عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

النووي بقوله : « وقد أعلّ قوم حديثه » (١) ، وقال عنه ابن حزم : « وأمّا خبر محمود ابن لبيد فمرسل ولا حجّة فيه » (٢) ، وفي موضع آخر قال : « وأمّا حديث محمود فمنقطع » (٣) ، وهو يروي المراسيل عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤) ، رغم الاختلاف في صحبته ، فقيل : له صحبة ، وقيل لا ، توفّي سنة ٩٦ هـ (٥) ، وقد ادّعى محمود بن لبيد أنّ عبيد بن أوس حدّثه بهذا الحديث ، في حين أنّ البغوي نفى أن تكون لعبيد رواية (٦).

وروي أنّ العبّاس كان محبوساً مع الأسرى وموثقاً ، فبات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ساهراً ، فقال له أصحابه : مالك لا تنام يا رسول الله ؟ قال : (سمعت أنين العبّاس من وثاقه) ، فقاموا إليه فأطلقوه فنام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٧).

وهذه رواية عبّاسية مقروءة من راويها ابن أبي الحديد ، حيث عاش في عصر بني العبّاس فمن شأنه أن يمجّد تاريخ جدّهم ، وفي الرواية اتّهام لشخص الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي وصفوه بأنّه يميل إلى عمّه الكافر من دون غيره ؟ وحاشاه أن يفعل ذلك ! لأنّ الله سبحانه وتعالى كان ينهى عن موالاة الكفّار ، فما بالك إذا كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وكل الذي يمكن قوله : كفى بنو العبّاس إساءة وجسارة لشخص النبيّ الكريم ، لكن بالمقابل كشفت الرواية عن أنّ عقيلاً لم يكن من ضمن المأسورين !! فإذا كان كذلك ، لأفصح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك ولقال : أئن

_______________________

(١) المجموع ١٧ / ١٢٣.

(٢) المحلّى ١٠ / ١٦٨.

(٣) ابن حزم : المحلّى ١١ / ٢٢٥.

(٤) ابن حبّان : الثقات ٥ / ٤٣٤ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ٣ / ٤٨٥.

(٥) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٨ / ٢٨٨.

(٦) ابن حجر : الإصابة ٤ / ٣٣٨.

(٧) المجلسي : البحار ١٩ / ٣٣٨.

٢٤١
 &

لأنين العبّاس وعقيل ، فلماذا حصر الخبر بالعبّاس ، هذا يدلّ على أنّ العبّاس وحده هو المأسور !

ورغم كلّ ما ورد من أدلّة حول براءة عقيل وعدم حضوره مع المشركين في بدر ، وضع السيّد جعفر مرتضى العاملي نفسه في دور المدافع عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنزيهه عمّا ألصق به من تهمة أنّه كان يميل إلى عمّه العبّاس ، فضرب بذلك عرض الجدار مؤيّداً الروايات القائلة بأسر عقيل ، بقوله : « وعلى كلّ حال ، فقد كان من جملة الأسرى عبّاس وعقيل ، وقد سهر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليله ، فقال له بعض أصحابه : ما يسهرك يا نبي الله ؟ قال : أنين العبّاس ، فقام رجل من القوم ، فأرخى من وثاقه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما بالي ما أسمع أنين العبّاس ؟ فقال رجل من القوم : إنّي أرخيت من وثاقه شيئاً ، فقال : فافعل ذلك بالأسرى كلّهم ، وهذه هي الرواية القريبة والمعقولة ، التي تمثّل عدل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودقّته في مراعاة الإحكام الإلهية ، وصلابته في الدين ، وهي المناسبة لمقامه الأسمى ، وما عُرفَ عنه من كونه لم تأخذه في الله لومة لائم ، لا تلك الروايات التي تمثل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متحيزاً إلى أقاربه ، وأنّه هو الذي طلب منهم أن يرخوا من وثاق العبّاس فقط ، فإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن ليرفق بأقاربه ، ويعنف بغيرهم ، والرواية التي تقول هذا لم ترد على الوجه الصحيح والكامل ، إلّا أنْ يقال : إن علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه قد خرج مكرهاً ، فكان ذنبه أخف » (١).

