاج إلى إحداث تعديلات معينة في المبادلات الكيميائية . ولكما إزدادت شدة الاضطرابات العاطفية أصبحت هذه المبادلات أكثر نشاطاً . ونحن نعرف أن المبادلات الكيميائية على العكس من ذلك ، أي لا ينتابها أي تعديل بسبب العمل العقلي ، والوظائف المؤثرة ليست شديدة القرب من الوظائف الفسيولوجية ، إنها تمنح كل مخلوق حي مزاجه . . . ويتغير المزاج من شخص لآخر و من جنس لآخر . . . إنه مزيج من الخصائص العقلية والفسيولوجية والتكوينية . . . إنه الإِنسان ذاته . وهو مسؤول عن ضعفه أو اعتداله أو قوته»(١) .

الفرق بين العقل والعاطفة :

يختلف العقل عن العاطفة في جوانب عديدة ، ويقع على عاتق كل

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ، تأليف : ألكسيس كارل ، تعريب : عادل شفيق ، ص ١٠٤ .

١٠٤

منهما دور معين في ضمان سعادة الإِنسان . وها نحن نتعرض في هذه المحاضرة إلى بعض جوانب الاختلاف بينهما بصورة موجزة .

يعتبر العقل بمثابة قاضٍ عادل وعالم ، جالس في غرفة مغلقة ، ومحيط هادىء ، يطالع الأضابير بدقة ويتفهم محتوياتها بصورة متقنة ، ويقيس جميع جوانب القضية ثم يصدر الحكم . أما العواطف فهي تمثل الجهاز التنفيذي للسلطة القضائية . ليس واجب الجهاز التنفيذي تمحيص الأدلة والبينات ، بل على العواطف أن تنفذ الأحكام العقلية عندما تكون منقادة للعقل .

إن أحكام العقل قائمة على أساس الاستدلال والبرهنة . وإن موافقته أو مخالفته ، ونقضه أو إبرامه . . . كل ذلك يعتمد على المحاسبة الدقيقة والاستدلال المنطقي . أما العواطف فلا شأن لها بالمحاسبة ، ولا تفهم المنطق ولا تركن إلى الاستدلال . العواطف عبارة عن العشق فقط ، والإِندفاع والثورة وحسب . . . إن قلب الأم يطفح بحب الولد ، فحبه نافذ إلى أعماق روحها ، وترى ولدها قطعة من كبدها ، وتعتبر حياته حياتها ، وأبسط حادثة مؤلمة له تعدّ مصيبة عظيمة لها ، ولكن الأم لا تملك في حبها هذا وحنانها ذاك دليلاً عقلياً أو علمياً ، إن حنانها لا يستند إلى المنطق والتفكير ، إنها أم وحسب ، وتحب ولدها بعاطفة الأمومة . كذلك حب العاشق وولهه لا يستند إلى الاستدلال العلمي والمحاسبة المنطقية ، إنه لم يعشق على طبق معادلات رياضية أو استنتاجات عقلية ، إن الحديث معه في طريق الحب عن العلم والمنطق والدليل خطأ فظيع . إذا أن العاشق لا يفهم دليلاً ، ولا يدرك عقلاً ولا منطقاً ، أنه عاشق . . . إنه ولهان . . . إن روحه تحترق بنار الحب . . . يأوي إلى الفراش على أمل الحبيب ، وينهض من فراشه على رجاء لقائه .

إن العقل على ما هو عليه من الأهمية والقيمة في طريق التقدم والرقي يشبه العلم والعدالة في أنه باهت وقاسٍ ، أما العواطف فهي ينبوع الإِندفاعات والحوافز ، وبركان الحرارات والإِشعاعات ، وأساس الصداقات والعداوات . يستطيع الإِنسان بعقله وفكره أن يسيطر على العالم ويسخر الكون ، ويستخدم

١٠٥

البحر والصحراء والجو ، والمعدن والنبات والحيوان لصالحه وتسهيل سبل العيش لنفسه . إن أعظم الطاقات التي تفصل بين الإِنسان وجميع الحيوانات وتمنحه هذه المنزلة من العظمة والشموخ هو العقل فالعقل هو المشعل الوضاء والمرشد القدير الذي يميز للإِنسان الخير من الشر ، والطريق الصحيح من المتاهة . . . لكن الطاقة التي تحرك الإِنسان في الطريق الصحيح أو المتاهة ، والقوة التي تحفّز في نفس الإِنسان دوافع الخير أو الشر هي العواطف . إن المحيط الذي يعيش فيه الإِنسان يكتسب الدفء والحرارة من العواطف ، وإن التحركات الإِجتماعية تنبع من المشاعر الداخلية للناس . . . فجميع مظاهر الشدة واللين ، والحروب والجرائم ، التضحية والإِيثار تنشأ من العواطف و المشاعر .

