🚘

اسطورة التحريف

محمود الشريفي

اسطورة التحريف

المؤلف:

محمود الشريفي


الموضوع : العقائد والكلام
الطبعة: ١
الصفحات: ١٦٠
🚘 نسخة غير مصححة

ومنهم المحدّث الشهير المولى محسن القاساني في كتابيه.

ومنهم بطل العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدّمة تفسيره (آلاء الرحمن). (١)

ولكن مع ذلك كلّه اتّهموا الشيعة بأنّهم معتقدون بتحريف القرآن والسبب أنّه توجد في مصادرهم روايات تدّعي أنّ القرآن وقع فيه التحريف ولابدّ أنّهم يعتقدون بها.

ولقد بالغوا مبغضو الشيعة في هذه التهمة ، وشنعوا بها علينا ونشروا حولها الكتب والمناشير حتّى زعم بعضهم أنّ الشيعة ليسوا مسلمين ، ونشير هنا إلى بعضها :

نموذج من نصوص التهمة

١. قال الكاتب الهندي الوهاّبي إحسان إلهي ظهير في كتابه (الشيعة والسنّة) صفحه ٦٥ تحت عنوان (الشيعة والقرآن) :

(من أهمّ الخلافات التي تقع بين السنّة والشيعة هو اعتقاد أهل السنّة بأنّ القرآن المجيد الذي أنزله الله على نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الكتاب الأخير المنزل من عند الله إلى الناس كافّة وأنّه لم يتغيّر ولم يتبدّل. وهو الموجود بين دفّتي المصاحف لأنّ الله قد ضمن حفظه وصيانته من أي تغيير وتحريف وحذف وزيادة ، على خلاف الكتب المنزلة القديمة السالفة ،

_________________

(١) البيان ، ص ٢٠٠.

٢١

من صحف ابراهيم وموسى وزبور وانجيل وغيرها ، فإنّها لم تسلم من الزيادة والنقصان بعد وفاة الرسل ، ولكن القرآن أنزله سبحانه وتعالى وقال :

(إنّا نحنُ نَزَّلْنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحافظونَ) (١)

وقال : (إنَّ علينا جمعهُ وقُرآنَهُ * فإذا قَرَأناهُ فَاتَّبعْ قرآنهُ * ثمَّ إنَّ علينا بيانَهُ). (٢)

وقال : (لا يأْتيِهِ الباطلُ مِن بينِ يديهِ ولا من خَلفهِ تَنزيلٌ من حكِيمٍ حميدٍ). (٣)

وإنّ عدم الايمان بحفظ القرآن وصيانته يجرّ الى إنكار القرآن وتعطيل الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنّه حينذاك يحتمل في كلّ آية من آيات الكتاب الحكيم أنّه وقع فيها تبديل وتحريف ، وحين تقع الاحتمالات تبطل الاعتقادات والإيمانيات ، لأنّ الايمان لا يكون إلاّ باليقينيات وأماّ بالظنيّات والمحتملات فلا.

وأمّا الشيعة فإنّهم لا يعتقدون بهذا القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس ، والمحفوظ من قبل الله العظيم ، مخالفين أهل السنّة ، ومنكرين لجميع النصوص الصحيحة الواردة في القرآن والسنّة ، ومعارضين كلّ ما يدلّ عليه العقل والمشاهدة ، مكابرين للحقّ وتاركين للصواب.

_________________

(١) الحجر : ٩

(٢) القيامة : ١٧ ـ ١٩

(٣) حم السجدة : ٤٢

٢٢

فهذا هو الإختلاف الحقيقي الأساسي بين أهل السنّة والشيعة ، بين المسلمين والشيعة؛ لأنّه لا يكون الإنسان مسلماً الاّ باعتقاده أنّ القرآن هو الذي بلغه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الناس كافّة بأمر من الله عزّ وجلّ ، وانكار القرآن ليس إلاّ تكذيباً بالرسول. ) (١)

٢. قال الدكتور الغفاري :

(فرية التحريف ابتدأ القول بها الروافض في القرن الثاني ، ونسبت إلى هشام بن الحكم وشيطان الطاق ... وإنّ بعض أهل العلم ينسب هذه العقيدة إلى الباطنية في حين أنّ الباطنية لم تخصّ بهذا المقالة ، والّذي تولّى كبرها واكثر الوضع فيها هم الإثنا عشرية.

