عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

عبد الله القسري ، فكتب عنه العراقيون أهل الكوفة وأهل البصرة ... » (١) ، وأرسل عن معاذ والكبار ، وثّقه النسائي وكان صاحب كتب (٢) ، قال عنه ابن حجر : « ثقة ووهم من ذكره في الصحابة ، قال أبو زرعة لم يدرك معاذاً » (٣) ، وجعله ابن كثير عالماً له روايات وكتب كثيرة ، روى عن جماعة من الصحابة وأُسر في وقعة ابن الأشعث فأطلقه الحجاج (٤) ، وفي موضع آخر جعله تابعي ثقة معروف عن الإمام عليّ عليه‌السلام ، لكن قال أبو زرعة : لم يسمع منه ، وفي هذا نظر ؛ لأنّه يروي عن عمر كما جزم به البخاري ، ورواه أحمد والدارقطني من حديث معاوية (٥) ، وقد أرسل حديث (تحريم سوء الظن) (٦) ، سأل عنه أحمد بن حنبل فقال : « لا أدري من هو » (٧).

أمّا عن المقدام بن معدي كرب ، هكذا ذكره الطوسي (٨) ولم يذكر ما يدلّ على توثيقه أو تجريحه ، وقيل : من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٩) ، نزل حمص ، وله عن معاذ ، مات سنة ٨٧ هـ (١٠).

وخلاصة كلّ ذلك لم نجد ما يشير إلى توثيقه أو تجريحه.

_______________________

(١) ابن حبّان : مشاهير / ١٨٣.

(٢) الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ١ / ٦٣٢.

(٣) تقريب التهذيب ١ / ٥٧٦ ، ينظر المباركفوري : تحفة الأحوذي ١٠ / ٢٩ ، الألباني : إرواء الغليل ٨ / ٨٩.

(٤) البداية ٩ / ١٣٥.

(٥) ابن حجر : تلخيص الحبير ٢ / ٢٠.

(٦) الكحلاني : سبل السلام ٤ / ١٨٩ ، الشوكاني : نيل الأوطار ١ / ٤٢٤.

(٧) العلل ١ / ٣٢٣.

(٨) الرجال / ٤٧ ، البروجردي : طرائف ٢ / ١٤٧.

(٩) المزّي : تهذيب الكمال ٣٤ / ٢٢٦ ، التفرشي : نقد الرجال ٤ / ٤١٤.

(١٠) الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٢٩٠ ، ابن كثير : البداية ٩ / ٨٨ ، ابن حجر : تقريب التهذيب ٢ / ٢١٠.

٨١
 &

هذا عن سند الرواية ، ولم نجد من وقف عندها سوى العلّامة الأميني الذي أشار إليها بقوله : « وما أخرجه ابن عساكر عن المقدام أنّه قال : استبّ عقيل بن أبي طالب وأبو بكر. وكأنّ ابن حجر استشعر من هذه الكلمة ما لا يروقه فقال : سبّاباً أو نسّاباً ، لكن الرجل أنصف في التردد ، وقد جاء بعده السيوطي فحذف كلمة سباباً وجعلها نسّاباً بلا ترديد ، والمنقّب يعلم أنّ لفظة نسّاباً لا صلة لها بقوله استبّا ، بل المناسب كونه سبّاباً ، وكأنّ الراوي يريد بذلك أنّه فاق عقيلاً بالسبّ ؛ لأنّه كان ملكة له ، وإن كان يسع المحوّر أن يقول بإرادة كونه نسّاباً أنّه كان عارفاً بحلقات الأنساب ومواقع الغمز فيها ، فكان إذا استبّ يطعن مستابّه في عرضه ونسبه ، لكنّه لا يجدي المتمحّل نفعاً فانّه من أشنع مصاديق السبّ ، وفيه القذف وإشاعة الفحشاء.

ويظهر من لفظ الحديث كما في الخصائص الكبرى ... أنّ السباب بين أبي بكر وعقيل كان بمحضر من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان ذلك في أخريات أيّامه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن شواهد كونه سبّاباً (وسباب المسلم فسوق) ... » (١). وقد حاولنا متابعة هذه الأخبار التي أوردها الأميني فلم نوفّق.

ـ أمّا عن علاقته مع عمر بن الخطاب ، فقد تجسّدت في موضعين :

الأوّل : عندما دعاه إلى تدوين الدواوين حتّى يكتب الناس على منازلهم باعتبار أنّ عقيلاً عالم في الأنساب فتمّ ذلك ، وهذه تعدّ علاقة إيجابية بينهما ، لكن الذي حصل ـ والذي عثرنا عليه في إحدى الروايات ـ أنّ عقيلاً تعرّض للنفي من المدينة في خلافة عمر ، وذلك لأنّه تعرّض لكثير من الأنساب السيّئة فاستاء منه الخليفة ونفاه خارج المدينة (٢).

