عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

من هذه الأزمة وذو الأرحام أحقّ بالرفد وأولى بحمل الكَل في ساعة الجهد ، فانطلق بنا إليه لنعينه على ما هو فيه ، فلنحمل عنه بعض أثقاله ونخفف عنه من عياله يأخذ كلّ واحد منّا وأحداً من بنيه ليسهل ذلك عليه بعض ما ينوء فيه ، فقال العبّاس : نِعمَ ما رأيت والصواب فيما أتيت ، هذا والله الفضل الكريم والوصل الرحيم ، فلقيا أبا طالب فصبّراه ولفضل آبائه ذكّراه ... فأخذ العبّاس جعفر وأخذ حمزة طالباً وأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً عليه‌السلام ... » (١).

وفي رواية أخرى أنّ عقيلاً كان من حصّة العبّاس (٢).

وقد دحضت هذه الروايات وثبت عدم صحّتها بحجج وبراهين قويّة ، وكانت النتيجة أنّه لم تكن هناك أزمة نهائياً ، ولم يكن هناك تقسيم بين أولاد أبي طالب ، وإنّما أولاده نشأوا وتربّوا في بيته ، وما قيل هو افتراءات على سيّدنا أبي طالب (٣).

وقيل : إنّ أبا طالب كان يحبّ عقيلاً حبّاً شديداً لقوله : « إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما ».

وللردّ على ذلك نقول :

من القائل إنّ أبا طالب يحبّ عقيلاً أكثر من بقية أولاده ؟ ولماذا ؟ أليس التأكيد عليه لغاية وضعها الوضّاعون بقصد التوصّل إلى هدف معيّن ؟! واختلقوا حديثاً عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفيد حبّ أبي طالب عقيلا !

_______________________

(١) الحجّة / ٣٤.

(٢) القاضي نعمان : شرح الأخبار ١ / ١٨٨.

(٣) للتفاصيل يراجع المحمداوي : أبو طالب / ٥١.

٢١
 &

وهذا الحديث روي عن طريقين :

الأوّل : رواه الصدوق عن ابن عبّاس قوله : « قال عليّ عليه‌السلام لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا رسول الله إنّك لتحبّ عقيلاً قال : (أي والله إنّي لأحبّه حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالب له ، وأنّ ولده لمقتول في محبّة ولدك) » (١).

الطريق الثاني : ورد عن ابن سعد عن أبي إسحاق قوله : « إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعقيل : (إنّي أحبّك حبّين حبّاً لقرابتك منّي وحبّاً لما كنت أعلم من حبّ عمّي إيّاك) » (٢).

ولكن من غير المعقول أن يميّز أبو طالب بالحبّ بين أولاده ويفاضل بينهم ، وبهذا تحوم الشكوك حول صحّة صدور الحديث عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! ولربما وضع ليتمم ما خطط إليه بعضهم في تأكيد رواية حبّ أبي طالب لابنه عقيل ، وهل يصح أن يفضّل أبو طالب عقيلاً وهو الأكبر سناً على من هو أصغر منه كجعفر أو عليّ عليه‌السلام الذي هو أصغر أولاده ، والصغير غالباً أكثر تعلّقاً بوالديه والعكس صحيح ؟!

وعن سند الحديث الذي رواه الصدوق فقد ضعّفه السيّد الخوئي قدس‌سره (٣).

أمّا عن سند الطريق الثاني فقد رواه ابن سعد ، وهذا يكفيه أنّه من تلامذة الواقدي ، فضلاً عن ذلك أنّه روى مناكير ليس لها من الصحّة شيء ، وادّعى أنّه روى الحديث عن الفضل بن دكين ، واسمه عمرو بن حمّاد القرشي التيمي

_______________________

(١) الأمالي ١ / ١٢٩.

(٢) الطبقات ٤ / ٤٤ ، الطبراني : المعجم الكبير ١٧ / ١٩١ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ٥٧٦ ، السهيلي : الروض٢ / ٣٥٣.

(٣) معجم رجال الحديث ١٢ / ١٧٥.

٢٢
 &

ت ٢١٩ هـ ، أبو نعيم الملائي (١) ولقّب بالأحول (٢).

وهناك اختلاف في مواقف علماء الجرح والتعديل منه ! ففي الوقت الذي عدّه ابن حبّان بأنّه حافظ ثبت متقن (٣) ، أشار في موضع آخر إلى أنّه لم يدرك من روى عنه (٤) ، وهذا معناه أنّه يروي المراسيل ، وهذا تجريح فيه. وقال الذهبي عنه : الحافظ الثبت الكوفي (٥) ، وفي موضع آخر ذكره بأنّه حافظ حجّةٌ إلّا أنّه يتشيّع من غير غلو ولا سب (٦).

فيا ترى هل أنّ التشيّع فيه شيء ممّا ينقص الرجال ؟! أم أنّه مأخوذ من المتابعة وشيعة الرجل أتباعه وبما أنّهم تابعوا الإمام عليّاً عليه‌السلام سمّوا بالشيعة ، وقد عاب الذهبي على الرجل لأنّه شيعي ؟

أمّا عن أصل الحديث ، فقد روي عن أبي إسحاق السبيعي وهو عمرو ابن عبد الله الهمداني الكوفي الذي انقطع فيه سلسلة السند ولم ترفع إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا ما أشار إليه الذهبي بقوله : « روي من وجوه مرسلة ... » (٧) وذكر الحديث ، وقد عدّه من الذين أفسدوا حديث أهل الكوفة ، حيث إنّه شاخ ونسي وتغيّر حفظه ، وعلى أثر ذلك اختلط فترك حديثه مع ابن عيينة

_______________________

(١) زيد بن عليّ : المسند / ١٥ ، مالك : الموطأ ١ / ٧ ، البخاري : التاريخ الكبير ٧ / ١١٨ ، التاريخ الصغير ٢ / ٣١٠ ، الطوسي : الرجال ١ / ٢٦٦.