هذا ولا أعرف على ما استند في جعل عقيل من ضمن الأسرى ؟! علماً أنّ الرواية التي أوردها تتحدّث عن العبّاس من دون عقيل !! والحال نفسه مع ابن معصوم الذي نقل عن ابن سعد قوله : « لا خلاف أنّه كان في الأسرى » (٢).

_______________________

(١) الصحيح من سيرة النبيّ ٥ / ١٢٠.

(٢) علي خان : الدرجات الرفيعة / ٨٠.

٢٤٢
 &

وبعد أن أُسر عقيل حسب زعم ابن سعد ، سأل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن قتلى المشركين ، وهذا ما أشار إليه عن عليّ بن عيسى النوفلي عن إسحاق بن الفضل عن أشياخه قال : « قال عقيل بن أبي طالب للنبيّ عليه‌السلام : من قتلت من أشرافهم أنحن فيهم ؟ قال : فقال : أبو جهل ، فقال : الآن صفا لك الوادي ، قال : وقال له عقيل : إنّه لم يبق من أهل بيتك أحد إلّا وقد أسلم ، قال : فقل لهم فليلحقوا بي ، فلمّا أتاهم عقيل بهذه المقالة خرجوا ، وذكر أنّ العبّاس ونوفلاً وعقيلاً رجعوا إلى مكة أمروا بذلك ليقيموا ما كانوا يقيمون من أمر السقاية والرفادة والرئاسة » (١).

أكثر ما يثير الاستغراب في الرواية ، هو وصف أبي جهل وأضرابه بأنّهم أشراف !! فهؤلاء فراعنة ، فهل يصحّ أن يقال عن عبد المطلب وأبي طالب من الأشراف ، وهؤلاء المشركون منهم ؟! وقد أجاب الإمام عليّ عليه‌السلام عن هذا التساؤل فوصفهم بأنّهم فراعنة لا أشراف في معرض حديثه مع اليهودي الذي قال له : « بأنّ موسى أرسله الله إلى فرعون وأراه الآية الكبرى » ، فأجابه الإمام عليه‌السلام : (لقد كان محمّد كذلك أرسله إلى فراعنة شتّى مثل أبي جهل ...) وعدّد أسماء هؤلاء (٢). ثمّ إنّ صاحب الرواية قال : (وذكر) ولم يُشر إلى الذي ذكر وأبقى الرواية مبهمة !!

هذا عن متن الرواية ، أمّا عن سندها :

فقد أسندها محمّد بن سعد ، وقد قلنا عنه سابقاً : إنّه ما أراد للطالبيين خيراً ، فهو نقل كلّ شيء فيه غرابة عنهم ، وأخذ الرواية عن علي بن عيسى النوفلي ،

_______________________

(١) ابن سعد : الطبقات ٤ / ١٦.

(٢) الطبرسي : الاحتجاج ١ / ٢٦١.

٢٤٣
 &

فقد بحثت عنه لعلّي أجد عنه أخباراً يمكن أن توصّلني إلى نتيجة منطقية ، فكلّ الذي وجدته هو ما نقله الحاكم بقوله : « لمّا أسر نوفل بن الحارث ببدر ، قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفد نفسك يا نوفل ، قال : مالي شيء أفدي به يا رسول الله ، قال : أفد نفسك برماحك التي بجدة ، قال : والله ما علم أحد أنّ لي بجدة رماحاً بعد الله غيري ، أشهد أنّك رسول الله ، ففدى نفسه ، وكانت ألف رمح ، وآخى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينه وبين العبّاس ، وكانا شريكين في الجاهلية » (١). وقد روى عن أبيه عن عمّه إسحاق بن عبد الله عن عبد الله بن الحارث قال : « فدى العبّاس نفسه وابن أخيه عقيلاً بثمانين أوقية ذهب ، وقيل ألف دينار » (٢) وكذلك نقل عن أبان بن عثمان (٣).

