الإمام علي الهادي عليه السلام

الشيخ علي الكوراني العاملي

الإمام علي الهادي عليه السلام

المؤلف:

الشيخ علي الكوراني العاملي


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٨٠
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وأما سجود يعقوب لولده فإن السجود لم يكن ليوسف ، وإنما كان ذلك من يعقوب وولده طاعة لله تعالى وتحية ليوسف ، كما أن السجود من الملائكة لم يكن لآدم فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكراً لله تعالى بإجماع الشمل . ألم تر أنه يقول في شكره في ذلك الوقت : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ .. الآية .

وأما قوله : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ ، فإن المخاطب بذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يكن في شك مما أنزل الله إليه ، ولكن قالت الجهلة : كيف لم يبعث نبياً من الملائكة ؟ ولمَ لمْ يفرق بينه وبين الناس في الإستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الأسواق ؟ فأوحى الله إلى نبيه : فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ ، بمحضر من الجهلة ، هل بعث الله نبياً قبلك إلا وهو يأكل الطعام والشراب ، ولك بهم أسوة يا محمد ، وإنما قال : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ ، ولم يكن ، للنصفة كما قال : فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ . ولوقال : تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم ، لم يكونوا يجيبوا إلى المباهلة ، وقد علم الله أن نبيه مؤدٍّ عنه رسالته ، وما هو من الكاذبين ، وكذلك عرف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنه صادق فيما يقول ، ولكن أحب أن ينصف من نفسه .

وأما قوله : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ .. الآية ، فهوكذلك لو أن أشجار الدنيا أقلام والبحر مدادٌ يمده سبعة أبحر مداً ، حتى انفجرت الأرض عيوناً ، كما انفجرت في الطوفان ، ما نفدت كلمات الله ..

٢٤١

وأما الجنة ففيها من المأكل والمشرب والملاهي ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، وأباح الله ذلك لآدم . والشجرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته أن يأكلا منها شجرة الحسد ، عهد الله إليهما أن لا ينظر إلى من فضله الله عليهما ، والى خلائقه بعين الحسد ، فنسي ولم يجد له عزماً .

وأما قوله : أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ، فإن الله تعالى زوج الذكران المطيعين ، ومعاذ الله أن يكون الجليل العظيم عنى ما لَبَّسْتَ على نفسك ، تطلب الرخص لارتكاب المحارم ! وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إن لم يتب . ( وكان ابن أكثم مشهوراً باللواط ) !

فأما قول شهادة امرأة وحسدها التي جازت ، فهي القابلة التي جازت شهادتها مع الرضا ، فإن لم يكن رضاً فلا أقل من امرأتين تقوم المرأتان بدل الرجل للضرورة ، لأن الرجل لا يمكنه أن يقوم مقامها ، فإن كانت وحدها قبل قولها مع يمينها . فأما قول علي عليه‌السلام في الخنثى فهو كما قال : يرث من المبال ، وينظر إليه قوم عدول يأخذ كل واحد منهم مرآة ، ويقوم الخنثى خلفهم عريانة ، وينظرون إلى المرآة ، فيرون الشئ ويحكمون عليه .

وأما الرجل الناظر إلى الراعي وقد نزا على شاة ، فإن عرفها ذبحها وأحرقها ، وإن لم يعرفها قسمها الإمام نصفين وساهم بينهما ، فإن وقع السهم على أحد القسمين ، فقد أقسم النصف الآخر ، ثم يفرق الذي وقع عليهم السهم نصفين

٢٤٢

ويقرع بينهما ، فلا يزال كذلك حتى تبقى اثنتان ، فيقرع بينهما ، فأيتهما وقع السهم عليها ذبحت وأحرقت ، وقد نجا سايرهما .

وأما قول أمير المؤمنين عليه‌السلام : بشِّر قاتل ابن صفية بالنار ، لقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله . وكان ممن خرج يوم النهروان فلم يقتله أمير المؤمنين بالبصرة ، لأنه علم أنه يقتل في فتنة النهروان . وأما قولك : إن علياً قاتل أهل صفين مقبلين ومدبرين ، وأجهز على جريحهم وإنه يوم الجمل لم يتبع مولياً ولم يجهز على جريحهم ، وكل من ألقى سيفه وسلاحه آمنه ، فإن أهل الجمل قتل إمامهم ولم يكن لهم فئة يرجعون إليها ، وإنما رجع القوم إلى منازلهم غير متحاربين ولا محتالين ولا متجسسين ولا متبارزين ، فقد رضوا بالكف عنهم ، وكان الحكم فيه رفع السيف والكف عنهم ، إذ لم يطلبوا عليه أعواناً .