(٢) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٧ / ٦١ ، المزّي : تهذيب الكمال ٣٢ / ١٩٦ ، ابن حجر : تقريب التهذيب ٢ / ١.

(٣) مشاهير / ٢٧٥ ، وينظر التفرشي : نقد الرجال ١ / ١٧٥.

(٤) ابن حبّان : الثقات ٧ / ٣٢.

(٥) تذكرة الحفاظ ١ / ٣٧٢.

(٦) الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٣٥.

(٧) سير أعلام النبلاء ٣ / ١٠٠.

٢٣
 &

لاختلاطه (١) ، فضلاً عن ذلك هو صنيعة بني أمية ، عاش في دولة معاوية وصرف له راتباً ، وغزا معهم ما يقارب ست أو سبع غزوات في ولاية زياد ابن أبيه ، وكان يصف أيام زياد بأنّها عرس ، والمبالغة في عدد شيوخه واضحة جدّاً ، قيل : إنّه روى عن سبعين شيخاً أو ثمانين لم يرو عنهم غيره ، وأحصيت مشيخته فكان تعدادها ما يقارب ثلاثمائة شيخ ، وقيل : أربع مائة ، وأنّه سمع من ثمانية وثلاثين صحابياً ، وأنّه يقرأ سورة البقرة في ركعة واحدة ، كما أنّه ضعف قبل وفاته بسنتين ، فما يقدر على القيام ، فإذا استتم قرأ وهو قائم ألف آية !

وعلى الرغم من هذا التهويل في ترجمته ، اتّهمه ابن حنبل بالتدليس (٢) ، وأيّده على ذلك ابن حبّان ، وذكره حسين الكرابيسي في المدلّسين ، وقال عنه الجوزجاني : كان قوم من أهل الكوفة لا تحمد مذاهبهم ـ يعني التشيّع ـ هم رؤوس محدّثي الكوفة مثل أبي إسحاق والأعمش ... أمّا أبو إسحاق فروى عن قوم لا يعرفون ولا ينتشر عنهم عند أهل العلم إلّا ما حكى أبو إسحاق عنهم ، فإذا روى تلك الأشياء عنهم كان التوقيف في ذلك عندي الصواب (٣).

كما وردت رواية عند البلاذري تشير إلى حبّ أبي طالب لعقيل نقلها عن المدائني بقوله : « كان عقيل يقول : لا يختر أحدكم ولداً فإنّي كنت أعزّ ولد أبي فصرت أخسّهم » (٤).

_______________________

(١) الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٢٧٠ ، سير أعلام النبلاء ٥ / ٣٩٢.

(٢) الذهبي : سير أعلام النبلاء ٥ / ٣٩٢ ـ ٣٩٨ ، وينظر ابن حجر : تهذيب التهذيب ٨ / ٥٦.

(٣) ابن حجر : تهذيب التهذيب ٨ / ٥٩.

(٤) أنساب الأشراف / ٧٦.

٢٤
 &

والرواية لا يعتدّ بها لضعف سندها ! فالرواية نقلها البلاذري ، وهو من ألدّ أعداء آل أبي طالب ، فقد سخّر حياته لخدمة بني العبّاس ، وكرّه سواهم من آل أبي طالب ، فقد نقل عنهم كلّ غريب ، وعذره لأنّ ظروف العصر حتمت عليه أن يفعل هكذا ؛ لأنّه جالس المتوكّل ونادمه ، وله مدائح في المأمون العبّاسي ، وسوس آخر عمره ، وشرب البلاذر (١) للحفظ ، ورابط في البيرمستان ، وفيه مات أيام المعتمد سنة ٢٧٩ هـ (٢).

وقيل : إنّ البلاذري سمع الرواية من أبي الحسن عليّ بن محمّد المدائني ت ٢٢٥ هـ (٣) مولى عبد الرحمن بن سمرة ، صاحب الأخبار ، وأقل ماله من الروايات المسندة (٤).

المدائني مذكور في كتب الرجال ، روى عن قطب الدين الراوندي ، ويروي عنه موسى بن طاووس (٥) عامي المذهب ، وله كتب كثيرة حسنة في السير ، وله كتاب مقتل الإمام الحسين عليه‌السلام ، وكتاب الخونة لأمير المؤمنين عليه‌السلام (٦) ، وقيل : إنّه ليس بالقوي (٧).

_______________________

(١) هي ثمرة شبيهة بنوى التمر ولبّه مثل لبّ الجوز ، حلو لا مضرة فيه ، وقشره متخلخل ، وفي تخلخله عسل لزج ذو رائحة ، ومن الناس يقضمه فلا يضره ، وخصوصاً مع الجوز ، جيد لفساد الذهن وجميع الأعراض الحادثة في الدماغ من البرودة والرطوبة نافع من برد العصب والاسترخاء والنسيان وذهاب الحفظ. البلاذري : أنساب الأشراف / ٧ للمحقق ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ٩ / ١٩٧ هامش (٢).

