🚘

اسطورة التحريف

محمود الشريفي

اسطورة التحريف

المؤلف:

محمود الشريفي


الموضوع : العقائد والكلام
الطبعة: ١
الصفحات: ١٦٠
🚘 نسخة غير مصححة

الروايات الدالّة على نفي التحريف

هذه الروايات تنقسم إلى أقسام :

القسم الأوّل

الروايات الدالّة على عرض الأحاديث على الكتاب

الروايات الواردة في هذا المعنى كثيرة نشير إلى بعضها :

١. عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : مالم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف. (١)

٢. عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : خطب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بمنى فقال : أيّها النّاس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله. (٢)

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٨ ، ص ٧٩.

(٢) المصدر نفسه.

٤١

٣. قال الصادق عليه‌السلام : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فأعرضوعنا فلى كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردّوه. (١)

٤. عن الصادق جعفر بن محمد عليه‌السلام عن أبيه عن جدّه قال : قال علي عليه‌السلام : إنّ على كلّ حقّ حقيقة ، وعلى كلّ صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه. (٢)

٥. عن الإمام الرضا عليه‌السلام : فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فأعرضوهما على كتاب الله ، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالاً أو حراماً فاتّبعوا ما وافق الكتاب ، وما لم يكن في الكتاب فأعرضوه على سنن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. (٣)

٦. روي عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : تكثر لكم الأحاديث بعدي ، فإذا روي لكم عنيّ حديث فأعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فاقبلوه ، وما خالف فردّوه. (٤)

فهذه الروايات وأمثالها الّتي صدرت استفاضة تدلّ على أنّ القرآن الموجود في ايدي المسلمين هو نفس كلام الله الّذي أنزله الله على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله من غير أن يعرض عليه التحريف ، لأنّه لو لم يكن كذلك لم يصحّ أن يكون القرآن مرجعاً للمسلمين حبيّ يعرضوا عليه الروايات فيعرف بذلك الصحيحة من غيرها ؛ لأنّه تكليف بما لا يطاق ؛ إذ أنّ

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٨ ، ص ٨٤.

(٢) الأمالي للصدوق : ص ٣٦٧.

(٣) عيون أخبار الرّضا عليه‌السلام ، ج ٢ ، ص ٢١.

(٤) الصحيح من سيرة النّبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ج ١ ، ص ٣١.

٤٢

المراد بالعرض ، العرض على القرآن الواقعي غير المحرّف ، ومع وقوع التحريف لا سبيل إلى القرآن الواقعي كي يتمّ العرض عليه.

قال الفيض الكاشاني :

وقد استفاض عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام حديث عرض الخبر الرويّ على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له ، أو فساده بمخالفته ، فإذا كان القرآن الّذي بأيدينا محرّفاً فما فائدة العرض ، مع أنّ خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذب له ، فيجب ردّه والحكم بفساده أو تأويله. (١)

إن قلت : إنّ ذلك في الأخبار الفقهية ، ومن الجائز أن نلتزم بعدم وقوع التحريف في خصوص آيات الأحكام ، ولا ينفع ذلك سائر الآيات.

قلت : إنّ روايات العرض مطلقة ، وتخصيصها بذلك تخصيص من غير مخصّص.

القسم الثاني

الروايات الّتي تدّل على التمسّك بالقرآن والأخذ به

منها : حديث الثقلين.

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً. (٢)

__________________

(١) التفسير الصافي ، ج ١ ، ص ٤٦.

(٢) حديث الثقلين من جملة الأحاديث الّتي لا شكّ في صدورها من النبيّ فقد رواه أكثر من ثلاثين من الصحابة ونقله الخاصة والعامة في كتبهم ، قال الحرّ العاملي : أقول : وقد تواتر بين العامّة والخاصّة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : إنّي تارك فيكم الثقلين إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. وسائل الشيعة ، ج ١٨ ، ص ١٩ ، حديث ٩.

٤٣

فالأمر بالّتمسّك بالقرآن والاهتداء به يقتضي أن يكون القرآن الّذي يكون بين المسلمين محفوظاً ومصوناً من أيّ تغيير وتحريف.

