عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وهذه النقطة يستوجب التوقّف عندها للأسباب التالية :

كيف سمحت قريش له أن يتملّك دور المهاجرين من بني هاشم ؟! فلا ندري هل ملك هذه الدور لأنّهم أقاربه ، بحيث سمح لكلّ فرد غير مهاجر يتملّك أملاك أقاربه من المهاجرين ، وخدمت هذه النقطة عقيل ؟!

من الأجدر معرفة عقيدته في هذه الفترة ، هل كان مسلماً أم لا ؟ لأنّ هذا يترتب عليه أثر ، وإذا كان مسلماً ، وخرج إلى بدر كارهاً بدليل وصيّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له وللعبّاس بن عبد المطلب (١) فلا يجوز له شرعاً أن يبيع أملاك المهاجرين من بني هاشم. وهذا ما أشار إليه صاحب الجواهر بقوله : « مكة حرام وحرام بيع رباعها وحرام أجر بيوتها ... ومن قاعدة تسلّط الناس على أموالهم وغيرها ممّا يقتضي ذلك ، مؤيّداً بيع عقيل رباع أبي طالب وجملة من الصحابة منازلهم كإضافتها إليهم ... » (٢) ، وأضاف العلّامة الحلّي قائلاً : « ... يعني أنّ عقيلاً باع رباع أبي طالب ولو كانت غير مملوكة ، ولم يؤثّر بيع عقيل شيئاً ... » (٣).

الدليل الثالث : من أدلّة ثرائه أنّ له دوراً ، ومنها داره المعروفة بـ (دار ابن القبطي) على باب المسجد في الكوفة (٤) ، وقيل : إنّه استولى على دار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي دار السيّدة خديجة عليها‌السلام (٥) ، وكذلك حصل على دار محمّد بن يوسف (٦)

_______________________

(١) ينظر مبحث إسلامه (الفصل الثالث).

(٢) جواهر الكلام ٢٢ / ٣٥٢.

(٣) منتهى المطلب ٢ / ١٠١٨ ، تذكرة الفقهاء ١ / ٥١.

ذكر المحقّق النراقي أنّ تقرير النبيّ بيع عقيل داره بمكّة ، حديث ضعيف وضعفه ظاهر (مستند الشيعة ١٤ / ٢٧٦).

(٤) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٧ / ٢٣٥.

(٥) السرخسي : المبسوط ١٠ / ٥٢ ، النووي : المجموع ١٩ / ٣٤٦.

(٦) أخو الحجاج بن يوسف. ينظر الطبري : تاريخ ١ / ٥٧١.

٦١
 &

وهي الدار التي ولد فيها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم تزل بيده حتّى وفاته ، وله دار في المدينة (١) ، ويمكن أن تكون هذه الدار في البقيع حيث دفن فيها أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (٢) ، وكذلك قيل : إنّه ورث أملاك أبي طالب ، وهو حديث مصنوع وكذب موضوع على أصل غير ثابت (٣).

تنبيه :

بعد أن عرضنا أدلّة الفريقين ، أي : أدلّة القائلين بفقره ، والقائلين بغناه ، ربما يسأل بعضهم إلى أين توصّل الباحث خاصّة بعد أن عرض أدلّة فقره وردّ عليها ، وأدلّة غناه وردّ عليها ، أو على بعضها ، فماذا يرجّح ؟ وهل يقول بفقره ، أم عكس ذلك ؟ أم أنّه ذو مستوى معاشي مناسب ، ليس بالفقير المدقع إلى درجة البؤس والشعث ، وليس بالغني إلى درجة كونه من أصحاب الأملاك ؟ فالباحث يرجّح الشقّ الأخير.

وكذلك لم نجد شيئاً عن عمله الأساسي ، فهل عمل بالتجارة أم في غيرها ؟ من الكسب الحلال ، أم اكتفى بالعطاء ؟ ولماذا لم يعيّن أحد أبنائه في وظائف إدارية ؟ ألم يكونوا جديرين ؟ وهل يعقل أنّ الإمام عليه‌السلام يرى فقر أخيه ويسكت من دون أيّة مساعدة ؟ فربما العطاء غير كاف والأقربون أولى بالمعروف ، أفلا توجد أبواب أخر للمساعدة ، غير الصدقات والزكاة ، ومسألة الخمس ؟ فإذا كان غير مشمول بالخمس فله حقّ أخذ الصدقة ، وإذا كان غير مشمول

_______________________

(١) ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٢.

(٢) الحاكم : المستدرك ٣ / ٢٥٥.

(٣) المفيد : إيمان أبي طالب / ١٦٢.

٦٢
 &

بالصدقة فله حقّ أن يأخذ الخمس ، وإذا كان غير مشمول بالاثنين فله الحقّ أن يأخذ من حصّة أخيه في الخمس ، ولا يظن أنّ الإمام عليه‌السلام يبخل عليه في ذلك.

وتبقى مسألة طمع عقيل وحبّه للمال جديرة بالذكر ، فربما يعود ذلك لكثرة أفراد أسرته.

علاقاته الاجتماعية :

سنحاول في هذا المبحث بسط القول عن علاقة عقيل بأفراد أسرته وأقربائهِ ومن تبعهم ، لاسيّما أبوه وأمّه وإخوته.

وتجدر الإشارة بالقول إلى قلّة المعلومات في هذا الجانب ، اللّهمّ إلّا ما استطعنا أن نستشفّه من بعض الروايات. ومن ذلك ما ورد أنّ أبا طالب كان يحبّه أكثر من بقية أولاده ، وقد نسب لعقيل قوله : « لا يختر أحدكم ولداً وأنا أعزّ ولد أبي طالب » ، وكذلك حديث للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مفاده (أنّه يحبّه لحبّ أبي طالب له) ، وقد تمّ الوقوف على هذه الروايات ولم يثبت صحّتها (١).