(٢) ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٦ / ٧٥ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ١٣ / ١٦٢.

(٣) ينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٦ / ٧٥.

(٤) ابن عدي : الكامل ٥ / ٢١٣.

(٥) ابن طاووس : فتح الأبواب هامش المحقق حامد الخفاف / ١٣٠.

(٦) الطوسي : الفهرست / ١٥٩ ، ينظر السمعاني : الأنساب ٣ / ٢٩٧ ، ابن داود : الرجال ٢ / ٦٢ ، العلامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٣٥٦ ، التفرشي : نقد الرجال ٥ / ١٣٩ ، الخوئي : معجم رجال الحديث ١٣ / ١٨٩.

(٧) المناوي : فيض القدير ٢ / ٤٢٤.

٢٥
 &

يظهر من كلام ابن طاووس أنّ أحدهما فقيه ، حيث أشار إلى ذلك بقوله : « وأخبرني والدي قدّس روحه عن شيخه الفقيه عليّ بن محمّد المدائني » (١) ، وفي موضع آخر وصفه بالشيخ الفقيه الكمال (٢).

_______________________

(١) ابن طاووس : إقبال الأعمال ١ / ١٩٨.

(٢) ابن طاووس : فتح الأبواب / ٨٩.

٢٦
 &

صفاته

في البدء يجب أن نشير إلى فقر المعلومات عن هذا الموضوع لنقص المادّة العلمية المتوفّرة ، فنحن لم نجد ما يشير إلى كرمه مثلاً ، حيث لم يوصف بذلك ؛ لأنّه عاش فقيراً حسبما صوّرته الروايات.

وكلّ الذي وجدناه أنّه كان يسقي الحجيج ، وهذا ما رواه ابن سعد عن عطاء ابن أبي رباح قوله : « رأيت عقيل بن أبي طالب شيخاً كبيراً بعل العرب قال وكان عليها غروب ودلاء ، قال : ورأيت رجالاً منهم بعد ما معهم مولى في الأرض يلفون أرديتهم فينزعون في القميص حتّى أنّ أسافل قميصهم لمبتلة بالماء فينزعون قبل الحج أيام منى وبعده » (١).

أمّا عن شجاعته ، فلم يرد له ذكر في المصادر في السنوات الأولى للدعوة ، وقد ورد ذكره في غزوة مؤتة وحنين وصفين ، وقد تمّ مناقشة ذلك ولم يثبت له حضور في كافّة المعارك ، لا في حروب الدعوة ، ولا الحروب التي خاضها أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فربّما كان مريضاً مقعداً ، فلم يتيسّر معرفة ذلك (٢) ، بل ورد ما يفيد جبنه وعدم شجاعته ، وهذا ما أشار إليه البلاذري عن المدائني عن بكير بن الأسود عن أبيه عن شيخ من قريش قوله : « قال رجل لعقيل بن أبي طالب : يا أبا يزيد إنّك لجبان تترك أخاك وتصير مع معاوية ؟ فقال : أجبن منّي من سفك دمه بين أخي

_______________________

(١) الطبقات ٤ / ٤٤ ، القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ٢٤١ ، الزمخشري : الفائق ٣ / ٦٣.

(٢) ينظر موقفه من حروب المسلمين (الفصل الرابع).

٢٧
 &

ومعاوية ليكون أحدهما أميراً » (١).

هذا القول إن صحّ فهو يعبّر عن موقف سياسي في اعتزال القتال ، لكنّه لم يصحّ ! لأنّ عقيل لم يترك أخيه ويذهب إلى معاوية حسب زعمهم ، فهذه أكاذيب حيك حولها محادثات دارت بين عقيل ومعاوية ، وقد نوقشت القضية ، ولم يثبت شيء ممّا ذكر حول قضية ذهابه إلى معاوية (٢).

وعن سند الرواية فهو مطعون فيه من جهة البلاذري الذي كان همّه وجلّ جهده أن يفتري على أبي طالب وأولاده ، فقد نقل عنهم كلّ غريب وشاذ ، ما لا يتصوّره عقل عاقل ، وقد وضع سند لروايته عن المدائني وهو مطعون فيه كما بيّناه.

أمّا بكير بن الأسود الذي بدوره نقل عن أبيه ، فهما مجهولان لم يجد لهما الباحث ذكراً ، والأخير هذا نقل عن شيخ من قريش ، ولم يسمّ الشيخ الذي نقل عنه ، فقريش كلّها شيوخ ، وهذه خرافات وخزعبلات لا تصدر إلّا عن أصحابها ، ممّن يروق لهم اللعب في روايات معروف زيفها ودسّها من أمثال البلاذري والواقدي وابن سعد ومن نحا منحاهم من أمثال ابن حجر والمتقي الهندي وغير هذين ، علماً أنّ الرواية أحادية الجانب انفرد بها البلاذري وحده ، الذي وصف عقيل بالجبن ، فالغريب كيف يوصف هاشمي بالجبن ، فمَن أبيه وأخيه ؟! وهم علّموا الناس كيف يكونون شجعاناً ، ولا أعلم أين البلاذري من قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لو ولد أبو طالب الناس كلّهم لكانوا

_______________________

(١) أنساب الأشراف / ٧٣.

(٢) ينظر ذهابه إلى معاوية (الفصل الخامس).

٢٨
 &

شجعاناً) (١).