وأهل صفين يرجعون إلى فئة مستعدة ، وإمام منتصب ، يجمع لهم السلاح من الرماح والدروع والسيوف ، ويستعد لهم ، ويسنى لهم العطاء ، ويهئ لهم الأموال ، ويعقب مريضهم ، ويجبر كسيرهم ، ويداوي جريحهم ، ويحمل راجلهم ، ويكسو حاسرهم ، ويردهم فيرجعون إلى محاربتهم وقتالهم ، فإن الحكم في أهل البصرة الكف عنهم ، لما ألقوا أسلحتهم إذ لم تكن لهم فئة يرجعون إليها ، والحكم في أهل صفين أن يتبع مدبرهم ويجهز على جريحهم ، فلا يساوي بين الفريقين في الحكم .

ولولا أمير المؤمنين وحكمه في أهل صفين والجمل لما عرف الحكم في عصاة أهل التوحيد ، فمن أبى ذلك عرض على السيف . وأما الرجل الذي أقر باللواط ، فإنه أقر بذلك متبرعاً من نفسه ولم تقم عليه بينة ولا أخذه سلطان ، وإذا كان الإمام الذي من الله أن يعاقب في الله ، فله أن يعفو في الله . أما سمعت الله يقول لسليمان : هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ ، فبدأ بالمن قبل المنع .

٢٤٣

فلما قرأ ابن أكثم قال للمتوكل : ما نحب أن تسأل هذا الرجل عن شئ بعد مسائلي هذه ، وإنه لا يرد عليه شئ بعدها إلا دونها ، وفي ظهور علمه تقوية للرافضة » !

ردَّ الإمام الهادي عليه‌السلام تفسير المجسمة للمقام المحمود

قال الله تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا . وقال الإمام الصادق عليه‌السلام في تفسيرها ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إذا قمتُ المقام المحمود تشفعتُ في أصحاب الكبائر من أمتي ، فيُشَفِّعُنِي الله فيهم . والله لا تشفعتُ فيمن آذى ذريتي » . « أمالي الصدوق / ٣٧٠ » .

وروى غيرنا أيضاً أن المقام المحمود هو شفاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمته ، كما في مسند أحمد بن حنبل « ٢ / ٤٤١ » والبخاري « ٥ / ٢٢٨ » . وفسر بعض المشبهة المقام المحمود بأنَّ الله تعالى يُقعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله معه على العرش !

قال ابن عبد البر في التمهيد « ١٩ / ٦٤ » : « روي عن مجاهد أن المقام المحمود أن يقعده معه يوم القيامة على العرش ، وهذا عندهم منكر في تفسير هذه الآية .

والذي عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين ، أن المقام المحمود هو المقام الذي يشفع فيه لأمته . وقد روي عن مجاهد مثل ما عليه الجماعة من ذلك ، فصار إجماعاً في تأويل الآية من أهل العلم بالكتاب والسنة » .

لكن رواية مجاهد أعجبت جماعة المتوكل فتبنوها ، مع أنها ضعيفة السند ، لأن راويها ليث بن أبي سليم اختلط وخرف !

٢٤٤

ولم يقف مجسمة الحنابلة عند قبولها فقط ، بل جعلوها التفسير الوحيد للمقام المحمود ، وجعلوا تفسيره بغير ذلك كفراً !

قال الخلال الحنبلي في كتابه : السنة « ١ / ٢١٥ » : « قال أبوبكر بن أبي طالب : من رده فقد رد على الله عز وجل » !

وجعل جماعة ابن صاعد ذلك شعراً ، وجماعة أبي بكر المروذي ، تلميذ ابن حنبل ، وأخذوا يفرضونه على العلماء الذين يأتون الى بغداد !

قال الصفدي في الوافي « ٢ / ٢١٣ » : « لما قدم « الطبري » من طبرستان إلى بغداد تعصب عليه أبوعبد الله ابن الجصاص وجعفر ابن عرفة والبياضي . وقصده الحنابلة فسألوه عن أحمد بن حنبل يوم الجمعة في الجامع ، وعن حديث الجلوس على العرش ، فقال أبوجعفر : أما أحمد بن حنبل فلا يُعَدُّ خلافه . فقالوا له : فقد ذكره العلماء في الإختلاف ، فقال : ما رأيته رويَ عنه ، ولا رأيت له أصحاباً يُعَوَّل عليهم . وأما حديث الجلوس على العرش فمحالٌ . ثم أنشد :

سبحانَ من ليس لهُ أنيسُ

ولا لَهُ في عَرشِهِ جليسُ

فلما سمعوا ذلك وثبوا ورموه بمحابرهم ، وقد كانت ألوفاً ، فقام بنفسه ودخل داره ، فردموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتلِّ العظيم !