ولم يسجّل له حضور في دفن أبيه وأمّه ، حيث أغفلت المصادر ذكره ، وإذا ذكرته فلم يتسن لنا الوقوف عليه.

وبخصوص علاقته مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم نعرف شيئاً عنها سوى الحديث الذي ذكرناه ، ورواية أخرى عن جابر رضي‌الله‌عنه : أنّ عقيل دخل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له : مرحباً بك أبا يزيد كيف أصبحت ؟ قال : بخير صبّحك الله يا أبا القاسم (٢) وقيل : إنّ أبا طالب أرسله في بداية الدعوة لطلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أن شكته قريش لدى عمّه أبا طالب ، ولم يثبت ذلك (٣).

_______________________

(١) للتفصيل ينظر مبحث نشأته وتربيته (الفصل الأوّل).

(٢) المتّقي الهندي : كنز العمال ١٣ / ٥٦٢

(٣) ينظر أوّل مبحث إسلامه (الفصل الثالث).

٦٣
 &

أمّا عن علاقته مع أخواته ، فلم نجد شيئاً من ذلك ، ولم يطرأ لها ذكر ، والحال نفسها مع أخيه جعفر ، فتكاد تكون العلاقة معدومة بينهما ، سوى رواية غير صحيحة أنّه شارك معه في غزوة مؤتة ، ولم تثبت صحّتها (١) ، وقيل : إنّ عقيلاً كان يذنب جعفراً ويضربه ـ كما سنوضّحه ـ ولم نجد شيئاً من الزواج والتصاهر بين أسرة جعفر وعقيل.

وعن علاقته مع أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقد دنّسها بعض المؤرّخين ، ورووا بذلك روايات مفتعلة ، وجعلوها أدلّة على سوء العلاقة بينهما ، ومنها :

الأوّل : ما رواه ابن شهر آشوب عن أبي الفتح الحفار بإسناده أنّ عليّاً عليه‌السلام قال : (ما زلت مظلوماً منذ أن كنت ، قيل له : عرفنا ظلمك في كبرك ، فما ظلمك في صغرك ؟ فذكر أنّ عقيلاً كان به رمد فكان لا يذرهما حتّى يبدأ بي).

قال ابن الحجاج (٢) :

وقديماً كان العقيل تداوى

وسوى ذلك العليل عليل

حين كانت تذر عين علي

كلّما التاث أو تشكى عقيل (٣)

والملاحظ على الرواية ، أنّها من منفردات ابن شهر آشوب ، وإسنادها غير تام ، فقد أشار إلى أبي الفتح الحفّار ، وهو هلال بن محمّد بن جعفر بن سعدان

_______________________

(١) ينظر مبحث غزوة مؤتة (الفصل الرابع).

(٢) لم نستطع تمييزه لكثرة الأعلام المشهورين الذين سمّوا بهذا الاسم ، مثل شعبة بن الحجاج وعبد الرحمن بن الحجاج ، فربما هو أبو عبد الله بن الحجاج ت ٣٩١ هـ شاعر مقل من العصر البويهي. (الزركلي : الأعلام ٢ / ٢٣١).

(٣) مناقب آل أبي طالب ١ / ٣٨٧.

٦٤
 &

ابن عبد الرحمن بن ماهويه بن مهيار بن المرزبان المتوفّي سنة ٤١٤ هـ وكان صدوقاً (١) ، وقيل ثقة (٢).

وكذلك ما رواه الصدوق عن حمزة بن محمّد بن أحمد العلوي عن أحمد ابن محمّد الكوفي عن عبد الله بن حمدون عن الحسين بن نصير عن خالد عن حصين عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن عليّ بن الحسين عن أبيه عليهما‌السلام قال : (قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما زلت أنا ومن كان قبلي من النبيين والمؤمنين مبتلين بمن يؤذينا ، ولو كان المؤمن على رأس جبل لقيّض الله عزّ وجل له من يؤذيه ليأجره على ذلك) ، وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : (ما زلت مظلوماً منذ أن ولدتني أمي حتّى أن كان عقيل ليصيبه رمد فيقول : لا تذروني حتّى تذروا عليّاً ، فيذروني وما بي رمد) (٣).

والملاحظ على الرواية ، أنّ صاحبها نقلها عن حمزة بن محمّد بن أحمد ابن جعفر بن محمّد بن زيد بن عليّ بن الحسين بن أبي طالب عليهم‌السلام (٤) ، فقد ذكره السمعاني بقوله : « ... نجم أهل بيت النبوّة في زمانه ، الشريف حسباً ونسباً ، والجليل همّة قولاً وفعلاً وسلفاً وخلفاً ... وميلاً إلى الحديث وأهله ، ونشر محاسن الخلفاء والمهاجرين والأنصار وذبّاً عنهم ، وإنكاراً للوقيعة فيهم ... ذكر يزيد بن معاوية فقال : أنا لا أكفّر يزيد لقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّي سألت الله أن لا

_______________________

(١) الخطيب البغدادي : تاريخ ١٤ / ٧٦.

(٢) ابن كثير : البداية ١٢ / ٢١.

(٣) علل الشرائع ١ / ٤٤ ، الاعتقادات / ١٠٥ ، ينظر الطوسي : الأمالي / ٣٥١ ، ينظر الراوندي : الخرائج ١ / ١٨٠ ، البحراني : حلية الأبرار ٢ / ٣٣٤ ، المجلسي : البحار ٢٧ / ٦٢ ، هادي النجفي : ألف حديث / ٢٧ ، حجازي : درر الأخبار / ٤٦٠ ، الريشهري : ميزان الحكمة ١ / ١٤٦.

(٤) الصدوق : الهداية / ٦٣.