ومن صفاته الاُخر هي الحكمة ، وهي الصفة التي اتّسم بها أبيه وجدّه ، فهو تربّى في كنف أبيه ، فلا يستبعد أنّه تعلّمها منه كما تعلّم منه أكثم بن صيفي ، حيث كان أبو طالب وعبد المطلب حكماء قريش (٢) ، ولهذا قيل : إنّه كان حكيماً.

وهذا ما روي عن الإمام عليّ عليه‌السلام أنّه وكّله في مجلس أبي بكر وعمر فقال : « هذا عقيل فما قضي عليه فعليّ وما قضي له فلي » ، وروي أنّه قال : « إنّ للخصومة قحماً وإنّ الشيطان يحضرها » (٣) ، وإنّ الإمام عليه‌السلام اعتزل القضاء إشفاقاً من المعصية فوكّلها لعقيل (٤).

وقد اعترض الشافعي على رواية توكيل الإمام عليّ عليه‌السلام لأخيه عقيل في الخصومات أيام عثمان وعدّها أيام عمر بن الخطاب (٥) ، وقد ذكر ابن شبة النميري بسلسلة سند عن عبد الله بن جعفر الطيّار قوله : « كان عليّ عليه‌السلام لا يحضر الخصومة ويقول : إنّ لها لحمي وإنّ الشيطان يحضرها ، وقد جعل الخصومة إلى عقيل بن أبي طالب فلمّا كبر ورقّ حوّلها إليّ ـ يعني إلى عبد الله بن جعفر الطيّار » (٦) ، وقيل : إنّ الإمام عليه‌السلام اختاره ؛ لأنّه كان ذكيّاً حاضر الجواب (٧) ! وهذا

_______________________

(١) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١ / ٧٨ ، للتفاصيل راجع المحمداوي : أبو طالب / ٨.

(٢) المحمداوي : أبو طالب / ٥٨.

(٣) السرخسي : المبسوط ٢ / ٣٦٠.

(٤) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٧ / ١٥٥.

(٥) كتاب الأم ٣ / ٢٣٧.

(٦) تاريخ المدينة ٣ / ١٠٤٢.

(٧) السرخسي : المبسوط ١٩ / ٣ ، الكاشاني : بدائع ٦ / ٢٢ ، وينظر زيد بن عليّ : المسند / ٢٩ ، البيهقي : السنن الكبرى ٦ / ٨١.

٢٩
 &

هو الصحيح ، ولهذا قد وصف بالذكاء ، ودلّ على ذلك سرعة البديهة لديه ، والقدرة على الردّ السريع والحاسم ، كما حدث معه في أثناء حواره مع معاوية إن صحّ.

ولم يكن توكيل الإمام عليه‌السلام إيّاه اعتباطاً وإنّما وكّله عن حساب ، فالمعروف عن عقيل أنّه ينطق بالحكمة والقول السديد. ومن أدلّة ذلك : قوله عندما ودّع أبا ذر رضي‌الله‌عنه حين نفاه عثمان بن عفان : « ما عسى أن نقول يا أبا ذر ، وأنت تعلم أنّا نحبّك ، وأنت تحبّنا فاتّق الله ، فإنّ التقوى نجاة ، واصبر فإنّ الصبر كرم ، واعلم أنّ استثقالك الصبر من الجزع واستبطاءك العافية من اليأس ، فدع اليأس والجزع » (١)

وروى ابن أبي شيبة ت ٢٣٥ هـ عن حسين عن عبد الملك بن أبجر قوله : « كانوا يتكلّمون ، قال : فخرج الإمام عليّ عليه‌السلام ذات مرّة ومعه عقيل ومع عقيل كبش ، فقال الإمام عليه‌السلام : يقصر أحدنا بذكره ، قال : قال عقيل : أمّا أنا وكبشي فلا » (٢).

الملاحظ على الرواية أنّها أحادية الجانب انفرد فيها ابن أبي شيبة وحده ، ولم تكن لها أصول في بقية المصادر ، ثمّ إنّ صاحبها أشار بكلمتي كانوا يتكلّمون ، ولم نعرف مَن هم الذين يتكلّمون ، فلم يذكر أسماءهم. وعن سندها رويت عن حسين ، ولا نعرف من هو ، فهناك كثير ممّن سمّوا بهذا الاسم. وعن منشأ الرواية وهو عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر ، وثّقه ابن حنبل وابن

_______________________

(١) الجوهري : السقيفة / ٧٨ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٨ / ٢٥٢ ، العاملي : وسائل الشيعة ١١ / ٣٤٦.

(٢) المصنف ٤ / ٢١٤.

٣٠
 &

معين (١) وكذلك العجلي ، وكان رجل صالح يعالج الناس بصيراً بالطب (٢) ، إذاً فهو طبيب لا محدّث ، وقيل : مستقيم الحديث (٣) عابد (٤) ، ومقابل ذلك ورد عند البخاري ما يشير إلى ذمّه ، قال ابن حميد في حديثه : الكناني (٥). وما يضعف الرواية أنّ ابن أبجر تابعي (٦) ، هذا ولم نعلم هل أنّه أدرك أمير المؤمنين عليه‌السلام حتّى ينقل عنه ، أم أنّه روى الحديث مرسلاً ؟

وروى البلاذري عن أبي الحسن المدائني عن عليّ بن مجاهد قوله : « إنّ عليّاً عليه‌السلام رأى عقيلاً يوماً ومعه تيس (٧) يقوده ، فقال له عليّ عليه‌السلام : إنّ أحد الثلاثة لأحمق ، قال : أمّا أنا وتيسي فلا » (٨).

