عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

غزوة مؤتة

بعد حضوره المزعوم في واقعة بدر وقضية أسره ، يكاد يختفي ذكره في المصادر التي اطّلعنا عليها فلم يطرأ له ذكر في أحد ، لا مع الكفّار ولا مع المسلمين ، حتّى سنة ٨ هـ ، قيل : إنّه هاجر في أوّلها وشهد واقعة مؤتة ، وحصل على خاتم من غنائمها (١) ، وفي ذلك روايات ، منها :

أوّلاً : رواية الطبراني : عن أحمد بن خليد عن إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي عن شريك عن عبد الله بن محمّد بن عقيل عن جابر قال : « بارز عقيل بن أبي طالب رجلاً يوم مؤتة فنفله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاتمه وسلبه » (٢).

الملاحظ على سند الرواية ، فيه أحمد بن خليد بن يزيد الكندي ، أبو عبد الله الحلبي المتوفّي بعد سنة ٢٨٠ هـ ، ذكره ابن حبّان في الثقات (٣) ، والذهبي قال : « ما علمت به بأساً » (٤) ، روى عنه الطبراني حديثاً ما ، فعلّق عليه الهيثمي بقوله : « رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة » (٥) ، هذا ولم نعرف هل أنّه أراد مدحه أو قدحه ، خاصّة وأنّه استعمل أداة الاستثناء (غير) ، قد روى عنه حديثاً مفاده : « إنّ الله سبحانه وتعالى يسأل عبده

_______________________

(١) ابن سعد : الطبقات ٤ / ٤٣ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ١ / ١٥٨.

(٢) المعجم الأوسط ١ / ١٣٤ ، البيهقي : السنن الكبرى ٦ / ٣٠٩ ، المتّقي الهندي : كنز العمّال ١٣ / ٥٦٢.

(٣) الثقات ٨ / ٥٣.

(٤) سير أعلام النبلاء ١٣ / ٤٨٩.

(٥) مجمع الزوائد ٨ / ٢١٠.

٢٦١
 &

يوم القيامة عن جاهه كما يسأله عن ماله » ، فأشار ابن حبّان إلى ذلك بقوله : « وهذا حديث لا أصل له من كلام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » (١) ، وعلّق عليه الخطيب البغدادي بقوله : « هذا حديث غريب جدّاً ، لا أعلمه ، يروى بهذا الإسناد ، تفرّد به أحمد ابن خليد » (٢) ، والمناوي بقوله : « لا يروى إلّا بهذا الإسناد ، تفرد به أحمد بن خليد ، ولا يثبت عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوجه من الوجوه » (٣).

أمّا عن إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي ، كان ببغداد ، ترجم له البخاري ، ولم يُشر إلى تجريحه أو توثيقه (٤) ، وذكره ابن أبي حاتم بقوله : « إسماعيل بن عبد الله ... روى عن شريك ونظرائه ، وأدركته ولم أكتب عنه سمعت أبي يقول ذلك » (٥) ، وقيل : إنّه منكر الحديث ، لكن ابن معين وثّقه (٦) ، قدم بغداد ، وحدّث بها عن شريك بن عبد الله النخعي ، توفّي في البصرة سنة ٢٢٩ هـ ، وثّقه الدارقطني (٧) ، وقيل : صدوق تكلّم فيه الأزدي بلا حجّة (٨) ، وذكره ابن حبّان في الثقات (٩).

أمّا شريك بن عبد الله بن الحارث بن شريك بن عبد الله بن النخعي القاضي

_______________________

(١) المجروحين ٣ / ١٣٧.

(٢) تاريخ ٨ / ٩٩.

(٣) فيض القدير ١ / ٥٤٨.

(٤) التاريخ الكبير ١ / ٣٦٦.

(٥) الجرح والتعديل ٢ / ١٨١.

(٦) المناوي : فيض القدير ٥ / ٦٧٠.

(٧) الخطيب البغدادي : تاريخ ٦ / ٢٥٩.

(٨) ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٩٦.

(٩) الثقات ٨ / ١٠٠.

٢٦٢
 &

الكوفي ، اختلف في نسبه ، قيل : جدّه سنان بن أنس الذي قتل الإمام الحسين عليه‌السلام (١). ويؤيّد ذلك أنّه قدم البصرة فأبى أن يحدّث أهاليها ، فرجموه بالحجارة وهم يقولون : يا بن قاتل الحسين (٢) ، وهذا ربما غير صحيح ؛ لأنّه لم يرد سنان في نسبه ، أضف إلى ذلك أنّ الإمام عليه‌السلام استشهد سنة ٦١ هـ وشريك توفّي سنة ١٧٧ هـ أو ١٧٨ هـ وشريك هذا فيه تجريح ، أورده ابن عدي في الضعفاء وذكر تخليطاً في أصوله (٣) ، وأنّه يدلّس لكن ليس كثيراً (٤) ، ولمّا تولّى القضاء تغيّر حفظه ، وكان يتبرّأ من التدليس (٥) ، ويخطئ كثيراً (٦) ، وقيل : مختلف فيه (٧) ، وذكر ابن الجعد عن أبي نعيم قوله : ما كتبت عند شريك بعدما ولي القضاء إلّا حديثاً واحداً (٨) ، قيل ليحيى بن سعيد : يقولون : إنّما خلط شريك بآخره ، فقال : ما زال مخلطاً (٩). وثّقه يحيى بن معين وصدّقه ، لكن له أغاليط ، وسئل أبو زرعة عن شريك يحتجّ بحديثه ؟ قال : كثير الحديث صاحب وهم يغلط أحياناً ، قيل : إنّه حدّث بواسط أحاديث بواطيل (١٠).