_______________________

(١) الأميني : الغدير ٧ / ٢٢٤.

(٢) للمزيد ينظر مبحث علم عقيل بالنسب وأيّام الناس (الفصل الأوّل).

٨٢
 &

والثاني : موقفه من زواج عمر من أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام ـ علماً أنّنا من الرافضين لهذا الزواج ؛ لأنّه مفتعل وغير صحيح وقد نوقش وفنّد بكثير من الأدلّة (١) ـ لكن على فرض صحّة هذه الرواية فإنّ الإمام عليّ عليه‌السلام قد استشار عقيلاً في الأمر.

وهذا ما رواه الدولابي عن عبد الرحمن بن خالد بن نجيح عن حبيب كاتب مالك بن أنس عن عبد العزيز الداروردي عن زيد بن أسلم ، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال : « خطب عمر إلى عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أم كلثوم فاستشار عليّ العبّاس وعقيلاً والحسن ، فغضب عقيل وقال لعلي : ما تزيدك الأيام والشهور إلّا العمى في أمرك ، والله لئن فعلت ليكونن وليكونن ، قال عليّ للعبّاس : والله ما ذاك منه نصيحة ولكن درّة عمر أحوجته إلى ما ترى أم والله ما ذاك منه لرغبة فيك يا عقيل ولكن أخبرني عمر بن الخطاب أنّه سمع رسول الله يقول : (كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي) (٢) » (٣).

وعلى هذه الرواية ملاحظات عدّة :

منها ما يتعلّق في سندها ، حيث إنّ بعض رواتها مطعون فيهم من جهة عبد الرحمن بن خالد ، أورده الذهبي في الضعفاء ، وابن يونس منكر الحديث (٤) ،

_______________________

(١) للتفصيل ينظر المحمداوي : أم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام حقيقة أم وهم ؟ (بحث منشور في مجلة آداب البصرة عام ٢٠٠٨ م).

(٢) ورد الحديث عند الطوسي : الأمالي / ٣٤٠ ، الطبراني : المعجم الأوسط ٤ / ٢٥٧ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ١ / ١٧.

(٣) الذريّة الطاهرة / ١١٥ ، ينظر الطبراني : المعجم الكبير ٣ / ٤٤ ، الطبري : ذخائر العقبى / ١٧٠ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ٤ / ٢٧١.

(٤) المناوي : فيض القدير ٥ / ٥٣٢.

٨٣
 &

هذا ولم نجد معلومات وافية عنه ، هذا كلّ الذي وجدناه.

وحبيب كاتب مالك ، تركه النسائي (١) ، وأورده العقيلي في الضعفاء مشيراً بأنّه كذّاب ، وأبو داود أنّه أكذب الناس (٢) ، وابن عدي حبيب أضعف من أبي حذافة ولعلّه شرّ منه (٣) ، وقد جمع العلّامة الأميني آراء علماء الجرح والتعديل فيه ، ولم يذكر من أثنى عليه ـ أي : وثّقه ـ فقد أجمعت الآراء على تجريحه ، متمثّلة في العبارات : ليس بثقة ، وكان يكذب ، ولم يرضاه أحمد وأثنى عليه شرّاً وسوء ، وكان يضع الحديث ، ومتروك الحديث روى عن ابن أخي الزهري أحاديث موضوعة ، كان يدخل على الشيوخ الثقات ما ليس من حديثهم ، وأحاديثه كلّها موضوعة ، وعامّة حديثه موضوع المتن مقلوب السند ، ولا يحتشم في وضع الحديث عن الثقات ، وهو ذاهب الحديث ، وقد كتب عنه عشرين حديثاً عرضت على ابن المديني فكذّبها كلّها (٤).

أمّا عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ، ويكنّى أبا زيد ، اشتراه عمر سنة ١٢ هـ من سوق ذي المجاز ، وتوفّي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان (٥) ، قيل هو مدني ثقة من كبار التابعين (٦).

ومنها ما يتعلّق بمتنها ، لوجود كثير من المتناقضات :

_______________________

(١) الضعفاء / ١٧١.

(٢) الضعفاء ١ / ٢٦٥.

(٣) ابن عدي : الكامل ١ / ١٧٥.

(٤) الغدير ٩ / ٣٣١.

(٥) ابن سعد : الطبقات ٥ / ١٠ ، ابن معين : تاريخ ١ / ١٦٦.

(٦) العجلي : معرفة الثقات ١ / ٢٢٣.

