عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

حدّث عن كتابه ، وهو غير معروف لدينا ، ولم نعثر على كتابه ، وكلّ الذي وجدناه عن الشيخ الطوسي قوله : « أحمد بن القاسم بن أبي كعب يكنّى أبا جعفر ، روى عنه التلعكبري سمع منه سنة ٣٢٨ هـ وما بعدها ، وله منه إجازة » (١). هذا ولم نجد ما يدلّ على تضعيفه أو توثيقه.

عباد بن يعقوب الكوفي ت ٢٥٠ هـ ، سمع الوليد بن أبي ثور وعلي بن هاشم (٢) ، وقد سجّلت مآخذ كثيرة على الرجل لتشيّعه ، فقيل : متّهم في رأيه ثقة في حديثه (٣) ، وقيل : كان رافضياً داعياً من غلاة الروافض مستحق الترك ؛ لأنّه يروي المناكير في المشاهير ، وقد أنكر حديثه في عصره وترك الرواية عنه جماعة من الحفّاظ ، روى عنه البخاري مقروناً بغيره (٤). وقال عنه الطوسي بأنّه عامي المذهب ، له كتاب (أخبار المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وكتاب (المعرفة في معرفة الصحابة) ، له مشيخة (٥) ، وعدّه ابن حبّان رافضياً داعيةً إلى الرفض ، ومع ذلك يروي المناكير عن أقوام مشاهير فاستحق الترك (٦) ، وقيل عنه : شيخ (٧) ، وقيل : من المغالين في التشيّع (٨) ، وذكره ابن الجوزي في موضوعاته ناقلاً عنه حديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (مثلي مثل شجرة أنا أصلها وعلي فرعها والحسن والحسين ثمرها ،

_______________________

(١) الطوسي : الرجال / ٤١١ ، وينظر التفرشي : نقد الرجال ١ / ١٤٦.

(٢) البخاري : التاريخ الكبير ٦ / ٤٤.

(٣) ابن خزيمة : التاريخ ٢ / ٣٧٦.

(٤) ابن ماجة : سنن ١ / ٤٧١.

(٥) الفهرست / ١٩٢ ، وينظر العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٣٨٠ ، ابن داود : الرجال / ٢٥٢.

(٦) المجروحين ٢ / ١٧٢.

(٧) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٦ / ٨٨ ، المزّي : تهذيب الكمال ١٤ / ١٧٧.

(٨) الباجي : التعديل والتجريح ٣ / ١٠٤٨.

٣٠١
 &

والشيعة ورقها فأيّ شيء يخرج من الطيّب إلّا الطيّب) (١) ، هذا وما ندري ما شكل الوضع في الحديث ! فهو يدلّ على معانٍ صحيحة ، لها أسس ثابتة في فكر الشيعة ومعتقداتهم ، ومن الواضح أنّ الرجل لم يكن له ذنب إلّا لأنّه شيعي.

وذكر المزّي قول ابن أبي شيبة أو هناد بن أبي السري ، أنّهما أو أحدهما فسّقه ونسبه إلى أنّه يشتم السلف ، وقيل : أنّه معروف في أهل الكوفة في الغلو بالتشيّع راوياً أحاديث أنكرت عليه في فضائل أهل البيت عليهم‌السلام وفي مثالب غيرهم ، حيث كان يشتم عثمان ، وكان يقول : « الله أعدل من أن يدخل طلحة والزبير الجنة ... لأنهما قاتلا عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام بعد أن بايعاه » ، وروى عن القاسم بن زكريا المطرز قوله : « وردت الكوفة فكتبت عن شيوخها كلّهم غير عبّاد بن يعقوب ، فلمّا فرغت دخلت إليه وكان يمتحن من يسمع منه ، فقال لي : من حفر البحر ؟ فقلت : الله خلق البحر ، قال : هو كذلك ، ولكن من حفره ؟ قلت : يذكر الشيخ ، فقال : حفره عليّ بن أبي طالب ، ثمّ قال : من أجراه ؟ قلت : الله مجري الأنهار ومنبع العيون ، فقال : هو كذلك ، ولكن من أجرى البحر ، فقلت : يفيدني الشيخ ، فقال : أجراه الحسين بن عليّ عليه‌السلام ! .. وفي داره سيفاً معلّقاً وجحفة ، فقلت : أيّها الشيخ لمن هذا السيف ؟ فقال : لي ، أعددته لأقاتل به مع المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، قال : فلمّا فرغت من سماع ما أردت أن أسمعه منه وعزمت على الخروج من البلد ، دخلت عليه فسألني ، فقال : من حفر البحر ؟ فقلت : حفره معاوية وأجراه عمرو بن العاص ، ثمّ وثبت من بين يديه وجعلت أعدو وجعل يصيح أدركوا الفاسق عدو الله فاقتلوه » (٢) ، وقال عنه الدارقطني : شيعي

_______________________

(١) الموضوعات ١ / ٣٩٧.

(٢) تهذيب الكمال ١٤ / ١٧٨ ، ينظر الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ٣٧٩ ، الطبسي : رجال الشيعة / ٢١٥.

٣٠٢
 &

صدوق (١). وقيل : إنّه متهم في وضع أحد الأحاديث (٢).

هذا ولا نعرف ملابسات هذه الشخصية ، وهل لديه ذنب غير موالاته لأهل البيت عليهم‌السلام ولذلك رموه واتّهموه حتّى قالوا فيه ما قالوا ؟ أم أنّه فعلاً يروي المناكير ، وهذه الرواية من مناكيره ، ومن المعتقد أنّها رواية منكرةً فعلاً ، حيث لم ترد عند سواه ، ولم تذكر في بقية المصادر.