ثمّ قال : إنّ أصحاب هذه المقالة والكتب الّتي حوت هذا الكفر ـ أي تحريف القرآن نعوذ بالله ـ هي محلّ تقدير عند هؤلاء [ أي الامامية ] وصدق الموقف يقتضي البراءة من معتقديها كالكليني وكتابه الكافي والقمي وتفسيره وغيرهما ممّن ذهب إلى هذه الكفر.) (٢)

٣. قال مال الله :

(ذهب أكثر علماء الشيعة أمثال الكليني صاحب الكافي والروضة والقميّ صاحب التفسير والشيخ المفيد والطبرسي صاحب الاحتجاج والكاشي والجزائري والأردبيلي والمجلسي وغيرهم من علماء الشيعة الإثني عشرية إلى قول بتحريف القرآن وأنّه أسقط من القرآن كلمات

_________________

(١) تدوين القرآن ، ص ١٨

(٢) سلامة القرآن من التحريف ص ٢٥٦.

٢٣

بل آيات حتّى أنّ أحد علمائهم المتأخّرين وهو النوري صنّف كتاباً أسماه ( فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب ربّ الأرباب ) أورد فيه كلام علماء الشيعة القائلين بالتحريف ، غير أنّ بعض علماء الشيعة أمثال الطوسي صاحب التبيان والشريف المرتضي والطبرسي صاحب مجمع البيان لعلوم القرآن وبعض منهم في العصر الحاضر أنكروا وقوع التحريف ، ربما يظنّ القارئ أنّ ذلك الإنكار صادر عن عقيدة ، بل الحقيقة أنّ ذلك من منطق التقيّة الّتي يجتمعون بها .... ) (١)

وهناك نصوص أخرى وتُهم كثيرة في هذا المعني نتركها لعدم الفائدة في تطويلها. وسيأتيك عن قريب الجواب الشافي عن هذه التهمة وأدع الأمر إليك عزيزي القاريء لتحكم بنفسك وليتّضح لديك بأنّ المحقّق المؤمن المنصف لا يلقي الكلام على عواهنه ولا يكيل التهم على المسلمين من دون دليل.

ولكن هنا نسأل كيف يحكم الكتاب الهندي بكفر من شهد بأنّه لا إله هو وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله والقرآن كتاب الله انزله عليه في حين يقول الله تبارك وتعالى : (يا أيّها الّذينَ آمَنوا إذا ضَرَبتُمْ في سبيل الله فتَبيَّنوا ولا تقولوا لِمنْ ألقى إليكُمُ السّلامَ لَستَ مؤمِناً تَبْتغُونَ عرض الحياة الدُّنيا فعندَ اللهِ مغانمُ كثيرةٌ كذلكَ كُنتمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عليكمْ فتبيّنوا إنَّ اللهَ كانَ بمِا تعملونَ خبيراً) (٢)

_________________

(١) سلامة القرآن من التحريف ، ص ٦٧٨

(٢) النساء : ٩٤.

٢٤

فقد أكدّ القرآن هنا على حقيقة مهمةّ وهي لزوم فتح الصدور والقبول ممّن أظهر الإسلام ولو بمجرّد القول وعدم التشكيك في عقائد الناس ، لا التفتيش عنها إذا قبلوا الدعوة النبويّة ونطقوا بكلمة التوحيد ( لا إله إلاّ الله ) ونهى الله جلّ وعزّ عن محاولة طرد من قال : إنيّ مسلم وعن رفض إسلامه لمجرّد الرغبه في عناوين دنيوية مثل الاستيلاء على المناصب الدينية وترويج الحزب والمذهب و ...

ويقول النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله : كفّوا عن اهل لا اله الاّ الله لا تكفّروهم بذنب ، فمن كفّر أهل لا اله الاّ الله فهو في الكفر أقرب. (١)

ونسأل ايضاً عن الدكتور الغفاري ماذا يقول في روايات أهل السنّة في هذا المقام؟ إذ أنهّ لابدّ أن يكون قد اطّلع على الأنواع المختلفه لتلك الروايات في كتب أهل السنةّ.