ومنها : خطبة النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في واقعة غدير خم :

حيث قال : معاشر النّاس تدّبروا في القرآن ، وافهموا آياته ، وانظروا إلى محكماته ، ولا تتّبعوا متشابهه. (١)

فأمر المسلمين بالتدّبر في القرآن وفهم آياته والأخذ بمحكماته يستلزم أن يكون القرآن مؤلّفاً مجموعاً في أيدي المسلمين على شكل كامل في كلّ الأزمان ؛ لأنّ الأمر بالتدبّر والأخذ بالقرآن دائميّ.

ومنها : ماقاله الأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام في القرآن وأنّه الهادي لمن أخذ به.

قال الأميرالمؤمنين علي إبن أبي طالب عليه‌السلام : وعليك بكتاب الله فإنّه الحبل المتين والنور المبين والشفاء النافع والريُّ الناقع العصمة للمتمسّك والنجاة للمتعلّق.

وقال أيضاً : واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الّذي لا يغشّ ، والهادي الّذي لايضلّ ، والمحدّث الّذي لا يكذب. (٢)

__________________

(١) الاحتجاج ، ج ١ ، ص ٦٠.

(٢) ربيع الأبرار ، ج ٢ ، ص ٨٠ و ٨١.

٤٤

وقال عليه‌السلام في كتاب اله إلى الحارث الهمداني : وتمسّك بحبل القرآن واستنصحه ، وأَحِلَّ حلاله وحرِّم حرامه. (١)

فهذه الروايات أيضاً تقضي بقاء القرآن إلى يوم القيامة على ما كان عليه في زمن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لتتمّ به الهداية الدائميّة للمسلمين مادام يتمسّكون به كما نصّ عليه الروايات ولكي يكون القرآن نوراً يستضاء به ومنهاجاً يعمل علة وفقه ومرجعاً لهم في المشكلات ودليلاً ورايةً وشافعاً لهم ، ولازم ذلك كلّه أن يكون ما بأيدينا من القرآن هو نفس القرآن الّذي نزل على الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله وعرفه الرواة والصحابة والعلماء والموّرخون أجمعون.

قال العلاّمة الطباطبائي :

ويدّل على عدم وقوع التحريف الأخبار الكثيرة المروية عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : من طرق الفريقين الآمرة بالرجوع إلى القرآن عند الفتن وفي حلّ عقد المشكلات ، وكذا حديث الثقلين المتواتر من طرق الفريقين : ( إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ) الحديث.

فلا معنى للأمر بالتمسّك بكتاب محرّف ونفي الضّلال أبداً عمّن تمسّك به. (٢)

__________________

(١) نهج البلاغة ، ص ٤٥٩ ، خطبة ٦٩.

(٢) الميزان في التفسير القرآن ، ج ١٢ ، ص ١١٠.

٤٥

القسم الثالث

الروايات الواردة في ثواب قراءة السور القرآنية

وهي كثيرة جدّاً نذكر بعضها :

١. عن الصادق جعفر بن محمد عليه‌السلام انّه قال : عليكم بمكارم الأخلاق ، فإنّ الله عزّ وجلّ يحبّها ، وإيّاكم ومذامّ الأفعال ، فإنّ الله عزّ وجلّ يبغضها ، وعليكم بتلاوة القرآن فإنّ درجات الجنّة على عدد آيات القرآن ، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن إقرأ وأرق ، فكلّما قرأ آيةً رقى درجةً. (١)

٢. عن ابي عبدالله عليه‌السلام قال : من قرأ سورة الحجرات في كلّ ليلة أو في كل ّ يوم كان من زوار محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله. (٢)

٣. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يا سلمان عليك بقراءة القرآن فإنّ قراءته كفّارة للذّنوب ، وستر من النّار ، وأمان من العذاب ، ويكتب لمن يقرأه بكلّ آية ثواب مائة شهيد .... (٣)

٤. عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ومن قرأ سورة المدثّر أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وكذّب به بمكّة. (٤)

__________________

(١) الأمالي للصدوق : ص ٣٥٩.

(٢) مجمع البيان للطبرسي ، ج ١٠ ، ص ١٢٨.

(٣) ثواب الأعمال وعقابها ، ص ١٨٢.

(٤) مجمع البيان للطبرسي ، ج ١٠ ، ص ٣٨٣.