هذه كلّ الأخبار التي وجدناها عنه ، ولم نجد غيرها ، علماً أنّ ابن سعد هو الوحيد الذي نقل عنه ، ولم نجد أحداً نقل عنه غيره ، وأنّه لم يرد إلّا في هذه المواضع التي ذكرناها ، وبقى مجهول لدينا ، فلم نعرف ميلاده ، ولا حتّى وفاته ، ولم يطرأ له ذكر في كتب الرجال.

وما ينطبق على النوفلي ينطبق على إسحاق بن الفضل ، فالأمر مختلف حوله ، فقد أورد الشبستري اثنين بهذا الاسم : الأوّل إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي المدني ، والثاني إسحاق بن الفضل بن يعقوب بن سعد ، وقيل : سعيد بن نوفل بن الحارث بن المطلب بن هاشم الهاشمي القرشي ، وقيل : اسمه إسحاق بن الفضل بن يعقوب بن فضل بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن

_______________________

(١) الحاكم : المستدرك ٣ / ٢٤٦.

(٢) ابن سعد : الطبقات ٤ / ١٤.

(٣) ابن سعد : الطبقات ٤ / ٤٣.

٢٤٤
 &

الحارث بن عبد المطلب ، محدّث روى عن أحد الإمامين الباقر أو الكاظم عليهما‌السلام روى عنه عمر بن أذينة (١) ، وذكره البخاري بقوله : « إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي سمع مغيرة بن عطية عن أبي الزبير عن جابر رضي‌الله‌عنه » (٢).

أمّا البروجردي فقد ترجم له بأنّه إسحاق بن الفضل بن يعقوب بن عبد الله ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، روى عن أبي جعفر ، وأبي عبد الله ، في أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام (٣).

هذا كلّ الذي وجدناه حول سند الرواية ، وأكثر ما يضعّفها أنّ النوفلي نقل عن أشياخه ، ولم يذكرهم ، ولا نعرف من هم أشياخه ، ولا يسمّيهم صاحب الرواية.

وفي رواية أخرى لم يكن عقيل هو السائل ، وإنّما النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي سأله قال لعقيل : « قتل أبو جهل ، فقال : الآن قد صفا لك الوادي ... وقال له عقيل : إنّه لم يبق من أهل بيتك أحد إلّا وقد أسلم قال : فقل لهم فليلحقوا بي فلمّا أتاهم عقيل بهذه المقالة خرجوا وذكر أنّ العبّاس ونوفلاً وعقيلاً رجعوا إلى مكة » (٤).

وقيل : إنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا علم بأسر عقيل انتهى إليه فقال له : « يا أبا يزيد قتل أبو جهل ، فقال : إذا لا تنازعون في تهامة ، فقال : إن كنتم أثخنتم القوم فإلّا فاركبوا أكتافهم ، فتبسم رسول الله من قوله » (٥).

_______________________

(١) الفائق ١ / ١٤٤.

(٢) التاريخ الكبير ١ / ٣٩٩ ، ينظر الدارمي : سنن ١ / ٣٢ ، البروجردي : طرائف ٢ / ٨ ، الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ٨٧.

(٣) طرائف ٢ / ٨ ، الأبطحي : تهذيب ٢ / ١٥١.

(٤) ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٣.

(٥) الكليني : الكافي ٨ / ٢٠٢ ، القمي : تفسير ١ / ٢٩٦ ، الفيض الكاشاني : التفسير الصافي ٢ / ٢٨٥ ، الحويزي : نور الثقلين ٢ / ١٣٥ ، ٢ / ١٦٨ ، الطباطبائي : الميزان ٩ / ١٤٠.