ونسأل مال الله هل إنّ أغلب علماء الشيعة قالوا بتحريف القرآن؟ وهل إنّ الأشخاص الذين سرد مال الله أسماءهم نظير : الكليني ، القميّ ، المفيد و ... قائلون بالتحريف؟

وهل إنّ إنكار تحريف القرآن من قبل علماء الشيعة من باب التقيّة؟

ألم يتعرّض علماء الشيعة بالنقد والتجريح لتلك الروايات؟

ولِمَ لم يتعرّض هؤلاء الكتّاب إلى نقل أقوالهم في النقد والتجريح كما ستعرف ذلك في الآتي؟

_________________

(١) دفاع عن القرآن الكريم ، ص ٨.

٢٥

وأخيراً هل إنّ أهل السنّة الذين حكموا بكفر من يعتقد هذا لم يذكروا روايات التحريف في كتبهم؟

نرجو من الله أن يعصمنا من الزلاّت والخطيئات والفتن في آخرالزمان.

٢٦

الفصل الثاني

أدلّة عدم بحريف الكتاب

٢٧
٢٨

الآيات الدالّة على نفي التحريف

١. قولع تعالى : ( إنّا نحْنُ نزَّلنا الذِّكر وإنّا نحن لهُ لَحافِظُون ) (١)

هذه الآية صريحة في صيانة القرآن من التحريف وغيره ، لأنّ المراد من الذكر في هذه الآية هو القرآن العظيم كما قال المفسّرون وهي تدلُّ على ضمان ووعد الهي بحفظ القرآن من وقوع التحريف وضياع شيء منه ونقصانه عمّا أنزله الله على نبيّه إلى الأبد وضمانه مقبول ووعده لايختلف ولا يتهلّف كما ورد في القرآن : (إنَّ اللهَ لا يُخلفُ الميعادَ) (٢).

قال شيخ الطائفة :

(وقوله : (إنّا نحنُ نزَّلنا الذِّكرَ) يعني القرآن في ـ قول الحسن والضحّاك وغيرهم ـ (وَإنّا لهُ لَحافِظونَ) قال قتاده : لحافظون من الزيادى والنقصان. ومثله قوله (لا يَأْتيهِ الباطلُ ِمن بينِ يدَيهِ ولا مِنْ

____________________

(١) الحجر : ٩

(٢) الرعد : ٣١

٢٩

خلفِهِ) وقال الحسن : لحافظون حتّى نجزى به يوم القيامة أي لقيام الحجة به على الجماعة من كلّ لزمته دعوة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.) (١)

وقال العلاّمة الطباطبائي ـ في تفسيره في قوله تعالى (إنّا نحنُ نزّلنا الذكرَ) ـ : (صدر الآية مسوق سوق الحصر ، وظاهر السياق أنّ الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردّهم القرآن بأنّه من أهذار الجنون). (٢)

ثم قال : (والمعنى ـ على هذا والله أعلم ـ أنّ هذا الذكر لم تأت به أنت من عندك حتىّ يعجزونك ويبطلوهم بعنادهم وشدّة بطشهم وتتكلّف لحفظه ثمّ لا تقدر ، وليس نازلاً من عند الملائكة حتىّ يفتقر إلى نزولهم وتصديقهم إيّاه بل نحن أنزلنا هذا الذكر إنزالاً تدريجاً وإنّا له لحافظون بماله من صفة الذكر بما لنا من العناية الكاملة به. فهو ذكر حيّ خالد مصون من أن يموت وينسى من أصله ، مصون من الزيادة عليه بما يبطل به كونه ذكراً ، مصون من النقص ، كذلك مصون من التغيير في صورته وسياقه بحيث يتغيّر به صفة كونه ذكر الله مبيّناً لحقائق معارفه.) (٣)

فعلى هذا انّ اللّام في الذكر للعهد الذكري ، فيكون المراد من الذكر

__________________

(١) التبيان في تفسير القرآن ، ج ٦ ، ص ٣٢٠.

(٢) لأنّه هكذا نقل قولهم قبل آيتين؛ (وقالو يا ايها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) الحجر : ٦.

(٣) الميزان في تفسير القرآن ، ج ١٢ ، ص ١٠٣.

٣٠

هو القرآن(١) قطعاً كما أنّ المراد بالذكر في الآية السابقة على هذه الآية ـ قبل آيتين ـ هو القرآن قطعاً ، فلا يعبأ بمن قال إنّ المراد بالذكر هو النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كما قال العلاّمة أيضاً في تفسيره :

(ومن سخيف القول إرجاع الضمير في (له) إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّه مدفوع بالسياق كما يشير إليه بقوله سابقاً : (وقالوا يا أيُّها الَّذي نُزٍّلَ علَيْهِ الذِّكر إنَّكَ لَمجنونُ).