وهناك اختلاف في شخصيته وفي مذهبه ، وهذا ما أشار إليه التفرشي بقوله : « عبّاد بن يعقوب ... عامّي المذهب ... روى عنه عليّ بن العبّاس المقانعي وذكره بعد ذكر عباد أبو سعيد العصفري ، وهذا يدلّ على أنّهما رجلان ، ويظهر من النجاشي أنّهما واحد ، كما نقلناه من قبل ، ويظهر من كتب العامّة أنّ عبّاد ابن يعقوب شيعي » (٣).

زياد بن رستم أبو معاذ ، بياع الأدم ، لم نعثر على لقبه هذا ولم نجد أيّة إشارة تدلّنا عليه ، وكلّ الذي وجدناه هو أنّه من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام (٤) ، وسمّاه الشيخ الطوسي قدس‌سره بـ (ابن الدوالدون) (٥) ، وهو غير معروف أيضاً.

عبد الصمد بن بشير العرامي العبدي الكوفي ، ثقة روى عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، له كتاب رواه عنه جماعة ، وقيل : ثقة ممدوح (٦).

_______________________

(١) الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ٣٨٠.

(٢) ابن العجمي : الكشف الحثيث / ١٤٦.

(٣) نقد الرجال ٣ / ١٨.

(٤) التفرشي : نقد الرجال ٢ / ٢٧٣.

(٥) الرجال / ٢٠٩ ، وينظر الخوئي : معجم رجال الحديث ٨ / ٣١٨.

(٦) ابن داود : الرجال / ١٢٩.

٣٠٣
 &

ج ـ رواية ابن عساكر ت ٥٧١ هـ ، قال : أخبرنا جدّي أبو المفضل القاضي ، أنبأنا أبو القاسم بن أبي العلاء ، حدثنا أبو الحسن بن السمسار ، أنبأنا محمّد بن أحمد ، أنبأنا جعفر بن محمّد بن إبراهيم العلوي ، أنبأنا يحيى بن الحسن بن جعفر العلوي ، أنا أبو الحسن بكار بن أحمد الأزدي ، نا حسن بن حسين عن عبد الرحمن العرزمي عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهم‌السلام أنّه قال : « أتى عقيل عليّاً بالعراق ، فقال : أعطني ، فأبى أن يعطيه فقال : أكتب لك إلى مالي بينبع فتعطى ، فقال عقيل : لأذهبن إلى رجل يعطيني فأتى معاوية ، فقال : مرحباً بأبي يزيد ، هذا أخو عليّ عليه‌السلام وعمّه أبو لهب ، فقال له عقيل : وهذا معاوية وعمّته حمّالة الحطب ».

قال يحيى بن الحسن : وسمعت عليّ بن الحسين بن عليّ بن عمر يقول نحو هذا الحديث وزاد فيه : « أنّ معاوية قال لعقيل : أين ترى عمّك أبا لهب من النار ؟ فقال له عقيل : إذا دخلتها فهو على يسارك مفترش عمّتك حمالة الحطب والراكب خير من المركوب ، فلمّا كان من الغد قعد معاوية على سريره وأمر بكرسي فوضع إلى جنب سريره ، ثمّ أذن للناس فدخلوا ، وأجلس الضحاك بن قيس معه ، ثمّ أذن لعقيل فدخل عليه ، فقال يا معاوية : من هذا معك ، قال : هذا الضحاك بن قيس ، فقال : الحمد لله الذي رفع الخسيسة وتمّم النقيصة ، هذا الذي كان أبوه يخصي بهمنا بالأبطح لقد كان بخصائها رفيقاً ، فقال الضحاك : إنّي لعالم بمحاسن قريش وأنّ عقيلاً لعالم بمساوئها » (١).

عند التحقق من سند الرواية يتّضح الآتي :

_______________________

(١) تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٢٣ ، وينظر ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٤٢٣.

٣٠٤
 &

أوّل راوٍ فيها هو أبو المفضّل القاضي ، لم ترد له رواية إلّا عند ابن عساكر ، وهو في عداد المجاهيل ، وعند البحث فلم نعثر على شيء يذكر عنه في بقية المصادر.

أمّا أبو القاسم بن أبي العلاء ، فهو غير معروف.

وعن أبي الحسن بن السمسار عليّ بن موسى ، ذكره الباجي (١) ، وتطرّق له ابن عساكر في معرض حديثه عن إسماعيل بن عبد العزيز بن سعادة بن حبّان أبي طاهر الأمير الذي سمع صحيح البخاري من ابن السمسار هذا ولم يحدّث به (٢) ، وكذلك ترجم له الذهبي وذكر تلامذته ولم يذكر بينهم أبو القاسم بن أبي العلاء ، وإنّما ذكر أبا القاسم المصيصي ، وقد يكون هو المقصود ، أو لا ، وذكر شيوخه ولم يرد ذكر لمحمّد بن أحمد بينهم ، ثمّ نقل عن الكتاني قوله : « كان فيه تشيّع وتساهل » ، وكذلك الباجي : « فيه تشيّع يفضي به إلى الرفض ، وهو قليل المعرفة في أصوله » ، وقد تفرّد بالرواية عن أبي القاسم عليّ بن أبي العقب وطائفة ، ولعلّ تشيّعه كان فيه تقيّة لا سجيّة فإنّه من بيت الحديث ، ولكن غلت الشام في زمانه بالرفض ، ... وتواخى الرفض والاعتزال حينئذٍ (٣).

وعن محمّد بن أحمد ، فهو غير معروف.

أمّا جعفر بن محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن عبيد الله بن موسى بن جعفر عليهم‌السلام ، أبو القاسم الموسوي المصري ، فمن مشايخ الإجازة ويسمّى

_______________________

(١) التعديل والتجريح ١ / ٧٨.

(٢) تاريخ مدينة دمشق ٩ / ١٧.

(٣) الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٧ / ٥٠٦.