لكن مع هذا فقد وثّقه بعضهم ، حيث ذكره العجلي في الثقات فقال : « ...

_______________________

(١) ابن عدي : الضعفاء ٤ / ٦.

(٢) العجلي : معرفة الثقات ١ / ٤٥٦.

(٣) الضعفاء ٤ / ٦.

(٤) سبط ابن العجمي : المدلّسين / ٣٣.

(٥) ابن حجر : المدلّسين / ٣٣ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ١ / ٥٦.

(٦) ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٤١٧.

(٧) ابن حجر : مقدّمة فتح الباري / ٤٥٧.

(٨) مسند / ٣٥٢.

(٩) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٣٦٥.

(١٠) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٣٦٧.

٢٦٣
 &

كوفي ثقة وكان حسن الحديث ، وكان أروى الناس عنه إسحاق بن يوسف الأزرق الواسطي سمع منه تسعة آلاف حديث » (١) ، فإذا كان راو واحد سمع منه هذا الكم من الأحاديث ، إذن كم يحفظ منها ؟! وهذا الأمر مبالغ فيه ، وربما هذا التخليط والتخبيط في أحاديثه من كثرة ما يرويه.

أورده العقيلي في الضعفاء مشيراً أنّ يحيى بن سعيد لا يحدّث عن شريك ، وضعّف حديثه جدّاً ، وقال عنه ابن حنبل : « كان عاقلاً صدوقاً محدّثاً عندي » ، وسئل هل يحتجّ بحديثه ؟ فرفض إعطاء رأيه ، وهو القائل : « قبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستخلف المسلمون أبا بكر فلو علموا أنّ فيهم أحداً أفضل منه كانوا قد غشّونا ، ثمّ استخلف أبو بكر عمر فقام بما قام به من الحق والعدل ، فلمّا حضرته الوفاة جعل الأمر شورى بين ستّة نفر من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاجتمعوا على عثمان ، فلو علموا أنّ فيهم أفضل منه كانوا قد غشّونا » (٢).

إذن إنّه ممّن يقول بتفضيل الخلفاء الثلاثة على أمير المؤمنين عليه‌السلام ! وبهذا فقد أخطأ من نسبه إلى الشيعة (٣) الذين يقولون العكس ، قيل : إنّه ثقة حسن الحديث (٤) ، ومن الأثبات (٥) ، وصدوقاً فاضلاً عدلاً عابداً (٦).

أمّا أصل الرواية هو عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب العقيلي

_______________________

(١) معرفة الثقات ١ / ٤٥٣.

(٢) العقيلي : الضعفاء ٢ / ١٩٣ ـ ١٩٤.

(٣) الطبسي : رجال الشيعة / ١٧٤.

(٤) الخطيب البغدادي : تاريخ ٩ / ٢٨٢.

(٥) ابن حجر : المدلّسين / ٣٣.

(٦) ابن حجر : تهذيب التهذيب ١ / ٤١٧.

٢٦٤
 &

الهاشمي ، أمّه أم كلثوم (١) بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام المعروف بالأحول ، من محدّثي الإمامية الأجلّاء ، وكان مقرئاً فقيهاً ، وثّقه بعض العامّة ، وبعضهم قالوا : إنّه من الضعفاء ، لا يحتج بحديثه وفي حديثه لين ، توفّي سنة ١٤٥ هـ بعد أن طال عمره (٢) ، وقيل : إنّه تابعي ثقة جائز الحديث (٣) لكن ابن حنبل أنكر حديثه (٤) ، وضعّفه ابن المديني (٥) ، وجعله ابن عيينه سيّئ الحفظ (٦) ، والطوسي كأنّه غير مقتنع في قدح عبد الله بن محمّد مشيراً أنّه ضعيف عندهم ـ أي : عند العامّة ـ ومقدوح فيه لا يحتجّون بخبره (٧) ، وذكره في الرجال من دون مدح أو قدح (٨) ، والهيثمي قال : إنّ حديثه حسن وفيه ضعف (٩) ، والعظيم آبادي قال : بعضهم احتجّ بحديثه وتكلّم فيه بعضهم الآخر (١٠) ، وعدّه التفرشي من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام (١١) ، وابن حبّان قال : كان من سادات المسلمين من فقهاء أهل البيت وقرّائهم ، إلّا أنّه رديء الحفظ ، كان يحدّث على التوهم ، فيجيء بالخبر على غير سننه ، فلمّا كثر ذلك في أخباره وجب مجانبتها والاحتجاج بضدّها ... كان

_______________________

(١) تجدر الإشارة هنا أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام لم تكن له بنت بهذا الاسم ، وللتفصيل ينظر المحمداوي : أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عليه‌السلام حقيقة أم وهم ؟ (بحث منشور في مجلة آداب البصرة عام ٢٠٠٨ م).

(٢) الشبستري : الفائق ٢ / ٣٠٤.

(٣) العجلي : معرفة الثقات ٢ / ٥٨.

(٤) ابن المبرد : بحر الدم / ٩٠.

(٥) المديني : سؤالات / ٨٨.

(٦) المديني : سؤالات ١ / ١٦٤.