٢٤٥
 &

وفي رواية القاضي نعمان : عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : (فلمّا انهزم القوم ، وقتل من قتل ، وأسر من أسر منهم نظرت فإذا عقيل في الأسرى ... فصاح بي : يا عليّ يا ابن أم ، أما والله لقد رأيت مكاني ، ولكنك عمداً تصدّ عنّي ، قال عليّ عليه‌السلام : فلم أجبه بشيء وأتيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : يا رسول الله هل لك في أبي يزيد مشدودة يده ... فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : انطلق بنا إليه فمضينا نمشي نحوه ، فلمّا رآنا قال : يا رسول الله إن كنتم قتلتم أبا جهل فقد ظفرتم ، وإلّا فأدركوه ما دام القوم بحدثان فرحتهم فقال : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل قتله الله يا عقيل) (١).

وفي رواية عن عبد الله بن مسعود قال : « دفعت يوم بدر إلى أبي جهل وقد أقعد فأخذت سيفه فضربت به رأسه ، فقال : رويعتا بمكة فضربته بسيفه حتّى برد ، ثمّ أتيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : يا رسول الله قتلت أبا جهل ، فقال عقيل وهو أسير عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كذبت ما قتلته ، قال : بل أنت الكذّاب الآثم يا عدو الله قد والله قتلته ، قال : فما علامته ؟ قال : بفخذه حلقة كحلقة الحجل » (٢).

بعد عرض ذلك ، لم يتبيّن من السائل ومن المسؤول ! وهذا إن دلّ على شيء ، إنمّا يدلّ على براءة عقيل من الأسر.

كيفية تعامل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع الأسرى

مثلما اختلفت الروايات في كيفية خروج عقيل للمعركة ، والاختلاف في إسلامه ، نجدها مختلفة في الآلية التي يجب أن يتّبعها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التعامل مع الأسرى من بني هاشم ، فإذا صحّت وصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المشار إليها سابقاً ، فهذا يتعارض مع الروايات القائلة بأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اشترط عليهم أن يدفعوا فدية الأسر ،

_______________________

(١) شرح الأخبار ٣ / ٢٣٩ ، وينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٣.

(٢) الهيثمي : مجمع الزوائد ٦ / ٧٩.

٢٤٦
 &

وفي ذلك روايات ، منها :

١ ـ رواية أحمد بن حنبل ، قال : « فلمّا كان يومئذ والتقوا فهزم الله المشركين ، فقتل منهم سبعون رجلاً وأُسر منهم سبعون رجلاً ، فاستشار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر وعليّاً وعمر ، فقال أبو بكر : يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، فأنا أرى أن تأخذ منهم الفداء ، فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفّار ، وعسى الله عزّ وجل أن يهديهم فيكونون لنا عضداً ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما ترى يا بن الخطاب ؟ فقال : قلت : والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكّني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه ، وتمكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه ، حتّى يعلم الله أنّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين هؤلاء صناديدهم وأئمّتهم وقادتهم ، فهوى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، فأخذ منهم الفداء ، فلمّا كان من الغد قال عمر : غدوت إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر وإذا هما يبكيان ، فقلت : يا رسول الله أخبرني ما يبكيك أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاءً بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الذي عرض عليّ أصحابك من الفداء ولقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة ، وأنزل الله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ـ إلى قوله ـ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ) (١) من الفداء ثمّ أحل لهم الغنائم ، فلمّا كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء ، فقتل منهم سبعون وفرّ أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكسرت رباعيته وهشّمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه ، فأنزل الله : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا ـ إلى قوله ـ إِنَّ اللَّـهَ

_______________________

(١) الأنفال / ٦٧ ـ ٦٨.

٢٤٧
 &

عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١) ».

وقد جرحت الرواية متناً وسنداً وثبت عدم صحّتها (٢).