مضافاً إلى أنّه لو كان الرسول بياناً للذكر كان المناسب أن يقول (إنّا نحن أرسلنا الذكر وإنّا له لحافظون) لا التعبير بالإنزال ، فالظاهر كما قال المفسرون أن يكون المراد من الذكر هو القرآن.

وقال الطبرسي أيضاً :

( (إنّا نحنُ نزَّلْنا الذِّكرَ) أي القرآن (وَإنّا لهُ لَحافظونَ) عن الزيادة والنقصان والتحريف والتغيير ، عن قتاده وابن عباس ، ومثله (لا يَأتيهِ الباطِلَ مِن بينِ يدَيْهِ ولا من خلفِهِ) ).

وقال آية الله العظمى الخوئي رحمه‌الله : (فإنّ في هذه الآية دلالة على حفظ

__________________

(١) كما عبّر عن القرآن بالذكر في الآيات الآتي خبر فيها عن حفظ القرآن عن التحريف قوله تعالى : (إنّ الّذين كفروا بالذّكر لما جاءهم وإنّه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) حم السجدة : ٤٢

(٢) الميزان في تفسير القرآن ، ج ١٢ ، ص ١٠٦.

(٣) مجمع البيان ، ج ٥ ، ص ٣٣١.

٣١

القرآن من التحريف ، وأنّ الأيدي الجائرة لن تتمكّن من التلاعب فيه). (١)

وقال الأستاذ العلاّمة الشيخ محمد هادي المعرفة : (هذه الآية الكريمة ضمنت بقاء القرآن وسلامته عن تطرّق الحدثان عبر الأجيال.

وهو ضمان إلهي لا يختلف وعداً صادقاً (إنَّ اللهَ لا يخلِفُ الميعادَ).

وهذا هو مقتضى قاعدة اللطف : (يجب على الله تعالى ـ وفق حكمته في التكليف ـ فعل ما يوجب تقريب العباد إلى الطاعة وبعدهم عن المعصية). ولا شكّ أنّ القرآن هو عماد الإسلام وسنده الباقي مع بقاء الإسلام ، وهو خاتمة الأديان السماوية الباقية مع الخلود ، الأمر الذي يستدعي بقاء أساسه ودعامته قويمة مستحكمة لاتتزعزع ولاتنثلم مع عواصف أحداث الزمان. وأجدر به أن لا يقع عرضةً لتلاعب أهل البدع والأهواء ، شأن كلّ سند وثيق يبقى ، ليكون حجّة ثابتة مع مرّ الأجيال.

وهذا الضمان الإلهي هو أحد جوانب إعجاز هذا الكتاب ، حيث بقاؤة سليماً على أيدي الناس وبين أظهرهم ، وليس في السماء في البيت المعمور في حقائب مخبوءة وراء الستور ، ليس هذا اعجازاً ، إنّما الإعجاز هو حفظه وحراسته في معرض عامّ وعلى ملأ الأشهاد. (٢)

__________________

(١) البيان ، ٢٠٧.

(٢) صيانة القرآن من التحريف ، ص ٤٣.

٣٢

٢. قوله تعالى : ( وإنَّهُ لكتابٌ عزيزٌ * لايأْتيهِ الباطلُ من بينِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خلفِهِ تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ ) (١)

هذه الآية تؤكّد بأنّ القرآن كتاب عزيز نزل من عند العزيز الّذي هو حكيم وحميد وأنّه لا طريق للباطل إليه من أيّة جهة من الجهات ، فالمنصف إذا أمعن النظر يفهم أنّ هذا القرآن مصون ومحفوظ من التحريف وسليم من حوادث الزمان.

قال الأستاذ العلاّمة الشيخ محمد هادي المعرفة :

(هذه الآية أصرح دلالة من الآية لأولى ، فقد وعد تعالى بصيانته من الضياع وسلامته من حوادث الأزمان ، مصوناً محفوظاً يشقّ طريقه إلى الأمام بسلام.

وقوله ( لا يأتيهِ الباطلُ من بَين يدَيْه ولا مِن خَلفِهِ ) الباطل : الفاسد الضائع ، أي لا يعرضه فساد أو نقص لا في حاضره ولا في مستقبل الأيّام : وذلك لأنّه تنزيل من لدن حكيم عليم.