٣٠٥
 &

بالشريف الصالح (١). وقد بحثنا عن أحاديثه التي رواها فلم نجد له هذه الرواية في بقية المصادر إلّا عند ابن عساكر ، ممّا يدلّ على أنّه حشر حشراً فيها ، وهذا الأمر إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على أنّها موضوعة.

ويحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، عالم فاضل صدوق ، روى عنه الإمام الرضا عليه‌السلام ، صنّف كتاباً في نسب آل أبي طالب (٢) ، وهو إمام حجّة (٣). هذا ولا نعرف أنّ آل أمية أبقوا باقية لذرية الحسين عليه‌السلام غير الإمام العليل عليّ بن الحسين عليه‌السلام ، أمّا عبد الله فهو طفل رضيع قتل يوم عاشوراء ، ولا نعرف أنّ مفتعل الرواية من أين أتى بهذا السند المفترى ؟!

وبخصوص أبي الحسن بكار بن أحمد الأزدي ، فهو من المجاهيل ، ولم نجد له أي ذكر سوى رجل واحد بهذا الاسم ، ويلقّب أبا القاسم ، وليس أبو الحسن وهو الآخر لم يرد له ذكر سوى إشارة واحدة (٤).

أمّا حسن بن حسين ، فهو الآخر غير معروف لكثرة من سمّي بهذا الاسم ، فلم نستطع تمييزه من بين الأسماء ، وقد ضعّف الهيثمي أحدهم الملقّب بالعرني (٥).

وبخصوص عبد الرحمن العرزمي ، روى عن أبي جعفر عن أبيه عليهم‌السلام ، وقد

_______________________

(١) ابن قولويه : كامل الزيارات / ١٠ ، الطوسي : الاستبصار ٤ / ٣٣٤ ، تهذيب ١٠ / ٧٩ ، الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ١٥٦.

(٢) النجاشي : الرجال / ٤٤٢.

(٣) الصالحي : سبل الهدى ١٠ / ٣٣٠.

(٤) المفيد : الإرشاد ٢ / ١٧١.

(٥) الهيثمي : مجمع الزوائد ١ / ٢٢٥.

٣٠٦
 &

ضعّف المحقّق الحلّي هذه الرواية (١) ، وقد ضعّفه المناوي ناقلاً عن الذهبي عن الدارقطني (٢). وعند البحث والاستقراء حول هذه الشخصية فلم نجد غير الذي ذكره.

ـ وفي رواية أخرى لابن عساكر بسلسلة سند ، عن أبي محمّد عبد الله بن أسد بن عمار عن عبد العزيز بن أحمد ، نا عبد الوهاب بن جعفر بن عليّ ، ونقلته من خطه حدّثني أحمد بن عليّ بن عبد الله ، حدّثني محمّد بن سعيد العوضي ، نا محمود بن محمّد الحافظ ، نا عبيد الله بن محمّد ، حدّثني محمّد بن حسان الضبي ، نا الهيثم بن عدي ، حدّثني عبد الله بن عياش المرهبي وإسحاق ابن سعيد عن أبيه قال : « إنّ عقيل بن أبي طالب لزمه دين ، فقدم على عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام الكوفة ، فأنزله وأمر إبنه الحسن عليه‌السلام فكساه ، فلمّا أمسى دعا بعشائه فإذا خبز وملح وبقل ، فقال عقيل : ما هو إلّا ما أرى ؟ قال : لا ، قال : فتقضي ديني ، قال : وكم دينك ؟ قال : أربعون ألفاً ، قال : ما هي عندي ، ولكن اصبر حتّى يخرج عطائي فإنّه أربعة آلاف فأدفعه إليك ، فقال له عقيل : بيوت المال بيدك وأنت تسوِّفني بعطائك ؟! فقال له : اكسر صندوقاً من هذه الصناديق وخذ ما فيه من أموال الناس ، فقال له : أتأمرني بذلك ؟ فقال : أتأمرني أن أدفع إليك أموال المسلمين وقد ائتمنوني عليها ؟ فقال : فإنّي آت معاوية ، فأذن له وأعطاه أربع مائة درهم ، فخرج إلى معاوية ، فقال : يا أبا يزيد كيف تركت عليّاً وأصحابه ، قال : كأنّهم أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا انّي لم أر رسول الله فيهم ، وكأنّك وأصحابك أبو سفيان وأصحابه إلّا أني لم أر أبا سفيان فيكم » (٣).

_______________________

(١) شرائع الإسلام ٤ / ١٠٣١.

(٢) فيض القدير ٥ / ٦.

(٣) تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٢٢ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٤٢٣.

٣٠٧
 &

عند معاينة الرواية يتّضح ، أنّ ذهاب عقيل إلى معاوية كان بسبب الفاقة والعوز ، ونستطيع على ضوء ما تقدّم أن نحدد تاريخ ذهابه من خلال وصفه للمعسكرين في أثناء وقعة  صفين؛ وأنّه كان يرى وليس أعمى حسب ما صوّره البلاذري حيث وصف كلا الجيشين ؛ وقد اختلفت الروايات في مبلغ المال المعطى لعقيل ، ففي هذه الرواية أعطاه (٤٠٠ درهم) وفي رواية الطوسي مائة ألف ، وفي رواية ابن قتيبة ثلاثة آلاف دينار !

أمّا عن سند الرواية ، ففيه عبد الله بن أسد بن عمار ، وهو غير معروف ورد ذكره ثلاث مرّات عند ابن عساكر (١) ، ولم نجد عنه شيئاً يذكر.