وركب نازوك صاحب الشرطة في عشرات ألوف من الجند يمنع عنه العامة ووقف على بابه إلى الليل ، وأمر برفع الحجارة عنه ، وكان قد كتب على بابه البيت المتقدم ، فأمر نازوك بمحو ذلك ، وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث :

لأحمد منزلٌ لا شكَّ عالٍ

إذا وافى إلى الرحمن وافدْ

فيُدنيه ويُقعده كريماً

على رغمٍ لهم في أنفِ حاسد

٢٤٥

على عرشٍ يُغلِّفُهُ بطيبٍ

على الأكبار يا باغٍ وعانِد

إلا هذا المقام يكون حقاً

كذاك رواهُ ليثٌ عن مجاهد

فخلا في داره ، وعمل كتاب المشهور في الإعتذار إليهم ، وذكر مذهبه واعتقاده وجرح من ظن فيه غير ذلك ، وقرأ الكتاب عليهم وفَضَّلَ أحمد بن حنبل وذكر مذهبه وتصويب اعتقاده ، ولم يخرج كتابه في الإختلاف حتى مات ، فوجدوه مدفوناً في التراب فأخرجوه ونسخوه » !

ومعنى قول الطبري : أما أحمد بن حنبل فلا يُعَدُّ خلافه ، أنه ليس من الفقهاء الذي يحسب له حساب إذا خالف فتوى الآخرين .

فثاروا عليه بوحشية ، كما نرى في ثورة الوهابية على من خالفهم ! فخضع الطبري وألف كتاباً ضد عقيدته ، وتقرب به الى مجسمة الحنابلة !

ثم ألف كتاباً ضدهم سماه الرد على الحرقوصية ، بعد أن خفت موجتهم .

ويظهر أن المجسمة في بغداد كانوا قلة لكنهم شريرون يخشاهم عوام المسلمين !

قال ابن كثير في النهاية « ١١ / ١٨٤ » : « وفيها « سنة ٣١٧ » وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروذي الحنبلي وبين طائفة من العامة ، اختلفوا في تفسير قوله تعالى : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ، فقالت الحنابلة : يجلسه معه على العرش . وقال الآخرون : المراد بذلك الشفاعة العظمى ، فاقتتلوا بسبب ذلك وقتل بينهم قتلى » .

وتبنى ابن تيمية رأي مجسمة الحنابلة فقال : « حدَّث العلماء المرضيون وأولياؤه المقبولون ، أن محمداً رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يجلسه ربه على العرش معه » !

٢٤٦

وزعم أنه يبقى من العرش أربع أصابع ! « مجموعة الفتاوى : ٤ / ٣٧٤ و ١٦ / ٤٣٨ » .

أما أهل البيت عليهم‌السلام فكان موقفهم ثابتاً بأن المقام المحمود الشفاعة ، وأن الله تعالى منزه عن الجسمية والجلوس ، وكان الإمام الهادي عليه‌السلام يؤكد هذه العقيدة :

ففي أمالي الطوسي / ٢٩٨ ، عن الإمام الهادي عليه‌السلام عن جده أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : « سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إذا حشر الناس يوم القيامة ناداني منادٍ يا رسول الله إن الله جل اسمه قد أمكنك من مجازاة محبيك ، ومحبي أهل بيتك ، الموالين لهم فيك ، والمعادين لهم فيك ، فكافئهم بما شئت . وأقول : يا رب الجنة ، فأبوؤهم منها حيث شئت ، فذلك المقام المحمود الذي وعدتُ به » .

تكريم الإمام لعالم مناظر وإفحامه العباسيين

في الإحتجاج « ٢ / ٢٥٩ » : « اتصل بأبي الحسن علي بن محمد العسكري عليه‌السلام : أن رجلاً من فقهاء شيعته كلم بعض النصاب ، فأفحمه بحجته حتى أبان عن فضيحته ، فدخل إلى علي بن محمد عليه‌السلام وفي صدر مجلسه دستٌ ( كالفراش ) عظيم منصوبٌ وهو قاعد خارج الدست ، وبحضرته خلق من العلويين وبني هاشم ، فما زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست ، وأقبل عليه .

فاشتد ذلك على أولئك الأشراف ، فأما العلوية فأجلُّوه عن العتاب ، وأما الهاشميون « العباسية » فقال له شيخهم : يا ابن رسول الله ، هكذا تؤثر عامياً على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين ! فقال عليه‌السلام : إياكم أن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ

٢٤٧

اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ . أترضون بكتاب الله حكماً ؟ قالوا : بلى .

قال : أليس الله يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ إلى قوله يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ . فلم يرض للعالم المؤمن إلا أن يرفع على المؤمن غير العالم ، كما لم يرض للمؤمن إلا أن يرفع على من ليس بمؤمن .

