عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

قريش » (١) ، والقندوزي : « أعلم قريش بأيامها ومآثرها ومثالبها وأنسابها ، صحابي فصيح اللسان سديد الجواب ... » (٢).

وكان أنسب قريش وأعلمها بأيامها ، ولكنه كان مبغضاً إليهم ؛ لأنّه كان يعدّ مساوئهم (٣).

وقيل : إنّه أبعد من المدينة إلى الطائف على إثر ذكره لمثالب الناس ، وهذا ما ذكره البلاذري عن المدائني عن حسان بن عبد الحميد عن أبيه قوله : « إنّ عقيل بن أبي طالب ، وأبا الجهم بن حذيفة العدوي ومخرمة بن نوفل الزهري اتّخذوا مجلساً ، فكان لا يمر بهم أحد إلّا عابوه وذكروا مثالبه ، فشكوا إلى عمر ابن الخطاب ، فأخرجهم من المدينة إلى الطائف ، ويقال : إنّه فرّق بينهم في المجالس » (٤).

هذه الرواية تخالف الرواية القائلة من أنّ له فراشاً يطرح في المسجد النبوي الشريف وتأخذ عنه الناس علم النسب ! فهذا يمثّل جانب إيجابي ، في حين صوّرته رواية المدائني وكأنّه يغتاب الناس في المسجد النبوي ، وهذا لا يصحّ ، فهو ابن أبي طالب ، وأخوه أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ثمّ إنّه قد أسلم في هذه الأثناء على سبيل الفرض وسمع أحاديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والآيات القرآنية التي نهى فيها الله عن الغيبة ، كما جاء في قوله تعالى : (وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا) (٥).

_______________________

(١) الطبقات ١ / ١٢١ ، وينظر ابن كثير : البداية ٧ / ٤٧ ، الطبري : ذخائر العقبى / ٢٢٢.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٤٦٨.

(٣) الطبري : ذخائر العقبى / ٢٢٢ ، وينظر ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٤٢٣.

(٤) أنساب الأشراف / ٧٣.

(٥) الحجرات / ١٢.

٤١
 &

وفي الوقت نفسه ناقضت رواية أخرى جاء فيها انّ عمر بن الخطاب هو الذي دعا عقيل وغيره إلى تدوين الدواوين لعلمه بالأنساب (١) ، فلماذا أبعده ؟! هل أنّه تعرّض لنسبه كما تعرّض لنسب غيره ؟!!

هذا عن متن الرواية ، أمّا عن سندها :

فهي مجروحة ابتداءً من البلاذري وهو الشخص الناقل لها ، فهو مطعون فيه (٢) ، وقد سمع الرواية من أبي الحسن عليّ بن محمّد المدائني ت ٢٢٥ هـ ، وهو مطعون فيه أيضاً (٣) ، الذي أخذها عن حسّان بن عبد الحميد ، فهو في عداد المجاهيل (٤).

_______________________

(١) ابن سعد : الطبقات ٣ / ٢٩٤.

(٢) تقدّمت الإشارة الى ذلك في مبحث نشأته وتربيته (الفصل الأوّل).

(٣) تقدّمت الإشارة الى ذلك في مبحث نشأته وتربيته (الفصل الأوّل).

(٤) قد أجهد الباحث نفسه في البحث عنه فلم يجد له شيء يذكر ، ثمّ عرج في البحث عن شيوخ المدائني ، فلم يجد من بينهم شخص بهذا الاسم ، علماً أنّه أخذ من شيوخ شتّى مثل محمّد بن صالح (البلاذري : أنساب الأشراف ٣٤٦) ، أبي عمرو بن المبارك (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ١٩ / ٢٠٩) ، يزيد بن عياض بن جعدبة (البلاذري : أنساب الأشراف ٤٦ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢١ / ١٣٠ ، المزّي : تهذيب الكمال ٦ / ٢٣٦) ، أبي المقدام (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢٩ / ٣٠٤) ، إبراهيم بن حكيم (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤٠ / ٤١١) ، عليّ بن يزيد (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٤٩٤) ، محمّد بن سعيد بن حسان الأزدي (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤٥ / ٣٣٧) ، جويرية بن أسماء (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٤ / ٤١٧ ، المزّي : تهذيب الكمال ٦ / ٤٠٦) ، مالك بن الهيثم بن عوف (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٦ / ٥١٦) ، محمّد بن غسّان الكندي (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢٤ / ٤٠٢ ، الشيخ المحمودي : نهج السعادة ٣ / ٣٢٧) ، مسلمة بن المحارب (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٨ / ١٥٧) ، يزيد بن معاد ابن زياد (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٦٥ / ٣٩٤) ، خلاد بن عبيد (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٦ / ٢٣٣) ، عليّ بن مدرك (المزّي : تهذيب الكمال ٦ / ٤٣٢ ، يروي عن جدّه لأمّه الأسود بن قيس ، وشريك بن عبد الله النخعي وهو من أقرانه ، وروي عنه عليّ بن محمّد المدائني وهو متأخر الوفاة عن النخعي ، وقيل : إنّه مجهول ، المزّي : تهذيب الكمال ٢١ / ١٢٩) ، أبو عبد الله السلمي (المزّي : تهذيب الكمال ٨ / ٢٠٠) ، المفضل بن محمّد (المزّي : تهذيب الكمال ٢٨ / ٤٢١ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٠ / ٢٤٦) ، يعقوب بن داود الثقفي (المزّي : تهذيب الكمال ٢٩ / ٤١٧) ، أبو معشر