٦٥
 &

يسلّط على أمّتي أحداً من غيرهم فأعطاني ذلك » (١).

فالمتمعّن في العبارة الأخيرة ـ إنْ صحّت ـ تكفي العلوي تجريحاً ! فهل هناك عاقل على البسيطة لم يكفّر يزيد ؟! وبماذا يكون الشخص كافراً إذا كان من قتل ابن بنت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذلك ؟! وينطبق عليه قول الإمام الصادق : عليه‌السلام (من شكّ في كفر أعدائنا الظالمين لنا فهو الكافر) (٢).

والأكثر من ذلك يوحى من كلامه أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طلب يزيد من الله سبحانه وتعالى حتّى يقتل الحسين عليه‌السلام !!

وبما أنّه علوي ومن ذرية طاهرة ، الأفضل به أن ينقل عن أبيه عن جدّه ، فلماذا نقل عن أحمد بن محمّد الكوفي ؟! وربما هذه من الأسباب التي جعلت البروجردي ، لا يعتمد على روايته بقوله : « حمزة بن محمّد ... روي عنه ، ولكنه غير مذكور في علم الرجال ، فلا أعتمد على روايته » (٣).

أمّا أحمد بن محمّد الكوفي ، فمصيره مثل سابقه ، فإنّه مجهول في هذه الطبقة (٤) ، وهو من شيوخ الكليني ، وثّقه العلّامة الحلّي وابن داود والمجلسي والطريحي والكاظمي ، روى عنه الكليني بعناوين مختلفة (٥) ، وعدّه التفرشي من

_______________________

(١) الأنساب ٣ / ١٨٩ ، لمراجعة نصّ الحديث ينظر الطبراني : المعجم الصغير ١ / ٧ ، المعجم الكبير ٢٠ / ٤٤ ، المعجم الأوسط ٨ / ٢٠٠.

(٢) الصدوق : الاعتقادات / ١٠٤.

(٣) طرائف ١ / ١٧٠.

وهذا صحيح جدّاً بحيث بحثنا عنه ولم نجده سوى السيّد الخوئي وقف عنده (قدّس سره) فذكر ثلاث أسماء لشخصية واحدة. (معجم رجال الحديث ٧ / ٢٩٢).

(٤) أنظر السيّد مصطفى الخميني : الطهارة الكبير ٢ / ١١.

(٥) الغفار : الكليني والكافي / ٥٢٥.

٦٦
 &

أصحاب الإمام الكاظم عليه‌السلام ، وهو أخو كامل بن محمّد ، ثقة (١) ، وخالفه البروجردي فقال : « أحمد ... أخو كامل بن محمّد وكلاهما غير معلوم الحال ، حتّى أنّ أخاه أخفى ، وإن كان الظاهر من هذا كونه أجلى فإنّه غير مذكور أصلاً » (٢) ، وذكره السيّد الخوئي مكتفياً بالقول : إنّه ورد في إسناد جملة من الروايات تبلغ أربعين مورداً (٣) ، ترجمه النجاشي ، وعدّ من كتبه كتاب الممدوحين والمذمومين (٤).

وعبد الله بن حمدون ، فهو غير معروف ولم يذكر إلّا في هذه الرواية ، ولم ينقل عنه غيرها ، ثمّ اسم أبيه يوحي أنّه من أهل الأندلس ، مثل سحنون وفرحون.

والحال نفسها مع الحسين بن نصير ، وخالد ، وحصين ، الواردين في الرواية.

ونحن نتسائل لماذا ذكرهم من دون ذكر آبائهم حتّى نعرف من هم ؟!

أمّا عن يحيى بن عبد الله بن الحسن ، فلا يعرف هل المقصود به ابن الحسن ابن عليّ بن أبي طالب عليهم‌السلام ، فإذا كان هو المقصود ، فهو حسن المذهب ، مقدّماً في أهل بيته ، بعيداً ممّا يعاب عليه مثله ، وقد روى الحديث وأكثر الرواية عن جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام وغيره ، وروي عنه (٥) ولم يذكر الحصين بين تلامذته ، فإذا كان من تلامذة الإمام عليه‌السلام لماذا لم ينقل الرواية عنه ؟! وعدّه

_______________________

(١) نقد الرجال ١ / ١٧٠.

(٢) طرائف ١ / ٢٨٠.

(٣) معجم رجال الحديث ٣ / ١٢٨.

(٤) السبحاني : كلّيات في علم الرجال / ٤٤.

(٥) أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٣٠٨.

٦٧
 &

التفرشي من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام (١) ، وقد ذكره السيّد الخوئي وأورد الاختلافات بصدده (٢).

ويمكن أن يطرح تساؤل كيف يكون يحيى بن عبد الله بن الحسن بن أبي طالب ، وهو نقل الرواية عن أبيه عبد الله عن عليّ بن الحسين عن الإمام الحسين عليه‌السلام ، أليس من الأفضل أن ينقل مباشرة عن أبيه عن الإمام الحسن عليه‌السلام ؟! ممكن أن يكون غير هذا النسب !

والغريب في السند أنّ الراوي الأوّل من نسل الإمام زيد بن عليّ ، والراوي الأخير رواها عن الإمام عليّ بن الحسين عليهما‌السلام ، وفي منتصف السند دخلت مسمّيات وشخصيات غير معروفة !! فالأجدر أن يكون سندها من الذرية الطاهرة أفضل من حمدون وحصين وغيرهم.

أمّا الطوسي فقد روى الحادثة بسند يختلف عن سند رواية الصدوق ، ولم يشر إلى قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوارد في رواية الصدوق مكتفياً بقول أمير المؤمنين عليه‌السلام (٣).