وعبد العزيز بن أحمد بن محمّد بن عليّ الدمشقي الكتاني ت ٤٦٦ هـ ، فقد ذكره الدارقطني بهذه الترجمة فقط (٢) ، ولم يذكر عنه شيئاً آخر ، ووصفه الذهبي بألوان عديدة وأتى عليه بألفاظ التعديل ، منها : المفيد ، الصدوق ، المحدّث ، المكثر ، المتقن ، الثقة ، أمين ، كثير التلاوة ، صوفي ، سليم المذهب (٣) ، وقيل : إنّه نبيل جليل (٤).

أمّا أبو الحسن عبد الوهاب بن جعفر بن عليّ الدمشقي ، فقد جرحه تلميذه الكتاني سالف الذكر ، وقال : فيه تساهل ، واتّهم في لقي أبي عليّ بن هارون الأنصاري (٥).

وأحمد بن عليّ بن عبد الله بن سعيد بن أحمد أبو الخير الكلفي الحمصي

_______________________

(١) تاريخ مدينة دمشق ١ / ٣١٧ ، ٣٧ / ٤١٩ ، ٦٣ / ٣٤٩.

(٢) العلل ١ / ٢٦.

(٣) سير أعلام النبلاء ١٨ / ٢٤٨.

(٤) ابن كثير : البداية ١٢ / ١٣٣.

(٥) الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٧ / ٥٠٠ ، ابن حجر : لسان الميزان ٤ / ٨٦.

٣٠٨
 &

الحافظ ، حدّث عن أبي بكر محمّد بن سعيد شيخه ، وروى عنه تلميذه عبد الوهاب الميداني سالف الذكر (١). وقد بحثنا عنه فلم نجد له ذكراً.

أمّا محمود بن محمّد الحافظ ، فهو الآخر مجهول وغير معروف ، ولم ترد عنه أخبار سوى ترجمة لشخص اسمه محمّد بن محمود بن منوية المعروف (أبو عبد الله الواسطي ت ٣٠٧ هـ) (٢). وعند مراجعة ترجمته لم نجد تلميذه محمّد ابن سعيد العوضي الذي روى عنه الرواية ، ولا عبد الله بن محمّد الراوي عنه ومحمّد بن حسان الضبّي ، فقد تمّت مراجعة تراجم معظم الرجال العائدين إلى قبيلة ضبّة سواء الكوفيين أم البصريين ، ولم نجد بينهم هذا الاسم رغم وجود كثير من المحدّثين ممّن ينتسب إلى هذه القبيلة ، فالرجل في عداد المجاهيل ، ولم يطرأ له ذكر ، سوى إشارة وردت عند ابن أبي الدنيا ت ٢٨١ هـ ذكره بقوله : « محمّد بن حسان بن خالد الضبّي أبو جعفر البغدادي ، صدوق لين الحديث » (٣) ، هذا ولم نعرف هل هو الضبّي المقصود أم شخص غيره ! وقد بحثنا عنه ولم نجد سوى ما ذكرناه.

والهيثم بن عدي ، الشخص التاسع في سلسلة الرواة ، فهو مطعون فيه بشكل كبير ، ولا نعلم سبب طعنه هل لأنّه كوفي أم لجريرة أخرى ! فقال عنه سفيان : لا يعبأ به ، وابن معين كوفي ليس بثقة كان يكذب (٤) ، والبخاري سكتوا عنه (٥) ، وابن المديني أوثق من الواقدي ولا أرضاه في الحديث ولا في الأنساب ولا

_______________________

(١) ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥ / ٦٠.

(٢) ينظر الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٤ / ٢٤١.

(٣) الورع / ٢.

(٤) تاريخ ١ / ٢٦٧.

(٦) التاريخ الكبير ٨ / ٢١٨.

٣٠٩
 &

في شيء (١) ، وقيل : كذّاب (٢) ، وقيل : ضعيف نسب إلى الكذب (٣) ، وقيل : متروك (٤).

وأمّا عبد الله بن عياش المرهبي ، فمجهول.

أمّا أصل الرواية ، فوحده كاف لبيان عدم صحّتها ، فهو أموي ، والعداء الأموي لبني هاشم قديم ومعروف ، فما ينتظر من رجل أموي أن ينقل عن شخص هاشمي النسب ، فقد ذكره ابن أبي حاتم بقوله : « إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي .. سمع أباه » (٥) ، وابن عساكر بقوله : « إسحاق بن سعيد عن أبيه وهو من ولد سعيد بن العاص قال ابن معين : لا بأس بهذا الشيخ » (٦). وترجم له ابن حجر وذكر نسبه الأموي وجعله كوفياً ، ثمّ ذكر تلامذته ، ولم يذكر بينهم عبد الله بن عياش المرهبي ، على اعتبار أنّه روى الحديث عن هذا الرجل الأموي (٧).

رابعاً : رواية القاضي نعمان ت ٣٦٣ هـ :

قال : جاء من خبر عقيل بن أبي طالب وذلك أنّه أتى إلى عليّ عليه‌السلام يسأله أن يعطيه ، فقال : تلزم عليّ حتّى يخرج عطائي فأعطيك ، فقال : وما عندك غير هذا ؟

_______________________

(١) العقيلي : الضعفاء ٤ / ١٠٩.

(٢) ابن الأشعث : سؤالات ٢ / ٣١١.

(٣) الهيثمي : مجمع الزوائد ١ / ١٤٦.

(٤) الزيلعي : نصب الراية ١ / ١٦٤ ، المتّقي الهندي : كنز العمّال ٤ / ٢٥٩.

(٥) بيان خطأ البخاري / ١٣ ، وينظر الحاكم : المستدرك ٢ / ٦٢٤.

(٦) تاريخ مدينة دمشق ٦٧ / ٣٥٣.

(٧) تهذيب التهذيب ١ / ٢٠٤.