٤٢
 &

ولعلمه بالنسب كان أحد الذين دعاهم الخليفة عمر بن الخطاب لتدوين الدواوين ، فقد روى ابن سعد عن أستاذه الواقدي بسند غير صحيح قوله : « إنّ عمر بن الخطاب استشار المسلمين في تدوين الدواوين ، فقال له عليّ ابن أبي طالب : تقسم كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال وتمسك منه شيئاً ، وقال عثمان بن عفان : أرى مالاً كثيراً يسع الناس وإنْ لم يحصوا حتّى نعرف من أخذ ممّن لا يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر ، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة (١) : يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديواناً وجنّدوا جنوداً فدوِّن ديواناً وجنِّد جنوداً ، فأخذ بقوله فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم (٢) وكانوا من نسّاب قريش فقال : اكتبوا الناس على منازلهم ، فكتبوا فبدأوا ببني هاشم ، ثمّ اتّبعوهم أبا بكر وقومه ، ثمّ عمر وقومه على الخلافة ، فلمّا نظر إليه عمر قال : وددت والله إنّه هكذا ولكن ابدأوا بقرابة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأقرب فالأقرب حتّى تضعوا عمر حيث

_______________________

(ابن حجر : الإصابة ١ / ٢٤٢) ، الصلت بن دينار (ابن حجر : الإصابة ٧ / ١٨٤) ، أبو مخنف وعوانه بن الحكم (أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٥١) ، شريك بن الأعمش (ابن كثير : البداية ٧ / ١٥٦) ، سعيد بن خالد (ابن كثير : البداية ٧ / ١٥٨) ، عبد الله بن أبي بكر (ابن كثير : البداية ٨ / ٣٧٢) ، أبو بكر الهذلي (ابن كثير : البداية ٩ / ٢٠٠) ، محمّد بن عبد الله بن أخي الزهري عن الزهري (الصالحي : سبل الهدى ٢ / ١٨٦).

ومما تجدر الإشارة إليه أنّ شيوخ المدائني قد جمعناهم من المصادر من دون التحقّق من صحّتهم ، ويمكن تمييز الخلط الواضح بين شيوخ المدائني الفقيه عن العامي ، وقد ذكرناهم إتماماً للفائدة ، ولم نجد بينهم حسان بن عبد الحميد ، وهو في عداد المجاهيل ، ولم أجد له ذكراً في المصادر التي اطّلعت عليها ، وهذا وحده كاف في إبطال صحّة الرواية ، وقد نقل البلاذري إحدى الروايات عن المدائني مباشرة عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من دون إكمال سلسلة السند ، (الأنساب / ٢٠٠).

(١) لم نجد ترجمة له ، حيث لم توجد شخصية بهذا الاسم ، وأشار السيّد العسكري بأنّ المقصود لعلّه الوليد بن الوليد بن المغيرة ، وقد راجعت ترجمته ولم أجد له علماً بالنسب ، كان ممن أسر يوم بدر كافراً. العسكري : معالم المدرستين ٢ / ٨٥ ، ابن سعد : الطبقات ٤ / ١٣١ ، ابن حمزة : من له رواية / ٤٥٦ ، ابن حجر : الإصابة ٦ / ٤٨٤.

(٢) ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، يكنّى أبو محمّد توفّي سنة ٥٧ هـ. (ينظر ابن خياط : طبقات / ٣٧ ، الطوسي : الرجال ١ / ٤٤ ، العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٩٦).

٤٣
 &

وضعه الله » (١).

لقد وردت كثير من علامات الاستفهام حول هذه الرواية ! لذا يجب التوقّف عندها وإخضاعها للتحليل التاريخي ، خاصّة فيما يتعلّق بمتنها من أمور ، وهي :

إنّ اليعقوبي ذكر الرواية ولم يشر إلى الوليد بن المغيرة بأنّه هو الذي أشار على ابن الخطاب مكتفياً بالقول : « دوّن عمر الدواوين وفرض العطاء سنة ٢٠ هـ ، وقال : قد كثرت الأموال فأشير عليه أن يجعل ديواناً فدعا عقيل ... » (٢).

إنّ الشخصين اللذان أشركا مع عقيل في تدوين الدواوين أحدهم ممّن أقيم عليه الحد في خلافة عمر بن الخطاب واتّهم في أفحش الأمور وأقبحها حيث كان زانياً في الإسلام.

وقد أشار البلاذري إلى هذه الحادثة بقوله : « إنّ عقيلاً قال للمسيب بن حزن أبي سعيد بن المسيب : يا ابن الزانية وقد كانت أمّه أسلمت فرفعوا إلى عمر بن الخطاب فقال : هات بيّنتك ، فأتى بمخرمة بن نوفل ، وبأبي جهم بن حذيفة العدوي فقالا : نشهد أنّ أمّه زانية ، قال : وبأيّ شيء علمتما ذلك ؟ قال : نكناها في الجاهلية ، فجلدهم عمر ثمانين ثمانين » (٣).

ويبدو أنّ الرواية قد أصابها شيء من التحريف ، وأنّهم فعلوا بها في الإسلام لا

_______________________

(١) الطبقات ٣ / ٢٩٤ ، وينظر البلاذري : فتوح ٣ / ٥٤٩ ، الطبري : تاريخ ٣ / ٢٧٧ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٢ / ٩٤ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ٤ / ٥٦٥ ، العسكري : معالم المدرستين ٢ / ٨٥ ، بيومي : الزهراء عليها‌السلام / ٦٢.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٥٣.

(٣) أنساب الأشراف / ٧٤.

٤٤
 &

في الجاهلية ؛ لأنّ عمر أقام عليهم الحد وجلدهم ، فإذا كان البغاء في الجاهلية فلماذا الجلد ؟! وإنّما جلدهم على حدّ أقيم في الإسلام ، فإذا كلّ باغ في الجاهلية يجلد في الإسلام لاحتاجت قريش إلى من يجلدها ! فلا يصحّ لخليفة المسلمين أن يشرك زان في تقسيم أرزاقهم ، وهل خلت الأرض من مسلم عادل يشارك عقيل في وضع الديوان غيره ؟!