«يستخدم العقل المعلومات الواصلة إليه عن العالم الخارجي بواسطة الحواس ويهيء لنا وسائل عملنا في هذه الدنيا . إنه يزيد في قوة إدراكنا وشدة سيطرتنا بصورة عجيبة بفضل ما يمنحنا من اكتشافات جديدة . إنه يصنع لنا التلسكوبات العظيمة في كاليفورينا وجبل ولسن ، التي تطلعنا على عوالم تبعد عنا ملايين السنين الضوئية ، ومن جهة أُخرى يمدنا بالميكرسكوبات الألكترونية التي يمكننا بواسطتها البحث عن عالم اللامرئيات ، وهذا مضافاً إلى الآلات التي يمدّنا بها في العمل في أشياء متناهية في الكبر ، وأشياء متناهية في الصغر ، وفي تهديم العمارات الضخمة التي تمثل عظمة التقدم الفني والمعماري خلال بضع دقائق ، وفي إجراء العمليات الجراحية على الخلايا المعزولة ، وتحطيم الذرة» .

«العقل صانع العلم والفلسفة فعندما يكون متزناً يصبح مرشداً جيداً ، ولكنه لا يمنحنا الشعور بالحياة والقدرة على العيش فهو لا يعدو أن يكون مظهراً من مظاهر النشاطات النفسية فإذا نما لوحده ، بعيداً عن العواطف أدّى إلى تفريق الأفراد وإخراجهم من حيز الإِنسانية» .

١٠٦

«إن المشاعر والأحاسيس غالباً ما تنشأ من الغدد الداخلية وأعصاب السمپاثيك ، والقلب ، وقلّما تستمد رصيدها من المخ ـ إن الشوق والشجاعة والحب والحقد عوامل تدعونا إلى تنفيذ الخطة التي رسمها العقل . وكذلك الخوف والجبن والغضب فانها تكشف عن مدى الجرأة على الإِقدام عند الشخص ، والتي تؤثر بواسطة أعصاب السمپاثيك على الغدد وهذه بدورها تقوم بإفرازات توجد فينا الحوافز المختلفة للدفاع أو الفرار أو الهجوم . وهكذا تعمل الهييوفيزوثايروئيد والغدد الجنسية وفوق الكلوية لتحقيق الحب ، أو الحقد ، أو الإِيمان ، أو الجحود في نفس الشخص ، وهذه الأعضاء هي التي تضمن بقاء الجماعات البشرية بواسطة النشاطات التي تصدرها . إن المنطق وحده لا يكفي لاتحاد الأفراد ولا يستطيع دفع الإِنسان نحو الحب أو إثارة نائرة الحقد فيه» .

«إن العقل ينظر إلى الحياة الظاهرية ، أما الأحاسيس فانها على العكس من ذلك تهتم بالحياة الباطنية . وكما يقول (پاسكال) فإن للقلب دلائل وبراهين لا يفهمهما المنطق ، إن النشاط غير العقلاني للروح المتمثل في العواطف هو الذي يمنحنا الطاقة والفرح ، ويهب بعض الأفراد القابلية على الخروج من إطارهم المحدود للإِتصال بالآخرين ، وتوثيق العلاقات معهم ، والتضحية في سبيلهم»(١) .

العدل والاحسان :

لا شك في أن كلا من هاتين الطاقتين العظيمتين : العقل والعاطفة يلعب دوراً فعالاً ومستقلاً في ضمان سعادة الإِنسان ورفاهه . إن الإِنسان يستطيع بلوغ

____________________

(١) راه ورسم زندگى ، تأليف : ألكسيس كارل ص ١٣٠ .

١٠٧

الكمال اللائق به متى ما استفاد من هاتين الطاقتين العظيمتين معاً بصورة صحيحة وحسب مقياس سليم : «إن الله يأمرُ بالعدلِ والإِحسان» .

في هذه الآية الكريمة قارن الله تعالى بين إقامة العدل ، والإِحسان في جملة واحدة وأمر الناس بها بصيغة واحدة . العدل وليد العقل ، والإِحسان وليد العواطف .

إذا كان مجتمع ما يحكمه العدل فقط ولا يوجد فيه أثر للحب والعطف فإن الحياة تصبح باهتة وهامدة . . . لا أثر هناك للصداقة والمحبة ، والسخاء والعفو ، والرأفة والرحمة ، ولا تشمّ من ذلك المجتمع رائحة للتعالي الروحي والتكامل النفسي ، ولا حسنات الأخلاق والعواطف . . . الحياة في مثل هذا المجتمع تصبح جحيماً لا يطاق . يستحيل في هذه الظروف أن ينال الأفراد الكمال اللائق بهم ، لأن العواطف تشكل جانباً مهماً من الفطريات الإِنسانية ، ويجب أن تنال حصتها من التنمية والعناية كسائر الذخائر الطبيعية وذلك حسب شروط وعوامل معينة .