٨٤
 &

وفي مقدّمتها فارق السن بينهما ، فالمعروف أنّ عمر بن الخطاب خطب أمّها الزهراء عليها‌السلام من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفشل ، ثمّ يعود ويخطب ابنتها ، فالمعروف أنّها ولدت قبيل وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) ، أي : مقاربة لوفاته ، وذكر الذهبي ولادتها سنة ست للهجرة ، وهي رأت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم تحفظ عنه شيئاً (٢). ولعلّه أراد أن يلتمس عذراً لعمر عندما قال أدركت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ أي : كي يجعلها صحابية ويرفع من عمرها ـ لكن الشقّ الثاني من الرواية انقلب وبالاً عليه عندما قال : لم تحفظ من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً ! فهذا يترتب عليه أثر ، أو بمعنى آخر أنّها طفلة لم تدرك الحلم ، أي : غير مميزة ، فمن أدرك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو غير مميز لا ينقل ما حفظه ؛ لأنّه لم يدرك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إدراك تمييز ، فكيف بأمير المؤمنين عليه‌السلام أن يزوج ابنته وهي دون سن الزواج ؟!

ثمّ إنّ عمر بن الخطاب من الذين انتهكوا حرمة دار الإمام عليّ عليه‌السلام بعد وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وروّعوا عياله وحدث ما حدث ، فيا ترى هل أنّ الإمام عليه‌السلام أراد أن يعترف بفضل عمر عليه في ردّ الخلافة لصاحبها الشرعي ! فجازاه الإمام على عدله وإحسانه إياه ! فلأيّ فعل قام به ابن الخطاب مع الإمام عليه‌السلام حتّى يكافئه ويزوّجه ابنته ؟!

والأكثر من ذلك أنّ الكفاءة شرط أساس في الزواج فهل كان عمر كفئاً لها ؟ وكيف تتحقق الكفاءة مع من كان جدّها رسول الله عليه‌السلام وأباها وليّ الله وأمّها سيّدة نساء العالمين ، وجميعهم أصحاب الكساء الذين نصّ عليهم المولى في كتابه ، خاصة أنّ الإمام عليه‌السلام هو من أرسى دعائم الإسلام بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

_______________________

(١) ابن الأثير : أُسد الغابة ٥ / ٦١٤.

(٢) سير أعلام النبلاء ٣ / ٥.

٨٥
 &

فكيف يتمكّن ابن الخطاب أن يكون كفئاً لها ؟! فهذا الشرط وحده كاف لإسقاط الرواية وإبطال حجّيتها.

ثمّ هناك من هو أكفأ منه ، وهو عبد الله بن جعفر الطيار (ذو الجناحين) ، وهو من دمها ولحمها وابن عمّها ، وهم من طينة النبوّة والإمامة.

ثمّ إذا كان الإمام عليه‌السلام مقتنعاً بهكذا مصاهرة ، فلماذا يشاور ابنه وأخاه وعمّه ، رغم أنّ المشورة في أمور الزواج واردة ؟! ولماذا لم يعمل بمشورتهم ويضرب بها عرض الجدار على حسب زعمهم ؟!

ـ وأمّا عن علاقته مع الخليفة عثمان ، فلم يتّضح شيء منها ، سوى رواية خلافه مع زوجته المفتعلة فاطمة بنت عتبة.

فالرواية مفتعلة ومرفوضة ، وذلك لأنّ الخلاف مرّة حدث في خلافة عمر ، وأخرى في خلافة عثمان ، علماً أنّ الأمر لم يحصل لأنّ الزواج لم يكن موجوداً من الأساس (١).

ومن الجدير بالذكر أنّنا لم نجد معلومات عن علاقاته مع صحابة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سوى رواية واحدة ، أنّه شارك في توديع أبا ذر رضي‌الله‌عنه عندما نفاه عثمان بن عفان (٢) ، وكان له كلام في ذلك الموقف (٣).

هذه الدلائل التي حصلنا عليها فيما يخصّ علاقاته الاجتماعية.

_______________________

(١) ينظر المحمداوي : فاطمة بنت عتبة (بحث غير منشور).

(٢) الصدوق : من لا يحضره الفقيه ٢ / ٢٧٥ ، العاملي : وسائل الشيعة ١١ / ٣٤٦.

(٣) ينظر مبحث صفاته (الفصل الأوّل).

٨٦
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEAqil-Ben-Abi-Talebimagespage0087.png

٨٧
 &
٨٨
 &

مفهوم الذرية

الذرّية لغة : مأخوذة من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءاً ، أي : خلقهم ، وجاء في قوله تعالى : (وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ...) (١) ، وقال تعالى : (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (٢) ، يكثركم ـ أي : في الخلق ـ والذرّية منه وهي نسل الثقلين ، وجمعها ذراري ، والذرء عدد الذرية (٣) ، وذر الله الخلق في الأرض ، أي : نشرهم ، والذرّية فعلية منه ، وهي منسوبة إلى الذر وهو صغار النمل ، جاء ذلك في قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (٤) ، أي : أخرجهم من صلب آدم كالذر ، وذرّية الرجل ولده ، وفي التنزيل العزيز : (إنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ...) (٥) ، والذرية اسم يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى ، وأصلها من الذر ، بمعنى التفريق ؛ لأنّ الله سبحانه ذرّهم في الأرض (٦) ، وهي تقع على الآباء والأبناء والأولاد والنساء ، قال تعالى : (وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (٧) ، أراد بذلك آباءهم الذين حملوا في

_______________________

(١) الشورى / ١١.