(٧) تهذيب الأحكام ٩ / ٢٦٦ ، ينظر القمي : جامع الخلاف / ٤٠٢ ، الفاضل الآبي : كشف الرموز ٢ / ٤٤١.

(٨) الطوسي : الرجال / ٢٦٤.

(٩) مجمع الزوائد ٥ / ١٦.

(١٠) العظيم آبادي : عين المعبود ٢ / ٢٢٩.

(١١) نقد رجال ٣ / ١٤٠ ، وينظر الخوئي : معجم رجال الحديث ١١ / ٣٣٠.

٢٦٥
 &

يحيى بن معين وعبد الرحمن لا يحدّثان عن عبد الله ... حدّثنا جعفر بن أبان قال : قلت ليحيى بن معين : عاصم بن عبيد الله وابن عقيل أيّهما أعجب إليك ؟ قال : ما فيهما أحد يعجبني ... (١) ، وكان ابن عيينة لا يحمد حفظ ابن عقيل ، وسفيان قال : في حفظه شيء فكرهت أن ألقيه ، ويحيى بن معين ، ليس بذاك ، وأنّه ضعيف في كلّ أمره ، وقيل : إنّه لين الحديث ، ليس بالقوي ، ولا ممّن يحتجّ بحديثه (٢).

أمّا العقيلي فقد ذكره في الضعفاء ، فنقل عن يحيى بن معين عن ابن عيينة قوله : « أربعة من قريش يمسك عن حديثهم ، قلت من هم ؟ قال : فلان وعلي بن زيد ، وزيد بن أبي زياد وعبد الله بن محمّد بن عقيل وهو الرابع ، فقال يحيى : نعم ... » ، وكان مالك لا يروي عنه ويحيى بن سعيد كذلك ، وقيل عنه : ضعيف الحديث ، وقيل : خيّر فاضل موصوف بالعبادة ، وإن قيل فيه شيء ففي حفظه (٣). في حين نقل ابن عدي عن ابن عيينة وجعله أضعف الأربعة ، وأضاف : أنّ مالك لم يدخله في كتبه ، وقد توقف عنه عامّة ما يروي عنه ، وكان يختلف إلى جابر ويسأله عن سنن رسول الله (٤).

من كلّ ما تقدّم يظهر أنّ الرجل خالي من التجريح وأُلصق به ذلك بدوافع طائفية ومذهبية ؛ لأنّه من نسل أبي طالب الطاهر !

ثانياً : رواية ابن سعد : عن الفضل بن دكين عن قيس بن الربيع عن جابر عن

_______________________

(١) المجروحين ٢ / ٣.

(٢) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥ / ١٥٣.

(٣) الضعفاء ٢ / ٢٩٨.

(٤) الكامل ٤ / ١٢٧.

٢٦٦
 &

عبد الله بن محمّد بن عقيل قال : « أصاب عقيل بن أبي طالب خاتماً يوم مؤتة فيه تماثيل ، فأتى به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنفله إياه ، فكان في يده ، قال قيس : فرأيته أنا » (١).

الملاحظ على الروايتين أنّ الأولى نقلت عن ابن عقيل عن جابر ، وفي الثانية حصل العكس ، أي : نقلت عن جابر عن ابن عقيل ! والاثنين على غير صواب ، لعدم اعتبار الروايتين ، وتعارضهما مع المأثور من سنّة النبيّ وآل بيته عليهم‌السلام حيث نهى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الصور والتماثيل بقوله : (إنّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل أو تصاوير) (٢) ، وعن الإمام الصادق عليه‌السلام : (أنّه كره أن يصلّي وعليه ثوب فيه تماثيل) (٣) ، وقد جرت أحكام الفقهاء على هذا الأساس ، لذلك كان هذا الفعل مكروه ، وهذا ما أشار إليه الطوسي بقوله : « ... ولا يصلّي في ثوب فيه تماثيل ، ولا في خاتم كذلك » (٤).

أمّا عن السند فمقدوح فيه ، من جهة قيس بن الربيع فالأمر مختلف حوله ، فقد وثّقه بعضهم وضعّفه آخرون ، وتتجسّد هذه المعأدلّة في شاهدين عند ابن أبي حاتم والعقيلي ، فالأوّل لم يشر إلى تجريحه بل أشار إلى وثاقته ناقلاً عن شعبة قوله : « ... عليك بهذا الأسدي يعني قيس بن الربيع ... ذاكرني ... الحديث فجعل يقع على الضحك ، وإنّما أضحك كأنّما أسمعها من أصحابي ... قدمت

_______________________

(١) الطبقات ٤ / ٤٣.

(٢) مالك : الموطأ ٢ / ٩٦٦.

(٣) الكليني : الكافي ٣ / ٤٠٢.

(٤) المبسوط : ١ / ٨٤ ، ينظر المحقق الحلّي : المعتبر ٢ / ٩٨ ، شرائع الإسلام ١ / ٥٦.

٢٦٧
 &

الكوفة فما أتيت شيخاً إلّا وجدت قيساً قد سبقني إليه ، وإن كنّا لنسمّيه الجوال ... ادخلوا على قيس قبل أن يموت ... سمعت أبا حصين يثني عليه » (١).

