الديمقراطيّة على ضوء نظريّة الإمامة والشورى

الشيخ محمّد سند

الديمقراطيّة على ضوء نظريّة الإمامة والشورى

المؤلف:

الشيخ محمّد سند


الموضوع : العامة
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-8629-97-8
الصفحات: ٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

٦ ـ التسامح والتساهل الديني.

٧ ـ النبوّة والإمامة والزعامة السياسية.

٨ ـ الحرّية ومعارضتها مع المفهوم الديني.

٩ ـ تعارض العلم مع الدين « المثليّة الجنسيّة نموذجاً ».

١٠ ـ تعارض العقل مع الدين « حدوده ومفهومه ».

١١ ـ التعارض بين الخطاب الديني والقوانين الغربيّة « الحجاب نموذجاً ».

١٢ ـ الخطاب الديني والإلزام الحقوقي.

١٣ ـ المرجعيّة الدينية في عصر الغيبة « حدودها وأدوارها ».

١٤ ـ الأخلاق بين الثابت والمتغيّر.

١٥ ـ العلاقة مع الآخر.

١٦ ـ حقوق المرأة في الإسلام « حدودها وضوابطها ».

١٧ ـ المساواة بين الرجل والمرأة.

١٨ ـ حقوق الإنسان بين الإسلام والشرعيّة الدوليّة.

١٩ ـ حقوق الأقليات في الإسلام.

٢٠ ـ الحريّات الشخصية في المنظور الإسلامي.

٢١ ـ العلمانيّة والفكر الديني.

٢٢ ـ الدين والسياسة.

٢٣ ـ فلسفة العقوبات « القصاص نموذجاً ».

٢٤ ـ أُصول الفقه الإسلامي والهرمنيوطيقا.

٢١

٢٥ ـ التعدديّة الدينيّة.

٢٦ ـ الحريّات الفكريّة في الإسلام.

٢٧ ـ إسلاميّة المعرفة.

٢٨ ـ دور العلوم البشريّة في الاجتهاد.

٢٩ ـ أثر الزمان والمكان في الاجتهاد.

٣٠ ـ لغة المجاز والرمزية في النصّ الديني.

٣١ ـ حوار الحضارات بين الحقيقة والخيال.

٣٢ ـ التقريب بين الأديان والمذاهب ( حدوده وضوابطه ).

٣٣ ـ المتفق عليه والمختلف فيه بين الأديان في سيرة الأنبياء.

٣٤ ـ الأديان والشرائع السماويّة ( حدود المشتركات فيها ونسخ بعضها الآخر ).

٣٥ ـ الكتب المقدّسة للأديان السماوية بين الحقيقة والتحريف.

٣٦ ـ أهل الذمّة في الشريعة الإسلاميّة.

٣٧ ـ دور رجال الدين في السياسة والدولة.

٣٨ ـ نظريات علم الاجتماع الحديثة في الشريعة الإسلامية.

٣٩ ـ التعهدات بين الدول الغربية والإسلامية ( حدودها وضوابطها ).

٤٠ ـ الاقتصاد الإسلامي وتوزيع ثرواته على الشعوب.

مركز الأبحاث العقائديّة

محمد الحسّون

٢٢

Description: F:Book-LibraryENDQUEUEDimiqratyyaimagesimage003.gif

٢٣

٢٤



بسم الله الرحمن الرحيم

استضاف مركز الأبحاث العقائديّة سماحة العلّامة الشيخ محمّد سند ، في مقرّ المركز في مدينة قم المقدّسة ، وطرح على سماحته عدّة أسئلة ، وكان موضوع البحث « الديمقراطيّة على ضوء نظريّة الإمامة والشورى ».

لا يخفى أنّ للديمقراطيّة تاريخاً طويلاً ، وقد مرّت بتجارب كثيرة ، وامتزجت بثقافات عديدة ، إلى أن وصلت بأيدينا بهذه الصورة ، وأصبحت كأُمنية عالميّة ينادي بها الشعوب والحكّام ، حتى إنّ فرانسيس فوكوياما ـ أحد المنظّرين في الولايات المتحدة ـ أعلن في كتابه « نهاية التاريخ » بأنّ الشعوب مرّت بتجارب سياسيّة كثيرة إلى أن انتهى أمرها إلى الديمقراطيّة الليبراليّة ، وستكون هي آخر نظام سياسي يشهده التاريخ.

هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى نحن كإسلاميّين واجهنا هذا المفهوم كواقع سياسي حي ، وسبّبت هذه المواجهة نزاعاً بين الإسلاميين أنفسهم في قبولها أو رفضها ، فما هو تعريفكم سماحة الشيخ للديمقراطيّة ؟ وما هي الأُسس التي تعتمد عليها ؟

٢٥

الشيخ السند : حفلت البشريّة تقريباً قرابة القرنين الأخيرين ، لاسيما التغيّرات في النظام الاجتماعي التي حدثت في المجتمعات الأوربية ، والثورات والانقضاض على الأنظمة الملكيّة المستبدّة ، فتولّدت لديهم فكرة حاكميّة الإرادة الاجتماعيّة ، أو ما قد يسمّى المشاركة الشعبيّة ، ومشاركة عموم أفراد المجتمع في تقرير مصيرهم وإدارة بلدهم ، وإدارة النظام الاجتماعي الذي يحكم فيهم.

وأُطلق عليها عند عدّة من أصحاب فلسفة القانون أو علم الاجتماع بـ « العقد الاجتماعي » ، كما ذكر ذلك جان جاك روسو وغيره من القانونيين والحقوقيّين ، إلّا أنّ هذه النظريّة أخذت في مراحل وأطوار عديدة ، وصيغت بصياغات أيضاً متعدّدة ، وفي بعض الصياغات قد تكون هي تلفيقيّة مع الأنظمة البائدة السابقة ، فمثلاً قضيّة مشاركة الناس في الحكم أخذت صوراً وصياغات مختلفة : بأن تنتخب القاعدة الشعبية النخبة والنخبة هي التي تنتخب الرئيس ، أو أنّ القاعدة هي مباشرة تنتخب الرئيس.

وبعبارة أُخرى ، هناك جدل قانوني على قدم وساق الآن ، ولا يزال موجوداً ، عن دور النخبة مع دور القاعدة العامّة ، وكيف يؤمّن مشاركة عامّة الناس مع التحفّظ على سلامة المسار ، سواء القانوني ، أو الإداري ، أو التدبيري بتوسط النخبة ، وهناك صياغات متعدّدة أُخرى.

٢٦

يعني سماحة الشيخ ، تقولون : إنّ المحور الأساسي للديمقراطيّة هو انتخاب الشعب في مقابل الأنظمة الاستبداديّة ، ولكن كيفيّة تطبيق هذا المفهوم اختلف بصياغات مختلفة.

الشيخ السند : نعم ، العنصر الأصلي هو في مشاركة الناس في الحكم ، وماهيّة المشاركة أيضاً اُثير حولها وصيغت بعدّة صياغات ، واُثيرت عدّة جدليّات قانونيّة وحقوقيّة فيها ، والجدل قائم لازال حول حقيقة الانتخاب ، هل هو تولية ونيابة ؟ أو هو استكشاف واستصواب ؟ وطبعاً تترتّب على كلّ مفهوم من هذه المفاهيم آثار قانونيّة مختلفة.

سماحة الشيخ ، عندما يجئ أىّ مفهوم جديد إلى العالم الإسلامي ، نحن كإسلاميين ومتديّنين نحاول تفسير هذا المفهوم في المنظومة الفكريّة التي عندنا ، فلمّا جاء هذا المفهوم الجديد ـ أي الديمقراطيّة ـ إلى العالم الإسلامي ، حاول المؤيّدون لهذا المفهوم من أهل السنّة تفسيره طبقاً لنظريّة الشورى ، وحاول الشيعة تفسيره طبقاً لنظريّة الإمامة التي هي المشروع السياسي عند الإماميّة ، فالسؤال أنّه : هل يمكن تفسير هذا المفهوم على ضوء هاتين النظريّتين ، أم لا صلة له بهاتين النظريّتين إطلاقاً ؟