(٢) الملك / ٢٤.

(٣) ابن منظور : لسان ١ / ٧٩.

(٤) الأعراف / ١٧٢.

(٥) آل عمران / ٣٣ ـ ٣٤.

(٦) ابن منظور : لسان ٤ / ٣٠٥ ، ينظر ابن الأثير : النهاية ٢ / ١٥٧.

(٧) يس / ٤١.

٨٩
 &

السفينة مع نبيّنا نوح عليه‌السلام ، وفي قول النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما رأى امرأة مقتولة في بعض غزواته ـ إن صحّ ذلك ـ قال : (ما كانت هذه لتقاتل ، ثمّ قال لرجل : الحق خالداً فقل له : لا تقتل ذرّية ولا عسيفاً) فسمى النساء ذرّية (١).

والذرّية أخرجت من صلب سيّدنا آدم عليه‌السلام على صورة الذر فملأ بهم الأفق ، وجعل على بعضهم نوراً ، وعلى الآخر ظلمه ، فلمّا رآهم عجب من ذلك ، فسأل ربّه فقال تعالى : ـ [ هؤلاء ذرّيتك ] ـ يريد تعريفه كثرتهم ، فشبّههم بالذر الذي أخرجه من ظهره وجعله علامة على كثرتهم (٢).

وقيل : إنّ العترة هي الذرّية ، والأخيرة هي الولد وولد الولد (٣) ، وهذا الرأي تنقصه الدقّة ، حيث قَصَر الذرّية على الأولاد وأولادهم من دون البنات ، وهذا يغاير الواقع ، فعترة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ابنته فاطمة عليها‌السلام ، وذرّية أسد من ابنته فاطمة أم أمير المؤمنين عليه‌السلام ، إذن الذرّية من الذكور والإناث ، وإلّا يكون النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من دون ذرّية.

وقد نضع بهذا الخصوص تساؤلاً : هل يدخل أولاد البنات في الذرّية لقوله تعالى : (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ) ... إلى قوله : (وَعِيسَىٰ) (٤) ولم يكن ابن أبيه ، ولأنّ الذرّية اسم الفرع المتولّد من الأصل والأب والأم أصلان في الإنجاب ، بل التولّد والتفرّع من جانب الأمّ

_______________________

(١) ابن منظور : لسان العرب ١٤ / ٢٨٥.

(٢) المفيد : المسائل السروية / ٤٤.

(٣) ابن حمزة الطوسي : الوسيلة / ٣٧٨.

(٤) الأنعام / ٨٤ ـ ٨٥.

٩٠
 &

أرجح ؛ لأنّ ماء الفحل يصير مستهلكاً في الرحم ، وإنّما يتولد الولد منها بواسطة ماء الفحل (١).

وقيل : إنّ الذرّية الأعقاب ، وهم النسل من الأولاد وأولادهم (٢) ، وطبقاً لهذا الرأي فإنّ البنات مستثنيات.

وقد حصر السرخسي الذرّية في الأولاد فقط مشيراً إلى قوله تعالى : (وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون) (٣) ، يعني آباءهم فسمّي الأب بهذا الاسم ؛ لأنّ الولد ذري منه ، وسمّي به الولد لأنّه ذري من الأب ، والمراد بقوله تعالى : (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) (٤) ، أي : الولد ومن يقوم مقام الولد (٥).

وقد ردّ ابن عابدين على هذا القول أنّ الذرّية اسم للفرع المتولّد من الأصل ، والأبوان أصلان للولد ، ومعنى الأصلية والتولّد في جانب الأمّ أرجح ، لأنّ الولد يتولّد منها بواسطة ماء الفحل (٦).

وقيل : انّ الذرّية هي النسل والحرث والزرع (٧) ، وقوله تعالى : (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ) (٨) لا يكون الذرّية من القوم إلّا نسلهم من أصلابهم (٩).

_______________________

(١) العلّامة الحلّي : تذكرة الفقهاء ٩ / ١٠٠.

(٢) المحقّق الكركي : جامع المقاصد ٤ / ١٢٦.

(٣) يس / ٤١.

(٤) النساء / ١٧٦.

(٥) السرخسي : المبسوط ٢٩ / ١٥٢.

(٦) حاشية رد المحتار ٤ / ٣١٢.

(٧) العيّاشي : تفسير ١ / ١٠٠.

(٨) آل عمران / ٣٤.

(٩) العياشي : تفسير ١ / ١٧٠.

٩١
 &

وتكون الذرّية جمعاً نحو قوله تعالى : (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) (١) ، وقوله : (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) (٢) ، وتكون واحداً كقوله : (هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ) (٣).