الملاحظ على الرواية أنّ سندها مطعون فيه من جهة عليّ بن مجاهد بن مسلم القاضي الرازي الكابلي ت ١٨٢ هـ كذّاب يضع الحديث ويضع له إسناداً (٩) ، وهو متروك الحديث وليس في شيوخ أحمد أضعف منه (١٠) ، كذّبه يحيى بن الضريس ووثّقه غيره (١١) ، وقد جمع ابن حجر معظم آراء علماء

_______________________

(١) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥ / ٣٥١.

(٢) العجلي : معرفة الثقات ٢ / ١٠٢.

(٣) ابن حبّان : الثقات ٨ / ٣٧٤.

(٤) ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٦١٥.

(٥) التاريخ الكبير ٥ / ٤١٦.

(٦) النووي : شرح مسلم ٣ / ٤٤.

(٧) الذكر من الماعز إذا تجاوز السنة ، ينظر الخليل : العين ٧ / ٢٨٧ ، الجوهري : الصحاح ٣ / ٩١٠ ، الطوسي : المبسوط ١ / ١٩٩.

(٨) أنساب الأشراف / ٧٢.

(٩) المزّي : تهذيب الكمال ٢١ / ١١٨ ، الأميني : الغدير ٥ / ٢٤٥.

(١٠) العقيلي : الضعفاء ٣ / ٢٥٢ ، ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٧٠٢ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ١ / ١٤٧.

(١١) الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٤٦.

٣١
 &

الجرح والتعديل فيه فقال : « أبو داود عن أحمد كتبت عنه ما أرى به بأساً ، وقال ابن حبّان عن ابن معين : رأيته على باب هشيم ، ولم أكتب عنه شيئاً ما أرى به بأساً وكان صنّف كتاب المغازي ، وقال يحيى بن المغيرة : سمعت يحيى بن الضريس يقول : لم يسمع عليّ بن مجاهد من ابن إسحاق ... وقال : كذّاب ... » (١) ، ومن تصانيفه كتاب في أخبار بني أمية (٢) ، تركه أبو غسان بن زنج ولم يرتضه (٣) ، ويحيى بن معين لم أكتب عنه شيئاً ، ولم يرضه محمّد بن عمرو وتركه (٤) ، فضلاً عن ذلك أنّ الحادثة وقعت في حياة الإمام عليّ عليه‌السلام ومنشأ الرواية عليّ بن مجاهد توفّي سنة ١٨٢ هـ ، فمن الذي أخبره بذلك.

وفي رواية الزمخشري ت ٥٣٨ هـ ، قال : « وذكر أنّ عقيلاً أخاه مرّ عليه بعتود يقوده فقال كرّم الله وجهه : إنّ أحد الثلاثة أحمق ، فقال عقيل : أمّا أنا وعتودي فلا » ، وقيل : هذا جاء على سبيل الدعابة (٥).

أورد الزمخشري الرواية من دون سند مكتفياً بالقول وذكر ، وما نعرف ماذا يعني بهذه الكلمة !!

فهو سطر الرواية على شاكلة سابقتها التي استعملت كلمتي كانوا يتكلمون ، وقد نسوا أو تناسوا أنّ هذه رواية تاريخية صحّت أم لم تصحّ ، فالأجدر التحقّق منها قبل ذكرها ، حتّى يتجنّب الآخرون الوقوع في الخطأ ،

_______________________

(١) تهذيب التهذيب ٧ / ٣٣.

(٢) كحالة : المعجم ٧ / ١٧٥.

(٣) العقيلي : الضعفاء ٣ / ٢٥٢.

(٤) المزّي : تهذيب الكمال ٢١ / ١١٨ ، ينظر السمعاني : الأنساب ٥ / ٥ ، الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٤٦.

(٥) الفائق ٣ / ٢٠٤.

٣٢
 &

وتحاشي ألفاظ (قالوا ، ذكروا ، تكلّموا).

هذه الألفاظ وهذه الرواية المغلوطة المكذوبة التي استعملت ألفاظ (تكلّموا وذكروا) أوقعت السرخسي ت ٤٨٣ هـ في الخطأ وأصدر حكماً مهمّاً ، وذلك في معرض إشارته إلى توكيل أمير المؤمنين عليه‌السلام لأخيه عقيل في الخصومات ؛ لأنّه ذكيٌّ سريع الجواب ، ودلل على ذكائه وسرعة جوابه بالبديهية بقوله : « حكى أنّ عليّاً عليه‌السلام استقبله يوماً ومعه عنز له فقال له عليّ عليه‌السلام على سبيل الدعابة : أحد الثلاثة أحمق ، فقال عقيل رضي‌الله‌عنه : أمّا أنا وعنزي فعاقلان » (١). الملاحظ على السرخسي أنّه بدّل الكلمة مستعملاً كلمة حكى من دون أن يراجع سند الرواية أو يسندها ، وإنّما أخذها جاهزة وكأنّها قرآن ، وحقيقة لا جدال فيها.

والحال نفسها مع ابن عساكر فقد أورد رواية بقوله : « دخل عقيل على عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ومعه كبش فقال عليّ عليه‌السلام : إنّ أحد الثلاثة لأحمق ، فقال عقيل : أمّا أنا وكبشي فلا » (٢).