وإذا كان مجتمع ما تحكمه العواطف فقط ، ولا أثر فيه للعدالة والقانون فإن الحياة تتحول إلى فوضى وشغب . . . وتصبح جحيماً لا يطاق أيضاً . في مثل هذا المحيط تصبح ميول الأقوياء وشهواتهم هي الحاكمة المطلقة ، وتكون حياة الأفراد أشبه بحياة الوحوش والبهائم . . . الأقوياء يتجاوزون على حقوق الضعفاء ، وعلى الناس أن يتوطنوا لكل ذلة وهوان في سبيل تحقيق أهواء المالكين بزمام الأمر .

على المجتمع أن يستفيد من العقل والعواطف ، والعدل والإِحسان جنباً إلى جنب ، فيستخدم كلا في محله . وعلى سبيل الشاهد نذكر المثال التالي :

العدالة وجزاء المعتدي :

العقل يستنكر التصرف العدواني لشخص على حقوق الآخرين . ولضمان

١٠٨

الاستقرار المالي للدولة تضع الحكومة قوانين خاصة تعاقب المعتدين بموجبها . والقاضي الشريف والعادل هو الذي يراقب القانون في مقام القضاء فلا تؤثر فيه الرقة والرحمة ، ولا تدفعه العواطف والوساطات نحو الإِنحراف عن الصراط المستقيم الذي خطته العدالة .

يتساوى الرجل الثري والقوي الذي يتصرف في أملاك الناس بصورة عدوانية ، والأرملة التي تدخل دار غيرها في فصل الشتاء فراراً من سياط البرد اللاذعة بغية الحفاظ على أطفالها الأيتام ، في نظر القانون وأمام محكمة القضاء . فالقاضي يعتبرهما معتديين وغاصبين ، ويخرجهما من الدار المغصوبة . عندما يُخرج القانون هذه الأرملة وأطفالها الصغار من الدار ويُسلّمهم إلى البرد القارص تظهر صورة مؤلمة للعيان ، فتثور عواطف المارة ، ويتألمون لهم ، وربما أخذوهم إلى بيوتهم واعتنوا بهم . إن العدالة هي التي أخرجت المرأة المسكينة وأطفالها من الدار ، والعاطفة هي التي آوتهم واعتنت بهم . العدالة جافة وبهتة ، لا تملك عاطفة ولا تفهم معنى للرقة والرحمة ، تفقد الدموع والآهات ، والأنين والإِستغاثة أثرها في حريم القضاء . إن القاضي الناجح هو الذي يراقب تطبيق القانون وحسب . ولكن العواطف هي التي تمنحنا الدفء والحنان ، وتفيض بالرقة والرحمة ، هي التي تحتضن الأطفال ، وتقبلهم ، وتشمهم ، وتناغيهم ، وتذرف الدموع ، وتشعر باللذة في السهر عليهم .

عندما تنعدم العدالة والقانون في المجتمع ، ويفقد القاضي عنصر الصراحة والجد في تطبيق القانون ، تمدّ أيدي الظالمين نحو حقوق الناس ، وتزلزل أساس العدالة والأمن . وعندما تنعدم العاطفة والرأفة في المجتمع ، ويتجاهل الناس معنى الرقة والرحمة ، يحرم المساكين من الحنان وينهزم الضعفاء أمام حوادث الدهر . والمجتمع السعيد هو الذي ينال حظه الوافر من كلتا الطاقتين ويستفيد من العقل والعاطفة معاً حسب المقياس الصحيح والمقدار الملائم .

١٠٩

العلم والعواطف :

العلم كالعدل في أنه وليد العقل . . . العلم يشبه الماء العذب الذي ينبع من ينبوع العقل ليسقي الحياة الروحية بالرواء . العلم أساس تكامل الإِنسان ورقيه وهو من أهم أركان سعادته . وبالإِمكان قياس رقيّ كل أمة بمستوى التقدم العلمي فيها ، وكلما كثر العلم والعلماء في دولة عظم أمرها من الناحية المعنوية وكانت في عداد الدول الراقية ، ولكن يجب أن لا ننسى أن العلم كالعدل في كونه جافاً وباهتاً ، لأنه يستند إلى المنطق والإِستدلال ، ولا أثر للعاطفة والرأفة في حريم المنطق والاستدلال .