أخبروني عنه قال : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ؟ أو قال : يرفع الذين أوتوا شرف النسب درجات ؟ أوليس قال الله : هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون . فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه الله ! إن كسر هذا لفلان الناصب بحجج الله التي علمه إياها لأفضل له من كل شرف في النسب .

فقال العباسي : يا ابن رسول الله قد أشرفت علينا ، هوذا تقصير بنا عمن ليس له نسب كنسبنا ، وما زال منذ أول الإسلام يقدم الأفضل في الشرف على من دونه فيه . فقال عليه‌السلام : سبحان الله ، أليس عباس بايع أبا بكر وهو تيميٌّ والعباس هاشمي ؟ أوليس عبد الله بن عباس كان يخدم عمر بن الخطاب ، وهوهاشمي أبوالخلفاء ، وعمر عدوي ! وما بال عمر أدخل البعداء من قريش في الشورى ولم يدخل العباس ؟ فإن كان رفعنا لمن ليس بهاشمي على هاشمي منكراً ، فأنكروا على عباس بيعته لأبي بكر ، وعلى عبد الله بن عباس خدمته لعمر بعد بيعته ، فإن كان ذلك جائزاً فهذا جائز . فكأنما ألقم الهاشمي حجراً » !

٢٤٨

عالمٌ يعرض عقيدته على الإمام الهادي عليه‌السلام

روى الصدوق قدس‌سره في التوحيد / ٨١ : « عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال : دخلت على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم‌السلام ، فلما بصر بي قال لي : مرحباً بك يا أبا القاسم أنت ولينا حقاً ، قال : فقلت له : يا ابن رسول الله إني أريد أن أعرض عليك ديني فإن كان مرضياً أثبتُ عليه حتى ألقى الله عز وجل .

فقال : هات يا أبا القاسم ، فقلت : إني أقول إن الله تبارك وتعالى واحد ، ليس كمثله شئ ، خارجٌ عن الحدين : حد الإبطال وحد التشبيه ، وإنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر ، بل هو مُجسم الأجسام ، ومُصور الصور ، وخالق الأعراض والجواهر ، ورب كل شئ ومالكه ، وجاعله ومحدثه ، وإن محمداً عبدُه ورسوله ، خاتم النبيين ، فلا نبي بعده إلى يوم القيامة .

وأقول إن الإمام والخليفة وولي الأمر من بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي ، ثم جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي ، ثم أنت يا مولاي . فقال عليه‌السلام : ومن بعدي الحسن ابني ، فكيف للناس بالخلف من بعده ، قال فقلت : وكيف ذاك يا مولاي ؟ قال : لأنه لايرى شخصه ، ولا يحل ذكره باسمه ، حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً .

٢٤٩

قال فقلت : أقررتُ . وأقول إن وليهم ولي الله ، وعدوهم عدو الله ، وطاعتهم طاعة الله ، ومعصيتهم معصية الله . وأقول : إن المعراج حق ، والمسألة في القبر حق ، وإن الجنة حق ، وإن النار حق ، والصراط حق ، والميزان حق ، وإن الساعة آتية لا ريب فيها ، وإن الله يبعث من في القبور .

وأقول : إن الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

فقال علي بن محمد (ع) : يا أبا القاسم هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده ، فاثبت عليه ، ثبتك الله بالقول الثابت ، في الحياة الدنيا وفي الآخرة » .

محاولة ابن تيمية التشكيك بفضائل الإمام الهادي عليه‌السلام

أورد العلامة الحلي رحمه‌الله في كتابه منهاج الكرامة ترجمة مختصرة للإمام الهادي عليه‌السلام فتصدى ابن تيمية لردها والتنقيص من الإمام عليه‌السلام مهما كلفه الأمر !

قال ابن تيمية في منهاجه « ٤ / ٧٥ » : « قال الرافضي : وكان ولده علي الهادي عليه‌السلام ويقال له العسكري ، لأن المتوكل أشخصه من المدينة إلى بغداد ، ثم منها إلى سر من رأى ، فأقام بموضع عندها يقال له العسكر ، ثم انتقل إلى سر من رأى ، فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر . وإنما أشخصه المتوكل لأنه كان يبغض علياً فبلغه مقامُ علي بالمدينة وميلُ الناس إليه فخاف منه فدعا يحيى بن هبيرة « هرثمة » ، وأمره بإحضاره فضج أهل المدينة لذلك خوفاً عليه لأنه كان محسناً إليهم ملازماً

٢٥٠

للعبادة في المسجد ، فحلف يحيى أنه لا مكروه عليه ، ثم فتش منزله فلم يجد فيه سوى مصاحف وأدعية وكتب العلم ، فعظم في عينه ، وتولى خدمته بنفسه .