وقد رفض العلّامة المجلسي الرواية بقوله : « لا تخلو الرواية من غرابة بالنظر إلى التفاوت بين مولد أمير المؤمنين عليه‌السلام وعقيل ، فإنّ من المستبعد أن يكلّف من له اثنان وعشرون سنة مثلاً تقديم من له سنتان في الأضرار ، وأبعد منه قبول الوالدين منه ذلك » (٤).

_______________________

(١) نقد الرجال ٥ / ٧٦.

(٢) معجم رجال الحديث ٢١ / ٦٧.

(٣) الأمالي / ٣٥١.

(٤) البحار ٢٧ / ٢٠٨.

علماً أنّنا من الرافضين لرواية الفارق الزمني الكبير بين أولاد أبي طالب ، وقد سبق وأن ناقشنا ذلك.

٦٨
 &

وما يسجّل على الرواية أنّ عقيلاً هو أكبر إخوته ، فلماذا يطلب أن يذروا عليّاً عليه‌السلام من دون جعفر ، وإذا ذرّ أيّ منهم بماذا يخدم ذلك عقيلاً ؟

ثمّ إنّ الرواية تتحدّث عن أولاد أبي طالب وكأنّهم تربّوا في كنفه ! وفي روايات أخر يقولون : إنّ أبا طالب أملق وحصل ما حصل من تقسيم أولاده ! وماذا عن تربية الإمام عليّ عليه‌السلام في بيت النبوّة منذ صغره ؟ وهل أنّ عقيلاً يرمد منذ صغره حتّى عمى وهو كبير ؟ فلم نجد ما يدل على رمد عينيه إلّا في هذه الرواية ، وهذا يظهر منه كبر سنّه قياساً بأمير المؤمنين عليه‌السلام ، فالعمى حالة طبيعية لمن يكبر ويتقدّم بالعمر.

الثاني : مظلومية الإمام عليّ عليه‌السلام الذي ذكرها بقوله : (ما زلت مظلوماً منذ أن قبض الله نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يوم الناس هذا ، ولقد كنت أظلم قبل ظهور الإسلام ، ولقد كان أخي عقيل يذنب أخي جعفر فيضربني) (١).

يظهر من الرواية مدى كراهية عقيل للإمام عليه‌السلام وحقد الإمام عليه‌السلام عليه ، وشعوره نحوه بالظلم ! هذه روايات مرفوضة ؛ لأنّها موضوعة ، ولابدّ من ردّها.

فمن جهة يقسّمون أولاد أبي طالب كلّ في بيت من أقاربه ، ومن جهة أخرى يظهرونهم وكأنّهم تربّو في بيت واحد ! ثمّ ما ذنب الإمام عليه‌السلام مع عقيل ، فإذا كان جعفر قد أذنب ، فلماذا يضرب الإمام عليه‌السلام ؟!

وفي رواية سابقة أن رمدت عين عقيل ويريدون أن يذروه فيرفض حتّى يذروا عين الإمام عليه‌السلام وما به رمد.

وما يضعف الرواية أنّها وردت عند ابن أبي الحديد من دون سند ، ولم تردّ

_______________________

(١) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٢٠ / ٢٨٣.

٦٩
 &

عند غيره ، وفيها غرابة ، وبناء على ذلك لا يمكن الركون إليها.

وللردّ على القائلين بسوء علاقة عقيل بالإمام عليّ عليه‌السلام ، لدينا بعض الأدلّة التي تؤيّد العلاقة الحسنة بينهما ، منها :

الدليل الأوّل : حضوره ليلة زفاف الإمام عليّ عليه‌السلام من الصديقة الطاهرة عليها‌السلام أسوة بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحمزة وجعفر يمشون خلفهما شاهرين سيوفهم (١).

ويؤيّد هذه الرواية ما رواه الشيخ أبو الحسن المرندي : « قال عليّ عليه‌السلام : فلمّا كان بعد شهر دخل عليّ أخي عقيل بن أبي طالب ، فقال : يا أخي ما فرحت بشيء كفرحتي بتزويجك فاطمة بنت محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يا أخي فما بالك لا تسأل رسول الله يدخلها عليك فتقرّ أعيننا باجتماع شملكما ، قال عليّ عليه‌السلام : والله يا أخي لأحبّ ذلك وما يمنعني من مسألته إلّا الحياء منه » (٢).

وقيل : إنّه كان حاضراً في أثناء وفاة الزهراء عليها‌السلام (٣).

وما يردّ الرواية أنّ عقيلاً لم تذكر له هجرة للمدينة ؛ لأنّ زواجه عليه‌السلام فيها ، ثمّ إنّ جعفراً كان مهاجراً في الحبشة.

الدليل الثاني : الكتاب الذي بعثه عقيل إليه بخصوص غارة أتباع معاوية على الحيرة.

وهذا ما أشار إليه البلاذري عن عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد قوله : « إنّ عقيلاً كتب إلى أخيه عليّ عليه‌السلام : أمّا بعد كان

_______________________

(١) ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ١٢٩ ، التبريزي : اللمعة البيضاء / ٢٦٧.

(٢) الخوارزمي : المناقب / ٣٥٠ ، المجلسي : البحار ٤٣ / ١٣١ ، المرندي : مجمع النورين / ٥٨.

(٣) الفتّال : روضة الواعظين / ١٩١ ، ينظر الطبرسي : إعلام الورى / ١٥٢.

٧٠
 &

الله جارك من كلّ سوء ، وعاصمك من المكروه على كلّ حال ، إنّي خرجت ـ يا بن أم ـ معتمراً ولقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح (١) في نحو من أربعين شابّاً من أبناء الطلقاء فقلت لهم ـ وعرفت المنكر ـ : أين تريدون يا بني الطلقاء ؟ أبمعاوية تلحقون عداوة لنا غير مستنكرة منكم تحاولون تغيير أمر الله وإطفاء نور الحقّ !!! فأسمعوني وأسمعتهم ، ثمّ إنّي قدمت مكة وأهلها يتحدّثون بأنّ الضحاك بن قيس أغار على الحيرة وما يليها ، فأف لدهر جرّأ علينا الضحاك ، وما الضحاك إلّا فقع بقرقر (٢) ، فاكتب إليّ يا بن أم برأيك وأمرك ، فإن كنت الموت تريد تحمّلت إليك ببني أخيك وولد أبيك فعشنا معك ما عشت ومتنا معك إذا متّ.