٣١٠
 &

قال : لا ، فالتحق بمعاوية ، فلمّا صار إليه حفل به وسرّ بقدومه ، وأجزل العطاء له وأكرم نزله ، ثمّ جمع وجوه الناس ممّن معه وجلس وذكر قدوم عقيل ، وقال : ما ظنّكم برجل لم يصلح لأخيه حتّى فارقه وآثرنا عليه ودعا به ، فلمّا دخل رحّب به وقرّبه ، وأقبل عليه ومازحه ، وقال : يا أبا يزيد من خير لك أنا أو عليّ ؟ فقال له عقيل : أنت خير لي من عليّ ، وعليّ خير لنفسه منك لنفسك ، فضحك معاوية ـ وأراد أن يستر بضحكه ما قاله عقيل عمن حضر ـ وسكت عنه.

فجعل عقيل ينظر إلى من في مجلس معاوية ويضحك ، فقال معاوية : ما يضحكك يا أبا يزيد ؟ فقال : ضحكت والله وإنّي كنت عند عليّ عليه‌السلام والتفت إلى جلسائه فلم أر غير المهاجرين والأنصار والبدريين وأهل بيعة الرضوان وأخاير أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتصفحت من في مجلسك هذا فلم أر إلّا الطلقاء أصحابي وبقايا الأحزاب أصحابك.

وكان عقيل ممّن أسر يوم بدر وفيمن أطلق بفكاك فكّه العبّاس مع نفسه ، فقال له معاوية : وأنت من الطلقاء يا أبا يزيد ؟ فقال : إيه والله ، ولكني إبتُ إلى الحقّ ، وخرج منه هؤلاء معك ، قال : فلماذا جئتنا ؟ قال : لطلب الدنيا ، فأراد أن يقطع قوله ، فالتفت إلى أهل الشام فقال : يا أهل الشام أسمعتم قول الله عزوجل : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (١) ، قالوا : نعم ، قال : فأبو لهب عمّ هذا الشيخ المتكلّم ، وضحك وضحكوا ، فقال لهم عقيل : فهل سمعتم قول الله عزوجل : (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) (٢) هي عمّة أميركم معاوية ، هي ابنة حرب بن أمية زوجة عمّي أبي لهب وهما جميعاً في النار ، فانظروا أيّهما أفضل الراكب أو المركوب ؟ فلمّا

_______________________

(١) المسد / ١.

(٢) المسد / ٤.

٣١١
 &

نظر معاوية إلى جوابه قال : إن كنت إنّما جئتنا يا أبا يزيد للدنيا فقد أنلناك منها ما قسم لك ونحن نزيدك ، والحق بأخيك فحسبنا ما لقينا منك ، فقال عقيل : والله لقد تركت معه الدين وأقبلت إلى دنياك ، فما أصبت من دينه ولا نلت من دنياك عوضاً منه ، وما كثير إعطائك إياي وقليله عندي إلّا سواء ، وان كلّ ذلك عندي لقليل في جنب ما تركت من عليّ عليه‌السلام ، وانصرف إلى عليّ عليه‌السلام (١).

الملاحظ على الرواية ، أنّها وردت من دون سلسلة سند ، ولم يكن لها ذكر في بقية المصادر ، حيث انفرد القاضي نعمان بها ، ولم نعرف منشأها ، وهي تغاير الروايات الأُخر خاصّة في مسألة الرؤية أي : أنّه كان يرى ، وليس أعمى حسبما صوره بعضهم ، أضف إلى ذلك مدّة بقائه وكأنّه حصرها في يوم واحد ـ أي أخذ الأموال ـ ورجع إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام في حياته ، وأشار إلى ذلك القاضي نعمان عن معاوية قوله : « يا أبا يزيد قد كنا نحبّ مقامك عندنا ، فأمّا بعد ما لقينا منك فانصرف إلى مكانك ، فقال عقيل : والله إني لا أرغب في ذلك منك ، وما كثرة عطائك إياي وقلته عندي سواء ، وإن فضل ما بيننا عندي ليسير ، وما كنت من يسمح لك بعرضه طمعاً فيما يناله منك ، فانصرف » (٢).

خامساً : رواية السيّد علي بن معصوم ت ١١٢٠ هـ :

قال : واختلفوا في سبب فراقه ـ يعني عقيل ـ له ـ يعني الإمام عليّ عليه‌السلام ـ فروي أنّ عليّاً عليه‌السلام كان يعطيه في كلّ يوم ما يقوته وعياله ، فطلب منه أولاده مريساً ، فجعل يأخذ كلّ يوم من الشعير الذي يعطيه أخوه قليلاً ويعزله ، حتّى

_______________________

(١) شرح الأخبار ٢ / ١٠٠ ، وينظر ٣ / ٢٤.

(٢) القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ٢٤٣.

٣١٢
 &

اجتمع مقدار ما جعل بعضه في التمر وبعضه في السمن وخبز بعضه وصنع لعياله مريساً ، فلم تطب نفوسهم بأكله دون أن يحضر أمير المؤمنين عليه‌السلام ويأكل منه ، فذهب إليه والتمس منه أن يأتي منزله فأتاه ، فلمّا قدّم المريس بين يديه سأله عنه ، فحكى له كيف صنع ، فقال عليه‌السلام : وهل كان يكفيكم ذاك بعد الذي عزلتم منه ؟ قال : نعم ، فلمّا كان اليوم الثاني جاء ليأخذ الشعير فنقص منه أمير المؤمنين مقدار ما كان يعزل كلّ يوم (وقال) إذا كان في هذا ما يكفيك فلا تجعل لي أن أعطيك أزيد منه ، فغضب من ذلك فحمى له أمير المؤمنين عليه‌السلام حديدة ، ثمّ قرّبها من خدّه وهو غافل ، فجزع من ذلك وتأوّه ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : مالك تجزع من هذه الحديدة المحماة وتعرضني لنار جهنم ؟ فقال عقيل : والله لأذهبن إلى من يعطيني تبراً ويطعمني براً ، ثمّ فارقه وتوجّه إلى معاوية.