٤٦

٥. عن أبي جعفر الباقر عن أبيه عن جدّه عليه‌السلام عن جدّه عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من قرأ عشر آيات في ليلةٍ لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ خمسين آية من الذاكرين ، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين ، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين .... (١)

ولو كان قد اتّفق التحريف في آيات القرآن أو سورة لم يبق مجال للاعتماد على هذه الروايات والعمل بها لأجل حصول على ما تفيده من الجزاء والثواب ، لاحتمال أن تكون كلّ آية أو سورة محرّفة عمّا كانت نازلة عليها.

واستدّل بهذه الروايات الشيخ الصدوق في كتابه القيّم المسمّى بالاعتقادات.

حيث قال : اعتقادنا أنّ القرآن الّذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله هو ما بين الدفّتين ... إلى أن قال : وما روي من ثواب قراءة كل سورة من القرآن وثواب من ختم القرآن كلّه وجواز قراءة سورتين في ركعة والنّهي عن القرآن بين سورتين في ركعة فريضة تصديق لما قلناه في أمر القرآن. (٢)

__________________

(١) الأمالي للصدوق ، ص ٥٩.

(٢) الاعتقادات ، ص ٩٣.

٤٧

القسم الرابع

الروايات الّتي تحتوي على تمسّك الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة

والأصحاب بالآيات القرآنية

وهذه الروايات كثيرة يشكل إحصاؤها كما لا يخفى على من راجع كتب الحديث وغيرها للشيعة والسنّة ؛ فإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة عليهم‌السلام كانوا يتمسّكون بالآيات في مناظراتهم واستدلالاتهم في الأحكام والعقائد والمواعظ والحكم والأمثال ، فنأتي هنا بعضها :

١. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من حكم في درهمين بحكم جور ثمّ جبر عليه كان من أهل هذه الآية : (ومَنْ لَمْ يَحكُمْ بما أَنزلَ اللهُ فأولئِكَ هُمُ الكافرونَ) فقلت : كيف يجبر عليه؟ فقال : يكون له سوط وسجن فيحكم عليه ، فإن رضي بحكمه وإلاّ ضربه بسوط وحبسه في سجنه. (١)

٢. قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : أمّتي على أربعة أصناف ، صنف يصلّون ولكنّهم في في صلواتهم ساهون فكان لهم الويل ، والويل اسم دركة من دركات جهنّم ، قال الله تعالى : (فَويلٌ للمُصَلِّينَ * الَّذينَ هُم عن صلاتِهِمْ ساهونَ) (٢) وصنف يصلّون أحياناً ولا يصلّون أحياناً فكان لهم الغيّ ، والغيّ اسم دركة من دركات جهنّم ، قال الله تعالى : (فَخَلَفَ مِن بعدِهِمْ

__________________

(١) وسائل الشيعة للحرّ العاملي ، ج ١٨ ، ص ١٨ ، حديث ٣.

(٢) الماعون ، ٤ و ٥.

٤٨

خلفٌ أضاعوا الصَّلاةَ واتَّبعوا الشهواتِ فسوفَ يَلْقونَ غيّاً) (١) ، وصنف لا يصلّون أبداً فكان لهم سقر ، وسقر اسم دركة من دركات جهنّم ، قال الله تعالى : (ما سَلَكَكُمْ في سَقَرَ * قالوا لَم نَكُن مِنَ الْمُصَليّن) (٢) وصنف يصلّون ابداً وهم في صلواتهم خاشعون ، قال الله تبارك وتعالى : (قَدْ أفلحَ المؤمنونَ * الّذينَ هُمْ في صلاتِهِم خاشعونَ) (٣).

٣. عن الرضا عليه‌السلام في حديث انّه قال لابن الجهم : اتّق الله ولا تأوّل كتاب الله برأيك ، فإنّ الله يقول : (وما يَعلمُ تأويلَهُ إلاّ اللهُ والرّاسخون في العِلمِ) (٤). (٥)

٤. عن عبدالعظيم الحسني ، عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ، عن آبائه عليهم‌السلام في حديث قال : ليس لك أن تتكلّم بما شئت ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول : (ولا تَقفُ ما ليسَ لكَ بهِ علمٌ) (٦). (٧)

٥. عن عبدالله بن سنان فال : قلت لأبي عبدالله عليه‌السلام : على الإمام أن يسمع من خلفه وإن كثروا؟ فقال : ليقرأ قراءة وسطاً يقول الله تبارك

__________________

(١) مريم : ٥٩

(٢) المدّثّر : ٤٢ و ٤٣

(٣) المواعظ العدديّة ، ص ١٢٢.