فكتب إليه الإمام عليّ عليه‌السلام : أنّ ابن أبي سرح وغيره من قريش قد اجتمعوا على حرب أخيك اليوم كاجتماعهم على حرب ابن عمّك قبل اليوم ، وإنّ الضحاك أقل وأذل من أن يقرب الحيرة ، ولكنه أغار على ما بين القطقطانية والثعلبية » (٣) (٤).

أظهرت الرواية علامات الحبّ والمودّة الأخويّة عندما يخاطبه يا بن أم ، وقد ربط مصيره بمصير الإمام عليه‌السلام إمّا الحياة وإمّا الموت ، رافعاً من معنويات الإمام بأنّه وأولاده في خدمته ، لكن الله سبحانه وتعالى ادّخر أولاد عقيل لنصرة

_______________________

(١) كان يكتب الوحي للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويملي غير ما يأمره به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحكم بقتله ولو كان معلقاً في أستار الكعبة ، وبقى هارباً حتّى استعمله عثمان على مصر. (الصدوق : معاني الأخبار / ٣٤٧ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ١٤٠ ، المازندراني : شرح أصول الكافي ١٢ / ٢٦٥).

(٢) الفقعه يشبه به الرجل الذليل ، فيقال هو فقع بقرقر ، ويقال أيضاً أذل من فقع بقرقر لأنّ الدواب تنحله بأرجلها. (ابن منظور : لسان العرب ٨ / ٢٥٥).

(٣) موضع طريق بمكة. (ابن منظور : لسان العرب ١ / ٢٣٨).

(٤) أنساب الأشراف / ٧٤.

٧١
 &

الإمام الحسين بن عليّ عليه‌السلام في يوم كربلاء ، وقدّر للشهيد مسلم بن عقيل أن يحضر صفين ويقاتل بها ، حتّى وافاه أجله في الكوفة نموذجاً للشهادة في الإسلام ، وليس كما صوّرت علاقاتهما الرواية السابقة.

وللحقّ والحقّ يقال : إنّ الرواية ضعيفة من جهة عبّاس بن هشام ، فهو غير معروف ، وأبوه إذا كان هشام الكلبي ففيه طعن (١).

وعن أبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي الغامدي ، شيخ من أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم ، وكان يسكن إلى ما يرويه ، روى عن الإمام جعفر بن محمّد عليه‌السلام ، وقيل : عن أبي جعفر عليه‌السلام ولم يصحّ (٢) ، ذكره الشيخ الطوسي بقوله : « لوط بن يحيى ... الأزدي الكوفي صاحب المغازي » (٣) ، ولم يشر إلى تجريحه أو توثيقه ، مكتفياً بالقول : « من أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام ومن أصحاب الحسن والحسين عليهما‌السلام على ما زعم الكشي ، والصحيح أنّ أباه من أصحاب الإمام عليّ عليه‌السلام وهو لم يلقه » (٤) ، وقد ظن العلّامة الحلّي أنّ الطوسي من القائلين بأنّ لوطاً من أصحاب الإمام عليه‌السلام فقال : « لعل الشيخ الطوسي والكشي أشارا إلى الأب ـ يعني أبوه ـ والله أعلم » (٥) ، وابن داود عن الشيخ الطوسي قال : « وعندي أنّ هذا غلط ؛ لأنّه لم يلق أمير المؤمنين عليه‌السلام وإنّما كان أبوه يحيى من أصحابه ، قيل : إنّه روى عن أبي جعفر عليه‌السلام ولم

_______________________

(١) ينظر مبحث نشأته وتربيته (الفصل الأوّل).

(٢) النجاشي : رجال / ٣١٩.

(٣) الطوسي : الرجال / ٢٧٥.

(٤) الطوسي : الفهرست / ٢٠٤.

(٥) العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٢٣٤.

٧٢
 &

يصحّ » (١) ، والسيّد الخوئي قدس‌سره أشار إلى أنّ لوطاً لم يدرك أمير المؤمنين عليه‌السلام مستدلّاً على رواية لوط لخطبة الإمام عليّ والزهراء عليهم‌السلام بواسطتين ، وهذا يدلّ على عدم دركه إياه عليه‌السلام (٢).

وقد أورد ابن سعد ترجمة مخنف بن سليم بن حارث فذكر أنّه صحب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن ولده أبو مخنف (٣) ، وذكره الشبستري في أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام وجعله من ثقات ومحدّثي الإمامية ، ومن العلماء وشيخ المؤرّخين ، وأشار إلى الاختلاف في سنة وفاته وجعلها تتراوح بين سنة ١٥٧ ، ١٧٠ ، ١٧٥ هـ (٤).

تجدر الإشارة إلى قوله وغيره ـ كما سيأتي ـ بأنّه إمامي ، وهذا لم يصرّح به كبار علماء الإمامية ، مثل الطوسي والنجاشي وغيرهم ، وإنّما أشار إلى صحبته للإمام الصادق عليه‌السلام وإلى مؤلّفاته في تاريخ الإمامية ، ولم يذكروه بأنّه إمامي ، أمّا ابن أبي الحديد المعتزلي فقال : « أبو مخنف من المحدّثين وممّن يرى صحّة الإمامة بالاختيار وليس من الشيعة ، ولا معدود من رجالها » (٥).