وروي أنّه وفد على أمير المؤمنين عليه‌السلام بالكوفة يسترفده عليه عطاءه ، فقال : إنّما أريد من بيت المال ، فقال : تقيم إلى يوم الجمعة ، فلمّا صلّى قال له : ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين ؟ قال : بئس الرجل ، قال : فإنّك أمرتني أن أخونهم وأعطيك ، فلمّا خرج من عنده شخص إلى معاوية ، فأمر له يوم قدومه بمائة ألف درهم ، وقال له : يا أبا يزيد أنا خير لك أم عليّ ؟ قال : وجدت عليّاً أنظر لنفسه منه لي ووجدتك أنظر لي منك لنفسه (١).

وما يسجّل على الرواية من ملاحظات الآتي :

إنّ راويها متأخّر الوفاة ، ولم نعرف مصدرها الذي نقل عنه ، ولا سلسلة سندها ! وصفت الرواية شدّة الجوع الذي يعانيه عقيل وأولاده ، وكأنّهم يأكلون ممّا

_______________________

(١) الدرجات الرفيعة / ١٥٨ ، وينظر جعفر النقدي : الأنوار العلوية / ١٥.

٣١٣
 &

يرزقهم منه الإمام عليّ عليه‌السلام فإذا زاد عليهم العطاء شبعوا وإذا نقص جاعوا ! وهذا عليه إشكال لأنّ عائلة عقيل في الحجاز ، وليست في الكوفة ، وكلّ الروايات التي ذكرت الحادثة أشارت إلى قدوم عقيل على أخيه ! أظهرت الرواية وكأنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قابل إحسانهم إياه عندما لم تطب نفوسهم بأكل المريس إلّا وهو معهم بالإساءة ! فلمّا عرف أنّ ذلك زائد عن حاجتهم أنقص عليهم من الشعير الذي كان يعطيه إياهم ! وردت إشارة إلى الحديدة المحماة ، وهي متناقضة ! وسنفرد بحثاً خاصّاً بها ، وقد حيكت حولها روايات وروايات لا صحّة لها.

وقد ناقضت هذه الرواية رواية الشيخ جعفر النقدي قال : « ولمّا استقر أمير المؤمنين عليه‌السلام مغصوب حقّه من الخلافة كان يعطي عقيلاً مثل ما يعطي سائر الناس ، فأتاه يوماً وقال : يا بن أم كنّا ندعو الله أن ينقل لك الأمر لتوسّع علينا ، فسكت عنه أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فأتاه يوماً آخر وقال له مثل ذلك ، فقال عليه‌السلام : إذا كان الغد فاتني ، فلما كان من الغد أتاه وكان مكفوفاً ، فقال : ادن منّي ، فدنا منه ، فوضع في كفه حديدة محمّاة كان قد أحماها ، فوقع مغشياً عليه بعد أن صاح صيحة ، فقال عليه‌السلام : ثكلتك الثواكل يا عقيل أتلوع من حديدة أحماها انسانها للعبه وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ، فلحق عقيل بمعاوية » (١).

الحوارات التي دارت بينهما :

لقد اختلق وضّاعو الروايات وجود حوارات دارت بين عقيل ومعاوية ، واعتبروها أدلّة على ذهابه المزعوم ، منها :

_______________________

(١) الأنوار العلوية / ١٥.

٣١٤
 &

الأوّل : هو ما رواه ابن الدمشقي بقوله : « وقال معاوية يوماً لعقيل بن أبي طالب : يا أبا يزيد إنّك بالمكان الذي علمت وقد حللت المكان الذي لا يزاحم فيه ؟ وأحبّ أن تقوم فتلعن عليّاً ، فقال عقيل : أفعل ، فقام وصعد المنبر فقال : أيّها الناس إنّ معاوية أمرني أن ألعن عليّاً فالعنوه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ثمّ نزل فقال له معاوية : لم تبين يا أبا يزيد على من اللعنة ؟ قال : والله لا أزيد على هذا حرفاً واحداً والنية للمتكلّم » (١).

وذكر الحادثة جعفر النقدي بقوله : « وفي كتب السير أنّ معاوية دعا عقيلاً ليصعد المنبر ويسبّ أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فصعد المنبر وقال : أيّها الناس إنّ معاوية أمرني أن ألعن عليّاً فالعنوه ، ودعاه مرّة أخرى فصعد المنبر وقال : إنّ عليّاً ومعاوية قد اختلفا وأنا ألعن الباغي منهما على صاحبه فالعنوه ، فقال الناس : على الباغي منهما لعنة الله ، فقال ابن العاص لمعاوية : خذها يا أبا عبد الرحمن ، فقال معاوية لعقيل : جزيت خيراً ما قصرت في حقّنا ، ويحكى أنّ معاوية قال : الذي يدلّ على الحقّ هو كون عقيل معنا ، فقال له عقيل : نعم ، ويوم بدر كنت معكم » (٢).

ومن الجدير بالذكر القول إنّنا لم نمل إلى تصديق رواية ذهاب عقيل إلى معاوية ، وإنّما ذلك من روايات أهل البدع والضلال ، افتعلت للتقليل من شأن عقيل وأولاده ؛ لأنّهم الأكثر تضحية في الذبّ عن الإسلام والمسلمين ، ولهم خير دليل في ذلك موقف أولاده يوم عاشوراء.

_______________________

(١) جواهر ٢ / ٢٢٨.

(٢) الأنوار العلوية / ١٦.