(٤) آل عمران : ٧

(٥) وسائل الشيعة للحرّ العاملي ، ج ١٨ ، ص ١٣٨ ، حديث ٣١.

(٦) الإسراء : ٣٦

(٧) وسائل الشيعة للحرّ العاملي ، ج ١٨ ، ص ١٧ ، حديث ٣٦.

٤٩

وتعالى : (ولا تَجْهَرْ بصَلاتِكَ ولا تُخافِت بِها) (١). (٢)

فهذه الروايات أيضاً شاهدة على أنّ القرآن الموجود بين الناس هو القرآن الّذي أنزل الله تبارك وتعالى على عبده محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو المدار في كلّ شأن من الشؤون أعمّ من الأحكام والعقائد و ...

قال العلاّمة الطباطبائي :

وكذا (أي يدلّ على عدم وقوع التحريف) الأخبار الّتي تتضمّن تميّك أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام بمختلف الآيات القرآنية في كلّ باب على ما يوافق القرآن الموجود عندنا حتىّ في الموارد الّتي فيها آحاد من الروايات بالتحريف. (٣)

القسم الخامس

الروايات الواردة عن المعصومين عليهم‌السلام

انّ ما بأيدي الناس هو القرآن النازل من عندالله

وهذه الروايات أيضاً كثيرة هنا بعضها :

منها ما قال أمير المؤمنين علي إبن أبي طالب عليه‌السلام : كتاب ربّكم فيكم ، مبيّناً حلاله وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه ومنسوخه ، ورخصهُ وعزائمه ، وخاصَّهُ وعامّه ، وعبِرَهُ وامثاله ، ومرسله

__________________

(١) الإسراء : ١١٠.

(٢) الكافي للكليني ، ج ٣ ، ص ٣١٧ ، حديث ٢٧.

(٣) الميزان في تفسير القرآن ، ج ١٢ ، ص ١١١.

٥٠

ومحدوده وحكمه ومتشابههُ ... (١)

ومنها ما قال الرضا عليه‌السلام :

عن الريان بن الصّلت قال : قلت : للرّضا عليه‌السلام ما تقول في القرآن فقال : كلام الله لا تتجاوزوه ، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوا. (٢)

ومنها ما قاله الصادق عليه‌السلام.

عن علي بن سالم عن أبيه قال : سألت الصادق جعفر بن محمد عليه‌السلام فقلت له : يا بن رسول الله ما تقول في القرآن؟ فقال : هو كلام الله وقول الله وكتاب الله ووحي الله وتنزيله ، وهو الكتاب العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. (٣)

وهذه الروايات تدلّ بوضوح على أنّ القرآن الموجود بين النّاس هو النازل من عند الله على النبيّ المكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو الكتاب الّذي لم يصل إليه يد التحريف والتغيير.

وتدلّ على كون القرآن الموجود بين النّاس حتىّ الآن هو القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، مضافاً إلى ما نقلناه من الرّوايات الّتي نقلت في أبواب مختلفة وفي موضوعات كثيرة(٤) كالروايات الّتي

__________________

(١) نهج البلاغة ، ص ٤٤ ، خطبة ١.

(٢) الأمالي للصدوق ، ص ٥٤٦ ، حديث ١٣.

(٣) المصدر نفسه ، ص ٥٤٥ ، حديث ١١.

(٤) من أراد الإطلاع عليها فليراجع كتاب صيانة القرآن من التحريف لأستاذنا آية الله الشيخ محمد هادي المعرفة ، ص ٥٢ ـ ٥٤.

٥١

تأمر بإكرام حملة القرآن وحفّاظه ، والرواية الّتي نقلت عند وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ عمر قال : إنّ النبيّ قد غلب عليه الوجع (أو قال : إنّ رسول الله يهجر) وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله. (١)

فإنّ المراد بالقرآن في أمثال هذا الروايات هو القرآن الموجود بين الدفّتين لا غيره ، وهو كان مدوّناً عند وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله.