فلما قدم بغداد بدأ بإسحاق بن إبراهيم الطائي « الطاهري » والي بغداد فقال له : يا يحيى هذا الرجل قد ولده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمتوكل من تعلم فإن حرضته عليه قتله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمك يوم القيامة . فقال له يحيى : والله ما وقفت منه إلا على خير . قال فلما دخلت على المتوكل أخبرته بحسن سيرته وورعه وزهده ، فأكرمه المتوكل .

ثم مرض المتوكل فنذر إن عوفيَ تصدق بدراهم كثيرة ، فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جواباً ، فبعث إلى علي الهادي فسأله فقال : تصدق بثلاثة وثمانين درهماً ، فسأله المتوكل عن السبب فقال : لقوله تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ، وكانت المواطن سبعاً وعشرين غزاة ، وبعث ستاً وخمسين سرية .

قال المسعودي : نُمِيَ إلى المتوكل بعلي بن محمد أن في منزله سلاحاً من شيعته من أهل قم ، وأنه عازم على الملك فبعث إليه جماعة من الأتراك فهجموا داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً ، ووجدوه في بيت مغلق عليه وهو يقرأ ، وعليه مدرعةٌ من صوف وهو جالس على الرمل والحصى ، متوجهاً إلى الله تعالى يتلو القرآن ، فحمل على حالته تلك إلى المتوكل ، فأدخل عليه وهو في مجلس الشراب والكأس في يد المتوكل ، فعظمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس فقال : والله ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني ، فأعفاه وقال له : أسمعني صوتاً ، فقال : كم تركوا من

٢٥١

جنات وعيون .. الآيات . فقال أنشدني شعراً ، فقال إني قليل الرواية للشعر ، فقال لا بد من ذلك ، فأنشده :

باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسهمْ

غُلْبُ الرجال فما أغنتهمُ القُللُ

واستُنْزِلُوا بعد عِزٍّ عن معاقلهمْ

فأُودعوا حُفَراً يا بئسَ ما نزلوا

ناداهُم صارخٌ من بعد ما قُبروا

أين الأسِرَّةُ والتيجان والحُلَلُ

أين الوجوهُ التي كانت مُنَعَّمَةً

من دونها تُضرُب الأستار والكِللُ

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم

تلك الوجوهُ عليها الدود يَقتتل

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا

فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا

وطالما عمروا دوراً لتحصنهم

ففارقوا الدور والأهلينَ وانتقلوا

وطالما كنزوا الأموال وادخروا

فخلفوها على الأعداء وارتحلوا

أضحت مَنازِلُهم قفْراً مُعَطلةً

وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا »

فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته . انتهى .

ثم عقَّب ابن تيمية بقوله : « فيقال : هذا الكلام من جنس ما قبله لم يذكر منقبة بحجة صحيحة ، بل ذكر ما يعلم العلماء أنه من الباطل ، فإنه ذكر في الحكاية أن والي بغداد كان إسحاق بن إبراهيم الطائي ، وهذا من جهله فإن إسحاق بن إبراهيم هذا خزاعة معروف هو وأهل بيته كانوا من خزاعة ، فإنه إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب ، وابن عمه عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب ، أمير خراسان المشهور المعلومة سيرته ، وابن هذا محمد بن عبد الله بن

٢٥٢

طاهر ، كان نائباً على بغداد في خلافة المتوكل وغيره ، وهو الذي صلى على أحمد بن حنبل لما مات . وإسحاق بن إبراهيم هذا كان نائباً لهم في إمارة المعتصم والواثق وبعض أيام المتوكل . وهؤلاء كلهم من خزاعة ، ليسوا من طئ ، وهم أهل بيت مشهورون » .

أقول : يظهر أن نسخة ابن تيمية من كتاب العلامة فيها تصحيف الطاهري بالطائي ، وهرثمة بهبيرة ، وقد تحامل عليه ابن تيمية بسببها ، ورماه بالجهل بغير حق !

على أن ابن طاهر المشهور ليس خزاعياً بل مولاهم ، كما بيناه في فصل ثورات العلويين بعد هدم قبر الحسين عليه‌السلام ، وقتل ابن طاهر للثائر العلوي ، وزوال ملكهم بعده !

ثم قال ابن تيمية : « وأما الفتيا التي ذكرها من أن المتوكل نذر إن عوفيَ يتصدق بدراهم كثيرة ، وأنه سأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جواباً ، وأن عليَّ بن محمد أمره أن يتصدق بثلاثة وثمانين درهماً ، لقوله تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ، وأن المواطن كانت هذه الجملة ، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غزا سبعاً وعشرين غزاة ، وبعث ستاً وخمسين سرية .