٣١٥
 &

ويدحض الرواية القائلة أنّ معاوية طلب من عقيل أن يصعد المنبر ويسبّ أمير المؤمنين عليه‌السلام ما ذكره ابن الدمشقي عن عبد الله الكندي قوله : « إنّ معاوية ابن أبي سفيان بيّنا هو جالس وعنده وجوه الناس إذ دخل عليه رجل من الشام فقام خطيباً ، فكان آخر كلامه أن لعن عليّاً فأطرق الناس.

وتكلّم الأحنف بن قيس (١) فقال : يا معاوية إنّ هذا القائل ـ لما قال ـ لو يعلم أنّ رضاك لعن المرسلين للعنهم فاتّق الله ودع عنك عليّاً عليه‌السلام فقد أُفرد في قبره ولقي ربّه وخلا بعمله ، وكان والله المبرز في سبقته الطاهر في ثوبه والميمون نقيبته العظيمة مصيبته !!! فقال معاوية : قم فاصعد المنبر والعنه كما أمرتك ، قال : أما والله يا معاوية لأنصفنّك في القول والفعل ، قال : وما كنت قائل ؟ قال الأحنف : أصعد المنبر كما أمرتني فأحمد الله وأثني عليه وأصلّي على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ أقول : أيّها الناس إنّ معاوية أمرني أن ألعن عليّاً ، ألا وإنّ عليّاً ومعاوية اختلفا وادّعى كلّ واحد منهما أنّه مبغي عليه وعلى فئته فإذا دعوت فأمنّوا رحمكم الله ، ثمّ أقول : اللّهمّ العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه ، والعن الفئة الباغية لعناً كبيراً ، أمّنوا يرحمكم الله ، والله يا معاوية لا أزيد على هذا حرفاً ولا أنقص من ذلك حرفاً ولو كان في ذلك ذهاب نفسي !!! فقال معاوية : إذاً نعفيك من ذلك يا أبا بحر.

وقد بالغ الصحابة في نهيه عن ذلك وعابوا عليه وبيّنوا له ما في ذلك من عار الدنيا والآخرة ، فلم يفد فيه ذلك ولا التفت إلى أقوالهم » (٢).

_______________________

(١) أبا بحر واسمه الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين ، ويلقب بالأحنف لأنّ أمّه ولدته أحنف. وللتفصيل ينظر ابن سعد : الطبقات ٧ / ٩٣ ، المرتضى : الأمالي ٢ / ٥١.

(٢) ابن الدمشقي : جواهر ٢ / ٢٣١.

٣١٦
 &

العجيب ! أنّ معاوية وصف بالمكر والخداع حتّى قيل : إنّه داهية العرب ، وقد نسى مفتعل الرواية ووصف معاوية بالحمق والغباء ـ إن جاز التعبير ـ وصوّره أنّه لم يعرف على من ترجع اللعنة في قول اللاعن ، عليه أم على غيره ! ثمّ ما هذه الجرأة سواء كانت من جانب عقيل أو الأحنف في مجلس معاوية ، وكيف استطاعوا أن يلعنوه ؟!

وقد اختلفت روايتا ابن الدمشقي في اسم الشخص الذي كشف عن نية اللاعن لمعاوية ، فمرّة معاوية يسأل بقوله : « على من اللعنة » ؟ وفي الرواية الأخرى أنّ عمرو بن العاص هو الذي قال : « خذها يا أبا عبد الرحمن » ، فهذه التخبّطات إنْ دلّت على شيء إنّما تدلّ على أنّ الرواية موضوعة.

وأكثر ما يزيد شكوكنا أنّ الرواية وردت من دون سند ، وأحادية الجانب ، انفرد بها ابن الدمشقي ، ولم نجدها في المصادر التي اطّلعنا عليها ، على العكس من الرواية الأخرى التي نسبت القول إلى الأحنف بن قيس ، فقد أسندت إلى عبد الله الكندي.

وقد أرجع النقدي روايته إلى كتب السير ، ولم يذكر واحداً منها على الأقل مكتفياً بالقول : « وفي كتب السير أنّ معاوية دعا عقيلاً ... ».

الثاني : من الأمور التي نسبت لعقيل وهو يحاور معاوية ، ما ذكره الثقفي عن عقيل أنّه قال :

٣١٧
 &

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا

وما علم الإنسان إلّا ليعلما

إنّ السفاهة طيش من خلائقكم

لا قدس الله أخلاق الملاعين (١)

فأراد معاوية أن يقطع كلامه فقال : ما معنى كلمة (طه) ؟ فقال عقيل : نحن أهله وعلينا نزل لا على أبيك ولا على عمّك ولا على أهل بيتك ، طه بالعبرانية يا رجل.

وذكروا عن أبي عمرو أنّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط (٢) قال لعقيل : يا أبا يزيد غلبك أخوك على الثروة ، قال : وسبقني وإيّاك إلى الجنّة ، قال : أما والله انّ شدقيه لمضمومان من دم عثمان ، قال : وما أنت وقريش ؟ والله ما أنت فينا إلّا كنطيح التيس ، فغضب الوليد من قوله وقال : والله لو أنّ أهل الأرض اشتركوا في قتله لأرهقوا صعوداً ، وإنّ أخاك لأشدّ هذه الأمّة عذاباً ، فقال عقيل : صه والله إنّا لنرغب بعبد من عبيده عن صحبة أبيك عقبة بن أبي معيط (٣) ـ لأنّه كان علجاً من

_______________________

(١) هذان البيتان للشاعر المتلمس اليشكري ، واسمه جرير بن عبد المسيح بن زيد بن عبد الله شاعر مشهور في الجاهلية ، وهو خال طرفة بن العبد ، قالها في حقّ صيفي بن رباح بن أكثم الذي عاش مائتي سنة لا ينكر عقله شيئاً وهو ذو الحلم. ينظر الشيخ المفيد : الفصول العشرة / ٩٨ ، الأربلي : كشف الغمة ٣ / ٣٥٣ ، وقيل : إنّه قالها في حقّ عمرو بن حممة الدوسي الذي قضا على العرب ثلاثمائة سنة فلمّا ألزموه ، وقد رأى السادس والسابع من ولده قال : إن فؤادي بضعة مني فربما تغير عليّ اليوم والليلة مراراً وأمثل ما أكون فيها في صدر النهار فإذا رأيتني قد تغيّرت فاقرع العصا ، فكان إذا رأى منه تغيّراً قرع العصا فيراجعه فهمه. (الكراجكي : كنز / ٢٥٠ ، ابن حجر : الإصابة ١ / ٦١٥).