__________________

(١) نقل هذه الرواية جميع الصحاح والمسانيد والتواريخ والمنابع الحديثية.

٥٢

التواتر

والدليل الثالث على عدم وقوع التحريف هوالتواتر ، والتواتر ثابت بالنسبة إلى كلّ القرآن في جميع الأزمان.

قال أستاذنا العلاّمة الشيخ محمد هادي المعرفة :

من الدلائل ذوات الشأن الداحضة لشبهة التحريف هي مسألة (ضرورة كون القرآن متواتراً) في مجموعة وفي أبعاضه ، في سورة وآياته ، حتىّ في جمله التركيبية وفي كلماته وحروفه ، بل وحتىّ في قراءته وهجائه ، على ما أسلفنا في بحث القراءات ، وقلنا : إنّ الصحيح من القراءات هي القراءة المشهورة الّتي عليها حمهور المسلمين ، وقد انطبقت على قراءة عاصم برواية حفص.

وإذا كان من الضروري لثبوت قرآنيّة كلّ حرف وكلمة لفظ أن يثبت تواتره منذ عهد الرسالة وإلى مطاوي القرون وفي جميع الطّبقات ، فإنّ هذا ممّا ينفي احتمال التحريف نهائياً ، لأنّ ما قيل بسقوطه وإنه كان

٥٣

قرآناً يتلى إنّما نقل إلينا بخبر الواحد ، وهو غير حجّة في هذا الباب حتىّ ولو فرض صحّة اسناده.

إذن فكلّ ما ورد بهذا الشأن ـ بما أنّه هبر واحد ـ مرفوض ومردود على قائله. (١) والتواتر في القرآن تواتر قويّ قطعي إلى حدّ قال السيد المرتضى علم الهدى : إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة. (٢)

__________________

(١) صيانة القرآن من التحريف ، ص ٣٧.

(٢) مجمع البيان ، ج ١ ، ص ١٥.

٥٤

الإجماع

ومن الأدلّة على مصونيّة القرآن من التحريف إجماع العلماء في كلّ الأعصار على كون القرآن الموجود بين أيدينا هو القرآن المنزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن المعلوم أنّ الإجماع حجّة لدى المسلمين ، أمّا عند الشيعة فلأنّه كاشف عن رأي المعصوم عليه‌السلام.

بل يفهم من كلام السيد المرتضى الّذي ذكرناه سابقاً أنّ الإعتقاد بعدم النّقصان وعدم تحريف القرآن من ضروريات الدّين ، وقد نقل بعض الأكبار عباراته ووافقه على ما قال.

أضف إلى ذلك أنّ بعض الأئمّة أيضاً صرّح بتحقّق اتّفاق الأمّة على مصونيّة القرآن من أي تغيير وتحريف : قال الإمام علي بن محمد الهادى عليه‌السلام : وقد اجتمعت الأمة قاطبةً لا اختلاف بينهم أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق في حال اجتماعهم مقرّون بتصديق الكتاب وتحقيقه ، مصيبون مهتدون ، وذلك بقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (لا

٥٥

تجتمع أمّتي على ضلالة) فأخبر أنّ جميع ما اجتمعت عليه الأمّة كُلّها حقّ ، هذا إذ لم يخالف بعضها بعضاً ، والقرآن حقّ لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه. (١)

__________________

(١) تحف العقول ، ص ٤٥٨.

٥٦

مسألة الإعجاز

قد اعتبر العلماء مسألة الإعجاز المتحدّي به في القرآن في موارد عديدة من أكبر الدّلائل على عدم التحريف القرآن ؛ لأنّ عروض التحريف على القرآن يخرجه من أن يكون معجزاً متحدّى به ، لاستطاعه البشر في هذا الحال على أن يأتي بمثله ، والحال إنّ جميع المسلمين يعتقدون بأنّ القرآن معجز باق ، وأنّ الله تعالى أيضاّ صرّح في أيات مختلفة بأنّ القرآن معجزة لايقدر شخص أو جماعة أن يأتي بمثل القرآن أو بسورة كسور القرآن : كقوله تعالى :