العلم وحده لا يقنع الإِنسان ، ولا يمكن ضمان سعادته بواسطة العلم فقط . إن جانباً مهماً من الميول الفطرية للناس تتمثل في حوافزهم العاطفية التي يجب أن تخضع لرقابة مضبوطة منذ البداية ، يجب أن يساير التقدم العلمي والتنمية العقلية إستجابة لنداء المشاعر والميول العاطفية بصورة صحيحة ومفيدة ، وعلى سبيل الشاهد نأتي بمثال على ذلك :

يتمرض شخص فيؤخذ إلى المستشفى . . . يعمل جميع الأفراد المتخصصين في تمريضه ومعالجته ـ كل حسب اختصاصه ـ تستخدم جميع الأدوات والوسائل الموجودة في المستشفى لعلاجه ، تؤخذ له أشعة متعددة ، يُحلَّل دمه وبوله من جهات عديدة ، ويشخّص الداء أخيراً ويقرر القيام بعملية جراحية معينة . يبدأ العمل ، تعقم الأدوات والوسائل اللازمة في العملية حسب الأساليب العلمية . ويكون بعد ذلك التخدير ، وضخ الدم والقطع ، والخياطة ، والتعقيم ، والتضميد ، والتمريض الصحيح ، والعقاقير اللازمة ، والأطعمة المناسبة وبصورة موجزة جميع الشروط والحاجات التي يقررها آخر ما توصل إليه العلم . . . وبإنتهاء ذلك كله يكون شفاء المريض وبرءه .

إرضاء عواطف المريض :

عندما يكون المريض خاضعاً للعناية الطبية والعلمية من كل ناحية ولا يوجد أي اضطراب في أسلوب معالجته ، يحس في ضميره الباطن ، وفي زوايا

١١٠

روحه بأنه يفتقد شيئاً . إنه يثبت عينيه نحو باب الغرفة عسى ينال ما يريد . إن ما يريده ليس مما يتعلق بالدواء أو الغذاء أو ضبط الأساليب العلمية المتبعة معه ، بل إنه يفكر في إرضاء عواطفه ، إنه ظمآن إلى العطف والحنان ، إنه يتوقع أن يعوده شخص ، أن يجلب له باقة زهور ، أن يصافحه على جانب سرير المستشفى ويبتسم له ، ويُذهب عنه ما به من إنكماش .

عندما يحفّ به عدة أشخاص من أصدقائه الخلّص ، ويسألون عن حاله ، يستأنس بهم ويرتاح كثيراً ، تنفتح أساريره ، ويستعيد نشاطه ، ويحس بالحياة تدبّ في عروقه من جديد . . . هذا الإِرتياح ، والفرح ، والإِستئناس يساعد في أمر شفائه كثيراً .

إن علم الجراحة قاسٍ وشديد في حين أن العيادة تطفح بالمحبة والدفء . إن العلم الباهت والقاسي للجرّاح ومباضعه وأدويته ، أساس علاج المريض ، ولكن يجب أن يساير كل ذلك حنان ومحبة ورعاية حتى يستطيع العلم والمشاعر أن يسيرا جنباً إلى جنب لإِرضاء عواطف المريض .

قيمة الطبيب :

لم تهمل تعاليم الإِسلام القيمة لأهمية علم الطب واستشارة الطبيب التي هي الأساس في شفاء المريض ، كما لم تغفل شأن عيادة المرضى التي هي العامل الأهم لإِرضاء عواطفهم . وقد وردت نصوص كثيرة بشأن كل من الموضوعين . أما بالنسبة إلى أهمية الطبيب ودوره في بناء الكيان الإِجتماعي فقد قال الإِمام الصادق عليه‌السلام : «لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفزع إليه في أمر دنياهم وآخرتهم ، فإن عدموا ذلك كانوا همجاً : فقيه عالم ورع ، وأمير خير مطاع ، وطبيب بصير ثقة»(١) .

في هذا الحديث نجد أن الإِمام عليه‌السلام يعتبر الطبيب الحاذق أحد أركان المدنية ، وثالثة الأثافي بالنسبة إلى الحياة الإِنسانية .

____________________

(١) تحف العقول عن آل الرسول ، ٢٣١ .

١١١

وأما في موضوع استشارة الطبيب فقد قال الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «من كتم الأطباء مرضه خان بدنه»(١) وبهذين الحديثين نكتفي كشاهد على ما قلناه .

عيادة المريض :

لقد وردت نصوص كثيرة في شأن عيادة المرضى ، وقد أكد الأئمة عليهم‌السلام على هذا الأمر وبيان استحبابه كثيراً .

١ ـ عن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام أنه قال : «من أحسنِ الحسنات عيادة المريض»(٢) .

٢ ـ وأما النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يكن ليكتفي بإرضاء عواطف المرضى من المسلمين بعيادتهم ، بل كان غير المسلمين ينالون هذا الحظ العظيم منه أيضاً . فعن الإِمام علي عليه‌السلام : «إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عاد يهودياً في مرضه»(٣) .

لا شك في أن العائدين للمريض كلما أكثروا من ملاطفته وإرضاء عواطفه كان ذلك أكثر أثراً في نفسه . لقد وصفت الروايات العيادة الكاملة بوضع اليد على جبهة المريض برفق ، أو مصافحته ، وبأخذ بعض الهدايا له .

٣ ـ قال علي عليه‌السلام : «من تمام العيادة أن يضع العائد إحدى يديه على يدي المريض أو على جبهته»(٤) .