فهذه الحكاية أيضاً تحكى عن علي بن موسى مع المأمون ، وهي دائرة بين أمرين : إما أن تكون كذباً ، وإما أن تكون جهلاً ممن أفتى بذلك ، فإن قول القائل له عليَّ دراهم كثيرة أو والله لأعطين فلاناً دراهم كثيرة ، أو لأتصدقن بدراهم كثيرة ، لا يحمل على ثلاث وثمانين ، عند أحد من علماء المسلمين ! والحجة المذكورة باطلة لوجوه :

٢٥٣

أحدها ، أن قول القائل إن المواطن كانت سبعاً وعشرين غزاة ، وستاً وخمسين سرية ، ليس بصحيح ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغز سبعاً وعشرين غزاة باتفاق أهل العلم بالسير ، بل أقل من ذلك .

الثاني : أن هذه الآية نزلت يوم حنين ، والله قد أخبر بما كان قبل ذلك فيجب أن يكون ما تقدم قبل ذلك مواطن كثيرة ، وكان بعد يوم حنين غزوة الطائف ، وغزوة تبوك ، وكثير من السرايا كانت بعد يوم حنين ، كالسرايا التي كانت بعد فتح مكة ، مثل إرسال جرير بن عبد الله إلى ذي الخلصة ، وأمثال ذلك . وجرير إنما أسلم قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بنحو سنة . وإذا كان كثير من الغزوات والسرايا كانت بعد نزول هذه الآية ، امتنع أن تكون هذه الآية المخبرة عن الماضي إخباراً بجميع المغازي والسرايا .

الثالث : أن الله لم ينصرهم في جميع المغازي ، بل يوم أحد تولوا وكان يوم بلاء وتمحيص ، وكذلك يوم مؤتة وغيرها من السرايا ، لم يكونوا منصورين فيها ، فلو كان مجموع المغازي والسرايا ثلاثاً وثمانين ، فإنهم لم ينصروا فيها كلها حتى يكون مجموع ما نصروا فيه ثلاثاً وثمانين . الرابع : اختصاص هذا القدر بذلك ، فإن لفظ الكثير لفظ عام يتناول الألف والألفين والآلاف ، وإذا عم أنواعاً من المقادير ، فتخصيص بعض المقادير دون بعض تحكم .

الخامس : أن الله تعالى قال : مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ، والله يضاعف الحسنة إلى سبع مائة ضعف بنص القرآن ، وقد ورد أنه يضاعفها ألفي ألف حسنة ، فقد سمى هذه الأضعاف كثيرة ، وهذه المواطن

٢٥٤

كثيرة ، وقد قال تعالى : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . والكثرة هاهنا تناول أنواعها من المقادير ، لأن الفئات المعلومة مع الكثرة لا تحصر في عدد معين ، وقد تكون الفئة القليلة ألفاً ، والفئة الكثيرة ثلاثة آلاف ، فهي قليلة بالنسبة إلى كثرة عدد الأخرى ، وقد قال تعالى : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ . ومعلوم أن الله أراه أهل بدر أكثر من مائة ، وقد سمى ذلك قليلاً بالنسبة والإضافة ، وهذا كله مما يبين أن القلة والكثرة أمر إضافي ، ولهذا تنازع الفقهاء فيما إذا قال : له عليَّ مال عظيم أو خطير أو كثير أو جليل ، هو يرجع في تفسيره إليه فيفسره بما يتمول ، كقول الشافعي ، وطائفة من أصحاب أحمد ، أو لا يقبل تفسيره إلا بما له قدر خطير ، كقول أبي حنيفة ومالك . وبعض أصحاب أحمد على قولين ، وأصحاب القول الثاني منهم من قدره بنصاب السرقة ، ومنهم من قدره بنصاب الزكاة ، ومنهم من قدره بالدية ، وهذا النزاع في الإقرار ، لأنه خبر والخبر عن أمر ماض قد علمه المقر .

وأما المسألة المذكورة فهي إنشاءٌ كما لو أوصى له بدراهم كثيرة ، والأرجح في مثل هذا أن يرجع إلى عرف المتكلم ، فما كان يسميه مثله كثيراً حمل مطلق كلامه على أقل محتملاته ، والخليفة إذا قال دراهم كثيرة في نذر نذره لم يكن عرفه في مثل هذا مائة درهم ونحوها ، بل هو يستقل هذا ولا يستكثره ، بل إذا حمل كلامه على مقدار الدية اثنة عشر ألف درهم ، كان هذا أولى من حمله على ما دون ذلك . واللفظ يحتمل أكثر من ذلك ، لكن هذا مقدار النفس المسلمة في الشرع ولا يكون عوض المسلم إلا كثيراً ، والخليفة يحمل الكثير منه على ما لا يحمل الكثير

٢٥٥

من آحاد العامة ، فإن صاحب ألف درهم ، إذا قال أعطوا هذا دراهم كثيرة احتمل عشرة وعشرين ، ونحو ذلك بحسب حاله .