١. (قُلْ لئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنس وَالجنُّ عَلى أَن يأتوا بمثلِ هذا القرآن لا يَأتونَ بمثْلِهِ ولوْ كانَ بَعضُهُمْ لبعضٍ ظهيراً). (١)

٢. (وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلنا عَلى عَبِدنا فأتوا بِسورةٍ مِنْ مِثلِهِ

__________________

(١) الإسراء : ٨٨

٥٧

وَادعُو شُهَداءَكُمْ مِن دُونِ اللهِ إنْ كُنتُم صادِقِينَ * فإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفعَلوا فَاتّقوا النّارَ الّتِي وَقُودُها النّاسُ وَالحِجارَةُ أعِدَّتْ لِلْكافِرينَ). (١)

فمسألة الإعجاز المتحدّى به في الآيات القرآن وعجز الناس قاطبة عن أن يأتوا بمثله واعتقاد جميع فرق المسلمين بكونه إعجازاً في جميع الأزمان يبطل دعوى وقوع التحريف في سور القرآن وآياته.

وهنا بيان آخر لهذا الدليل ذكره صاحب كتاب التحقيق في نفي التحريف ، قال : ومن الأدلّة على عدم التحريف هو : أنّ التحريف ينافي كون القرآن معجزاً ، لفوات المعنى بالتحريف ، لأنّ مدار الإعجاز هو الفصاحة والبلاغة الدائرتان مدار المعنى ، ومن المعلوم أن القرآن معجز باق. (٢)

وذكر الأستاذ العلاّمة الطباطبائي شبيه هذا الدليل جدير بالذكر هنا قال :

وخلاصة الحجّة(٣) أنّ القرآن أنزله الله على نبيّه ووصفه في آيات كثيرة بأوصاف خاصّة لو كان تغيّر في شيءٍ من هذه الأوصاف بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثّر فُقِدَ آثار تلك الصفة قطعاً ، لكنّا نجد القرآن الّذي بأيدينا واجداً لآثار تلك الصفات المعدودة على

__________________

(١) بقرة : ٢٣

(٢) التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف ، ص ٤٧.

(٣) للاطّلاع على تفصيل الدليل ، راجع الميزان في تفسير القرآن ، ج ١٢ ، ص ١٠٦.

٥٨

أتمّ ما يمكن وأحسن ما يكون ، فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئاً من صفاته ، فالّذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بعينه ، فلو فرض سقوط شيء منه أو تغيّر في إعراب أو حرف أو ترتيب وجب أن يكون في أمر لا يؤثّر في شيءٍ من أوصافه كالإعجاز وارتفاع الاختلاف والهداية والنوريّة والذكريّة والهيمنة على سائر الكتب السماوية إلى غير ذلك ، وذلك كآية مكرّرة ساقطة أو اختلاف في نقطة أو إعرابها ونحوها. (١)

__________________

(١) الميزان في تفسير القرآن ، ج ١٢ ، ص ١٠٩.

٥٩

العقل

إنّ العقل يحكم بداهة بأنّه يجب أن يكون القرآن سالماً عن احتمال أيّ تغيير أو تحريف ؛ لاهتمام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرآن اهتماماً شديداً حيث كان موضع عناية أمّة كبيرة واعية ، كانت تقدّسه وتعظّمه في إجلال وإكبار ، ولا عجب لأنه المرجع الأوّل لجميع شؤونهم في الحياة الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة ، فكان القرآن أساس الدّين وهو منبع الأصيل للفروع والأصول ، مضافاً إلة أنّه لو أنّ أحداً أدخل فصلاً في كتاب سيبويه أو غيره لعرف وميّز وعلم أنّه ليس من أصل الكتاب ، وذلك لشدّة العناية به وبحفظه ، وضبطه.

ومن المعلوم : أنّ العناية بحفظ القرآن وضبطه وقراءته أشد وأعظم ، ولا يقتصر ذلك على طائفة معيّنة ، بل هو محطّ أنظار واهتمام الجميع ، لأنّه معجزة النبوّة ، ومأخذ الأحكام ، وأساس الإسلام ، فكيف يجوّز العقل أن يتطرّق إليه يد التحريف والحال هذه؟! بل يحكم العقل بداهة

٦٠