وبعد أن عرض موقف علماء الإمامية منه ، وكان خالياً من الطعن ، فبالحري التعرّف على موقف الفريق الثاني الذي انهال عليه تجريحاً لا لذنب ارتكبه ، وإنّما ظناً منهم أنّه شيعي حسب زعمهم !

_______________________

(١) رجال / ١٥٧ ، التفرشي : نقد الرجال ٤ / ٧٥.

(٢) معجم رجال الحديث ١٥ / ١٤٢.

(٣) الطبقات ٦ / ٣٥.

(٤) الفائق ٢ / ٦٢٥.

(٥) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١ / ١٤٧.

٧٣
 &

فقد أشار الألباني إلى حديث مروي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام فوثّق كلّ رواته باستثناء لوط بن يحيى مشيراً بأنّه إخباري هالك (١) وكفى ، من دون أن يبرز العوامل الذي جعلته يقول بضعفه.

وأشار ابن أبي حاتم إلى ضعفه ، عن يحيى بن معين قوله : « أبو مخنف ليس بثقة » ، وعبد الرحمن عن أبيه ، أنّه متروك الحديث (٢) ، ونقل ابن عدي عن ابن معين أنّه ليس بشيء ، وفي رواية ثانية عنه ليس بثقة ، وقيل هذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه بعضهم ، فإن لوط معروف بكنيته وباسمه حدّث بأخبار المتقدمين الصالحين من السلف ، ولا يبعد منه أن يتناولهم ، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم ، وإنّما وصفته لا يستغني عن ذكر حديثه ، فأني لا أعلم له من الأحاديث المسندة ما أذكره وإنّما له من الأخبار المكروه الذي لا أستحبّ ذكره (٣).

أمّا الذهبي فقد كان متحاملاً عليه جداً ، فوصفه بأنّه أخباري تالف في الحديث ، لا يوثق به ، تركه أبو حاتم وضعفه الدارقطني (٤) وروى عن طائفة من المجهولين (٥). ومن المحتمل أنّ سليمان بن أبي راشد أحد المجهولين الذين نقل عنهم ، فقد بحثنا عنه ولم نجده.

والثقفي فقد أورد الرواية نفسها التي وردت عند البلاذري مع شيء بسيط من

_______________________

(١) إارواء الغليل ٨ / ١١٧.

(٢) الجرح والتعديل ٧ / ١١٧.

(٣) الكامل ٦ / ٩٢.

(٤) ميزان الاعتدال ٣ / ٤١٩.

(٥) الذهبي : سير أعلام النبلاء ٧ / ٣٠١.

٧٤
 &

الاختلاف ، منها بدلاً (من أبناء الطلقاء) ذكر (أبناء الشائنين) ، وأضاف على قصّة إغارة الضحاك قوله : « فاحتمل من أموالهم ما شاء ثمّ انكفأ راجعاً سالماً » ثم قال : « ... وقد توهّمت حيث بلغني ذلك أنّ شيعتك وأنصارك خذلوك فاكتب إليّ يا بن أم برأيك ... فوالله ما أحبّ أن أبقى في الدنيا بعدك فواقاً ، وأقسم بالأعزّ الأجلّ إنّ عيشاً نعيشه بعدك في الحياة لغير هنيء ولا مريء ولا نجيع ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته » (١).

وردّ عليه أمير المؤمنين عليه‌السلام بقوله : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عقيل بن أبي طالب : سلام عليك ، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو.

أمّا بعد كلأنا الله وإياك كلاءة من يخشاه بالغيب إنّه حميد مجيد ، فقد وصل إليّ كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي (٢) تذكر فيه أنّك لقيت عبد الله بن سعيد بن أبي سرح مقبلاً من قديد في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء متوجّهين إلى المغرب ، وإنّ ابن أبي سرح طالما كاد الله ورسوله وكتابه وصدّ عن سبيله وبغا عوجاً ، فدع ابن أبي سرح ودع عنك قريشاً ، وخلهم وتركاضهم في الضلال ، وتجوالهم في الشقاق ، ألا وإنّ العرب قد اجتمعت على حرب أخيك اليوم اجتماعها على حرب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل اليوم ، فأصبحوا قد جهلوا حقّه وجحدوا فضله ، وبادوه العداوة ونصبوا له الحرب ، وجهدوا عليه كلّ الجهد ، وجرّوا عليه جيش الأحزاب ، اللّهمّ فاجز قريشاً عنّي الجوازي فقد قطعت رحمي وتظاهرت

_______________________

(١) الغارات ٢ / ٤٢٩ ، وينظر ابن معصوم : الدرجات الرفيعة / ١٥٥.

(٢) قدم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسلّم عليه وسأله عن اسمه ؟ فقال له : اسمه أبو مغوية بن عبد اللات والعزى ، فسمّاه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبو راشد. (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٥ / ٩٢ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ٥ / ١٩١ ، ابن حجر : الإصابة ٤ / ٢٧٨).

٧٥
 &

عليّ ، ودفعتني عن حقّي ، وسلبتني سلطان ابن أمي ، وسلّمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسابقتي في الإسلام ، أن يدّعى مدّع ما لا أعرفه ولا أظن الله يعرفه والحمد لله على كلّ حال.

وأمّا ما ذكرت من غارة الضحاك على أهل الحيرة فهو أقلّ وأذلّ من أن يلمّ بها أو يدنو منها ، ولكنّه قد كان أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة حتّى مرّ بواقصة وشراف والقطقطانية (١) ، فما والى ذلك الصقع ، فوجّهت إليه جنداً كثيفاً من المسلمين فلمّا بلغه ذلك فرّ هارباً فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن ، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب ، فتناوشوا القتال قليلاً كلا ولا ، فلم يصبر لوقع المشرفية وولّى هارباً ، وقتل من أصحابه تسعة عشر رجلاً ونجا جريضاً بعدما أخذ منه بالمخنق ولم يبق منه غير الرمق فلأيا بلأي ما نجا ، والله ما سألتني أن أكتب إليك برأيي فيما أنا فيه فإنّ رأيي جهاد المحلّين حتّى ألقى الله ، لا يزيدني كثرة الناس معي عزّة ، ولا تفرّقهم عني وحشة ؛ لأنّي محقّ والله مع الحقّ ، ووالله ما أكره الموت على الحقّ ، وما الخير كلّه بعد الموت إلّا لمن كان محقّاً.