ولماذا دوّن الديوان في خلافة عمر ؟ ولماذا لم يستمر تقسيم الأرزاق جرياً على ما أجراه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبو بكر من بعده ؟ ولماذا شاور الإمام عليّ عليه‌السلام وعثمان بن عفان ولم يعمل بمشورتهما ؟ علماً أنّ الإمام عُرف بسداد الرأي والحكمة ، خاصّة وأنّ عمر نفسه قال : « لولا عليّ لهلك عمر » (١).

ومن القائل أنّهم بدأوا في بني هاشم ؟ وما الدليل على ذلك ؟ ثمّ متى حصل بنو هاشم على حقوقهم ، أفي خلافة رسول الله ؟ أم في فدك ؟ أم في الهجوم على بيت الزهراء بنت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

هذا عن متن الرواية ، أمّا عن سندها فمطعون فيها :

بدءاً من أوّل رواتها وهم محمّد بن عمر الواقدي ، فقد اتّفق علماء الجرح والتعديل على تجريحه.

فقال عنه البخاري : بأنّه متروك الحديث ، وذكره في الضعفاء (٢) ، وفي موضع آخر قال : « عن معمر ومالك سكتوا عنه وتركه أحمد وابن نمير » (٣) ، وكان أحمد يكذبه ، ويحيى بن معين قال عنه : ليس بشيء ، واتّهمه ابن المديني بوضع الحديث (٤) ، وقيل : إنْ

_______________________

(١) زيد بن عليّ : المسند / ٣٣٥ ، الكليني : الكافي ٧ / ٤٢٤ ، القاضي النعمان : دعائم الإسلام ٢ / ٤٥٣.

(٢) الضعفاء الصغير / ١٠٩ ، النسائي : الضعفاء / ٢٣٢ ، العقيلي : الضعفاء ٤ / ١٠٧ ، أبو نعيم : الضعفاء / ١٤٧.

(٣) البخاري : التاريخ الكبير ١ / ١٧٩.

(٤) ابن حبّان : المجروحين ٢ / ٢٩٠ ، وينظر الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٦٦٢.

٤٥
 &

كان هناك كاذباً في الدنيا فلم يصل إلى ما وصل إليه الواقدي ، وقال عنه الشافعي : كتب الواقدي كذب ، وابن حنبل اتّهمه بقلب الأحاديث ، وإسحاق بن راهويه : يضع الحديث ، ويحيى بن معين : لا يكتب حديثه ، وقال يحيى بن معين : « نظرنا في حديث الواقدي فوجدنا حديثه عن المدنيين عن شيوخ مجهولين أحاديث مناكير فقلنا يحتمل أن تكون تلك الأحاديث المناكير منه ويحتمل أن تكون منهم ، ثمّ إذا نظرنا إلى حديثه عن ابن أبي ذئب ومعمّر فإنّه يضبط حديثهم فوجدناه قد حدّث عنهما بالمناكير فعلمنا أنّه منه فتركنا حديثه ، وقد ضعّفه أبو زرعة » (١).

أمّا الشخص الذي نقل عنه الواقدي فهو عائذ بن يحيى ، غير معروف ، ولم ينقل عنه إلّا أحاديث قليلة جدّاً.

وعن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية المديني فلم يسلم من التجريح ، ولاسيما مالك فقد قال عنه : ليس بشيء (٢) ، وأبوه لم يعرف حاله (٣) ، وضعّفه ابن حجر (٤) ، يحيى بن معين : لا يحتج به ، والنسائي : ليس بثقة (٥) ، ومالك : قدم علينا سفيان فكتب عن قوم يرمون بالتخنيث ـ يعني أبو الحويرث ـ ، قال أبو داود : ولا تناكحوه وكان يخضب رجليه ، وهو مرجئياً من المدينة ، وليس بذاك (٦) ، وقد روى الواقدي أحياناً عنه وفيه انقطاع (٧).

_______________________

(١) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٨ / ٢٠ ، ينظر ابن عدي : الكامل / ٢٤١.

(٢) المزّي : تهذيب الكمال ١٧ / ٤١٥ ، وينظر ابن حنبل : العلل ٢ / ٣١١ ، ابن عدي : الكامل ٤ / ٣٠٩.

(٣) ابن حجر : فتح الباري ٨ / ١٠٧.

(٤) ابن حجر : فتح الباري ١ / ٣٥٧.

(٥) ابن عدي : الكامل / ٣٠٩ ، المزّي : تهذيب الكمال ١٧ / ٤١٥.

(٦) المزّي : تهذيب الكمال ١٧ / ٤١٥.

(٧) ابن حجر : فتح الباري ٨ / ١٠٧.

٤٦
 &

أمّا جبير بن الحويرث بن نقيد بن بجير بن عبد الدار بن قصي ، صحابي صغير له رؤية بلا رواية ، حدّث عن أبي بكر وعمر ، وحدّث عنه سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ، وقال الزبير بن بكار : إنّ أباه الحويرث ممّن أهدر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دمه يوم الفتح (١) ، أدرك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يرو عنه ، قيل في صحبته نظر ، وعدّ من التابعين (٢) ، أمّا أبوه فقد قتله الإمام عليّ عليه‌السلام كافراً (٣).

ومن الأمور التي افتريت على أمير المؤمنين عليه‌السلام وعقيل على حدّ سواء ما ذكره ابن عنبة ت ٨٢٨ هـ بقوله : « وروي أنّ أمير المؤمنين قال لأخيه عقيل : ... أُنظر إلى امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً ، قال : تزوّج أم البنين الكلابية فانّه ليس في العرب أشجع من آبائها فتزوّجها » (٤).