الشيخ السند : نعم ، قد قيل وكُتب ونُشر وقُرّر : أنّ نظريّة الشورى المتبعة عند أهل السنّة ، ولو على الصعيد النظري عندهم ـ وإلّا على الصعيد العملي قلّما شاهدنا عند أبناء الطوائف الإسلاميّة السنيّة في

٢٧

حكوماتهم منذ العهد الأول إلى يومنا هذا ، قلّما شاهدنا تطبيقاً صحيحاً ودقيقاً للشورى ـ قيل بأنّها تطابق نظريّة الديمقراطيّة تقريباً الموجودة في العصر الحديث في جملة من جوانبها ، لا كلّ جوانبها ; لأنّ من جوانب الديمقراطيّة المطروحة الحديثة أو الليبراليّة عدم التقيّد بديانة خاصّة أو عدم التقيّد حتى برسوم أخلاقيّة ، وهذا طبعا لا يتفق مع نظرية الشورى عند المذاهب الإسلاميّة.

لكن الجوانب المتّفقة ، وهي نحو مشاركة الأكثريّة ، أو حاكميّة الأكثريّة في إدارة الحكم في جانب القوّة التنفيذيّة ، أو اختيار الحاكم الوالي ، فنظريّة الشورى شأنها شأن بقيّة المدارس الديمقراطيّة أيضاً ، أخذت في الاختلاف في التصوير والصياغة : أنّه هل الشورى بمعنى مشاركة كلّ الناس ، أو بمعنى أنّ الناس ينتخبون أهل الحلّ والعقد ، وأهل الحلّ والعقد ـ يعني النخبة ـ هم ينتخبون الحاكم ، أو أنّه لا دور للناس ؟

ولعلّ الأشهر عند علماء أهل سنّة الجماعة أنّ الشورى هي المشورة عند النخبة ، عند أهل الحلّ والعقد ، ونخبويّة هذه النخبة ليست بانتخاب وباستصواب عامّة الناس ، بل الشور والشورى يدور في دائرة النخبة ، والنخبة تتّصف بهذه الصفة بتبع تحلّيها بصفات معيّنة ، وكفاءات معيّنة مؤهلة لها علميّة ، ثمّ حينئذٍ يقوم الانتخاب في تلك الدائرة الضيقة ، وبعبارة أُخرى هي تنتخب الحاكم.

طبعاً هذا الطرح من نظريّة الشورى لا نستطيع حينئذٍ أن نطابقه

٢٨

ونوازيه مع الطرح الديمقراطي الغربي المطروح الآن ، فهذا القول الأشهر لدى علماء العامّة لا يصبّ في مصبّ الديمقراطيّة في اللون العامّ لها ، نعم الأقوال الأُخرى في نظريّة الشورى من أنّها حاكميّة الأكثريّة ، وهي التي تنتخب أهل الحلّ والعقد ، ثمّ أهل الحلّ والعقد ينتخبون الحاكم ، هذه قد تتوافق مع بعض الصياغات في الديمقراطيّة.

والمهم أنّ المؤشّر المميّز لنظريّة الشورى لا أقل في عدّة من أقوالها وصياغاتها ، أنّها تتقارب مع نظريّة الديمقراطيّة الغربيّة المطروحة الآن من جهة مشاركة الأكثريّة ، ولكن فيها مفارقات عديدة كما ذكرنا :

منها : أنّ الحاكم عندما يُنتخب لا تجوز معارضته أو خلعه ، بينما في النظريّة الديمقراطيّة ليس هناك تنصيب مطلق غير قابل للزوال.

ومن الاختلافات الأُخرى أيضاً : أنّ في النظريّة الديمقراطيّة هناك ربما مجال للمعارضة بشكل أوسع لأشكالها المختلفة ، بينما في نظريّة الشورى لدى العامّة فإنّ باب المعارضة والرقابة الشعبيّة على الحاكم تكاد تكون ضئيلة جدّاً ، ويكاد يرسم للفرد أو للجماعات في ظلّ حكومة الحاكم دور ضئيل خجول ، يضيّقون مجال المعارضة أو النقد أو الرقابة بشكل ضئيل جدّاً.