وأمّا ما عرضت عليّ من مسيرك اليّ ببنيك وبني أبيك فلا حاجة لي في ذلك فأقم راشداً محموداً ، فوالله ما أحبّ أن تهلكوا معي إن هلكت ، ولا تحسبن أنّ ابن أمّك ، ولو أسلمه الناس متخشّعاً ولا متضرّعاً ، ولا مقرّاً للضيم واهناً ، ولا سلس الزمام للقائد ، ولا وطئ الظهر للراكب المقتعد ، إنّي لكما قال أخو بني سليم :

فإن تسأليني كيف أنت فإنّني صبور

على ريب الزمان صليب

يعزّ عليّ أَن ترى بي كآبة

فيشمت عاد أو يساء حبيب (٢)

_______________________

(١) اسم موضع قرب مكة. (ياقوت الحموي : معجم ٤ / ٣١٣).

(٢) الثقفي : الغارات ٢ / ٤٣١ ، وينظر الإسكافي : المعيار والموازنة / ١٨٠ ، ابن قتيبة : الإمامة والسياسة ١ / ٧٥ ، ابن الدمشقي : جواهر ١ / ٣٦٦ ، المحمودي : نهج السعادة ٥ / ٣٠٠.

٧٦
 &

وقد ورد الكتاب في (نهج البلاغة) عن أمير المؤمنين قوله : (فسرحت إليه جيشاً كثيفاً من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك شمّر هارباً ونكص نادماً ، فلحقوه ببعض الطريق وقد طفّلت الشمس للإياب فاقتتلوا شيئاً كلّا ولا ، فما كانّ إلّا كموقف ساعة حتّى نجا جريضاً بعد ما أخذ منه بالمخنق ، ولم يبق منه غير الرمق ، فلأيا بلأي ما نجا فدع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال ، وتجوالهم في الشقاق ، وجماحهم في التيه ، فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبلي ، فجزت قريشاً عنّي الجوازي فقد قطعوا رحمي وسلبوني سلطان ابن أمي.

وأمّا ما سألت عنه من رأيي في القتال فإنّ رأيي في قتال المحلّين حتّى ألقى الله لا يزيدني كثرة الناس حولي عزّة ، ولا تفرّقهم عنّي وحشة ....) (١).

الدليل الثالث : لا يعتقد أن تسوء علاقته مع أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وهو الذي روى عنه قوله : (افترقت اليهود على كذا وكذا فرقة ، والنصارى على كذا وكذا ، ولا أرى هذه الأمّة إلّا ستختلف كما اختلفوا ويزيدون عليهم فرقة ، إلّا أنّ الفرق كلّها على ضلال إلّا أنا ومن اتّبعني ، يقول ذلك ثلاثاً) (٢).

أمّا عن علاقته مع الخلفاء وخاصّة الشيخين ، فقد اتّسمت بالسلبية !

ـ فعن علاقته مع الخليفة الأوّل ، فلم نجد إلّا موقفاً واحداً ولم يذكر غيره في المصادر المتوفرّة بين أيدينا.

وهذا ما أشار إليه ابن عساكر عن أبي سعد بن البغدادي عن أبي المظفر

_______________________

(١) نهج البلاغة ٣ / ٦٠.

(٢) القاضي نعمان : شرح الأخبار / ٢١٧.

٧٧
 &

محمّد بن جعفر بن إبراهيم بن محمّد عن إبراهيم بن خرّشيد عن أبي بكر النيسابوري عن أحمد بن عيسى عن عمر بن أبي سلمة عن صدقة ـ وهو ابن عبد الله ـ عن نصر بن علقمة عن أخيه عن ابن عائذ عن المقدام قوله : « استب عقيل بن أبي طالب ، وأبو بكر قال : وكان أبو بكر سباباً أو نشاباً غير أنّه تحرّج من قرابته من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأعرض عنه ، ولكنه شكاه إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الناس : إلّا تدعون لي صاحبي ما شأنكم وشأنه ، فوالله ما منكم رجل إلّا على باب بيته ظلمة إلّا باب أبي بكر فإنّ على بابه النور ، فوالله لقد قلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت ، وأمسكتم الأموال وجاد لي بماله ، وخذلتموني وواساني واتّبعني » (١).

الملاحظ على سند الرواية الآتي :

هناك طعن في سندها ! ففيها أبو سعد البغدادي ، لم يرو عنه إلّا ابن عساكر ، قيل : إنّه شعلة من نار ، قال السمعاني : انّه سمع معمّر بن الفاخر يقول : إنّه يحفظ صحيح مسلم ، وقال ابن النجار : هو إمام في الزهد والحديث ، واعظ ، كتب عنه شجاع الذهلي ، وإذا أكل اغرورقت عيناه ، قيل : إنّه حجّ إحدى عشرة حجّة توفّي سنة ٥٤ هـ وحمل إلى أصبهان ودفن بها (٢).

وأبو المظفر ، بقي مجهولاً بالنسبة لنا ، ولم نجد ما يدلّنا عليه. والحال نفسها مع إبراهيم بن خرشيد ، وعن أبي بكر النيسابوري ، هو عبد الله بن محمّد بن زياد ، ذكر من طريقه ٢٧٥حديثاً (٣) قيل : ثقة (٤).