(٢) ابن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس ويكنى أبا وهب ، وهو أخو عثمان لأمّه ولّاه الكوفة ثمّ عزله فرجع إلى المدينة فلم يزل بها حتّى قتل عثمان ، وعندما شقّ معاوية عصا الطاعة عن أمير المؤمنين عليه‌السلام خرج الوليد إلى الرقة معتزلاً لهما فلم يكن مع واحد منهما حتّى وفاته ، وهو الفاسق الذي ورد ذكره في القرآن. (البخاري : التاريخ الكبير ٨ / ١٤٠ ، ابن سعد : الطبقات ٦ / ٢٥ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ١٠١ ، مجاهد : التفسير ٢ / ٦٠٦ ، ابن طاووس : عين العبرة / ٦٣).

(٣) الغارات ٢ / ٥٥١ ، علي خان : الدرجات الرفيعة / ١٦٢ ، الميانجي : مواقف الشيعة ١ / ٢٤٢.

٣١٨
 &

صفورية قرية في الأردن قدم به أبو عمرو بن أمية بن عبد شمس فادّعاه. وحين أراد الإمام عليّ عليه‌السلام جلد الوليد في الخمر في عهد عثمان رضي‌الله‌عنه فسبّه الوليد ، فقال له عقيل : يا فاسق ما تعلم من أنت ؟ ألست علجاً من أهل صفورية ؟ كان أبوك يهودياً (١).

وقيل : إنّ معاوية ردّ عليه بقوله :

إنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده

وإنّ الفتى بعد السفاهة يحلم

ثم قال له معاوية : لم جفوتمونا يا أبا يزيد ؟ فأنشأ يقول :

إنّي امرؤ منّي التكرم شيمة

إذا صاحبي يوماً على الهون أضمرا

ثم قال : أيّم الله يا معاوية ، لئن كانت الدنيا مهّدتك مهادها وأظلّتك بحذافيرها ومدت عليك أطناب سلطانها ذاك بالذي يزيدك منّي رغبة ولا تخشّعاً لرهبة (٢).

الملاحظ على رواية الثقفي أنّ سندها غير تامّ ؛ لأنّه متوفّي سنة ٢٣٨ هـ ، ونقل عن أبي عمرو بن العلاء بن عمار العريان المازني النحوي ، واسمه زبان أو العريان أو يحيى المتوفّي ١٤٥ هـ ، فالفارق الزمني بينهما كبير ، فكيف أدرك الثقفي أبا عمرو وسمع عنه ؟! ولو أنّ الرواية لم تشر بأنّه سمعه ، وإنّما قالت (وذكروا) ، ولم نعرف من الذين ذكروا ! علماً أنّ المتكلّم استخدم صيغة الجمع ، فالمفروض الذين ذكروا الرواية أكثر من واحد إلّا أنّنا لم نعرف أيّ

_______________________

(١) جعفر مرتضى : الصحيح من سيرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٥ / ١٠٥ ، وقد نقل الرواية عن الزمخشري.

(٢) الميانجي : مواقف الشيعة ١ / ٢٢٨.

٣١٩
 &

واحد منهم ، والأكثر من ذلك أنّ أبا عمرو نفسه لم يدرك لا عقيلاً ولا معاوية ، فلم نعرف من أين سمع الرواية وما مصدرها الأم ؟! فالسند غير تامّ.

وما ظنّك برواية سندها ناقص ، فهي حتماً تكون ناقصة ، فضلاً عن ذلك أنّ أبا عمرو نفسه مطعون فيه رغم توثيق ابن معين له (١) ، وقيل : لا بأس به ، لكنه لم يحفظ (٢) ، وهو الإمام المقرئ ، عالم أهل البصرة حجّة في القراءة ، فأمّا في الحديث فقلّ ما روى ، وهو غير ماهر في السرد ... وكان لا يحفظ القرآن ، حيث تقدّم يصلّي في المسلمين فقرأ قوله تعالى : (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) (٣) فأرتجّ عليه (٤).

بعد أن علّقنا على الروايات ضمنياً ، يمكن أن نورد ملاحظات عامّة عليها :

منها : أنّ رواية الثقفي والطوسي نقلت من مصدر واحد ، هو عبد الصمد البارقي الذي سأل الإمام الصادق عليه‌السلام عن عقيل. الشيء الملاحظ أنّ المصدر واحد ، لكن الرواية مختلفة بعض الشيء ! فقد أورد الطوسي أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام حين جاءه عقيل كان يرتدي قميصاً سنبلانياً ، ولم يرد ذلك في رواية الثقفي ، ولا في بقية الروايات.

وذكر الطوسي أنّ الإمام عليه‌السلام وعد عقيلاً أنّه يعطيه من أمواله بينبع ، ولم يرد ذلك عند الثقفي ، ولا في بقية الروايات.

وجاء عند الطوسي أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام أمر أولاده الحسن والحسين عليهما‌السلام

_______________________

(١) تاريخ ٢ / ٨٠.

(٢) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ٦١٦.

(٣) الزلزلة / ١.

(٤) أبو داود : سؤالات ١ / ٣٠٨ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٤ / ٥٥٦ ، وينظر السمعاني : الأنساب ٥ / ٤٦٨.

٣٢٠