٤ ـ قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده عليه ويسأله : كيف أنت ؟ كيف أصبحت ؟ وكيف أمسيت ؟ وتمام تحيتكم المصافحة»(٥) .

٥ ـ وعن صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً : «من تمام عيادة المريض إذا دخلت عليه أن تضع

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٦٦٣ .

(٢) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ١ ص ٨٣ .

(٣) المصدر السابق .

(٤) مكارم الأخلاق للطبرسي ص ١٩٧ .

(٥) مكارم الأخلاق للطبرسي ص ١٩٦ .

١١٢

يدك على رأسه وتقول له : كيف أصبحت ؟ أو كيف أمسيت ؟»(١) .

٦ ـ عن الإِمام الصادق عليه‌السلام : «تمام العيادة للمريض أن تضع يدك على ذراعه ، وتعجل القيام من عنده . فان عيادة النوكى أشد على المريض من وجعه»(٢) .

٧ ـ كان يريد بعض الشيعة الذهاب إلى عيادة مريض ، فصادفهم الإِمام الصادق عليه‌السلام في بعض الطريق وقال لهم : أين تريدون ؟ .

قالوا : نريد فلاناً نعوده .

قال : هل معكم فاكهة أو طيب تأخذونه له ؟ .

قالوا : ليس معنا شيء .

فقال : أما تعلمون أن المريض يستريح إلى كل ما أُدخل عليه(٣) .

إن من يذهب لعيادة المريض فيقف في جانب ويسأل حاله ليس مؤدياً حق العيادة . فالعيادة الكاملة والمفرحة تكون عندما يقترب من المريض ويضع يده برفق على يد المريض ، أو رأسه ، أو جبهته ، أو يصطحب معه هدية فيكشف بذلك عن حبه للمريض ، وفي نفس الوقت يرضي عواطفه .

قيمة الأخلاق :

لا تقل السجايا الخلقية والملكات الفاضلة أهمية عن العلم في ضمان سعادة الإِنسان . إن إرضاء العواطف بصورة صحيحة يساوق تنمية العقل واتباعه أهمية ، وِإن خطأ المدنية الحديثة يكمن في أنها وجهت جميع الطاقات والإِمكانات لتحقيق التقدم العلمي واكتشاف أسرار الطبيعة ، وتركت الإِهتمام بالفضائل والمثل التي هي من الأركان الأساسية للسعادة . إن مشاعر الغالبية من الناس تصرف في سبيل الشهوات الدنيئة والأعمال اللاخلقية ، ولهذا السبب

____________________

(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٨ ص ١٤٥ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٣ ص ١١٨ .

(٣) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٣ ص ١١٨ .

١١٣

ذاته فان الجرائم تتسع بصورة موحشة يوماً بعد يوم ، وينجرف الشباب في الدول المتمدنة نحو الفساد والهاوية .

إن منهاج الحياة الإِنسانية يجب أن يتماشى مع الفطرة . فهناك قوتان مهمتان في فطرة الإِنسان : إحداهما العقل ، والأُخرى العواطف ، هاتان القوتان اللتان هما أساس سعادة الإِنسان يجب أن تسيرا جنباً إلى جنب في ظل رقابة ورعاية لازمتين لضمان العيش الأفضل للإِنسانية جمعاء .

«الإِنسان نتيجة الوراثة والبيئة وعادات الحياة والتفكير التي يفرضها عليه المجتمع العصري . . . ولقد وصفنا كيف تؤثر هذه العادات في جسمه وشعوره . . . وعرفنا أنه لا يستطيع تكييف نفسه للبيئة التي خلقتها التكنولوجيا ، وإن مثل هذه البيئة تؤدي إلى إنحلاله ، وأن العلم والميكانيكا ليسا مسؤولين عن حالته الراهنة ، وإنما نحن وحدنا المسؤولون . لأننا لم نستطع التمييز بين الممنوع والمشروع . . . لقد نقضنا القوانين الطبيعية فارتكبنا بذلك الخطيئة العظمىٰ ، الخطيئة التي يعاقب مرتكبها دائماً . . .»(١) .

«ألم تهبط الحياة العصرية بمستوى ذكاء الشعب كله وأخلاقه ؟ لماذا يجب أن ندفع ملايين الدولارات كل عام لنطارد المجرمين ؟ لماذا يستمر رجال العصابات في مهاجمة المصارف بنجاح ، وقتل رجال الشرطة ، واختطاف الناس وارتهانهم ، أو قتل الأطفال على الرغم من المبالغ الضخمة التي تنفق في مقاومتهم ؟ لماذا يوجد مثل هذا العدد الكبير من المجانين وضعاف العقول بين القوم المتحضرين ؟ ألا تتوقف الأزمة العالمية على الفرد والعوامل الإِجتماعية التي هي أكثر أهمية من العوامل الإِقتصادية ؟ من المأمول أن يضطرنا منظر الحضارة في بداية تداعيها إلى أن نتحقق : هل أسباب الكارثة غير كامنة في أنفسنا ومعاهدنا ؟ وأن

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ، تأليف الكسيس كارل ص ٢١٠ .