٢ ـ روي أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كره أن يأخذ الفدية من الأسرى في معركة بدر ، حتّى رأى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه ، فقال : « يا رسول الله هذا أوّل حرب لقينا المشركين والإثخان في القتل أحبّ إليّ من استيفاء الرجال ، وقال عمر : يا رسول الله ! كذّبوك وأخرجوك فقدّمهم وأضرب أعناقهم ، ومكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه ، ومكّني من فلان أضرب عنقه ، فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر ! وقال أبو بكر : أهلك وقومك استأن بهم واستبقهم وخذ منهم الفدية ، فيكون لنا قوّة على الكفّار ... فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لو نزل عذاب من السماء ما نجا منكم غير عمر وسعد بن معاذ) (٣).

٣ ـ في رواية أخرى : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر الإمام عليّ عليه‌السلام أن يقتل النضر بن حارث بن كلدة (٤) ، وعقبة بن أبي معيط (٥) ، فخافت الأنصار أن يقتل الأسرى كلّهم فقاموا إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا : يا رسول الله قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين وهم قومك وأساراك ، هبهم لنا يا رسول الله ، وخذ منهم الفداء ، وأطلقهم ، فأنزل الله قوله : [ما كان النبيّ أن يكون ...] فأطلق لهم أن يأخذوا الفداء ويطلقهم ، وشرط أنّه يقتل منهم في عام قادم بعدد من يأخذوا منهم الفداء ، فرضوا منه

_______________________

(١) آل عمران / ١٦٥.

(٢) ينظر مبحث معركة بدر (الفصل الرابع).

(٣) الطبري : تفسير ٤ / ٤٥٩ ، الطباطبائي : الميزان ٩ / ١٣٩.

(٤) ابن علقمة حامل لواء المشركين في بدر قتله أمير المؤمنين عليه‌السلام في بدر. ابن سعد : الطبقات ٢ / ١٥ ، ٤ / ١٢٢ ، ٥ / ٨٤٤.

(٥) واسم أبي معيط إبان بن أبي عمرو ، واسم أبي عمرو ذكوان بن أمية. (ابن خياط : طبقات / ٤٠).

٢٤٨
 &

بذلك (١).

٤ ـ في رواية ابن مسعود : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما جيء بالأسرى استشار أصحابه ، فقال : عمر كذا ، وقال : أبو بكر كذا ، أمّا عبد الله بن رواحة (٢) فقال : « يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه ثمّ أضرم عليهم ناراً ، فقال له العبّاس : قطعت رحمك ، فسكت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يجبهم ، ثمّ دخل ، فاختلف أمر الناس فافترقوا ... ثمّ خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : (إنّ الله ليلين قلوب رجال حتّى تكون ألين من اللبن ، ويشدد قلوب رجال حتّى تكون أشدّ من الحجارة ، وإنّ مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال : (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (٣) ، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال : (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٤) ، وإنّ مثلك يا عمر مثل نوح (٥) قال : (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) (٦).

٥ ـ روي أنّه لمّا قتل المشركون يوم بدر أسر منهم سبعون أسيراً ، فاستشار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم أبا بكر وعمر ، فقال أبا بكر : يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، وأرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على المشركين ، وعسى أن يهديهم الله بعد اليوم فيكونوا لنا عذراً ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما تقول أنت يا عمر ؟ قال : أرى أن تمكّنني من فلان ـ قريب لعمر ـ

_______________________

(١) القمي : تفسير ١ / ٢٦٩.

(٢) ابن ثعلبة بن امرئ القيس الأمير الشهيد أبو عمرو الأنصاري الخزرجي. (الذهبي : سير أعلام النبلاء ١ / ٣٢).

(٣) إبراهيم / ٣٦.

(٤) المائدة / ١١٨.

(٥) ابن شبة النميري : تاريخ المدينة ٣ / ٨٦١.

(٦) نوح / ٢٦.

٢٤٩
 &

فأضرب عنقه ، وتمكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه ... حتّى يعلم الله أنّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين (١).