فمن ثمّ نستطيع أن نقول : إنّ هناك مفارقات كثيرة بين الديمقراطيّة الغربيّة المطروحة ، ونظريّة الشورى بالشكل المرسوم عند العامّة ، حتى على القول بأنّ القاعدة الشعبيّة لها دور في الانتخاب.

٢٩

وأمّا في النظريّة الإماميّة للحكم ، فعند جملة من الكُتّاب ، سواء المستشرقين أو حتى كتّاب أهل سنّة الجماعة ، صوّر بأنّ نظريّة الإمامة هي نظريّة ملكيّة وراثيّة استبداديّة متأثّرة بالملكيّة الكسرويّة.

وقبل أن أُبيّن أنّ في النظريّة الإماميّة يتمّ مراعاة تمام الأُسس التي انطلقت منها الديمقراطيّة ، ومراعاة تمام التوصيّات القرآنيّة في الشورى.

وقبل أن أبدأ في رسم نظريّة الإمامة عند الاماميّة ، من أنّها ليست وراثة ملكيّة نسبيّة بالمعنى الترابي القبلي المطروح في عهود الأنظمة الملكيّة الاستبدادية البائدة ـ وإن كان الكثير عن عمدٍ أو قصدٍ أو جدلٍ أو دجلٍ يحاول أن يصرّ في رسم النظريّة الإماميّة في هذه الصورة ـ فإنّ القرآن الكريم يطرح نظريّة وراثة نوريّة اصطفائيّة ليست هي ترابيّة ، حيث يقول الله تعالى : ( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ... ) (١).

وهنا القرآن الكريم يطرح أنّ آل إبراهيم وآل عمران ليست هي هذه الآل والأهليّة والنسبة القرابيّة ، على غرار النظريّة الكسرويّة أو القيصريّة أو الملوكيّة البائدة ، أو التي لا زالت الآن قائمة في بعض بلدان المجتمع البشري ، بل إنّ القرآن الكريم يُريد أن يقول بأنّ أرضيّة الاصطفاء للمصطفى تحتاج إلى بيئة مؤهّلة وصالحة أيضاً ، وإنّ النسل

______________

(١) آل عمران (٣) : ٣٣ ـ ٣٤.

٣٠

الكفوء هو المؤهّل لقيادة البشريّة ، ولكن هذا ليس من باب الحرمان لبقيّة الطوائف ، وهو من باب ما يطلقه علماء الحقوق بـ « الحقوق الطبيعيّة » ; لأنّ طبيعة هذا النسل عندما يكون مُصطفى ، مُصفّى ، طاهراً ، مُجتبى ، تكون أهليّته في القيادة أكثر من غيره.

مع أنّ فكرة القيادة والحاكميّة في القرآن الكريم والنظريّة الإسلاميّة ليست هي بمعنى التنفّع ، أو نفعيّة القائد والحاكم من منصبه ، بل بمعنى خدمته لبقيّة الطوائف ، فهو كافل لأن يوصل بقيّة الطوائف من النسل البشري إلى كمالاتهم وحقوقهم الطبيعيّة أو التشريعيّة بشكل آمن أكثر من غيره ، فهي ليست إلّا فكرة أنّ المؤهل والكفوء يوضع في المكان المناسب لكي يخدم ، لا أنّه لكي يتجبّر أو يستبدّ.

فإذاً هناك مفارقات بين النظريّة النسبيّة الاصطفائيّة في القرآن الكريم ، وبين نظريّة الملوكيّة الاستبداديّة البائدة ، أو التي لا زالت نماذجها في المجتمع البشري.