وقد أشار أبو هلال العسكري إلى الفرق بين الذرّية والآل بقوله : « آل الرجل ذو قرابته ، وذرّيته نسله ، فكلّ ذرّية آل ، وليس كلّ آل بذرّية ، وآل يخصّ الأشراف وذوي الأقدار بحسب الدين أو الدنيا ، فلا يقال آل حجام وآل حائك ، بخلاف الذرّية » (٤).

وبما أنّ الزوجات أصل في إنجاب الذرّية ، حريّ بنا أن ندرس زوجات عقيل ، ومن ثمّ أولاده وبناته.

_______________________

(١) الأعراف / ١٧٣.

(٢) الإسراء / ٣.

(٣) آل عمران ٣٨ ـ ٣٩.

(٤) الفروق اللغوية / ٦.

٩٢
 &

زوجاته

اختلفت المصادر في وضع حدّ تقريبي لهنّ ، ولم نستطع أن نقف على عددهن ، ولم نعرف أحسابهن وأنسابهن ، وهناك روايات وردت لدى بعض المؤرّخين ذكرت له زوجات عديدات ، ومن هذه الروايات :

أوّلاً : رواية ابن سعد ، قال : « وكان لعقيل بن أبي طالب من الولد يزيد وبه يكنّى وسعيد وأمّهما أم سعيد بنت عمرو بن يزيد بن مدلج من بني عامر بن صعصعة (١) ، وجعفر الأكبر وأبو سعيد الأحول وهو اسمه وأمّهما أم البنين بنت الثغر وهو عمر بن الهصّار بن كعب بن عامر ... وأم الثغر أسماء بنت سفيان أخت الضحاك بن سفيان (٢) ... ومسلم بن عقيل ... وعبد الله بن عقيل وعبد الرحمن وعبد الله الأصغر وأمّهم خليلة أم ولد ، وعلي لا بقية له وأمّه أم ولد ، وجعفر الأصغر وحمزة وعثمان لأمهات أولاد ، ومحمّد ورملة وأمّهما أم ولد ، وأم هانئ وأسماء وفاطمة وأم القاسم وزينب وأم النعمان لأمهات أولاد شتّى » (٣).

_______________________

(١) ابن معاوية بن بكر بن هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد هاجر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم وعرض عليهم أمره فلم يجيبوه ولهم مضارب في البصرة ، ولهم ماء الحوأب. (ينظر الهلالي : كتاب سليم / ٦٩ ، ابن سعد : الطبقات ١ / ٢١٧ ، السمعاني : الأنساب ٢ / ٦٦ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٦ / ٢٢٥).

(٢) ابن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن عمّاله على الصدقات. (ابن حبّان : الثقات ٣ / ١٩٨).

(٣) الطبقات ٤ / ٤٢.

٩٣
 &

ثانياً : رواية البلاذري ، قال : « عقيل ... فيكنّى أبا يزيد باسم ابن له ... وولد عقيل مسلماً وعبد الله الأصغر وعبيد الله وأم عبد الله ومحمّداً ورملة لأم ولد يقال لها : حلية ، وعبد الرحمن وحمزة وعلياً وجعفر الأصغر وعثمان وزينب وفاطمة تزوجها عليّ بن يزيد (١) ... وأسماء تزوجها عمر بن عليّ بن أبي طالب (٢) وأم هانئ لأمهات شتّى ، ويزيد وسعيد أمّهما أم عمر بنت عمر الكلابية ، وأبا سعيد وجعفر الأكبر وعبد الله الأكبر أمّهم أم البنين الكلابية وبعضهم يقول : أم أنيس ... » (٣).

وما يسجّل على هاتين الروايتين : أنّهما غير مسندتين ، وفيهما إرباكات لكثرة أسماء زوجاته ، وكيفية زواجه منهنّ ، هل تمّ قبل البعثة النبوية أم بعدها ؟

وطبقاً لهاتين الروايتين يمكن أن نتعرّف على زوجاته من هنّ :

١ ـ أم سعيد بنت عمرو بن يزيد بن مدلج من بني عامر بن صعصعة الوارد اسمها في رواية ابن سعد ، وفي رواية البلاذري سمّاها أم عمر بنت عمر الكلابية. وقد بحثت كثيراً عن أم سعيد فلم أجد لها ذكراً ، وقد حاولت معرفة أبيها وأهلها ، فلم أجد ضالّتي وبقيت مبهمة ، والحال نفسها مع ولديها يزيد وسعيد.

٢ ـ أم البنين بنت الثغر عمر بن الهصّار بن كعب بن عامر ، وقد سمّاها

_______________________

(١) ابن ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. (المزّي : تهذيب الكمال ٩ / ٢٢٤).