وخلاصة ذلك أنّ القضية لم يكن عقيل طرفاً ، فيها وإنّما استفاد وضّاع الروايات من أمرين :

الأوّل : دعابة أمير المؤمنين عليه‌السلام مع رجل ما ، حيث ذكرها ابن شهر آشوب بقوله : « وقال عليه‌السلام حين استقبله رجل مع تيس ، وقلّده عمامته : إنّ أحد الثلاثة لأحمق فقال : أمّا أنا وتيسي فلا » (٣).

_______________________

(١) السرخسي : المبسوط ١٩ / ٣ ، الكاشاني : بدائع ٦ / ٢٢.

(٢) تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٢٠.

(٣) مناقب آل أبي طالب ٢ / ٣٧٧.

٣٣
 &

والثاني : ما رواه مالك من أنّ عقيلاً كان عنده تيس يطرقه الغنم ويأخذ عليه الأجر ، وقد نوقشت هذه الرواية وفنّدت بحجج قويّة (١) ، فاستفادوا من ذلك ونسجوا قضية كبش عقيل لوصفه بالحمق.

ولم تكن هذه الرواية الوحيدة التي وصفته بالحمق ، وإنّما تبعتها رواية مفتراة أخرى هي رواية عمر بن الخطاب ، الذي أراد أن يخطب أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فطلبها من أبيها الذي ذهب بدوره إلى الصفّة فوجد العبّاس وعقيلاً والحسن فشاورهم في الأمر فغضب عقيل وقال : « يا عليّ ما تزيدك الأيام والشهور والسنون إلّا العمى في أمرك ، والله لئن فعلت ليكونن وليكونن لأشياء عددها ، ومضى يجر ثوبه ، فقال الإمام عليّ عليه‌السلام للعبّاس : ما ذلك منه نصيحة ولكن درّة عمر أحرجته إلى ما ترى ، أما والله ما ذاك رغبة فيك يا عقيل ولكن أخبرني عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : (كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي) فضحك عمر وقال : ويح عقيل سفيه أحمق » (٢).

وقد وصف عقيل أنّه أعمى حيث كبر وأضرّ آخر أيامه ، وهذا ما أكّدته بعض الروايات ، حيث فقد بصره وهو في الكوفة ، وعندما سافر إلى معاوية كان أعمى (٣) ، وأنّ العمى كما يبدو لم يكن أصابه بصورة فجائية وإنّما عيناه كانت

_______________________

(١) المدوّنة الكبرى ٤ / ٤٢٧. وللتفصيل ينظر مبحث وضعه المعاشي / الدليل الرابع (الفصل الأوّل).

(٢) الطبراني : المعجم الكبير ٣ / ٤٤.

وقيل : أم كلثوم كانت صغيرة في ذلك الوقت ، ولأهمّية الرواية فقد نوقشت في بحث مستقل ولم يثبت صحّتها ، وذلك لعدم وجود بنت لأمير المؤمنين عليه‌السلام اسمها أم كلثوم وثبت أنّها وهمّ وليس حقيقة. (وللتفصيل ينظر المحمداوي : أم كلثوم بنت أمير المؤمنين حقيقة أم وهم ؟ (بحث منشور في مجلة آداب البصرة عام ٢٠٠٨ م).

(٣) ينظر مبحث وضعه المعاشي (الفصل الأوّل) ، وكذا بداية مبحث زوجاته (الفصل الثاني).

٣٤
 &

ترمد ، وفي ذلك روايات منها ما رواه الصدوق (١).

وذكر العلوي عن تعليق أبي نصر البخاري النسابة أو تعليقة ابن دينار قال : وجدته بخطّ أحدهما أنّ عقيل بن أبي طالب كان أعور يكاد يخفى ذلك على متأمّله (٢). وهذه الرواية لم أجدها في بقية المصادر.

أمّا عن لباسه ، فلا نعرف شيئاً عن ذلك ، وكلّ الذي وجدناه أنّه أحرم في ثوبين وردائين ، فاعترض عمر على ذلك فقال له عقيل : « إنّ أحداً لا يعلّمنا بالسنّة » (٣).

وقيل : إنّه عندما خطب فاطمة بنت عتبة ارتدى ملحفة مورسة (٤) ، أي : مصبوغة بالورس ، وهو نبات أصفر كان يصبغ به الملابس ، وكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلبس الملحفة الموروسة في بيته (٥).

وقد مدح جعدة بن هبيرة المخزومي ابن أم هانئ بنت أبي طالب أخواله بقوله :

أنا من بني مخزوم إن كنت سائلاً

ومن هاشم أمي لخير قبيل

فمن ذا الذي ينوء علـيّ بخاله

وخالي عليٌّ ذو الندى وعقيل (٦)

_______________________

(١) ينظر الصدوق : علل الشرائع ١ / ٤٤ ، الطوسي : الأمالي / ٣٥١ ، الراوندي : الخرائج ١ / ١٨. وينظر مبحث علاقاته الاجتماعية.

(٢) المجدي في أنساب الطالبين / ٧ ، ابن عنبة : عمدة الطالب / ٣١.

(٣) ابن أبي شيبة : المصنف ٤ / ٢١٤ ، الكوفي : مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٣٩ ، ابن حزم : الأحكام ٤ / ٥٤.

(٤) ينظر : الكليني : الكافي ٦ / ٤٤٨ ، اليوسفي : موسوعة التاريخ الإسلامي ٢ / ٣٦٨.

(٥) ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٢٠.