وأنّ حكمته تعالى لتبعث على ضمان حفظه وحراسته مع أبدية الإسلام (حميد) : من كان محموداً على فعاله فلا يخلف الميعاد.) (٢)

قال العلاّمة الطباطبائي :

( وقوله : (وَإنَّهُ لكتابٌ عزيزٌ) الضمير للذكر وهو القرآن ، والعزيز : عديم النظير المنيع الممتنع من أن يغلب ، والمعنى الثاني أنسب

__________________

(١) فصلت : ٤١ و ٤٢.

(٢) صيانة القرآن من التحريف ، ص ٤٩.

٣٣

لما يتعقّبه من قوله : (لا يأتيهِ الباطل مِنْ بينِ يَدَيْهِ ولا منْ خلفهِ).

وقول : (لا يأتيهِ الباطل مِنْ بينِ يَدَيْهِ ولا منْ خلفهِ) إتيان الباطل إليه ووروده فيه وصيرورة بعض أجزائه أو جميعها باطلاً بأن يصير ما فيه من المعارف الحقّه أو بعضها غير حقّه أو ما فيه من الأحكام والشرائع وما يلحقها من الأخلاق أو بعضها لغىً لا ينبغي العمل به.

وعليه فالمراد بقوله : (مِن بينِ يَديْهِ ولا مِن خلفِهِ) زماناً الحال والاستقبال أي زمان النزول وما بعده إلى يوم القيامة ، وقيل : المراد بما بين يديه ومن خلفه جميع الجهات كالصباح والمساء كناية عن الزمان كلّه فهو مصون من البطلان من جميع الجهات ... إلى أن قال : فالآية تجري مجرى قوله : (إنّا نحنُ نزّلنَا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحافِظونَ). (١)

فالآية تدّل على عدم ورود الباطل في القرآن ، وعدم إمكان تبديل الآيات بما هي غير آيات ، فالتحريف من أكمل مصاديق الباطل ، فإذا انتفى ورود الباطل فيه انتفى ورود التحريف في القرآن.

وقال أيضاً :

(إنّ من ضروريات التاريخ أنّ النبيّ العربي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله جاء قبل أربعة عشر قرناً ـ تقريباً ـ وادّعى النّبوة وانتهض للدعوة وآمن به أمّة من العرب وغيرهم ، وأنّه جاء بكتاب يسمّيه القرآن وينسبه إلى ربّه

__________________

(١) الميزان في تفسير القرآن ، ج ١٧ ، ص ٤٢٤.

٣٤

متضمّن لجمل المعارف وكليّات الشريعة التّي كان يدعو إليها ، وكان يتحدّى به ويعدّه آية لنبوّته ، وأنّ القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الّذي جاء به وقرأه على الناس المعاصرين له في الجملة ، بمعنى أنّه لم يضع من أصله بأن يفقد كلّه ثمّ يوضع كتاب آخر يشابهه في نظمه أولا يشابهه وينسب إليه ويشتهر بين الناس بأنّه القرآن النّازل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فهذه أمور لا يرتاب في شيء منها إلاّ مصاب في فهمه ، ولا احتمل بعض ذلك أحد من الباحثين في مسألة التحريف من المخالفين والمؤالفين.

وإنمّا احتمل بعض من قال به من المخالف أو المؤالف زيادة شيء يسير كالجملة أو الآية أو النقص والتغيير في جملة أو آية في كلماتها أو إعرابها ، وأمّا جلّ الكتاب الإلهيّ فهو على ما هو في عهد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يضع ولم يفقد.

ثمّ إنّا نجد القرآن يتحدّى بأوصاف ترجع إلى عامّة آياته ونجد ما بأيدينا من القرآن ـ أعني مابين الدفّتين ـ واجداً لما وصف به من أوصاف تحدّى بها من غير أن يتغيّر في شيء منها أو يفوته ويفقد.

فنجده يتحدّى بالبلاغة والفصاحة ونجد ما بأيدينا مشتملاً على ذلك النظم العجيب البديع لا يعدله ولا يشابهه شيء من كلام البلغاء والفصحاء المحفوظ منهم والمرويّ عنهم من شعر أو نثر خطبة أو رسالة أو محاورة أو غير ذلك ، وهذا النظم موجود في جميع الآيات سواء كتاباً

٣٥

متشابهاً مثاني تقشعرّ منه الجلود والقلوب.