(٢) أمّه الصهباء بنت عباد بن تغلب من سبي خالد بن الوليد في حروب الردّة ، وقيل : هو توأم رقيّة بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام ، توفّي مع المختار في حربه مع مصعب بن الزبير سنة ٦٧ هـ. (ينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤٥ / ٣٠٤ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ٤ / ١٦١).

(٣) أنساب الأشراف / ٦٩.

٩٤
 &

البلاذري بأم البنين الكلابية ، وقيل : أم أنيس (١) ، وقيل : هي أم البنين بنت الشقر ابن الهضاب (٢) ، وقيل : إنّ أمّه هي الخوصاء بنت الثغرية ، واسم أبيها عمرو بن عامر بن الهضاب بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب العامري ، وأمّها أردة بنت حنظلة بن خالد بن كعب (٣).

ومهما اختلف في اسمها ونسبها خلاصة الأمر أنّها شخصية واحدة ، وهذا واضح من خلال القاسم المشترك بين تسمياتها المختلفة ألا وهو ابنها جعفر ، وفي كلّ ترجمة له يذكر اسم أمّه هكذا مع اختلاف يسير ، ورغم اختلاف التسمية فإنّ أم البنين ثابتة الوجود بوجود ابنها جعفر.

٣ ـ خليلة طبقاً لرواية ابن سعد ، وقد بحثنا عنها في أغلب المصادر فلم نجد عنها معلومات وافية ، وكلّ الذي وجدناه هو الاختلاف في اسمها. وقيل : (حلية) في رواية البلاذري ، وعلية في رواية الأصفهاني الذي أشار إليها بقوله : « مسلم بن عقيل وأمّه أم ولد يقال لها : علية ، وكان عقيل اشتراها من الشام فولدت له مسلماً ولا عقب له » (٤) ، ويروى أنّ اسمها حيلة (٥).

وقيل : إنّ أصلها نبطية ، وهذا ما أشار إليه ابن حبيب الذي عقد موضوعاً في أسماء النبطيات من قريش بقوله : « مسلم بن عقيل ... أمّه خليلة من آل فهريدي » (٦) ، وأشار ابن قتيبة إلى أصلها بأنّها من آل فرزندا (٧). وقد بحثنا عن

_______________________

(١) البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٠.

(٢) أبو مخنف : مقتل / ٢٣٩ ، الطبري : تاريخ ٤ / ٣٥٩ ، أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٢٤٠.

(٣) أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٦١.

(٤) أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٥٢.

(٥) شمس الدين : أنصار الحسين عليه‌السلام / ١٢٤.

(٦) ابن حبيب : المنمق / ٤٠٢.

(٧) ابن قتيبة : المعارف / ٢٠٤.

٩٥
 &

هذا الأصل فلم نجد له شيئاً يذكر وهو مجهول لدينا ، كما عجزت أن أحدّد اسمها ولقبها.

ولم تذكر المصادر كيفية زواج عقيل بها ، سوى أنّه تزوّجها في أثناء سفره إلى الشام في قصّة طويلة عريضة ، أشار إليها المدائني بقوله : « قال معاوية يوماً لعقيل بن أبي طالب : هل من حاجة فأقضيها لك ؟ قال : نعم ، جارية عرضت عليّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلّا بأربعين ألفاً ، فأحبّ معاوية أن يمازحه ، فقال : وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفاً وأنت أعمى تجتزئ بجارية قيمتها خمسون درهماً ؟ قال : أرجو أن أطأها فتلد لي غلاما إذا أغضبته يضرب عنقك بالسيف ، فضحك معاوية وقال : مازحناك يا أبا يزيد ، وأمر فابتيعت له الجارية التي أولدها مسلماً ، فلمّا أتت على مسلم ثماني عشرة سنة ـ وقد مات عقيل أبوه ـ قال لمعاوية : يا أمير المؤمنين إنّ لي أرضاً بمكان كذا من المدينة ، وإنّي أعطيت بها مائة ألف وقد أحببت أن أبيعك إيّاها فادفع لي » ، وفي رواية أخرى « إنّ عقيلاً رأى فتاة وطلب من معاوية أن يزوّجه إيّاها فزوّجه منها ، وأنجبت له مسلم بن عقيل » (١).

ومع أنّ هذه الرواية منحولة وغير صحيحة لأسباب :

منها : أنّ مسلماً عمره أكبر من ذلك بكثير ، فهو أدرك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعاش أيامه ، وشارك في أحداث كوفان ، وقتل وهو متزوّج وله كثير من الولد ممّن استشهد مع الإمام الحسين بن عليّ عليه‌السلام سنة ٦١ هـ.

ومنها : أنّ عقيل ذهب إلى معاوية بسبب فقره أم ليشبع غريزته ويتزوّج زوجتين إضافة إلى زوجاته السابقات ؟!

_______________________

(١) القاضي نعمان : شرح الأخبار ١١ / ٢٥٠ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٧٥٠ ، جعفر النقدي : الأنوار العلوية / ١٦.