أمّا العقيلي فذكر أنّ وكيع ضعّفه ونقل عن أبي داود عن شعبة قوله : « يعذرني من يحيى هذا الأحول لا يرضى قيس ... » ، وقيل : إنّ يحيى وعبد الرحمن لا يحدّثان عنه ، وأنّه لا يعرف بين الناس ذكرهم ، وقيل : إنّ أبا داود له مجلس في البصرة ، فذكر قيس بن الربيع فقالوا : لا حاجة لنا فيه ، فقال : لا تفعلوا فإنّي سمعت شعبة يقول : كلّما جالست قيساً ذكرت أصحابي الذين مضوا فأبوا أهل المسجد ، فقال : اكتبوا فإنّ له في صدري سبعة آلاف حديث ، وقد حدّث عنه عبد الرحمن ثمّ تركه ، وقد استعمله المنصور الدوانيقي على قضاء المدائن ، فكان يعلّق النساء من ثداياهن ويرسل عليهن الزنانير ، أقام الحدّ على رجل فمات (٢).

أمّا بقية المصادر ، فقد أشارت إليه بأشكال متفاوتّه ، مثل ابن حجر ضعّفه (٣) ، ونقل المارديني بأنّ البيهقي سكت عنه (٤) ، وابن قدامة عن ابن حنبل منكر الحديث (٥) ، وأبو داود عن ابن حنبل وليُ قيس فلم يحمد (٦) ، والهيثمي قال : وثّقه شعبة وضعّفه يحيى بن معين (٧) ، ويحيى بن معين ت ٢٣٣ هـ قال : « قيس

_______________________

(١) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ١ / ١٥٠.

(٢) الضعفاء ٣ / ٤٧٠.

(٣) تلخيص الحبير ٥ / ١٣٢.

(٤) الجواهر ١ / ٧٠.

(٥) المغني ١١ / ٩١.

(٦) سؤالات ١ / ٢٧٢.

(٧) مجمع الزوائد ١ / ٨٨.

٢٦٨
 &

بن الربيع ليس بشيء » (١) ، وابن معين الدوري ت ٢٣٣ هـ ، وفي موضع آخر قال : لا يساوي شيء (٢) ، يتّضح أنّ شخصية ابن معين واحدة ، لكن هناك فرق في سنة الوفاة ، والنسائي كوفي متروك الحديث (٣) ، والبخاري قال : « أُتي قيس من قبل ابنه ، كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في فُرَج كتاب قيس ولا يعرف الشيخ ذلك » (٤) ، والطوسي في رجاله قال : « قيس بن الربيع ، بتري » (٥) يعني من الزيدية ، وفي موضع آخر « قيس بن الربيع الأسدي أبو محمّد الكوفي » (٦) يظهر أنّه جعلهما اثنان وهما شخص واحد ، وذكره التفرشي بقوله : « قيس بن الربيع بتري ، من أصحاب الباقر ، رجال الشيخ. بتري رجال الكشي » (٧) ، والإمام الخوئي في قوله : « عدّه الشيخ تارة في أصحاب الباقر عليه‌السلام ... وأخرى في أصحاب الصادق عليه‌السلام ... » (٨) ، هذا ولم يذكر تجريحه أو توثيقه.

وقيل : قاض ضعيف الحديث ، ثمّ اختلف العامّة في حديثه ، فمنهم من قال بأنّه صدوق تغيّر لمّا كبر ، وضعّفه آخرون ، وذكر ثلاثة تواريخ لوفاته هي ١٦٥ ، ١٦٧ ، ١٦٨ هـ (٩). وترجم له العجلي في الثقات ، وأشار بأنّ الناس يضعّفونه ، وكان شعبة يروي عنه ، وكان معروفاً بالحديث صدوقاً ، وابنه أفسد عليه كتبه فترك

_______________________

(١) ابن معين : تاريخ ١ / ١٩٣.

(٢) ابن معين : تاريخ ١ / ٢١٤.

(٣) الضعفاء / ٢٢٨.

(٤) التاريخ الصغير ٢ / ١٥٨.

(٥) الرجال / ١٤٤ ، وينظر ابن داود : رجال / ٢٦٧.

(٦) الطوسي : الرجال / ٢٧٢.

(٧) التفرشي : نقد الرجال ٤ / ٥٦.

(٨) الخوئي : معجم رجال الحديث ١٥ / ٩٥.

(٩) الشبستري : الفائق ٢ / ٦٠١.

٢٦٩
 &

الناس حديثه (١).

وعلّق الطبراني على هذا الحديث بقوله : « إنّ هذا الحديث لم يروه عن ابن عقيل إلّا شريك تفرّد به إسماعيل بن عبد الله بن زرارة » (٢).

أمّا الهيثمي فقال : « وهذا الحديث رواه الطبراني وفيه عبد الله بن محمّد بن عقيل ، وهو حسن الحديث وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات » (٣).

بعد أن جرحنا الأسانيد بقي ما ينفي الرواية منه.

وللردّ على القائلين بحضوره في المعركة ، نقول : أين هو من أخيه جعفر الطيّار عندما قطعت يداه ومثّل في جسده ؟ أليس من الأجدر الدفاع عن أخيه أفضل من حصوله على الغنيمة ؟!

وبمعنى آخر ، ما موقفه من استشهاد جعفر الطيّار ، وما دوره في المعركة ؟ حيث اكتفت المصادر بذكر الغنيمة من دون أيّة إيضاحات أُخر ، فضلاً عن ذلك إنّ الرواية اختصّت بغيره.