ونجده يتحدّى بقوله : ( أفَلا يتَدَّبرونَ القرآن وَلو كان مِن عندِ غيرِ اللهِ لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) (١) بعدم وجود اختلاف فيه ونجد ما بأيدينا من القرآن يفي بذلك أحسن الوفاء وأوفاه فما من إبهام أو خلل يتراءى في آية إلّا ويرفعه آية أخرى ، وما من خلاف أو مناقضة يتوهّم بادي الرأي من شطر إلاّ وهناك ما يدفعه ويفسّره.

ونجده يتحدّى بغير ذلك ممّا لايختصّ فهمه بأهل اللغة العربيّة كما في قوله : (قُل لَئِنِ اجتمَعَتِ اْلانسُ والجنُّ على أن يأتوا بِمثْلِ هذا القرآن لا يأتونَ ولَوْ كانَ بعضُهُمْ لبعضٍ ظهيراً) وقوله : (إنّهُ لَقَوْلٌ فصلٌ * وما هوَ بالهَزْلِ) ثمّ نجد ما بأيدينا من القرآن يستوفي البيان في صريح الحقّ الّذي لامرية فيه ، ويهدي إلى آخر ما يهتدي إليه العقل من أصول المعارف الحقيقيّة وكليّات الشرائع الفطريّة وتفاصيل الفضائل الخلقيّة من غير أن نعثر فيها على شيء من النقيصة والخلل أو نحصل على شيء من الناقض والزلل ، بل نجد جميع المعارف على سعتها وكثرتها حيّة بحياة واحدة مدبّرة بروح واحد هو مبدأ جميع المعارف القرآنية ، الأصل الّذي إليه ينتهي الجميع ويرجع ، وهو التوحيد ، فإليه ينتهي الجميع بالتحليل ، وهو يعود إلى كلّ منها بالتركيب.

__________________

(١) النساء : ٨٢

(٢) الإسراء : ٨٨

(٣) الطارق : ١٤

٣٦

ونجده يغوص في أخبار الماضين من الأنبياء وأممهم ونجد ما عندنا من كلام الله يورد قصصهم ويفصّل القول فيها على ما يليق بطهارة الدين ويناسب نزاهة ساحة النبوّة وخلوصها للعبوديّة والطاعة ، وكلّها طبّقنا قصّة من القصص القرآنية على ما يماثلها ممّا ورد في العهدين انجلى ذلك أحسن الانجلاء.

ونجده يورد آيات في الملاحم ويخبر عن الحوادث الآتية في آيات كثيرة بالتصريح أو بالتلويح ثمّ نجدها فيما هو بأيدينا من القرآن على تلك الشريطة صادقة مصدّقة.

ونجده يصف نفسه بأوصاف زاكية جميلة كما يصف نفسه بأنّه نور وأنّه هاد يهدي إلى صراط مستفيم وإلى الملّة الّتي هي أقوم ونجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئاً من ذلك ولا يهمل من أمر الهداية والدلالة ولا دقيقة.

ومن أجمع الأوصاف الّتي يذكرها القرآن لنفسه أنّه ذكر لله ، فإنّه يذكر به تعالى بما أنّه آية دالّة عليه حيّة خالدة ، وبما أنّه يصفه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، ويصف سنّته في الصنع والإيجاد ، ويصف ملائكتة وكتبه ورسله ، ويصف شرائعه وأحكامه ، ويصف ما ينتهي إليه أمر الخلقة وهو المعاد ورجوع الكلّ إليه سبحانه ، وتفاصيل ما يؤول أمر الناس من السعادة والشقاء ، والجنّة والنار.

ففي جميع ذلك ذكر الله ، وهو الّذي يرومه القرآن بإطلاق القول بأنّه ذكر ونجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئاً من معنى الذكر.