٩٦
 &

فضلاً عن ذلك أنّ الرواية ذكرته بأنّه أعمى في أثناء سفره ، وبعضها ذكرت أنّ فترة بقائه يوم واحد وبعدها جمع غرائره ورجع ، ولم تذكر أنّه رجع ومعه زوجتان تزوّجهما في الشام.

وهذه رواية غير صحيحة من عدّة وجوه منها : أنّ ذهابه حسب بعض الروايات في أثناء معركة صفين ، ولم يثبت ذهابه ! والشواهد تقول : إنّ مسلماً كان على ميمنة جند أمير المؤمنين عليه‌السلام في المعركة المذكورة كما سنوضّحه (١).

٤ ـ قيل : إنّه تزوّج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ، ولم يثبت ذلك (٢).

٥ ـ وقد ذكرت المصادر بأنّه سافر إلى الشام والكوفة والبصرة (٣) ، وقيل : إنّه تزوّج امرأة من بني جشم في البصرة.

وهذا ما أشار إليه الدارمي بقوله : « حدّثنا محمّد بن كثير العبدي البصري ثنا سفيان عن يونس عن الحسن قال : سمعته يقول : قدم عقيل البصرة فتزوّج امرأة من بني جشم ، فقالوا له : بالرفاء والبنين ، فقال : لا تقولوا ذلك إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهانا عن ذلك وأمرنا أن نقول : بارك الله لك وبارك عليك » (٤).

فعن سلسلة الحديث :

ففيه محمّد بن كثير العبدي من ثقات أهل البصرة ت ٢٢٣ هـ (٥) توفّي في

_______________________

(١) ينظر مبحث أولاده (الفصل الثاني).

(٢) للتفاصيل ينظر المحمداوي : فاطمة بنت عتبة (بحث غير منشور).

(٣) ابن سعد : الطبقات / ٣٠ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٢ ، الطبري : ذخائر العقبى / ٢٢٢ ، الصالحي الشامي : سبل الهدى ١١ / ١١٥.

(٤) سنن ٢ / ١٤٣ ، وينظر ابن أبي شيبة : المصنف ٣ / ٤٠٨ ، البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٥ ، البيهقي : السنن الكبرى ٧ / ١٤٨ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٦ / ٢٥٧ ، ٤١ / ٥ ، الذهبي : تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠١٣ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ١٦ / ٤٨٤.

(٥) السمعاني : الأنساب ٤ / ١٣٧ ، وينظر ابن الأشعث : سؤالات ١ / ٢٠.

٩٧
 &

سن التسعين ، وقد روى عن سفيان الثوري وإسرائيل وكان تقيّاً فاضلاً (١) ، وبما أنّه نقل عن الثوري فالثوري مطعون فيه كما سنوضّحه ، وهو من شيوخ البخاري روى عنه ثلاثة أحاديث في العلم والبيوع والتفسير وقد توبع عليها ، وثّقه أحمد ابن حنبل ، وصدّقه أبو حاتم ، ولكن ابن معين لا يوثّقه (٢) وقال في حديثه ألفاظ كأنّه ضعفه ، ولم يكن لسائل أن يكتب عنه ، وهو ليس بثقة ، وقيل ضعيف (٣) ، وقد نهى أن يكتب حديثه لأنّه ليس بالثقة (٤) ، وقيل لم يصب من ضعفه (٥).

أمّا عن سفيان الثوري ، فهو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله الثوري الكوفي ، من مشاهير علماء وفقهاء ومحدّثي وحفاظ ومتصوّفة وقرّاء العامة ، ولد في الكوفة سنة ٩٧ هـ ونشأ بها ، انخرط في شرطة هشام بن عبد الملك الأموي ، وكان ممّن شهد أو باشر وأعان على قتل الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين عليهما‌السلام ، وفي عهد المنصور الدوانيقي طلب منه أن يلي الحكم فأبى وخرج من الكوفة سنة ١٤٤ هـ إلى مكّة المكرّمة والمدينة ، ثمّ هرب إلى البصرة ، وتوارى بها حتّى توفّي سنة ١٦٢ هـ (٦). وهذه الترجمة تنافي كونه من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام ولم تذكر ملازمته للإمام عليه‌السلام وإنّما هو من أعيان بني أمية ، ذكره التفرشي في أصحاب الإمام عليه‌السلام (٧) ، وقيل ليس من

_______________________

(١) ابن حبّان : الثقات ٩ / ٧٧ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ٩ / ٣٧١.

(٢) ابن حجر : مقدّمة فتح الباري / ٤٤٢.

(٣) ابن حجر : تهذيب التهذيب ٩ / ٣٧١.

(٤) المزّي : تهذيب الكمال ٢٦ / ٣٣٤.