ثالثاً : رواية الواقدي : « قيل : إنّ المسلمين غنموا بعض أمتعة المشركين ، فكان ممّا غنموا خاتماً جاء به رجل إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : قتلت صاحبه يومئذ ! فنفله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيّاه » (٤).

_______________________

(١) معرفة الثقات ٢ / ٢٢١.

(٢) المعجم الأوسط ١ / ١٣٤.

(٣) مجمع الزوائد ٥ / ٣٣٢.

(٤) المغازي ٢ / ٧٦٨.

٢٧٠
 &

خيبر

لم يسجّل له موقف فيها ، ولم يفترى عليه في الحضور كما في المعارك السابقة ، حيث وردت إشارة عند الواقدي أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أطعمه في خيبر مائة وأربعين وسقاً (١).

أمّا ابن سعد فروى عن عليّ بن عيسى النوفلي عن إسحاق بن الفضل : أنّ عقيلاً بعد عودته المزعومة من مؤتة مرض فلم يسمع له بذكر في فتح مكة ولا الطائف ولا خيبر ولا في حنين ، وقد أطعمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خيبر مائة وأربعين وسقاً كلّ سنة ، ونفى وجوده في حنين ، ثمّ استدرك ذلك وأشار إلى حصوله على الغنيمة فيها (٢).

تجدر الإشارة بالقول سند الرواية مطعون فيه (٣) ، وفي الوقت الذي أشار فيه ابن سعد إلى إغفال ذكر عقيل في فتح مكة ، أشارت رواية أخرى أنّه أُسّر في يوم الفتح ، وقد ناقشناها في محلّها (٤).

_______________________

(١) المغازي ٢ / ٦٩٤.

(٢) الطبقات ٤ / ٤٣ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٩ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ١ / ٢١٨.

(٣) ينظر مبحث معركة بدر (الفصل الرابع).

(٤) ينظر مبحث معركة بدر (الفصل الرابع).

٢٧١
 &

حنين

أيّدت بعض المصادر حضوره في معركة حنين ، وفي ذلك روايات ، منها :

أوّلاً : رواية ابن هشام : عن زيد بن أسلم قوله : « دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة وسيفه ملطّخ دماً ، فقالت له : إنّي قد عرفت أنّك قاتلت فما أصبت من غنائم المشركين ؟ فقال : دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك فدفعها إليها ، فسمع منادي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : من أخذ شيئاً فليردّه من الخيط والمخيط ، فقال لزوجته : ما أرى إبرتك إلّا قد ذهبت فأخذها فألقاها في الغنائم » (١).

الملاحظ على الرواية ، أنّها تكاد تخلو من سلسلة السند ، سوى أنّها رويت عن زيد بن أسلم ، وزيد هذا مطعونٌ فيه ، وفيه كثير من التجريح ، وهذا ما أشار إليه الشهرستاني بقوله : « ولذا قلنا : إنّ ما رواه زيد بن أسلم لا يعدو أن يكون شاذاً أو منكراً » (٢) ، وذكره الطوسي بأنّه مولى عمر بن الخطاب المدني العدوي ، وفيه نظر (٣) ، إشارة إلى تجريحه ، وكان يحيى يقول : « مرسلات معاوية بن قرّة (٤)

_______________________

(١) السيرة النبوية ٤ / ١٠١ ، وينظر عبد الرزاق الصنعاني : المصنف ٥ / ٢٤٢ ، القاضي نعمان : شرح الأخبار / ٣١٥ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ١ / ١٥٨ ، ابن حجر : الإصابة ٨ / ٢٧٢ ، الصالحي : سبل الهدى ٥ / ٣٩٥.

(٢) وضوء النبيّ / ١٤٧.

(٣) الرجال / ٢٠٧.

(٤) ابن إياس بن هلال بن رئاب بن عبيد بن سواءة بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سليم ، كان ثقة (ابن سعد : الطبقات ٧ / ٢٢١).

٢٧٢
 &

أحبّ إليّ من مرسلات زيد بن أسلم » (١) ، وعن حماد بن زيد أنّه قدم المدينة ، فسأل عبد الله بن عمر بأنّ الناس يتكلّمون في زيد ، فقال : ما أعلم به بأساً إلّا أنّه يفسّر القرآن برأيه (٢) ، وهذا تجريح ؛ لأنّ هناك أسساً وقواعد لتفسير القرآن ، فلا يحقّ لمن هبّ ودبّ أن يفسّر كلام الله تعالى حسب هواه وبرأيه ! علماً أنّ الحادثة وقعت في حياة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزيد تابعي كان يجالس عمر بن الخطاب كثيراً (٣) ، فالأجدر به أن يرويها عن عمر من دون سواه ، لكنه رواها عن أبيه ، ورغم ذلك قيل : إنّه من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام (٤).

وما يسجّل على المهتمّين بهذا الشأن أنّهم وضعوا منهجاً خاصّاً للصحبة ، فليس كلّ من أدرك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو صحابي ، وما ينطبق على صحبة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينطبق على صحابة المعصومين عليهم‌السلام ، فأصحاب الصادق عليه‌السلام ليس فيهم ممّن قدح فيه ، وكذلك وثّقه عبد الله بن أحمد بن حنبل (٥) ، وقيل : إنّه من المتقنين ، توفّي سنة ١٣٦ هـ (٦).

ثانياً : رواية الواقدي : الذي نقل خبر الغنائم لفاطمة بنت الوليد بن عتبة وجعلها زوجة عقيل بدلاً من فاطمة بنت عتبة (٧).