وعلى هذه الروايات بعض الإشكالات ، منها : أنّ ما نسب من استشارة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي بكر وعمر رضي‌الله‌عنه يقصد منه الإساءة والجسارة على مقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبهذا نسبوا إليه عدم الخبرة العسكرية إلى الحدّ الذي اتّهموه بعدم مقدرته على التعامل مع الأسرى إلّا بمشورة هؤلاء النفر !

ثمّ ما معنى حصر المشورة بهم من دون غيرهم من الصحابة وقادة الجيش أمثال حمزة وعليّ عليه‌السلام وهم رأس الحربة ، وأداته العسكرية ، علماً أنّهم في مقدّمة الجيش دائماً يقدّمهم في كلّ معركة فلماذا لم يعرض عليهم الأمر ؟!

وإذا صحّت وصية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بني عبد المطلب ، فما هذه الجرأة من جانب عمر بن الخطاب عندما أراد أن يخالف وصية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتلهم !! فإذا كانوا كفّاراً فلماذا أوصى بحمايتهم والحفاظ عليهم ، علماً أنّ الله قد نهاه عن ذلك في قوله : (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) (٢) !

ـ أشارت بعض الروايات إلى عمر بن الخطاب وكأنّه سفاك متعطش لقتل الأسرى ، إذ كان يحمل حربة يوم بدر لايؤتى بأسير إلّا وجرحه بها ! فلمّا أُسر العبّاس بن عبد المطلب وعقيل طلبا من آسريهما أن لا يذهبا بهما إلى ابن الخطاب خشية أن يقتلهما (٣) ، فالمعروف عنه أنّه صحابي والصحابي يجب أن يتخلّق بأخلاق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو نهى عن التعرّض للأسرى.

_______________________

(١) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٢ / ٦٠ ، المجلسي : البحار ١٩ / ٢٤٠.

(٢) الكهف / ٥١.

(٣) ابن أبي شيبة : المصنف ٨ / ٤٧٨.

٢٥٠
 &

الأجدر بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يستشير الله سبحانه وتعالى ، فاتّصاله مباشر معه ، وجبرائيل الواسطة بينهما ويعمل بقدرة الله سبحانه ، وإنّ باستطاعته أن يسلك أيّ سبيل بقدرة الله ، من دون مشورة أيّ أحد ، فبقي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متحيّراً حتّى عمل بمشورة أبي بكر !

وقد تبدو الرواية متناقضة ، ففي رواية سابقة أنّ عمر أراد أن يضرب أبا حذيفة ؛ لأنّه أراد التعرّض إلى بني هاشم ، وفي هذه الرواية يشير بقتلهم !

ويظهر أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استحسن مشورة سعد وعمر بقتل الأسرى ، وهذا واضح من قوله : « فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو نزل عذاب من السماء ما نجا منكم غير عمر وسعد بن معاذ » لكنه جامل أبا بكر وعمل برأيه !

وتجدر الإشارة إلى أنّ الأسرى تعدادهم سبعون أسيراً ، وقد أهملوا بالكامل ولم يرد لهم ذكر ، والغريب سلّط الضوء على العبّاس ؛ لأنّه عمّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعقيل لأنّه أخو أمير المؤمنين عليه‌السلام ، علماً أنّه لم يثبت بالدليل أنّ عقيلاً كان من ضمن الأسرى !

أمّا الأشخاص الذين أدلوا بآرائهم اتّجاه الأسرى فلم يسجّل لهم دور في المعركة باستثناء أمير المؤمنين عليه‌السلام فقد قتل سبعة وعشرين ولم يأسر أحداً (١).

والملاحظ على الروايات أنّها عبارة عن اتّهامات موجّهة إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكأنّه غير عارف بكيفية التصرّف بالأسرى ! فيشير عليه فلان بعمل كذا ، وفلان نفعل كذا ، حتّى صوّروه وكأنّه ألعوبة في أيدي هؤلاء ! وليت الأمر يقف عند

_______________________

(١) القمي : تفسير ١ / ٢٦٩.