علماً أنّ رواية زواج عقيل من فاطمة بنت عتبة مطعون فيها ، وقد نوقشت وتمّ تفنيدها. (وللتفصيل ينظر المحمداوي : فاطمة بنت عتبة ، زوجة عقيل / بحث غير منشور).

(٦) القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ٢٤٤ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ١ / ٢٨٥ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٠ / ٧٩ ، النووي : المجموع ١٨ / ١٥٦.

٣٥
 &

وكذلك حسان بن ثابت الذي أشار إلى ذلك بقوله :

تأوبني ليل بيثرب أعسر

وهم إذا ما نوم الناس مسهر

هم جبل الإسلام والناس حولهم

رضام إلى طود يروق ويبهر

بهاليل منهم جعفر وابن أمّه

علي ومنهم أحمد التخير

وحمزة والعبّاس منهم ومنهم

عقيل وماء العود من حيث يعصر (١)

_______________________

(١) ابن هشام : السيرة النبوية ٣ / ٨٣٧ ، القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ٢٠٩ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٥ / ٦٣.

٣٦
 &

علمه بالنسب وأيّام الناس

ورد العلم بالنسب وأيّام الناس في حديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حادثة وقعت بحضوره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فقد روي أنّه دخل يطوف فإذا جماعة قد طافوا برجل ، فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ما هذا ؟) قالوا : علّامة يا رسول الله ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (وما العلّامة ؟) قالوا : عالم بأنساب العرب ووقائعها وأيّام الجاهلية والشعر والعربية ، فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ذلك علم لا يضرّ من جهله ولا ينفع من علمه) (١).

وهذا ما ثبت فعلاً مع عقيل حيث لم ينفعه علمه بالنسب وأيّام الناس ، بحيث لم تدفع عنه أيّة تهمة من التهم التي ألصقت به ، وبقي بسببها مطعوناً في دينه ، والأكثر من كلّ ذلك قضية فقره ، فلو كان يحسن شيئاً من العلوم أو الصنائع المتعارف عليها في زمانه لسد رمقه منها وما هجر أخيه وذهب إلى معاوية كي يوفي ديونه حسب زعمهم ، لكنّه تشبّث بعلم النسب ، حيث ورد في طيّات بعض المصادر شواهد تفيد ذلك ، ومن العجب ! أنّها لم تذكره بأنّه نسّابة أسوة بابن الكلبي وغيره من النسّابين ، حيث نقل كثير من أخباره فيما يخصّ النسب.

وهذا ما أشار إليه ابن حبيب تحت (عنوان حكّام المفاخرات والمنافرات

_______________________

(١) الصدوق : الأمالي / ٣٤٠ ، معاني الأخبار ١ / ٣٢ ، ابن إدريس الحلّي : السرائر ٣ / ٦٢٦ ، العلامة الحلّي : تحرير الأحكام ١ / ٣٩.

٣٧
 &

من قريش) ناقلاً عن ابن الكلبي قوله : « كان في قريش أربعة نفر يتحاكمون إليهم في عقولهم ، ويحكمون بين الناس في المفاخرة ، وكلّ قد أدرك الإسلام ، منهم عقيل ... ومخرمة بن نوفل ... (١) ، وحويطب بن عبد العزّى (٢) ... ، وأبو الجهم ابن حذيفة بن غانم العدوي (٣) ، وكان أبغضهم إليهم عقيل بن أبي طالب ؛ لأنّ الثلاثة كانوا يعدّون محاسن الرجلين إذا تنافرا إليهم فأيّهما كان أكثر محاسن فضّلوه ، وكان عقيل يعدّ المساوئ فأيّهما كان أكثر مساوئ أخّره ، فيقول الرجلان : وددنا أنّا لم نأته ، أظهر من مساوينا ما كان خافياً عن الناس » (٤) ، وعلى أثر ذلك نال عداوة قريش وكرههم ، حيث كان يكثر من ذكر مثالب الناس (٥).

الملاحظ على الرواية أنّها ذكرت أربعة نسّابين ، وكلّهم تأخّر إسلامهم إلى فتح مكّة ! وهذا واضح من تراجمهم.

ومن نتيجة صدقه وأمانته في نقل الأنساب ، وقوله : الفاجر في فجوره والبارّ في برّه ، رماه ذوي الأحساب والأنساب السيئة بالحمق ، وهذا ما ذكره الجاحظ بقوله : « ... كان أكثرهم ذكراً لمثالب الناس ، فعادوه لذلك وقالوا فيه وحمّقوه ... حتّى ألّف بعض

_______________________

(١) ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي كان من المؤلّفة قلوبهم ، أسلم عند الفتح ، وكان عالماً بنسب قريش وأحاديثها ، له من الولد صفوان وبه يكنّى ، وقيل : كان يكنّى بأبي الأعور توفّي سنة ٥٤ هـ وله من العمر ١١٥. ينظر الحاكم : المستدرك ٣ / ٤٨٩ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ١٠ / ١٤.

(٢) ابن أبي قيس بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، من مسلمة الفتح ، مات في أواخر أيام معاوية وهو ابن ١٢٠ سنة ، ولا تحفظ له رواية عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا شيء ذكره الواقدي. ينظر ابن أبي عاصم : الآحاد ٢ / ١٣٢ ، الحاكم : المستدرك ٢ / ٤٩٢ ، النووي : شرح مسلم ٧ / ١٣٧.