قبل أن نسلّط الضوء على متن الرواية لنا وقفة على سلسلة سندها ، والتي هي مطعون فيها من جهة راويها محمّد بن عمر الواقدي فقد اتّفق علماء الجرح

_______________________

(١) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ١ / ٣٤٥.

(٢) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ٥٥٥.

(٣) الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ٣٤٠.

(٤) العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٣٤٧.

(٥) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ٥٥٥.

(٦) ابن حبّان : مشاهير / ١٣٠.

(٧) المغازي ٣ / ٩١٨ ، ينظر ابن الأثير : أُسد الغابة ٥ / ٥٢٥ ، ابن حجر : الإصابة ٨ / ٢٧٢.

٢٧٣
 &

والتعديل على تجريحه (١).

وبما أنّ الأمر يتعلّق بفاطمة بنت الوليد فقد تمّ مراجعة ترجمتها للوقوف على حقيقة الأمر ، فلم يثبت زواجها من عقيل (٢) !

ثالثاً : رواية الطوسي : الذي أيّد مشاركة عقيل في حنين مشيراً بأنّ الناس فرّوا من المعركة فلم يبق مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا نفراً قليلاً من ضمنهم عقيل ، فكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : (أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب)(٣) ، وقد ذكر الواقدي الحادثة ولم يشر إلى مشاركة عقيل فيها (٤).

وفي غير ذلك لم يطرأ له ذكر في حروب المسلمين ، ولربما أصابه مرض عضال فأقعده عن المشاركة في أحداث الدعوة الإسلامية ، وهذا ما ذكره ابن سعد بقوله : « ... شهد غزوة مؤتة ، ثمّ رجع ، فعرض له مرض ، فلم يسمع له بذكر » (٥).

هذا كلّ ما ذكرناه عن اشتراكه في الأحداث التي دارت بين المسلمين والكفّار ، والذي يمكن أن نلخصه بأنّه لم يسجّل له أيّ حضور في المعارك سواء في عصر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو بعده ، ولا حتّى في الحروب التي خاضها أمير المؤمنين عليه‌السلام عندما قاتل الناكثين والمارقين والمنافقين ، وهذا ليس جبن منه ، ولكن ربما كانت فيه علّة ما أقعدته عن الانخراط في الحروب.

_______________________

(١) ينظر مبحث علمه بالنسب وأيّام الناس (الفصل الأوّل).

(٢) ينظر المحمداوي : فاطمة بنت عتبة (بحث غير منشور).

(٣) الأمالي / ٥٧٤.

(٤) المغازي ٣ / ٩٠٢.

(٥) الطبقات ٤ / ٤٣.

٢٧٤
 &

بل أتّهم أنّه كان مع معاوية في صفين ، مستدلّين بحادثة أوهن من بيت العنكبوت ! بأنّه ركبه ديْن وذهب إلى معاوية ، في قصّة طويلة عريضة ، لله الحمد لم يثبت صحّتها (١).

وكان دوره في صفين ، أنّه خرج للعمرة وعلم بالخطر الذي يهدد خلافة الإمام عليه‌السلام ، فبعث له كتاباً ـ إن صحّ ـ يحذّره من خطر معاوية ، فأجابه الإمام عليه‌السلام على ذلك (٢).

وفي الوقت الذي عدّه بعضهم دليلاً على ذهابه إلى معاوية ، وحضوره معه في صفين ، وهذا ما أشار إليه ابن معصوم بقوله : « القائلون بأنّ عقيلاً فارق أخاه في حياته زعموا أنّه شهد صفين مع معاوية غير أنّه لم يترك نصح أخيه والتعصّب له ، فرووا أنّ معاوية قال يوم صفين : لا نبالي وأبو يزيد معنا ، فقال عقيل : وكنت معكم يوم بدر » (٣) ، ممكن اعتباره دليلاً على عدم ذهابه ! فكيف هو مع معاوية ، ويفشي سرّه ويبعث البعوث لأخيه ؟! وماذا يكون مصيره إذا علم به معاوية ؟! فإذا صحّ ذلك فإنّه خرج جاسوساً يترقب أخبار معاوية العدائية ضدّ أخيه عليه‌السلام.

علماً أنّ كتابه الذي أرسله ، لم يذكر فيه أنّه خرج من الشام للعمرة ، ولم يطرأ لذلك ذكر ! فهو بلا شك خرج من بيته في المدينة قاصداً مكة ، ولمّا علم بالطريق كتب بذلك كتاباً إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام بخصوص غارة أتباع معاوية على الحيرة ،

_______________________

(١) ينظر مبحث معركة بدر / كيفية تعامله مع الأسرى (الفصل الرابع) ، وذهابه إلى معاوية (الفصل الخامس).

(٢) ينظر مبحث علاقاته الاجتماعية (الفصل الأوّل).

(٣) الدرجات الرفيعة / ١٥٥.