وفكرة الاماميّة تقوم على أنّ هناك نسل مُصطفى مُجتبى يضعه القرآن الكريم في أهليّة القيادة ، ومن ثمّ خصّ القرآن الكريم قربي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم للمودّة ، وهذه ليست من باب الطبقيّة أو الارستقراطيّة أو البرجوازيّة أو ما شابه ذلك ، وإنّما هي تكمن في طيّاتها أنّ قربى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتميّزون بصفات آهلة بعيدة عن البطر ، وبعيدة عن النخوة والشهوة والنزاعات الشخصيّة والذاتيّة ، بل

٣١

هم قالبهم تمام الذوبان في المشاريع الدينيّة ، وفي إنجاز حقوق البشر للتكامل بشكل تامّ وافٍ ، يصلون فيه إلى سعادتهم الدنيويّة والأُخرويّة.

فحينئذٍ تخصيص القرآن الكريم ذوي القربى بالمودّة أو بالخمس ، أو تخصيصهم بكلّ الأموال العامّة في سورة الأنفال وفي سورة الحشر بإدارة الفيء وهو ثروات الأرض ( مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) (١).

الحكمة في ذلك أنّ هؤلاء حيث قد تميّزوا واتصفوا بالعصمة العلميّة والعمليّة ، فهم المؤهّلون الكفوؤن لإرساء العدالة بين المسلمين ، لكي لا تكون الثروات العامّة متداولة في فئة وطبقة الأغنياء ( كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) أي كي لا تحتكر الطبقة الغنيّة القويّة الثروة العامة فيما بينها ، وترسو العدالة وتتوزّع المنابع العامّة من الأموال والمنابع الطبيعيّة الأُخرى على المجتمع بشكل متكافى عادل ، إذاً لابدّ أنّ يتسلّم ذوي القربى هذا المنصب.

وهذه ملحمة قرآنيّة يتنبّأ بها القرآن الكريم ، يعني لن تستتبّ العدالة الماليّة في الأُمّة الإسلاميّة ، بل في البشريّة ، ما لم يصل هذا النسل الخاصّ المطهّر إلى سدّة الحكم ، ووصوله لا لأجل بطر هذه الذريّة والعياذ بالله ، أو نزعة هذا النسل إلى مآربه الشخصيّة ، وإنّما هي لأجل

______________

(١) الحشر (٥٩) : ٧.

٣٢

المنافع العامّة في الأُمّة الإسلاميّة ، بل في البشريّة.

فالمقصود أنّ أصل نظريّة الإمامة وإن كان هو النسل الخاصّ ولكن ليس نسلاً ترابيّاً ، أو لأجل نسبة اللحم والدم الخاصّ البشري ، وإنّما هو لأجل تنسيل اصطفائي نوري مطهّر خاصّ مُجتبى ، فإذاً هناك مفارقة شاسعة بين الطرح الملكي ونظريّة الإمامة ، هذا كبادئ ذي بدء.

وأمّا كيف أنّ النظريّة الإماميّة هي تحافظ على أُسس الديمقراطيّة بأكثر ممّا تحافظ نفس أغراض الديمقراطيّة على الأُسس التي انطلقت منها ، والمبادى التي انطلقت منها ؟ فذلك كما يلي :

الأول : أنّ هناك جدل كبير في النظريّة الديمقراطيّة ، وهي أنّ الأقليّة كيف تُلغى أصواتهم ومشاركتهم. وهذا الجدل إلى يومنا هذا لم يُحّل في النظريّة الديمقراطيّة ، ربما تكون الأقليّة الثلث ، قد تكون ما يقلّ على النصف بيسير ، كما شاهدنا الآن في الانتخابات الأمريكيّة في هذه الحقبة ، حيث إنّ الأقليّة هي مادون النصف بقليل ، بل قد تكون الأكثريّة ليست أكثريّة حقيقيّة ، بل أكثريّة نسبيّة ، يعني ربما الثلث يزيد على الربع ، والثلث والربع هم الذين شاركوا في الانتخابات ، وما عدا ذلك من أجزاء المجتمع كان لديه موقفاً سلبيّاً حياديّاً ، حينئذٍ الثلث ليس أكثريّة حقيقيّة ، ومع ذلك لأنّه يزيد على الربع مثلاً فهو يتحكّم في مصير الثلثين.