وعلى هذه الرواية إشكاليات ، منها أنّ الإمام عليّ عليه‌السلام معصوم ، وللعصمة شروط كثيرة ، وعقيل بالرغم من أنّه أخوه من أمّه وأبيه لكنّه لم ينل درجة الإمامة والوصاية ، ثمّ هو ممّن تأخّر إسلامه حسب زعم الروايات ، أضف إلى ذلك أنّ الإمام وصف بالعلم والحلم ، ووصف بمعجزات علمية كثيرة ، ومن يكون بهذه المنزلة هل يصحّ أن يكون غير قادرٍ على اختيار زوجته ؟ وفإنّ عوام الناس قادرون على ذلك ، فكيف به عليه‌السلام ؟ وأعتقد أنّ الرواية فيها إجحاف بحقّه وقصر نظر وعدم فهم لشخصيّته الفهم التامّ إلى حدّ المظلومية.

والملاحظ على الرواية أنّها أحادية الجانب انفرد بها ابن عنبة المتوفى سنة

_______________________

(١) الذهبي : سير أعلام النبلاء ٣ / ٤٣٩.

(٢) ابن حجر : الإصابة ١ / ٥٦٩.

(٣) ابن حجر : الإصابة ١ / ٦٢٨.

(٤) عمدة الطالب / ٣٥٧ ، جعفر النقدي : الأنوار العلوية / ٤٤٢.

٤٧
 &

٨٢٨ هـ ، وذكرها من دون سلسلة سند مكتفياً بالقول : « وقد روي » ، ولا نعرف من الذي روى ، ثمّ لم نجدها في بقية المصادر التي اطّلعنا عليها ، والحادثة وقعت بعد وفاة الزهراء عليها‌السلام ، يا ترى كم هو عدد السنوات من وفاتها إلى وفاة ابن عنبة حتّى يورد الأخبار غير مسندة.

وقد وضع الوضّاعون والدسّاسون ما ينبأ عن وجود محادثات دينية وفلسفية جرت بين عقيل ومعاوية على اعتبار أنّ الأوّل ذهب إلى الثاني لدين لزمه ، ومن جملة الأشياء التي دارت بينهما وجعلت الناس تنفر من عقيل قوله للحقيقة كما هي ؛ لأنّه لم يجامل أحداً ، خاصّة عندما سألوه عن أحسابهم وأنسابهم ، فتعرّض إلى نسب معاوية والضحاك وعمرو بن العاص (١).

_______________________

(١) للتفصيل ينظر ذهابه إلى معاوية (الفصل الخامس).

٤٨
 &

وضعه المعاشي

وردت كثير من الروايات التاريخية التي تؤكّد فقر عقيل المادي ، ومن الغريب أنّ حالة الفقر المزعومة هذه وصف بها أبوه أبو طالب سابقاً ! فيا ترى ما هو الموجب لهذا الاتّهام (١) ؟ وما ينقص المصادر افتقارها إلى وضع حدّ تقريبي لفقره ، متى كان فقيراً ؟ في حياة أبيه أم بعد مماته ؟ ولماذا ؟!

وهناك أدلّة للقائلين بفقره ، منها :

الأوّل : أشارت إحدى الروايات أنّه كان يطلب عطاءً أكثر من الإمام عليّ عليه‌السلام ، وهذا ما أشار إليه الكوفي عن محمّد عن عبيد الله بن محمّد بن عائشة عن إسماعيل بن عمرو البجلي عن عمر بن موسى عن زيد بن عليّ عن أبيه عن عمّته زينب بنت عليّ عن أسماء بنت عميس ، قالت : حدّثتني أم هانئ بنت أبي طالب ، قالت : « كان عليّ عليه‌السلام من أجود الناس ، لقد كان أبوه يوجه معه باللطف إلى بعض أهله فيقول : يا أبه هذا قليل فزده ، ثمّ يأتي أمّه فاطمة بنت أسد فيقول : يا أمّه زيدي عليه من نصيبي !! فتفعل ، ولقد كان يدفع إليه وإلى عقيل الشيء يسوى بينهما ، فيميل عقيل عليه ويقول له : أعطيت أنت أكثر ممّا أعطيت أنا ! فيضع عليّ نصيبه بين يديه ويقول له : خذ منه ما تريد ! » (٢).

والذي يتدبّر في الرواية يتّضح له الآتي :

_______________________

(١) لمزيد من التفصيل انظر المحمداوي : أبو طالب / ٤٩.

(٢) الكوفي : مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٦٩.

٤٩
 &

إنْ صحّت فهي تشير إلى أنّه يطلب من أبيه المال أكثر من إخوته ، بدليل قيام الإمام عليه‌السلام بمنحه شيئاً من حصته ، والرواية تؤكّد أنّ أبا طالب يعطي لأولاده عطاءً ـ يعني مصروفاً متساوياً ـ لكن عقيل يطمع في الزيادة ، وهذا يشير إلى كون عقيل يتّسم بالأنانية ، لذا يبغي الزيادة ، أو الغيرة من أخيه ، أو أنّه يحبّ الإكثار من المال ، وعدم القناعة.

وهذه الرواية ربّما وضعت لتأكيد حالة ذهاب عقيل إلى معاوية لطلب المال ، فكان عقيل ذا طمع وشره ، ويطلب المال ولا يقنع بالقليل ، خاصّة عندما يقول للإمام عليه‌السلام أعطيت أكثر من عطائي فيعطيه عليه‌السلام حتّى يرضى عقيل.