(٥) ابن أبي عاصم : الآحاد ١ / ٢٥ ، ينظر ابن حجر : تهذيب التهذيب ٢ / ١٢٧.

(٦) الشبستري : أصحاب ٢ / ٤٩.

(٧) الرجال ٢ / ٣٣٢.

٩٨
 &

أصحابه (١) ، وقد اتّهمه العسكري بالتصحيف (٢) ، ولم يوثقه النسائي (٣) ، وذكره العقيلي في الضعفاء وقال : إنّ حديثه باطل (٤).

وسفيان ، هو الذي حدّث بحلّية النبيذ إلّا الخمر (٥) ، وكان ممّن يقول بالوضوء فيه (٦) ، ومن لم يشرب النبيذ هو مبتدع ؛ لأنّ عمر شربه ، ومن لم يمسح على خفّيه هو صاحب بدعة ؛ لأنّ عمر قد فعل ذلك ، ومن لم يأكل طعام أهل الذمّة وذبائحهم فهو ضال ؛ لأنّ الإمام عليّ عليه‌السلام قد أكلها ، وهو القائل أنّه رأى الإمام عليّ عليه‌السلام على منبر الكوفة وهو يقول : (لئن أتيت برجل يفضّلني على أبي بكر وعمر لأجلدنّه حدّ المفتري ... حبّ أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما كفر) ، وقد أورد غرائب كثيرة ذكرها السيّد الخوئي قدس‌سره لبيان حقيقة الرجل (٧) ، لا نريد الردّ عليها.

ويونس بن عبيد بن دينار مولى عبد القيس من أهل البصرة ، لم يسمع من أنس شيئاً ، من سادات أهل زمانه علماً وفضلاً وحفظاً وإتقاناً مبغضاً لأهل البدع ، شديد التقشّف والفقه في الدين والحفظ الكثير (٨) ثقة (٩) ، وقيل : ثبت فاضل ورع (١٠).

_______________________

(١) ابن داود : رجال / ٢٤٨ ، العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٣٥٥ ، الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ٣٦٦.

(٢) تصحيفات / ٧٥.

(٣) الضعفاء / ١٥٤.

(٤) الضعفاء ٢ / ٦٩.

(٥) الخوئي : معجم رجال الحديث ٩ / ١٥٩.

(٦) الألباني : ضعيف / ٩.

(٧) الخوئي : معجم رجال الحديث ٩ / ١٥٨ ـ ١٦٠.

(٨) ابن حبّان : الثقات ٧ / ٦٤٧.

(٩) الباجي : التعديل والتجريح ٣ / ١٤١٨ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ١١ / ٣٨٩ ، ابن المبرد : بحر الدم / ١٧٩.

(١٠) ابن حجر : تقريب التهذيب ٢ / ٣٤٩.

٩٩
 &

والحسن بن أبي الحسن يسار البصري ، أبو سعيد ت ١١٠ هـ ، الإمام الشيخ ، نشأ بالمدينة وحفظ القرآن ، كان كاتباً في دولة معاوية لوالي خراسان الربيع بن زياد ، قال فيه ابن سعد : كان جامعاً عالماً رفيعاً ثقة حجّة مأموناً عابداً ناسكاً كثير العلم فصيحاً ، وما أرسله فليس هو بحجّة ، وقال عنه الذهبي : هو مدلّس فلا يحتجّ بقوله عمّن لم يدركه ، وقد يدلّس عمّن لقيه ويسقط من بينه وبينه ، ولكنه حافظ علامة من بحور العلم فقيه النفس كبير الشأن عديم النظير مليح التذكير بليغ الموعظة (١) ، كان يلقي كلّ أهل فرقة بما يهوون ويتصنّع للرئاسة ، وكان رئيس القدرية (٢).

وقد انقطعت سلسلة سند الحديث في الحسن البصري ، فهو لم يَرَ عقيلاً ولم يدركه (٣) ، فلا ندري من أين أخذ الحديث ؟! أضف إلى ذلك أنّه روى كثيراً من الغرائب والمناكير (٤).

وقد ورد الحديث في صورة ثانية لدى أحمد بن حنبل : عن الحكم بن نافع عن إسماعيل بن عياش عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن محمّد بن عقيل قال : « تزوّج عقيل ... فخرج علينا فقلنا بالرفاء والبنين فقال : مه لا تقولوا ذلك فإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد نهانا عن ذلك وقال : قولوا بارك الله فيك وبارك لك فيها » (٥).

_______________________

(١) تذكرة الحفاظ ١ / ٧١.

(٢) الخوئي : معجم رجال الحديث ٥ / ٢٥٦.

(٣) النووي : مجموع ١٦ / ٢٠٨.

(٤) الخوئي : معجم رجال الحديث ٩ / ١٥٩ ـ ١٦٠.

(٥) المسند ١ / ٢٠١ ، الطبري : ذخائر العقبى / ٣٣٢ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٤٢٤.

١٠٠