فمعنى القليل والكثير هو من الأمور النسبية الإضافية كالعظيم ، والخير يتنوع بتنوع الناس فيحمل كلام كل إنسان على ما هو المناسب لحالة في ذلك المقام » .

أقول : يحاول ابن تيمية دائماً تكذيب أي فضيلة لأهل البيت عليهم‌السلام لأنه يبغضهم ! وقد أطال في رد هذه الفتيا التي رواها العلامة عن الإمام الهادي عليه‌السلام .

وقد رواها الخطيب البغدادي « ١٢ / ٥٦ » بسنده الصحيح ، ونصها : « اعتلَّ المتوكل في أول خلافته ، فقال : لئن برئت لأتصدقن بدنانير كثيرة ، فلما برئ جمع الفقهاء فسألهم عن ذلك فاختلفوا ، فبعث إلى علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر فسأله فقال : يتصدق بثلاثة وثمانين ديناراً فعجب قوم من ذلك وتعصب قوم عليه ، وقالوا : تسأله يا أمير المؤمنين من أين له هذا ؟ فرد الرسول إليه فقال له قل لأمير المؤمنين في هذا الوفاء بالنذر ، لأن الله تعالى قال : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ، فروى أهلنا جميعاً أن المواطن في الوقائع والسرايا والغزوات كانت ثلاثة وثمانين موطناً ، وأن يوم حنين كان الرابع والثمانين ، وكلما زاد أمير المؤمنين في فعل الخير كان أنفع له ، وأجر عليه في الدنيا والآخرة » .

ورواها الذهبي في تاريخه « ١٩ / ٢١٨ » بسند صحيح عن الصولي ، ولم ينتقدها .

ورواها ابن الجوزي في المنتظم « ١٢ / ٧٥ » ولم ينتقدها .

ورواها أحمد بن محمد النيسابوري الثعلبي في الكشف والبيان ، كما في إحقاق الحق « ١٤ / ٢٥٠ » . ورواها السمعاني في الأنساب « ٤ / ١٩٦ » .

٢٥٦

ورواها من مصادرنا علي بن إبراهيم في تفسيره بسند صحيح « ١ / ٢٨٤ » ونصها : « كان المتوكل قد اعتل علة شديدة فنذر إن عافاه الله أن يتصدق بدنانير كثيرة أو قال بدراهم كثيرة ، فعوفي ، فجمع العلماء فسألهم عن ذلك فاختلفوا عليه ، قال أحدهم عشرة آلاف وقال بعضهم مائة ألف ، فلما اختلفوا قال له عَبادة : إبعث إلى ابن عمك علي بن محمد بن علي الرضا فاسأله ، فبعث إليه فسأله فقال : الكثير ثمانون ، فقالوا له رد إليه الرسول فقل : من أين قلت ذلك ؟ فقال من قوله تعالى لرسوله : لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ، وكانت المواطن ثمانين موطناً » .

فلا معنى لتشكيك ابن تيمية في أصلها بعد هذه الإستفاضة .

وأما تشكيكه في الفتيا بعدد المواطن التي نصر الله بها المسلمين ، فقد أيد علماء السيرة قول الإمام الهادي عليه‌السلام وأن مواطن النصر ثمانون .

أما تشكيكه بالفتيا بيُحتمل ويحُتمل ، وبكثرة احتملات الفقهاء في المسألة ، فهذا لايضر بقول الإمام عليه‌السلام الذي قبله الفقهاء الذين كانوا حول المتوكل ، وكان فيهم رأي مخالف كرأي ابن تيمية ، فردوه ولم يأخذوا به ، فقد ردوا رأيه أيضاً !

ثم قال ابن تيمية عن إحضار المتوكل للإمام عليه‌السلام : « والحكاية التي ذكرها عن المسعودي منقطعة الإسناد ، وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى ، فكيف يوثق بحكاية منقطعة الإسناد في كتاب قد عرف بكثرة الكذب مع أنه ليس فيها الفضيلة إلا ما يوجد في كثير من عامة المسلمين ، ويوجد فيهم ما هو أعظم منها » .

٢٥٧

يقول ابن تيمية : إن القصة كاذبة ، ولو صحت فلا فضيلة فيها تُميز الإمام الهادي عليه‌السلام ! وهذا من تعصبه وهواه ، فالمسعودي ثقة ، ولم يتفرد بها ، بل استفاضت روايتها ، وصححها شيوخ يوثقهم ابن تيمية ولكنه أعشى !

فقد أرسلها الذهبي إرسال المسلمات ، ولم ينتقد سندها ولا متنها .