ثمّ من أين تأتي الأموال لأبي طالب حتّى يعطي منها لأولاده ؟ وهو الذي وصف بالفقر والحاجة (١) ؟ ومتى عاش الإمام عليّ عليه‌السلام في بيت أبي طالب حتّى ينفق عليه ؟ وماذا عن الأزمة التي أصابت أبا طالب ، حتّى قسّم أولاده بين العبّاس بن عبد المطلب والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) ؟

إذن خلاصة الأمر أنّ الرواية مزيّفة وغير صحيحة ، وقد تفرّد بها الكوفي فقط ، هذا ما يخصّ المتن.

أمّا عن سندها ، فهو بحاجة إلى إخضاعه لعلم الجرح والتعديل لمعرفة رواته ، الذي فيهم :

محمّد بن زكريا بن دينار ت ٢٩٨ هـ ، مولى بني غلاب أبو عبد الله ـ وبنو غلاب قبيلة بالبصرة من بني نصر بن معاوية ـ وقيل : إنّه ليس له بغير البصرة

_______________________

(١) لمزيد من التفصيل انظر المحمداوي : أبو طالب / ٤٩.

(٢) ينظر مبحث اسمه (الفصل الأوّل).

٥٠
 &

منهم أحد ، وكان من الوجوه في البصرة ، أخبارياً واسع العلم ، صنّف كتباً كثيرة (١) ، هو أحد الرواة للسير والأحداث والمغازي ، وكان ثقة صادقاً (٢) ، صاحب حكايات وأخبار ، يعتبر حديثه إذا روى عن الثقات ؛ لأنّه في روايته عن المجاهيل بعض المناكير (٣) ، قيل : إنّه يضع الحديث (٤) ، وأكّد ذلك ابن الجوزي ، فقد روى حديثاً ما فقال : « هذا حديث موضوع وضعه محمّد » (٥).

أمّا عبيد الله بن محمّد بن عائشة ، واسم جدّه حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي ، وقيل له : ابن عائشة ـ والعائشي والعيشي والعيش نسبة إلى عائشة بنت طلحة ـ لأنّه من ذريّتها ، ثقة جواد رمي بالقَدَر ولم يثبت ، توفّي سنة ٢٨٨ هـ (٦) ، وهو بصري أخباري صادق حسب تعبير الذهبي ، وإمام وعلّامة ثقة ، صدّقه أبو حاتم في الحديث ، وكان عنده عن حماد بن سلمة تسعة آلاف حديث ، وكان طلّاباً للحديث ، عالماً بالعربية وأيّام الناس لولا ما أفسد نفسه ، وهو صدوق (٧) ، طلبه هارون العبّاسي في مجلسه (٨). (يفهم ممّا تقدّم بعض عبارات الذم له ، منها عبارة أفسد نفسه ، ولم تكمل العبارة ، أي : بماذا أفسد

_______________________

(١) النجاشي : رجال / ٣٤٦ ، ابن داود : رجال / ١٧٢ ، العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٢٥٩ ، إيضاح الاشتباه / ٢٧٦.

(٢) ابن النديم : الفهرست / ١٢٠.

(٣) ابن حبّان : الثقات ٩ / ١٥٤.

(٤) الدارقطني : سؤالات / ١٤٨.

(٥) الموضوعات ١ / ٤١٨.

(٦) ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٦٣٨.

(٧) الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٦٤.

(٨) الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٦٤.

٥١
 &

نفسه ، وأنّه روى عن راو واحد تسعة آلاف حديث ، إذن كم لديه من الأحاديث إذا كان له هذا الكم عن شيخ واحد ، فالأمر فيه تهويل ومبالغة وغرائب فلا يؤخذ منه).

وعن إسماعيل بن عمرو البجلي ، فهو ضعيف ، ضعّفه أبو حاتم والدارقطني ، وابن عدي ، وذكره ابن حبّان في الثقات (١) ، وقد تفرد في رواية أحد الأحاديث (٢) ، والرواية التي نحن بصددها تفرّد بها الراوي ، ولم يتابع عليها وهي من رواة الآحاد ، ذكره ابن أرومة فأثنى عليه وقال : شيخ مثل إسماعيل ضيّعوه ، وقيل : يغرب كثيراً ، وله غرائب في حديثه تكثر ، وهو صاحب غرائب ومناكير مات سنة ٢٢٧ هـ (٣) ، وذكر البغوي أنّه توفّي بعد هذا التاريخ بسنة (٤) ـ إذن الأمر في وفاته مختلف ـ.

والأكثر من كلّ ذلك هناك ركاكة في السند ! منها لماذا روى زيد عن أبيه عن عمّته من دون جدّه ، فلماذا هذه الانعطافة في السند ؟!

ثمّ لماذا عن أسماء بنت عميس وهي زوجة أمير المؤمنين عليه‌السلام من دون الإمام نفسه ؟! وينسحب ذلك على أم هانئ (٥).

الثاني : روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قوله : (... والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتّى استماحني من برّكم صاعاً ، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من

_______________________

(١) الهيثمي : مجمع الزوائد ٢ / ١٢٤ ، ٢ / ٢٤١ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ١٢ / ١٠٥.

(٢) المتّقي الهندي : كنز العمال ٣ / ٢٢٧.

(٣) ابن حجر : تهذيب التهذيب ١ / ٢٨٠.

(٤) الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٦٧.

(٥) هذا ما يراه الباحث ، وربما عند غيره ، لا يشكّل ضعفاً في الرواية.

٥٢
 &

فقرهم كأنّما سوّدت وجوهم بالعظلم ، وعاودني مؤكّداً وكرر عليّ مردداً فأصغيت إليه سمعي فظنّ أنّي أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقي ، فأحميت له حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها ، فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى.

وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ، ومعجونة شنئتها كأنّما عجنت بريق حيّة أو قيئها ، فقلت : أصلة أم صدقة أم زكاة فذلك محرّم علينا أهل البيت ؟ فقال : لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية ، فقلت : هبلتك الهبول ، أعن دين الله أتيتني لتخدعني أم متخبط أم ذو جنّة أم تهجر ؟! والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته ، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذّة لا تبقى ، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين) (١).

وقد رويت هذه الرواية بطريقة أخرى ، نقلاً عن عقيل قوله : « ... أصابتني مخمصة شديدة فسألته فلم تند صفاته فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس والضر ظاهران عليهم ، فقال : أئتني عشية لأدفع لك شيئاً ، فجئته يقودني أحد ولدي ـ دلالة على أنّه أعمى ـ فأمره بالتنحي ، ثمّ قال : ألا فدونك ، فأهويت

_______________________

(١) الإمام عليّ عليه‌السلام : خطب نهج البلاغة ٢ / ٢١٧ ، الشريف المرتضى : رسائل ٣ / ١٣٩ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٢٤٥ ، الديلمي : إرشاد القلوب ٢ / ٢١٦ ، النوري : مستدرك الوسائل ١٢ / ٩٧.

وقد أخذت هذه الرواية ونسج على منوالها أشياء كثيرة ومعظمها مطعون فيه ، ينظر مبحث ذهابه إلى معاوية.

٥٣
 &

حريصاً قد غلبني الجشع أظنّها صرّة فوضعت يدي على حديدة تلتهب ناراً فلمّا قبضتها نبذتها ، وخرت كما يخور الثور تحت يد جازره ، فقال لي : ثكلتك أمّك هذه من حديدة أوقدت لها نار الدنيا فكيف بي وبك غداً إن سلكنا في سلاسل جهنم ، ثمّ قرأ : (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ) (١) ، ثمّ قال : ليس لك عندي فوق حقّك الذي فرضه الله لك إلّا ما ترى فانصرف إلى أهلك ... » (٢).

قيل : إنّ الله سبحانه وتعالى حرّم الصدقات على أولاد أبي طالب وأحلّ لهم الخمس بقوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ..) (٣) ؛ لأنّ مستحق الخمس هم أولاد الإمام عليّ عليه‌السلام وأولاد إخوته جعفر وعقيل ، وقيل : آل العبّاس (٤).

وطبقاً لما ورد في هذه الرواية وغيرها ، يستفاد منها أنّ آل عقيل وآل جعفر وآل العبّاس ، هم من آل بيت النبيّ عليهم‌السلام ، وهذا ما أكّده ابن طاووس عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : (إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وقرابتي قال : آل عقيل ، وآل جعفر ، وآل العبّاس) (٥).

وهذا مشكل ، وعليه اعتراضات كثيرة !

فحديث الثقلين مروي عن عدّة طرق يفيد أنّ آل بيت النبيّ عليهم‌السلام هم نسل فاطمة عليها‌السلام فقط وهم أصحاب الكساء ، وقد علّق على ذلك السيّد محمّد صادق

_______________________

(١) غافر / ٧١.

(٢) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٢٥٤ ، علي خان : الدرجات الرفيعة / ١٦٠ ، أحمد زكي : جمهرة رسائل العرب ١ / ٥٢٥.

(٣) الأنفال / ٤١.

(٤) الطوسي : النهاية / ٥٩٨ ، ابن البرّاج : المهذب البارع ١ / ١٧٩ ، المحقّق الحلّي : شرائع الإسلام ١ / ١٣٦.

(٥) الطرائف / ١١٦ ، ينظر المجلسي : البحار ٢٣ / ١٠٩.

٥٤
 &

النجمي بقوله : « ويروى هذا الحديث عن زيد فسأله المسلمون من أهل بيته ؟ قال : من حرم الصدقة بعده ، قال : ومن هم ؟ قال : هم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل العبّاس ، قال : كلّ هولاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم.

أقول : أخرج مسلم هذا الحديث في صحيحه بأسانيد متعدّدة ، ولكنّه أسقط الشقّ الأخير منه الذي يختصّ بقصّة الغدير ... بينما زيد بن أرقم هو من جملة المئات من رواة حديث الغدير ... ولا يخفى أنّ زيد بن أرقم عندما حدّث بهذا الحديث ، فقد حرّف المفهوم الصحيح والواقعي لأهل البيت عليهم‌السلام وأدخل فيهم آل عقيل وآل جعفر وآل العبّاس ، بينما الحديثان اللذان نقلناهما ذيل آية التطهير والمباهلة نرى أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد عرّف أهل البيت عليهم‌السلام بحيث لم يجعل مجالاً لزيد بن أرقم وأشباهه أن يبدوا رأيهم الخاص وحسب أهوائهم » (١).

ومن أدلّة تحريم الصدقة على آل أبي طالب ، ما ذكر عندما قدّم للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين عليه‌السلام وأبي ذر والمقداد وحمزة وعقيل وزيد طبقاً من رطب : « ... فقلت : هذه صدقة ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كلوا ، وأمسك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين عليه‌السلام وحمزة وعقيل ، ووضعت طبقاً آخر ، فقلت لهم : هذه هدية ، فمدّ يده الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : كلوا بسم الله ... » (٢) ، فإذا كان عقيل لم يأكل الصدقات على عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف يطلب من أمير المؤمنين عليه‌السلام أن يعطيه من أموال المسلمين ؟!

كما لا يجوز له أن يطلب من الإمام عليّ عليه‌السلام الأموال ؛ لأنّه عليه‌السلام عندما تولّى الخلافة صعد المنبر فخطب بالناس قائلاً : (... يا معشر المهاجرين والأنصار ، يا معشر قريش اعلموا والله إنّي لا أرزؤكم من فيئكم شيئاً ما قام لي عذق بيثرب

_______________________

(١) أضواء على الصحيحين / ٣٣٢.