٢٧٥
 &

وهذا ما أشار إليه البلاذري عن عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد قوله : « إنّ عقيلاً كتب إلى أخيه عليّ عليه‌السلام : أمّا بعد كان الله جارك من كلّ سوء ، وعاصمك من المكروه على كلّ حال ، إنّي خرجت ـ يا بن أم ـ معتمراً ولقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح (١) في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء ، فقلت لهم ـ وعرفت المنكر ـ : أين تريدون يا بني الطلقاء ؟ أبمعاوية تلحقون عداوة لنا غير مستنكرة منكم تحاولون تغيير أمر الله وإطفاء نور الحق !! فأسمعوني وأسمعتهم ، ثمّ إنّي قدمت مكة وأهلها يتحدّثون بأنّ الضحاك بن قيس أغار على الحيرة وما يليها ، فأف لدهر جرأ علينا الضحاك ، وما الضحاك إلّا فقع بقرقر (٢) ، فاكتب إليّ يا بن أمّ برأيك وأمرك ، فإنْ كنت الموت تريد تحمّلت إليك ببني أخيك وولد أبيك فعشنا معك ما عشت ومتنا معك إذا مت. فكتب إليه الإمام عليّ عليه‌السلام : (أنّ ابن أبي سرح وغيره من قريش قد اجتمعوا على حرب أخيك اليوم كاجتماعهم على حرب ابن عمك قبل اليوم ، وإن الضحاك أقل وأذل من أن يقرب الحيرة ، ولكنه أغار على ما بين القطقطانية والثعلبية) (٣) » (٤).

وللحقّ والحقّ يقال : إنّ الرواية ضعيفة من جهة عبّاس بن هشام ، فهو غير معروف ، وأبوه إذا كان هشام الكلبي ففيه طعن (٥) ، وعن أبي مخنف لوط بن

_______________________

(١) كان يكتب الوحي للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويملي غير ما يأمره به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحكم بقتله ولو كان معلّقاً في أستار الكعبة ، وبقى هارباً حتّى استعمله عثمان على مصر. (الصدوق : معاني / ٣٤٧ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ١٤٠).

(٢) يشبه به الرجل الذليل ، فيقال : هو فقع بقرقر ، أذل من فقع بقرقر لأنّ الدواب تنحله بأرجلها. (ابن منظور : لسان ٨ / ٢٥٥).

(٣) موضع طريق بمكة. ابن منظور : لسان ١ / ٢٣٨.

(٤) أنساب الأشراف / ٧٤.

(٥) ينظر مبحث سيرته الشخصية (الفصل الأوّل).

٢٧٦
 &

يحيى بن سعيد الغامدي بن مخنف بن سالم الأزدي الغامدي ، أبو مخنف شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم ، وكان يسكن إلى ما يرويه ، روى عن الإمام جعفر بن محمّد عليه‌السلام وقيل : عن أبي جعفر عليه‌السلام ولم يصّح (١) ، ذكره الشيخ الطوسي بقوله : « لوط بن يحيى ... الأزدي الكوفي صاحب المغازي » (٢) ، ولم يشر إلى تجريحه أو توثيقه ، مكتفياً بالقول : « من أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام ومن أصحاب الحسن والحسين عليهما‌السلام » على ما زعم الكشي ، والصحيح أنّ أباه من أصحاب الإمام عليّ عليه‌السلام وهو لم يلقه (٣) ، وقد ظنّ العلّامة الحلّي أنّ الطوسي من القائلين بأنّ لوطاً من أصحاب الإمام عليه‌السلام فقال : « لعلّ قول الشيخ الطوسي والكشي إشارة إلى الأب ـ يعني أبوه ـ والله أعلم » (٤) ، وابن داود عن الشيخ الطوسي قال : « وعندي أنّ هذا غلط ؛ لأنّه لم يلق أمير المؤمنين عليه‌السلام وإنّما كان أبوه يحيى من أصحابه ، قيل : إنّه روى عن أبي جعفر عليه‌السلام ولم يصح » (٥) ، والسيّد الخوئي قدس‌سره أشار إلى أنّ لوطاً لم يدرك أمير المؤمنين عليه‌السلام ، مستدلاً على رواية لوط لخطبة الإمام عليّ والزهراء عليهم‌السلام بواسطتين ، وهذا يدلّ على عدم دركه إياه عليه‌السلام (٦).

بعد هذا لا نريد أن نخالف ما ذكره العلماء الأجلّاء آنفاً ، ولكن تجدر

_______________________

(١) النجاشي : رجال / ٣١٩.

(٢) الرجال / ٢٧٥.

(٣) الفهرست / ٢٠٤.

(٤) خلاصة الأقوال / ٢٣٤.

(٥) رجال / ١٥٧ ، التفرشي : نقد الرجال ٤ / ٧٥.

(٦) معجم رجال الحديث ١٥ / ١٤٢.

٢٧٧
 &

الإشارة إلى ترجمة أبيه التي أوردها ابن سعد من أنّ مخنف بن سليم بن حارث ... صحب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن ولده أبو مخنف (١) ، وهذا وهم ! لأنّ أبوه يحيى وليس مخنف ، وإذا كان الأخير أباه فإنّ لوطاً بلا شك قد أدرك أمير المؤمنين عليه‌السلام.

وذكره الشبستري في أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام ، وجعله من ثقات ومحدّثي الإمامية ، ومن العلماء وشيخ المؤرّخين ، وأشار إلى الاختلاف في سنة وفاته وجعلها تتراوح بين سنة ١٧٠ هـ ، ١٥٧ هـ ، ١٧٥ هـ (٢).

تجدر الإشارة إلى قوله وغيره كما سيأتي بأنّه إمامي ، وهذا لم يصرّح به كبار علماء الإمامية ، مثل : الطوسي والنجاشي وغيرهم ، وإنّما أشار إلى صحبته للإمام الصادق عليه‌السلام وإلى مؤلفاته في تاريخ الإمامية ، ولم يذكروه بأنّه إماميٌ ، أمّا ابن أبي الحديد المعتزلي فقال : « أبو مخنف من المحدّثين ، وممن يرى صحّة الإمامة بالاختيار وليس من الشيعة ، ولا معدود من رجالها » (٣).