هم انطلقوا من أساس برّاق جذّاب ـ وهو مشاركة الكلّ ـ إلّا أنّه في

٣٣

الصياغة واجهوا حرج عضال لم يُحلّ إلى يومنا هذا ، وما ذكر ليس إلّا حلولاً نسبيّة لتخفيف الداء ليس إلّا ، بينما سنشاهد في النظريّة الاماميّة هذا المطلب محقّق ; إذ لا يكون للأكثريّة مصادرة لحقّ الأقليّة مهما كان ـ ولو كانت الأقليّة فرداً واحداً ـ وهذه واقعاً من إعجازيات التقنين الإلهي في دين الإسلام ، وفي منهاج أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وهذا إعجاز قانوني نستطيع أن نتبجّح به ، ونجبه به المحافل القانونيّة والحقوقيّة بشكل جريء رافعين الرأس.

الأمر الثاني الذي تواجهه النظريّة الديمقراطيّة الآن : هو أنّ أصحاب الثروة والقدرة قد يصادرون آراء العامّة بتغفيلهم ، وبوضعهم في سبات فكري ، أو في جوّ مخادع ، سواء في جانب انتخاب الفرد ، أو في جانب انتخاب القانون الصالح ، أو في مجالات المشاركة ، باعتبار أنّ الطبقة الغنيّة عندها وسائل إعلام ، عندها وسائل التحكّم في الفكر أو ما شابه ذلك.

فحينئذٍ كيف يمكن أن تؤمن المشاركة الحقيقيّة بشكل صادق ، مع أنّ أسباب القوّة في التحكّم في عقول الأكثريّة وافتعال الجوّ العامّ ، يكون بيد الأقليّة ذوات الثروة والقوّة من وسائل الإعلام ، فعناصر التلاعب بالرأي العامّ بأساليب شيطانيّة دجليّة خلّابة خادعة هي كثيرة ، وتستطيع حينئذٍ القوى الماليّة ذات الثراء أن تتلاعب بالرأي العامّ ، فكيف نؤمن حينئذٍ سلامة بالرأي العامّ وانطلاقه من وعي وصحوة ؟

٣٤

وكيف نؤمن عدم مصادرة هذا الوعي العامّ ؟

فهذه عقدة لا زالت الديمقراطيّة تواجهها.

الإشكال الثالث : كيف نوازن بين عامل وعنصر الكفاءة والنخبة ، وبين مشاركة الناس ؟

إنّ مشاركة الناس من الأُمور الفطريّة ، ودور النخبة أيضاً فطري ، فهل يطغى هذا الجانب ويكون الوصاية للخبرة على مشاركة الأُمة ، أو يطغى دور مشاركة الأُمة على النخبة ، فقد تختار الأُمة ما لا ترتضيه النخبة ، وتختار النخبة مالا ترتضيه الأُمة ، فأىّ يحكّم من الاثنين ؟

ومن ثمّ اختلفت صياغة الديمقراطيّة في كيفيّة المشاركة :

منها : ما يقول بأنّ الأُمة تنتخب النخبة ، والنخبة تنتخب الحاكم.

ومنهم من يقول : إنّ الأُمة هي مباشرة تنتخب الحاكم ، لكن بإشراف النخبة.

ومنهم من يقول : إنّ الانتخاب والمنتخب له شرائط ، فليس للمنتخب أن ينتخب ويجري عمليّة الانتخاب على صعيد مطلق ويفتح الباب على مصراعية ، بل هناك شروط في المنتخب لابدَّ أن يحدّدها القانون.

فمن ثمّ انثار جدل قانوني وحقوقي واسع لديهم أيضاً ، يشير إليه الدكتور السنهوري في مقدّمة كتابه « الوسيط » وكتابه الآخر « الحقّ ومصادر التشريع » : إنّ هناك عند القانونيين الغربيّين مدرستين : مدرسة

٣٥

المذهب العقلي ، ومدرسة المذهب الفردي. مدرسة المذهب العقلي تقول بأنّه لابدّ من إعطاء دور للعقل أكبر على حساب الحريّات المطلقة للفرد ، وهناك من يقول :

إنّ الفرد تطلق له الحريّات ولو على حساب العقل.