_______________________

(١) تاريخ مدينة دمشق ٣٠ / ١٠٩ ، ينظر الطبراني : مسند الشاميين ٣ / ٣٧٨.

(٢) الذهبي : سير أعلام النبلاء ٢٠ / ١٢١.

(٣) الدارقطني : علل ١ / ١٤ ، ١ / ٦٠.

(٤) الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٧ / ٦٩.

٧٨
 &

أمّا صدقة بن عبد الله السمين ، وثّقه دحيم وأبو حاتم وضعّفه الجمهور (١) ، مثل أبي داود وغيره (٢) ، وقال عنه أحمد بن حنبل : « ما كان من حديثه مرفوع منكر ، وما كان من حديثه مرسل عن مكحول فهو أسهل وهو ضعيف جدّاً ... » (٣) ، وفي موضع آخر قال : « ... وهو شامي ... أبو معاوية ليس بشيء ، وهو ضعيف الحديث أحاديثه مناكير ليس يسوي حديثه شيئاً » (٤) ، ومقابل ذلك وثّقه ابن شاهين (٥) ، وعن دحيم محلّه الصدق غير أنّه يشوبه القدر ، كتب عن الأوزاعي (١٥٠٠) حديث ، وسأل عنه أبو زرعة فقال : « كان شامياً قدرياً ليناً » (٦) ، وقد نقل المنّاوي آراء علماء الجرح والتعديل فيه (٧) ، وكذلك الألباني (٨).

ونصر بن علقمة ، أبو علقمة الحمصي ، روى عن أخيه محفوظ بن علقمة وغيره (٩) ، لم نجد عنه معلومات وافية عن حياته ، ولا عن موقف علماء الجرح والتعديل منه ، سوى نتف وإشارات لا يمكن الركون إليها كثيراً ، منها ما أشار إليه الهيثمي إلى توثيقه (١٠) ، وذكره ابن حبّان في الثقات (١١) ، وأشار ابن حجر

_______________________

(١) الهيثمي : مجمع الزوائد ٥ / ٤١.

(٢) ينظر ابن معين : تاريخ / ١٣٣ ، ابن الأشعث : سؤالات ٢ / ١٨٣ ، ابن أبي عاصم : السنة / ١٢٣ ، النسائي : الضعفاء / ١٩٦ ، ابن عدي : الكامل ١ / ١٠ ، الدارقطني : علل ٩ / ٢٧٢ ، الباجي : التعديل والتجريح ٢ / ٨٧٨.

(٣) العلل ١ / ٣٠٠ ، وينظر البخاري : التاريخ الكبير ٤ / ٢٩٦ ، الضعفاء الصغير / ٦٣ ، العقيلي : الضعفاء ٢ / ٢٥٦.

(٤) ابن حنبل : العلل ١ / ٥٥١.

(٥) ابن حبّان : الثقات / ١٧٧.

(٦) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٤٢٩.

(٧) فيض القدير ١ / ١٣٨ ، ٦٦٩.

(٨) سلسلة الأحاديث الضعيفة / ٥٣٠ ، إرواء الغليل ١ / ٥٣ ، ٣ / ٢٨٦.

(٩) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٨ / ٤٦٩.

(١٠) مجمع الزوائد ٦ / ٢١٢.

(١١) الثقات ٧ / ٥٣٨ ، ينظر الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٣١٩.

٧٩
 &

بأنّه مقبول من السادسة (١) ، وفي موضع آخر أشار بأنّه أرسل عن أبي الدرداء ، ونقل عن أبي حاتم عن أبيه أنّه أرسل عن جبير بن نفير (٢) ، هذا كلّ الذي وجدناه عنه ، ولم نجد غيره.

وأخوه محفوظ بن علقمة ، أبو جنادة الحضرمي الحمصي ، فقد ترجم له البخاري مشيراً أنّه روى عن أبيه ، وروى عنه ثور بن يزيد والوضين بن عطاء (٣) وكفى ، ولم يذكر شيئاً غير ذلك يدلّ على توثيقه أو تجريحه ، على العكس من ابن معين الذي وثّقه (٤) ، وأبو زرعة لا بأس به (٥) ، وابن حبّان من المتقنين وكان يغرب (٦) ، وترجم له في الثقات (٧) ، ونقل عن عبد الرحمن بن عائذ وهو ضعيف يرسل (٨) ، روى عن أبيه وسلمان المحمّدي يقال : مرسل (٩).

أمّا عبد الرحمن بن عائذ الأزدي الشامي ، ويقال : الثمالي (١٠) ، ترجم له ابن حبّان في الثقات ، وقيل : إنّه لقى الإمام عليّ عليه‌السلام وعداده في أهل الشام روى عنه أهلها (١١) ، وفي موضع آخر قال : « من عبّاد أهل الشام قدم العراق زمن خالد بن

_______________________

(١) تقريب التهذيب ٢ / ٢٤٣ ، تهذيب التهذيب ٢ / ١٦٣.

(٢) ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٠ / ٣٨٣ ، ينظر المزّي : تهذيب الكمال ٢٩ / ٣٥٣.

(٣) التاريخ الكبير ٨ / ٥٨.

(٤) تاريخ / ٢١٣ ، ينظر الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٢٤٥ ، ابن حجر : تلخيص الحبير ٢ / ٢٠ ، المزّي : تهذيب الكمال ٢٩ / ٣٥٤.

(٥) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٨ / ٤٢٢.

(٦) ابن حبّان : مشاهير / ٢٨٨.

(٧) الثقات ٧ / ٥٢٠.

(٨) الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ٥٧١.

(٩) ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٠ / ٥٤.

(١٠) البخاري : التاريخ الكبير ٥ / ٣٢٤.

(١١) الثقات ٥ / ١٠٧.

٨٠