وبعد أن عرض موقف علماء الإمامية منه ، وكان خالياً من الطعن ، فمن الحريّ التعرّف على موقف الفريق الثاني الذي انهال عليه تجريحاً لا لذنب ارتكبه ، وإنّما لأنّه شيعي حسب زعمهم.

فقد أشار الألباني إلى حديث مروي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام فوثّق كلّ رواته باستثناء لوط بن يحيى مشيراً بأنّه إخباري هالك (٤) وكفى ، من دون أن يبرز

_______________________

(١) الطبقات ٦ / ٣٥.

(٢) الفائق ٢ / ٦٢٥.

(٣) شرح نهج البلاغة ١ / ١٤٧.

(٤) إرواء الغليل ٨ / ١١٧.

٢٧٨
 &

العوامل التي جعلته يقول بضعفه.

وأشار ابن أبي حاتم إلى ضعفه ، عن يحيى بن معين قوله : أبو مخنف ليس بثقة ، وعبد الرحمن عن أبيه أنّه متروك الحديث (١) ، ونقل ابن عدي عن ابن معين أنّه ليس بشيء ، وفي رواية ثانية عنه أنّه ليس بثقة ، وقيل : هذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه بعضهم ، فإنّ لوط بن يحيى معروف بكنيته وباسمه حدّث بأخبار المتقدّمين الصالحين من السلف ، ولا يبعد منه أن يتناولهم ، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم ، وإنّما وصفته ، لا يستغني عن ذكر حديثه ، فإنّي لا أعلم له من الأحاديث المسندة ما أذكره ، وإنّما له من الأخبار المكروه الذي لا أستحب ذكره (٢).

والذهبي فقد كان متحاملاً عليه جدّاً ، فوصفه بأنّه أخباري تالف لا يوثق به ، تركه أبو حاتم ، وضعّفه الدارقطني (٣) ، وروى عن طائفة من المجهولين (٤) ، ومن المحتمل أنّ سليمان بن راشد أحد المجهولين الذين نقل عنهم ، فقد بحثنا عنه ولم نجده.

أمّا الثقفي فقد أورد الرواية نفسها التي وردت عند البلاذري مع شيء بسيط من الاختلاف ، منها : بدلاً من أبناء الطلقاء ذكر أبناء الشائنين ، وأضاف على قصّة إغارة الضحاك قوله : « فاحتمل من أموالهم ما شاء ثمّ انكفأ راجعاً سالماً ... ـ ثم قال ـ : وقد توهّمت حين بلغني ذلك أنّ شيعتنا وأنصارك خذلوك ،

_______________________

(١) الجرح والتعديل ٧ / ١١٧.

(٢) الكامل ٦ / ٩٢.

(٣) ميزان الاعتدال ٣ / ٤١٩.

(٤) الذهبي : سير أعلام النبلاء ٧ / ٣٠١.

٢٧٩
 &

فاكتب إليّ يا بن أمّ برأيك ... فوالله ما أحبّ أن أبقى في الدنيا بعدك فواقاً وأقسم بالأعزّ الأجلّ إنّ عيشاً نعيشه بعدك في الحياة لغير هنيء ولا مريء ولا نجيع ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته » (١).

وردّ عليه أمير المؤمنين عليه‌السلام بقوله : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عقيل بن أبي طالب : سلام عليك ، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو ، أمّا بعد كلأنا الله وإيّاك كلاءة من يخشاه بالغيب إنّه حميد مجيد ، فقد وصل إليّ كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي (٢) تذكر فيه أنّك لقيت عبد الله بن سعيد بن أبي سرح مقبلاً من قديد في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء متوجّهين إلى المغرب ، وأنّ ابن أبي سرح طالما كاد الله ورسوله وكتابه وصد عن سبيله وبغا عوجاً ، فدع ابن أبي سرح ودع عنك قريشاً ، وخلّهم وتركاضهم في الضلال ، وتجوالهم في الشقاق ، إلّا وإن العرب قد اجتمعت على حرب أخيك اليوم اجتماعها على حرب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل اليوم ، فأصبحوا قد جهلوا حقّه وجحدوا فضله ، وبادروه العداوة ونصبوا له الحرب ، وجهدوا عليه كلّ الجهد ، وجرّوا عليه جيش الأحزاب ، اللّهمّ فأجز قريشاً عنّي الجوازي فقد قطعت رحمي ، وتظاهرت عليَّ ، ودفعتني عن حقّي ، وسلبتني سلطان ابن أمّي ، وسلّمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسابقتي في الإسلام ، إلّا أن يدّعى مدّع ما لا أعرفه ولا أظن الله يعرفه ، والحمد لله على كلّ حال.

_______________________

(١) الغارات ٢ / ٤٢٩ ، علي خان : الدرجات الرفيعة / ١٥٥.

(٢) قدم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسلّم عليه وسأله عن اسمه فقال له اسمه أبو مغوية بن عبد اللات والعزى ، فسمّاه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبو راشد. (ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٥ / ٩٢ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ٥ / ١٩١ ، ابن حجر : الإصابة ٤ / ٢٧٨).

٢٨٠