١١٤

ندرك إدراكاً تاماً أن لا مناص من تجديد أنفسنا»(١) .

«يجب أن لا ينشر العلم لذاته فقط ، ولا لرشاقة وسائله ولا لتألق جماله . وإنما يجب أن يكون هدفه فائدة الإِنسان المادية والروحية . كما يجب أن نعطي الإِحساسات أهمية تعادل أهمية علم الحركة . . . ولا مفر من أن يضم تفكيرنا جميع جوانب الحقيقة»(٢) .

رعاية العواطف :

إن رعاية عواطف الناس أحد الفصول المهمة في التربية الإِسلامية ، فهناك مئات الآيات والأحاديث في موضوع الأخلاق الفاضلة والبذيئة في الإِسلام ، ورعاية عواطف الناس وحب بعضهم لبعض من المسائل التي أكد الأئمة عليهم‌السلام عليها كثيراً . فعن الإِمام الصادق عليه‌السلام أنه قال : «يحق على المسلمين الإِجتهاد في التواصل ، والتعاون على التعاطف ، والمواساة لأهل الحاجة ، وتعاطف بعضهم على بعض»(٣) .

وفي حديث آخر عن عبد الله بن يحيىٰ الكاهلي قال : «سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : تواصلوا ، وتبارُّوا ، وتراحموا ، وتعاطفوا»(٤) .

هناك ميول مختلفة مودعة في قوام الإِنسان : روحه وجسده ، ولكل منها دور فعال في ضمان سعادته . ومن الضروري أن تلبّي جميع الميول بالصورة الصحيحة حتى يصل الإِنسان إلى الكمال اللائق به . إنه لا ينبغي حصر الإِنسان في واحد أو طائفة من الميول الخاصة ، وتجاهل سائر الاحتياجات الفطرية ، الإِنسان يميل طبيعياً إلى الغذاء ويجب إشباع هذا الميل ولكن سعادة الإِنسان لا تنحصر في الغذاء ، والإِنسان يميل بفطرته إلى الجنس ويجب إشباع هذه الغريزة ولكن قوام الإِنسان لا يقوم على الجنس فقط ،

____________________

(١) المصدر السابق ص ٢١٢ .

(٢) المصدر السابق ص ٢١٥ .

(٣) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ١٧٥ .

(٤) نفس المصدر .

١١٥

والإِنسان يملك ثروة العقل العظيمة ويجب تنميتها وصيانتها عن طريق التفكير والتعلم ولكن الإِنسان ليس عقلاً فقط ، وكذلك العواطف والمشاعر فانها من الثروات الفطرية للإِنسان ، ورعايتها بالصورة الصحيحة من أهم أسس سعادته ، ولكن ليس الإِنسان مكوناً من العواطف والمشاعر فقط .

«إن هدف الحياة هو أن يصنع من كل فرد نموذجاً صالحاً للإِنسانية ، ويجب أن تنمّى جميع الإِمكانات الجسدية والفكرية والمعنوية في سبيل القيام بالواجبات الإِنسانية . إن قمة تكامل الفرد والأمة تكون عند التعالي النفسي الحاصل ، إذن فنحن مدعوون إلى تنمية جميع نشاطتنا الجسدية والروحية وهذا واجب مفروض على الجميع ، وعلى الفقير والغني ، المريض والسالم ، الرجل والمرأة ، الكبير والصغير إتباع ذلك . لكل فردٍ ـ مهماً كان جنسه وعمره ومنزلته الإِجتماعية ـ حاجات عاطفية وفكرية وجسدية يعتبر إرضاؤها ضرورياً لأداء واجبه»(١) .

بالرغم من أن كلا من الثروات الفطرية والميول الطبيعية المودعة في باطن كل إنسان ، يلعب دوراً خاصاً في التخطيط لسعادة الإِنسان وشقائه فان ما لا مجال لشك فيه هو أنها ليست متساوية الأثر في تحقيق السعادة أو الشقاء ، إذ قد تختلف الآثار الطيبة أو الشريرة لكل منها .

إن العواطف والمشاعر من الأمور الفطرية التي تتسع دائرة تأثيرها حياة الإِنسان وتكون لنتائجها الخيرة أو الشريرة أهمية فائقة ، ذلك أن أعظم القوى المحركة في عالم الإِنسان ، وأقوى العوامل المحفزة للفرد والمجتمع عبارة عن العواطف والمشاعر . إن أكثر الحوادث العظيمة التي وقعت في العالم على مر القرون تعود في جذورها إلى مشاعر الناس ، فالحروب الدامية والمطاحنات المتواصلة ، والجرائم المذهلة ، والأعمال اللاإنسانية تنبع من المشاعر في الغالب . وكذلك تضحيات الأبطال والمخلصين في سبيل أهدافهم ومظاهر

____________________

(١) راه ورسم زندگى ص ١٢٤ .