هذا الجدل لم يحسم إلى الآن في النظريّة الديمقراطيّة ، يعني دور العقل والعلم ودور الفرد ، مرادهم من الفرد في الواقع هو الغرائز والشهوات والنزعات الفرديّة ، والحلول التي تطرح ليست حلولاً كاملة تامة.

وطبعاً هناك مشاكل عديدة في التقنين الغربي الديمقراطي ، ولكن هذه أهمها حاولتُ أن أُشير إليها ، وإلا فمسألة الديانة مثلاً بعد ما رفضوها ، شاهدوا اليوم أنّ عدم التقيّد بالديانة يجرّ المجتمع إلى نكبات كثيرة ، ورأوا أنّ الصرح الأخلاقي في التزام الديانة تخدم النظام الاجتماعي.

هذا وسنبيّن كيف أنّ النظريّة الإماميّة تتلافى هذه المشاكل بأتمّ ما يمكن من تلافي ذلك ، وبشكل إعجاز تقنيني الهي غريب عجيب.

وقبل ذلك أودّ أن أُبيّن بشكل إجمالي أنّ في النظريّة الإماميّة ، مع أنّ أصل الحاكميّة من الله عزّ وجلّ ثمّ للرسول ثمّ للأئمة ـ وهذا معنى قد يطلقه القانونيّون الوضعيّون بأنّه استبداد الهي ـ لكنّه في حقيقته يؤمّن تمام الممارسة والمشاركة للمجتمع عبر عدّة قنوات عديدة :

٣٦

أولها وأهمها : أنّ مسؤوليّة إقامة النظام العادل ، وقلع النظام الجائر ، وإبقاء النظام العادل ، ومراقبة النظام على مسيرة العدالة ، هذه المسؤوليّة في النظريّة الاماميّة ملقاة على الأُمّة ، بدليل قوله تعالى ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) (١).

وقد جسّد ذلك الإمام الحسين عليه السلام حينما قال : « وَإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلى الله عليه وآله ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر » (٢).

فزعزعة المنكر السياسي أو القضائي أو المالي أو الأخلاقي أو الحقوقي ، أو في أيّ مجال من المجالات العامّة أو الخاصّة ، إنّما هو من مسؤوليّة الأُمّة ، أولاً وبالذات.

وعندما نقول : مسؤوليّة الأُمّة ، سواء الأكثريّة التزمت أو لم تلتزم ، بل الكلّ لو لم يلتزم يبقى فرد واحد وهو الحسين سلام الله عليه لابدّ عليه أن يقوم بذلك.

وهذا نوع من إعطاء الصلاحيّة للأُمّة بشكل كبير ، لا نشاهده في كثير من النظريّات الديمقراطيّة ، ولا حتى في نظريات الشورى عند

______________

(١) التوبة (٩) : ٧١.

(٢) بحار الأنوار ٤٤ : ٣٢٩ ، أبواب ما يختص بتاريخ الحسين بن علي صلوات الله عليهما ، باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية.

٣٧

العامّة ، هذا رافد أوّل مهم ، طبعاً هذا الرافد لا يتصادم مع كون القيادة بيد المعصوم ; لأنّ الحكم فعل يقوم به طرفان ، والنظام الاجتماعي موجود يقوم على طرفين : الطرف الأول : هو الحاكم القائد المدبّر ، والطرف الآخر : القاعدة.

فالقاعدة حيث لا تستجيب ، فليس بإمكان المدبّر الكفوء الصالح أن يدبّر ويقود.

ومن لطائف النظريّة الإماميّة ، أنّ هذه الرقابة ليست مخصوصة على النظام الذي يرأسه ، أو على الحكومة التي يرأسها غير المعصوم ، كالفقيه مثلاً الذي هو نائب المعصوم أو عدول صالحي المؤمنين ، بل حتى على نظام المعصوم ، والسرّ في ذلك أنّ المعصوم من الرسول أو الإمام ـ وهو وصيّ الرسول ـ وإن كان معصوماً ، إلّا أنّ جهازه ليس بمعصوم ، ومن ثمّ احتاج المعصوم إلى معاونة وإعانة ونصيحة من الأُمّة له ، بأن يراقبوا ولاته ووزراءه وشرطته وكلّ أفراد وأعضاء حكومته.