٣٧

ولكون الذكر من أجمع الصفات في الدلالة على شؤون القرآن عبّر عنه بالذكر في الآيات الّتي أخبر فيها عن حفظه القرآن عن البطلان والتغيير والتحريف كقوله تعالى : (إنَّ الَّذينَ يُلحِدونَ في آياتِنا لا يخفَوْنَ علَيْنا أَفمَنْ يُلْقى في النّارِ خَيرٌ أمْ مَنْ يَأتي آمِناً يَومَ القِيامةِ اعمَلُوا ما شِئتُم إنّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ * إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا بِالذِّكرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإنّهُ لَكتاب ٌ عزيزٌ * لايأتيهِ الباطلٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِن خَلفِهِ تنْزيلٌ مِن حكيمٍ حميدٍ) (١) فذكر تعالى أنّ القرآن من حيث هو ذكر لا يغلبه باطل ولا يدخل فيه حالاً ولا في مستقبل الزمان لا بإبطال ولا بنسخ ولا بتغيير أو تحريف يوجب زوال ذكريّته عنه.

وكقوله تعالى : (إنّا نحنُ نزَّلنا الذِّكرَ وَإنّا لهُ لَحافظونَ) (٢) فقد أطلق الذكر وأطلق الحفظ ، فالقرآن محفوظ بحفظ الله عن كلّ زيادة ونقيصة وتغيير في اللفظ أو في الترتيب يزيله عن الذكريّة ويبطل كومه ذكراً لله سبحانه بوجه.

ومن سخيف القول إرجاع ضمير (لهُ) إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّه مدفوع بالسياق ، وإنّما كان المشركون يستهزؤن بالنبيّ لأجل القرآن الذي كان يدّعي نزوله عليه ، كما يشير إليه بقوله سابقاً : (وَقالوا يا أيُّها الَّذي نُزِّلَ عليهِ الذِّكرُ إنّكَ لَمَجنُونٌ) ، وقد مرّ تفسير الآية.

فقد تبيّن ممّا فصّلناه أنّ القرآن الّذي أنزله الله على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ووصفه

__________________

(١) حم السجدة : ٤٢ ـ ٤٠

(٢) الحجر : ٩

٣٨

بأنّه ذكر محفوظ على ما أنزل مصون بصيانة إلهيّة عن الزيادة والنقيصة والتغيير ، كما وعد الله نبيّه فيه.

وخلاصة الحجّة : أنّ القرآن أنزله الله على نبيّه ووصفه في آيات كثيرة بأوصاف خاصّة لو كان تغيّر في شيء من هذه الأوصاف بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثر فُقِدَ آثار تلك الصفة قطعاً ، لكنّا نجد القرآن الّذي بأيدينا واجداً لآثار تلك الصفات المعدودة على أتمّ ما يمكن وأحسن ما يكون ، فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئاً من صفاته ، فالّذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بعينه ، فلو فرض يقوط شيء منه أو تغيّر في إعراب أو حرف أو ترتيب وجب أن يكون في أمر لا يؤثّر في شيء من أوصافه كالإعجاز وارتفاع الاختلاف والهداية والنوريّة والذكريّة والهيمنه على سائر الكتب السماويّة إلى غير ذلك ، وذلك كآية مكرّرة ساقطة أو اختلاف في نقطة أو إعرابها ونحوها. ) (١)

٣. قوله تعالى :

(لا تحَّركْ بهِ لسانَكَ لتَجعَلْ بهِ * إنَّ عَلينا جمعَهُ وقُرْآنهُ * فإذا قَرَأناهُ فَاتَّبعْ قُرآنه * ثمَّ إنَّ عَليْنا بَيانَهُ)

قال ابن عباس :

كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا نزل عليه القرآن عجّل تحريك لسانه لحبّه إيّاه

__________________

(١) الميزان في تفسير القرآن ، ج ١٢ ، ص ١٠٦.

(٢) القيامة : ١٦ ـ ١٩

٣٩

وحرصه على أخذه وضبطه مخافتة أن ينساه فنهاه الله عن ذلك.

وقال ايضاً : (إنَّ علينا جَمعه ُ وقُرآنَهُ) عليك حتىّ تحفظه ويمكنك تلاوته فلا تخف فوت شيءٍ منه. (١)

قال الأستاذ الشيخ هادي المعرفة : كان صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا نزل عليه القرآن عجّل بقراءته حرصاً على ضبطه وحفظه دون أن ينساه أو يضيع ، وذلك كان قبل أن ينتهي الوحي ببقيّة الآية أو السورة التي كانت تنزل تباعاً.

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ١٠ ، ص ٣٩٧.

(٢) صيانة القرآن ، ص ٤٥

٤٠