قال في تاريخه « ١٨ / ١٩٩ » : « وكان قد سُعِيَ بأبي الحسن إلى المتوكل ، وأن في منزله سلاحاً وكتباً من أهل قم ، ومن نيته التوثب . فكَبَسَ بيته ... » .

بل صححها في سِيَره « ١٢ / ٤١ » فمدح إمامه المتوكل لأنه بكى من موعظة الإمام الهادي عليه‌السلام قال : « وقد بكى من وعظ علي بن محمد العسكري العلوي » .

وكذلك قبلها ابن كثير فقال في النهاية « ١١ / ١٩ » : « ذكر للمتوكل أن بمنزله سلاحاً وكتباً كثيرة من الناس ، فبعث كبسة فوجدوه جالساً مستقبل القبلة .. الخ . » .

وكذلك فعل القلقشندي في مآثر الخلافة « ١ / ٢٣١ » قال : « ومن غريب ما اتفق له في ذلك أنه طلب علياً الزكي ، ويقال علي الهادي وعلي التقى ... فحمل إلى المتوكل والمتوكل في مجلس شرابه ، والكأس في يده فلما رآه ... » .

وكذلك فعل ابن خلكان في وفيات الأعيان « ٣ / ٢٧٢ » .

وأبو الفداء في تاريخه / ٢٣٣ ، والدميري في حياة الحيوان / ٥٥٣ ، وغيرهم .

فتبين أن ابن تيمية صاحب هوى يريد تكذيب قصة فاحت منها رائحة الخمر من إمامه ، وفاضت منها الكرامة النبوية من الإمام الهادي عليه‌السلام !

* *

٢٥٨

الفصل الحادي عشر :

الإمام الهادي عليه‌السلام يطلق منشور الغدير والزيارة الجامعة

منشورالغدير في فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام

قامت عقيدة المتوكل والنواصب على ركنين : بُغْضَ عَليٍّ وأهل البيت عليهم‌السلام ، وما سموه أحاديث الصفات ، أي وصف الله تعالى بالجسم وشبهه . فكان المتوكل يقرِّب النواصب والمجسمة ، ويغدق عليهم المال .

أما بغضه لعلي عليه‌السلام فقال الذهبي في تاريخه « ١٧ / ١٨ » : « أمر المتوكل بهدم قبر السيد الحسين بن علي رضي الله عنهما ، وهدم ما حوله من الدور .. وكان معروفاً بالنصب ، فتألم المسلمون لذلك ، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاه الشعراء ، دعبل وغيره » .

والإنصاف أن بغض المتوكل لعلي عليه‌السلام مشهورٌ ككفر إبليس ، فقد كان يعقد مجالس الغناء والرقص ، والسخرية من علي عليه‌السلام في دار الخلافة !

قال ابن الأثير في الكامل « ٦ / ١٠٨ » : « وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل بيته ، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم ! وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث ، وكان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة ويكشف رأسه وهو أصلع ، ويرقص بين يدي المتوكل ، والمغنون يغنون قد أقبل الأصلع البدين ، خليفة المسلمين ، يحكي بذلك علياً ! والمتوكل يشرب

٢٥٩

ويضحك ! ففعل ذلك يوماً والمنتصر حاضر ، فأومأ إلى عبادة يتهدده فسكت خوفاً منه ، فقال المتوكل ما حالك ؟ فقام وأخبره ، فقال المنتصر : يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمك ، وشيخ أهل بيتك وبه فخرك ! فكل أنت لحمه إذا شئت ، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه ! فقال المتوكل للمغنين : غنوا جميعاً :

غَارَ الفَتَى لابن عَمِّهْ

رأسُ الفَتى في حَرِ أمِّهْ » !

وقد روى ذلك عامة المؤرخين ، وتقدم في ترجمة المتوكل .

وكذلك تبني المتوكل للتجسيم ، قال الخطيب في تاريخ بغداد « ١٠ / ٦٧ » : « حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال : سنة أربع وثلاثين ومائتين ، فيها أشخص المتوكل الفقهاء والمحدثين ، فكان فيهم مصعب الزبيري ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وإبراهيم بن عبد الله الهروي ، وعبد الله وعثمان ابنا محمد بن أبي شيبة الكوفيان وهما من بني عبس ، وكانا من حفاظ الناس . فقسمت بينهم الجوائز وأجريت عليهم الأرزاق ، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس ، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية ، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية !

فجلس عثمان بن محمد بن أبي شيبة في مدينة أبي جعفر المنصور ، ووضع له منبر واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً من الناس . فأخبرني حامد بن العباس أنه كتب عن عثمان بن أبي شيبة . وجلس أبوبكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة ، وكان أشد تقدماً من أخيه عثمان ، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً » .

٢٦٠