وهذا هو الذي يفسر كثيراً من تعابير أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال : « فإنّي لست بفوق ما أن أخطئ » (١) عندما تولّى السلطة بعد مقتل عثمان ، يشير إلى خطأ الدولة ، لا خطأه عليه‌السلام وهو معصوم منزّه عن الخطأ.

وكذلك مثلاً ما حصل من براءة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ممّا

______________

(١) مصباح البلاغة ( مستدرك نهج البلاغة ) ٢ : ٦٩.

٣٨

فعله خالد بن الوليد ، عندما اعتدى على بني أسلم أو بني جمح في فتح مكة ، حيث كانت له ترات جاهليّة معهم ، وهم قد أسلموا ، إلّا أنّه حاول أن يقتصّ بثاراته الجاهليّة ، فتبرأ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ممّا فعله ، ثمّ جبر دماء تلك القبيلة.

المهم الذي أُريد أن انبّه عليه ، وهو أنّ هذا الرافد ـ وهو رقابة الأُمّة على الجهاز الحاكم ـ لا يختصّ بالولاية أو الحكومة والمحافظة التي يرأسها غير المعصوم ، بل حتى في جهاز المعصوم ، وهي ليست بمعنى تتصادم مع العصمة.

إنّ كثيراً من الكُتّاب القانونيين أو الحقوقيين أو المؤرّخين أو المفكّرين غير الشيعة من أبناء السنّة أو من كُتّاب المستشرقين ، يظنّون أنّ النظريّة الإماميّة ، حيث تشترط العصمة ، تعني إلغاء دور الأُمّة ورقابة الأُمّة.

وهذا خاطىء جداً ، بل إنّ رقابة الأُمّة ـ كما قلنا ـ تكون حتى في زمن المعصوم ، وهي من الوظائف اللازمة ، وقد شاهدنا في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام في حكومته وسيرة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أنّه كان يحرّض الأُمّة على مراقبة الولاة ، ومراقبة أُمراء الجيوش ، ومراقبة القضاة.

بل في قضيّة المراقبة والرقابة في النظريّة الإماميّة والنظريّة الإسلاميّة حتى لأصل نبوّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإمامة

٣٩

الإمام عليه السلام ، يعطى للمجتمع البشري دوره أيضاً ، بمعنى أن يعطى للأُمّة دور في الاستكشاف ، يعني لابدّ أن تستكشف النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمعجزات وما شابه ذلك من الشواهد والبيّنات العقليّة الفطريّة ممّا يدلّل على أنّه نبي أو إمام.

إذاً ليس هناك نوع من تشطيب للعقل البشري أبداً ، ولا للوعي البشري ، ولا لليقظة البشريّة ، ولا للدور الفاعل البشري في نظريّة الإمامة.

وكما ذكرتُ إنّ هذا باب يفتح منه أبواب عديدة ، وبحوث وبنود عديدة ، وهذا اُسّ من أُسس النظريّة الإماميّة ، في حين كون الولاية من الإمام ، إلّا أنّه تبقى الأُمّة لها المراقبة والمشاركة في إقامة كلّ معروف ، وزعزعة كلّ منكر ولو بالمشاركة والرقابة ، هذا هو الباب الأوّل لمشاركة الناس الموجودة في النظريّة الاماميّة.

النافذة الثانية المهمة لمشاركة الناس في النظريّة الإماميّة : دور أهل الخبرة ، فمن مسلّمات فقه الإماميّة حجيّة قول أهل الخبرة ، وهذا نوع من الدور إلى أهل الخبرة ، وسنبيّن أنّ هذا نوع من تحكيم دور العلم والكفاءة والأعلميّة والخبرويّة.

وهذا نوع من الرافد الذي يفسح المجال لدور مشاركة الناس حتى في حكومة المعصوم ; لأنّه في حكومة المعصوم ليس كلّ الأعمال يقوم بها المعصوم ، وإلّا فكثير من المرافق يقوم بها الجهاز ، وهذا الجهاز لابدّ

٤٠