(٢) علي بن يوسف الحلّي : العدد القوية / ١١٧.

٥٥
 &

أفتروني مانعاً نفسي وولدي ومعطيكم ؟! ولأسوينَّ بين الأسود والأحمر ، فقام إليه عقيل بن أبي طالب فقال : لتجعلني وأسوداً من سودان المدينة واحداً ؟! فقال له : اجلس رحمك الله تعالى ، أما كان هاهنا من يتكلّم غيرك ؟ وما فضلك عليهم إلّا بسابقة أو تقوى) (١).

وقد صوّرت هذه الرواية وكأنّ عقيل غير عارف بعدل أمير المؤمنين عليه‌السلام وزهده في الدنيا ! في حين ذكرت أنّه كان أعمى ، فلعلّه فقد بصره في أواخر أيامه لكبر سنّه ، وإذا كان في هذا العمر فسوف يكون أولاده في سن يؤهّلهم للعمل ! وإذا كان هكذا فلماذا الفقر ؟! وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام يعطي العطيات له ولولده (٢).

وروي أنّ عقيل جاءه وهو جالس في مسجد الكوفة ، فسلّم عليه ، وكان عقيل حينئذٍ أعمى ، فأمر إبنه الحسين عليه‌السلام أن يشتري له قميصاً وأزاراً ورداءً ونعلاً ، وجاء في اليوم التالي فطلب المال ثانية ، فوعده أن يعطيه من عطائه (٣).

وقيل : انّ الإمام كساه من كسوته ، فلمّا حضر العشاء ، فإذا هو خبز وملح فقال عقيل : ليس إلّا ما أرى ؟ فقال : أو ليس هذا من نعمة الله ، وله الحمد كثيراً ؟ فطلب منه أن يعطيه ما بقى من دينه ، فكان مائة ألف درهم ، فاعتذر الإمام عليه‌السلام لعدم توفّر المال لديه ، فأراد عقيل أن يعطيه من بيت مال المسلمين ، فرفض الإمام عليه‌السلام ، وكانا يتكلّمان من فوق قصر الإمارة مشرفين على صناديق أهل السوق ، فقال له الإمام عليه‌السلام : أكسر صناديق التجار وخذ من أموالهم ـ أراد أن

_______________________

(١) المفيد : الاختصاص / ١٥١ ، الكليني : الكافي ٨ / ١٨٢ ، النوري : مستدرك الوسائل ١١ / ٩٤.

(٢) الكوفي : مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٦٨.

(٣) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٢ / ١٢٤.

٥٦
 &

يختبره ـ فردّ عليه بقوله : أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكّلوا على الله وجعلوا فيها أموالهم ؟! فردّ عليه أمير المؤمنين عليه‌السلام : أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأعطيك أموالهم وقد توكّلوا على الله وأقفلوا عليها ؟! وإن شئت أخذت سيفك وأخذت سيفي وخرجنا جميعاً ... ، ثمّ انطلقنا إلى الحيرة فإنّ فيها تجّاراً مياسير ، فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله ، فقال : أو سارقاً جئت ؟ فقال عليه‌السلام : تسرق من واحد خير من أن تسرق من المسلمين جميعاً ، قال له : أفتأذن لي أن أخرج إلى معاوية ؟ ... وعندما خرج قال للإمام عليه‌السلام :

سيغنيني الذي أغناك عنّي ، ويقضي ديننا ربّ قريب (١).

وقيل : إنّ الإمام خرج به يوم الجمعة وقت الصلاة فقال له : ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين ؟ قال : بئس الرجل ، قال : فإنّك أمرتني أن أخونهم وأعطيك ... (٢).

الثالث : يظهر من بعض الروايات أنّ عقيلاً عاش في حالة فقر دائم ، وهذا ما أشار إليه الحاكم في معرض حديثه عن الأموال التي أتت إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من البحرين ، فأمر بها ونثرت على حصير ، ونودي إلى الصلاة ، فجاء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يميل على المال قائماً ، فجاء الناس ، وجعل يعطيهم ، وما كان يومئذ عدد ولا وزن ، وما كان إلّا قبضاً ، فجاء العبّاس بن عبد المطلب فقال : يا رسول الله إنّي أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر ، ولم يكن لعقيل مال ، أعطني من هذا المال ... (٣). (وقد نوقشت القضية وتمّ تفنيدها في محلّها) (٤).

_______________________

(١) حجازي : درر الأخبار / ٢٨٦.

(٢) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٤ / ٩٢.

(٣) المستدرك ٣ / ٣٣٠.

(٤) ينظر آخر مبحث معركة بدر (الفصل الرابع).

٥٧
 &

الرابع : وروى مالك عن ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عمّن حدّثه قوله : « إنّ عقيل بن أبي طالب كان لا يرى بأساً في الرجل يكون عنده تيس يطرقه الغنم ويأخذ عليه الجعل » (١). يظهر أنّه يكسب رزقه من فحل الأغنام الذي يأخذ عنه الأجر لقاء تلقيح أغنام غيره.

وهذه رواية مرفوضة إطلاقاً ، ولم تعرف هذه السمة عن عقيل.

وإذا دقق النظر في سندها فهي مجروحة من جهة عبد الجبار بن عمر الأيلي فهو مقدوح فيه ، فقال عنه البيهقي : غير محتجّ به ، وليس بشيء (٢) ، وضعيف (٣) ، وعنده مناكير (٤) ، وليس بالقوي (٥) ، وفي حديثه وهم (٦) ، وكان رديء الحفظ يأتي بالمعضلات عن الثقات ، ولا يحتج به إلّا فيما وافق الثقات (٧) ، وهو لا شيء (٨) ، وليس بثقة ومتروك ، ومنكر الحديث (٩) ، ولم يوثّقه إلّا ابن سعد (١٠).