(٣) اسمه عامر بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي المدني ، أسلم يوم فتح مكّة ، ومات بعد مقتل عمر بن الخطاب. ابن سعد : الطبقات ٥ / ٤٥١ ، النووي : المجموع ٤ / ٩٧ ، شرح مسلم ٤ / ٦٤.

(٤) المنمّق / ٣٨٦ ، وينظر ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٢٥٠ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٤٢٣ ، ابن حجر : الإصابة ٤ / ٤٣٩.

(٥) جعفر النقدي : الأنوار العلوية / ١٨.

٣٨
 &

الأعداء فيه الأحاديث ... » (١) ، لكن رغم ذلك بقي حكماً بين الناس يتوجّهون إليه لحلّ مشاكلهم (٢).

وروي أنّ الخليفة عمر بن الخطاب مرّ على عقيل ومخرمة وعبد الله بن السائب بن أبي حبيش (٣) وهم يتذاكرون بالأنساب فسلّم عليهم ، ثمّ جاوزهم فجلس على المنبر فكبّر عليه ، ثمّ قال : « أيّها الناس أوفوا الطحين واملكوا العجين ، وخير الطحين ملك العجين ، ولا تأكلوا البيض فإنّما البيض لقمة ، فإذا تركت كانت دجاجة ثمن درهم ، وإياكم والطعن في النسب ، اعرفوا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتأخذون به وتقطعون به ، واتركوا ما سوى ذلك ... » (٤) ، يتّضح من ذلك أنّ الخليفة أراد تنبيه عقيل بالكفّ عن ذكر الأنساب السيئة لبعض الناس ؛ لأنّه يذكر مساوئ هؤلاء ، والتي على أثرها تعرض للنفي كما سنوضّحه.

وكان الناس يأخذون أخبار النسب منه في يوم الجمعة ، حيث يطرح فراشه في المسجد ، ويتحدّث لهم في الأنساب فلا يقوم حتّى يزيل ظل جدار المسجد الذي يجلس بجانبه ، فكان أهل المدينة يقولون : « وقت الجمعة حيث يبلغ الشمس طنفسة أبي يزيد ـ أي : فراشه ـ » (٥). ولهذا قال هشام بن محمّد (٦) : إنّ

_______________________

(١) البيان والتبيين ٢ / ٣٢٤.

(٢) الزركلي : الأعلام ٥ / ٤.

(٣) ابن المطلب بن أُسد بن عبد العزّى القرشي الأسدي ابن عمّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عاتكة ، قيل : له صحبة. ابن حجر : الإصابة ٤ / ٨٨.

(٤) ابن شبة النميري : تاريخ المدينة ٣ / ٧٩٦.

(٥) ينظر مالك : الموطأ ، وقت الصلاة / ١٢ ، البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٤ ، الطبري : ذخائر العقبى / ٢٢٢.

(٦) ابن السائب أبو المنذر الكلبي ، عالم مشهور بالفضل والعلم ، عارف بالأيام ، مختصّاً بالمذهب الجعفري. (البخاري : التاريخ الكبير ٨ / ٢٠٠ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٩ / ٦٩ ، ابن حبّان : المجروحين ٣ / ٩١ ، العقيلي : الضعفاء ٤ / ٣٣٩).

٣٩
 &

أباه أخذ نسب قريش عن أبي صالح (١) الذي أخذه بدوره عن عقيل بن أبي طالب (٢).

وروى ابن عساكر أنّ محمّد بن عقيل قدم على أبيه وهو بمكّة فقال : « ما أقدمك يا بني ؟ قال : قدمت لأنّ قريش تفاخرني فأردت أن أعلم أشرف الناس قال : أنا وابن أمّي ثمّ حسبك بسعيد بن العاص » (٣).

هذا ولا نعلم هل أنّ علمه محصور بنسب قريش فقط ، أم بالأحساب والأنساب كلّها ، حيث تراوحت الآراء في ذلك ؟

فعلى سبيل المثال ما ذكره الجاحظ بقوله : « كان عقيل ناسباً عالماً بالأمهات ، بيّن اللسان سديد الجواب ... » (٤).

وقيل : « كان ... نسّابة عالماً بأنساب العرب وقريش » (٥).

وابن حجر وصفه بأنّه : « عالماً بالنسب » (٦).

وحصر بعضهم علمه بنسب قريش فقط ، وهذا ما أشار إليه البلاذري بقوله : « وكان من نسّاب قريش وعلماؤها » (٧) ، وابن سعد : « كان عقيل عالماً بنسب

_______________________

قيل : اسمه ذكوان السمان الزيات ، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة ، تابعي واسع الرواية ، مولى أم هانئ. قيل : إنّه ضعيف ، وله ثلاث أولاد. (ينظر ، المديني : سؤالات / ١١١ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ٤٥٠ ، السمعاني : الأنساب ٣ / ١٨٥).

(١) ابن النديم : الفهرست / ١٠٧.

(٢) ابن سعيد بن أحيحة بن العاص بن أمية بن عبد شمس. (ابن سعد : الطبقات ٥ / ٣).

(٣) ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢١ / ١١٧.

(٤) الجاحظ : البيان والتبيين ١ / ٣٢٢.

(٥) ابن عنبة : عمدة الطالب / ٣١.

(٦) تقريب التهذيب ١ / ٦٨٤ ، وينظر العلوي : المجدي في أنساب الطالبين / ٨.

(٧) أنساب الأشراف / ٦٩ ، وينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٨.

٤٠