١١٦

الإِحسان والكرم ، ومساعدة الفقراء ، ورعاية الأيتام تملك جذوراً عاطفية أيضاً .

توجيه المشاعر :

لو توجَّه مشاعر الناس وعواطفهم في بلدٍ ما توجيها صحيحاً ، فإن ذلك البلد يصبح كالنعيم الخالد مهداً للسعادة والرخاء ، فيكون بلد العطف والمحبة ، وبؤرة الوفاء والود وعلى العكس فإن عدم توجيه مشاعر الناس في بلد آخر نحو الأهداف الخيرة والغايات الإِنسانية يؤدي إلى نشوء بركان من النقمة والفوضى ، وانتشار العداوة والفساد بين الجميع ، حيث الشقاء في أبشع صورة ، وحيث الجحيم الذي لا يطاق .

إن من أهم الواجبات الدينية والعلمية والوطنية للوالدين ، الإِهتمام الشديد بتوجيه مشاعر الأطفال ومراقبة تنمية عواطفهم . يستيقظ الشعور العاطفي عند الأطفال في وقت مبكر . . . ففي الوقت الذي يكون سراج العقل غير مشتعل بعدُ عند الطفل ، وفي الحين الذي لا يدرك شيئاً عن الإِستدلال والمنطق ، ولا يملك طاقة بدنية كاملة ، نجد أن الشعور العاطفي يستيقظ فيه ويكون قابلاً للتوجيه والضبط . وان غفلة الوالدين في هذا الظرف الحاسم تؤدي إلى آثار سيئة في روح الطفل .

اختلاف عواطف الناس :

والنكتة الجديرة بالملاحظة هنا أن العوامل الوراثية المختلفة تؤدي إلى اختلاف في البناء العقلي والعاطفي للأطفال . وكما أن الناس يختلفون في الهندام ولون الشعر وبصمات الأصابع كذلك يختلفون في العواطف والأفكار والحالات النفسية والعصبية . هذه الإِختلافات الوراثية إنما هي إحدى آيات الله الحكيمة في الخلق ، وتعود إلى قانون الوراثة المضبوط . وقد ورد بهذا الصدد عن الإِمام الصادق عليه‌السلام أنه قال : «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة . فمن كان له في الجاهلية أصلٌ فله في الإِسلام أصل»(١) وبعبارة أُخرى فان قانون الوراثة ينقل

____________________

(١) روضة الكافي لثقة الإِسلام الكليني ص ١٧٧ .

١١٧

صفات الآباء في الجاهلية إلى الأبناء في الإِسلام .

قد يعمل قانون الوراثة في ظروف خاصة وأوضاع مجهولة لى إحداث اختلافات شديدة من الناحية العقلية والنفسية والعصبية بين أطفال أسرة واحدة ، وبعبارة أُخرى فان أباً وأماً ينجيان على طول الفترة الزوجية عدة أطفال يختلفون فيما بينهم إختلافات بيّنة في ذكائهم وعقلهم وحالاتهم النفسية والعصبية .

«إن الأطفال الذين يولدون لأبوين واحدين وينشأون معاً وبطريقة واحدة يختلفون اختلافاً ظاهراً من حيث الشكل والقوام والتكوين العصبي والإِستعداد العقلي والصفات الأدبية . ومن الواضح إن هذه الاختلافات لا يرجع أصلها إلى الأسلاف . . . وتتصرف الحيوانات بطريقة مماثلة ، ولنضرب لذلك مثلاً بكلاب صغيرة جداً من فصيلة حراس الأغنام . . . إن كلا من الكلاب التسعة أو العشرة يبدي صفات واضحة فبعضها يفزع من الضوضاء المفاجئة ، أو طلقة مسدس ، ويكون رد فعله لذلك أن ينكمش على الأرض ، في حين يكون رد الفعل مغايراً في فريق آخر منها فيقف على مؤخريه أو يتقدم نحو مصدر الصوت . وقد ينتهز فريق ثالث الفرصة فينصرف إلى الرضاعة من ثدي أمه ، وقد يستسلم بعضها لدفع اِخوتها إياها بعيداً عن أُمها ، وثم فريق آخر يبتعد عن أُمه ليستكشف المنطقة المجاورة لبيته في حين يبقى معها آخرون . وقد يزمجر بعض هذه الكلاب الصغيرة إذا لمسها أحد . في حين يظل البعض صامتاً . . . فحينما تنشأ الكلاب معاً في أحوال متماثلة إلى أن تكبر ، فإن صفاتها لا تتغير بالنمو ، إذ تظل الكلاب الخجولة والجبانة خجولة وجبانة طوال حياتها . أما الشجاعة النشيطة فقد تفقد هذه الصفات أحياناً حينما تتقدم في السن ولكنها تكون عادة أكثر جرأة ونشاطاً»(١) .