أمّا ابن وهب ـ فلم نستطع أن نحدد شخصيته ـ فقيل : هو أبو محمّد عبد

_______________________

(١) المدونة الكبرى ٤ / ٤٢٧.

(٢) السنن الكبرى ٩ / ٣٥٤ ، ابن حجر : تلخيص الحبير ٤ / ٦٥٦.

(٣) المديني : سؤالات / ١٣٤.

(٤) ابن الأشعث : سؤالات ٢ / ١٦٦ ، ابن ماجة : سنن ١ / ٥٣٤ ، الترمذي : سنن ٤ / ٢٢٠ ، ابن معين : تاريخ ١ / ١٢٣.

(٥) البخاري : التاريخ الصغير ٢ / ٤٢.

(٦) البخاري : الضعفاء الصغير / ٨٢.

(٧) العقيلي : الضعفاء ٣ / ٩١.

(٨) ابن حبّان : المجروحين ٢ / ١٥٨.

(٩) ابن حزم : المحلّى ١ / ١٤٣ ، ينظر ابن ماجة : سنن ١ / ٥٣٤ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٦ / ٣١.

(١٠) الطبقات ٧ / ٥٢٠.

٥٨
 &

الله بن سلمة الفهري المصري (١) ، وذكر الأردبيلي أنّ ابن وهب العامي كذّاب وضعيف جدّاً (٢) ـ ، من دون أن نعرف هل أنّه ابن وهب صاحب الرواية أم غيره ؟ ـ أمّا الهندي ، فقال عنه : « ابن وهب مقدوحاً مجروحاً مهجوراً مثبوراً » (٣) ، وكان مدلّسا (٤) ، وعدّ ابن معين حديثه والريح سواء ، وأنّه ليس بذاك في ابن جريج كان يستصغر ، وقيل : إنّه سمع منه (٣٧٠) شيخاً ، وروى (١٥٠) ألف حديثاً ، وحديثه كله عند حرملة سوى حديثين (٥) ، وقال أحمد بن حنبل : وفي حديث ابن وهب عن ابن جريج شيء ، وصدقه أبو عوانة ؛ لأنّه يأتي بأشياء منكرة لا يأتي بها غيره ، وكان يتساهل في الأخذ والسماع ، وأنّه يسيء الحفظ (٦).

وقد علّق المارديني على هذه الرواية بقوله : « رواية فاسدة ... عن عبد الجبار ابن عمر ، وهو ضعيف ... وقد أجَلَّ الله قدر عقيل في نسبه ، وعلو قدره أن يكون تيّاساً يأخذ الأجرة على قضيب تيسه » (٧).

وأخيراً نتساءل لماذا كان عقيل فقيراً وقد وضعه عمر في المرتبة الأولى من العطاء كونه من بني هاشم ؟!

_______________________

(١) مالك : الموطأ ١ / ١٠.

(٢) مجمع الفوائد ١١ / ٢٢١.

(٣) إفحام الأعداء / ١٧٦ ، وينظر ١٨١ من الكتاب نفسه.

(٤) ابن سعد : الطبقات ٧ / ٥١٨.

(٥) الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ٥٢١.

(٦) ابن حجر : تهذيب التهذيب ٦ / ٦٥ ، ٦٦.

(٧) ابن التركماني : الجوهر النقي ٨ / ١٩٣.

٥٩
 &

أدلّة القائلين بغناه وعدم فقره :

هناك أدلّة تؤيّد غناه وتدحض قضية فقره ، منها :

الدليل الأوّل : إنّه تزوج عدّة زوجات وأنجب عدّة أولاد ، فمن كان فقيراً هل باستطاعته أن يفعل هذا ؟! أليس من الأجدر به أن يبقى على زوجة واحدة وقليل من الأطفال حتّى يعالج قضية فقره ؟! فكثرة عدد زوجاته التي ترتب عليه زيادة عدد أطفاله ألم يكن دليلاً على غناه وعدم فقره ؟

ثمّ عدد أولاده وكبر سنّهم ، فلماذا لا يؤهّلهم للعمل لسدّ رمقهم من مأكل وملبس ؟

ورغم فقره المزعوم قيل : إنّه تزوج فاطمة بنت عتبة ، فوعدته أنّها تنفق عليه فتزوّجها. وهذه رواية مرفوضة لا تؤيّدها الأدلّة الكافية !

والأكثر من ذلك صيّرته الروايات عندما ذهب إلى معاوية كي يوفي ديونه ، تزوّج هناك أكثر من زوجة ! هذه كثير من الخزعبلات وقف الباحث عندها وتحقق من عدم صحّتها (١).

الدليل الثاني : إذا فرضنا أنّه كان فقيراً ، فعندما ملك دور بني هاشم ورباعهم لماذا لم يصبح غنياً ؟! حيث ورد أنّه ملك دور ورباع بني هاشم بعد هجرتهم وباعها ، إلى الحدّ الذي باع فيه منزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢).

_______________________

(١) ينظر مبحث ذريته (الفصل الثاني).

(٢) الواقدي : المغازي ٢ / ٨٢٩ ، ابن سعد : الطبقات ٢ / ١٣٦ ، السرخسي : المبسوط ١٠ / ٥٢ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٧ / ٧٦٢ ، النووي : المجموع ١٩ / ٣٤٦ ، ابن كثير : البداية ٧ / ٤٧ ، النباطي : الصوارم ٣ / ٦٠.

٦٠