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ١٩٥ .

١١٨

اختلاف طبائع الأطفال :

والمشاعر والعواطف من الصفات التي تخضع للعوامل الوراثية بصورة فائقة . ولهذا فإن الأطفال يختلفون فيما بينهم في الصفات العاطفية اختلافاً بيّناً . فهناك بعض الأطفال ينشأون منذ البداية شجعاناً ومتهورين ، والبعض ينشأ جباناً وضعيفاً . قسم منهم ينشأ محباً للإِستقلال والقيادة ، والقسم الآخر يميل إلى أن يكون عالة على غيره ومنقاداً . طائفة منهم تميل إلى الإِيذاء والإِفساد ، وأُخرى تمتاز بسلامة النفس وصفاء الضمير . ثلّة منهم تتسم بالسخاء والكرم ، وثلة أُخرى تتميز بالبخل والتقشف . . . والخلاصة إن البناء الطبيعي لمشاعر أطفال المجتمع وعواطفهم ـ وأحياناً الأطفال المنحدرين من أب واحد وأم واحدة أيضاً ـ يختلف اختلافاً كبيراً وكما قال الإِمام الصادق عليه‌السلام يشبه اختلاف المعادن فيما بينها .

«من الواضح أن الاحساس الأدبي مثل النشاط العقلي يعتمد على حالات تركيبية ووظيفية معينة للجسم ، وهذه الحالات تنتج من التركيب الداخلي لأنسجتنا وعقولنا ، وكذلك من عوامل أثرت فينا إبان نمونا . ولقد أعرب (شوبنهور) عن رأيه ، في المحاضرة التي ألقاها عن أصل الأخلاق بالجمعية الملكية للعلوم بكوبنهاجن ، من أن أساس المبدأ الأدبي موجود في طبيعتنا ، وبعبارة أُخرى ، إن الجنس البشري يولد وبه ميل فطري نحو الأنانية والضعة أو العطف . وهذا الميل يظهر في مرحلة مكبرة جداً من الحياة ، ويراه الملاحظ المدقق بوضوح . وقد ذكر (جالافاردبن) أن هناك أنانيين لا يأبهون مطلقاً بسعادة أترابهم من بني الإِنسان أو تعاستهم . وهناك الحقودون الذين يشعرون باللذة وهم يشاهدون نكبات الآخرين وآلامهم ، بل حتى حينما يتسببون في إحداث هذه النكبات والآلام . وهناك قوم يستشعرون الآلم حينما يستشعره أترابهم ، وتولد قوة العطف هذه ، الرحمة وفعل الخير والأعمال التي توحي بها هاتان الفضيلتان والقدرة على الإِحساس بآلام

١١٩

الآخرين صفة لازمة للإِنسان الذي يحاول تخفيف أعباء الحياة وآلامها عن إخوته في الإِنسانية . . .»(١) .

المشاعر الشاذة :

لمعرفة الطباع الفطرية للطفل ، وتمييز مشاعره الطيبة عن الفاسدة يجب على الوالدين أن يراقباه منذ الصغر مراقبة مضبوطة ويتتبعا حركاته بدقة . فإذا كان الطفل يملك مشاعر شاذة فلا شك في أنها تظهر من خلال أفعاله وأقواله . إن الوالدين الفطنين يستطيعان إدراك الحوافز النفسية والدوافع العاطفية للطفل من وضع حركاته وسكناته ، فإذا وجدا في ذلك إنحرافاً وإعوجاجاً حاولا إصلاحه ، وتوجيه تلك الحوافز والدوافع نحو الطريق الصحيح والصفات الفاضلة .

«قبل أن يستطيع الطفل الوقوف على قدميه والأخذ في المشي يجب أن يدير رأسه عندما يناديه أحد . فإذا رأيتم أنه يتخلف عن ذلك فاعلموا أنه يطمح في الإِستقلال ، وإن عمله هذا يدل دلالة واضحة على خُلُق يجب أن يعدّل . فليس هذا الطموح في الاستقلال ولا ذلك الخلق بالأمر المستحسن . إذ الطفل يجب أن يدير رأسه ، ولكنه إذا كان يطمح في الاستقلال فانه سيكشف عن ذلك فيما بعد» .

«يضرب الأرض برجله ، يثور فإذا لم يكن في حاجة إلى شيء أي أنه شبعان وقد نال حصة كافية من النوم فاعلموا أن ذلك كله يدل على حالة عصبية يجب أن تقتلع جذورها . في مثل هذه الحالات يكفي إهماله وعدم الإِعتناء به لبضع دقائق . إنكم تقولون : وإن هذه الحالة العصبية نموذج لشخصيته البارزة . ولكن الأمر ليس كذلك . يجب إزالة هذه الحالة وإذا كان يملك شخصية بارزة

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ١٠٥ ـ ١٠٦ .

١٢٠