٢٥١
 &

هذا الحد ، بل تعدّاه إلى أن يشير عليه الحباب بن المنذر بتغيير موقع المعركة ، وبهذا نسب إليه عدم الخبرة العسكرية ! هذه الأمور برمّتها هي اتّهامات لا غير وليس لها من الصحّة شيء ، فالأمر يخصّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) (١).

والمثير في الأمر أنّ بعض الروايات صوّرت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكأنّه غير عارف بشيء ، وليس باستطاعته أن ينشر الإسلام لولا مستشاريه الاثنين عمر وأبا بكر ، فلا يقطع أمراً إلّا بمشاورتهما ! ومن الأمثلة على ذلك قضية التصرّف في الأسرى ، وقضية دعائه الوارد في هذه الرواية ، وغيرها الكثير الكثير.

وممّا يلفت النظر في هذه الرواية أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استشار عمر وأبا بكر وعلياً عليه‌السلام ، فسمع آراءهما ولم يسمع من الإمام عليّ عليه‌السلام ! فيا ترى ماذا كان رأيه ؟ فقد أغفلته الرواية ! علماً بأنّه عليه‌السلام وعمّه حمزة هم قادة المعركة ، والتاريخ سجّل دورهما في المعركة ، فالأجدر أن يأخذ رأيهما من دون الشيخين الذي لم يذكر لهما أيّ دور في المعركة.

ويلحظ الدسّ في الرواية بما أنّ الأمر مرتبط بالإمام عليّ عليه‌السلام أصرّ صاحبها على ذكر عقيل ، وهو لم يثبت حضوره في المعركة ! في حين أنّ العبّاس بن عبد المطلب كان ثابت الوجود في المعركة ، وثبتت قضية أسره ، فقد تعامى الراوي عنه وذكر : « وتمكّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه » ، فلا يتجرّأ صاحب الرواية على ذكر العبّاس !! وهذا الأمر إنْ دلّ على شيء إنمّا يدلّ على أنّها من بدع بني العبّاس ، لينالوا من الإمام عليّ عليه‌السلام على اعتبار أنّ أخاه حضر

_______________________

(١) النجم / ٣ ـ ٤.

٢٥٢
 &

المعركة مشركاً ، وقد أُسقط اسم العبّاس عمداً بقصد التضليل على الناس لعلّ المراد بأخ حمزة أن يكون أبو لهب مثلاً !

وقد علّق السيّد جعفر مرتضى عن موقف عمر عندما أراد قتل الأسرى بقوله : « إنّ عمر بن الخطاب يطلب من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يضرب عليّ عليه‌السلام عنق أخيه عقيل ، ويضرب حمزة عنق أخيه العبّاس ، ويعتبرهم أئمّة الكفر ، وهو طلب غريب حقّاً ، كما أنّ سكوته عن فراعنة وزعماء قريش أغرب وأعجب !! ولاسيّما وهو يسمع الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمر الجيش ـ وعمر مِن ومع الجيش ـ بعدم قتل بني هاشم ، وهؤلاء بالذات ، وبعض من غيرهم ؛ لأنّهم خرجوا مكرهين ، هذا عدا عن أنّه كان يعرف دفاعهم عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مكّة ودخولهم معه الشعب ، وتحمّلهم المشاق والمتاعب في سبيله.

وقد تقدّم أنّه لم يشهد معركة بدر أحد من بني عدي ، وهم قبيلة عمر ، إذن فلسوف تكون الضربة في جلد غيره ! وماذا يهم لو قتل الناس كلّهم ما دام هذا الرجل على قومه وأهله.

ومن هنا نعرف أنّ ما أضافه بعضهم ـ حين ذكره لقول عمر : ومكّنى من فلان ، فأضاف كلمة قريب لعمر ، كما يظهر من مراجعة الروايات التي تذكر كلام ـ عمر هذا ـ لا يصحّ ، إذ لم يكن من أقارب عمر في بدر ! إلّا إذا كانت قرابة من ناحية النساء ، وهي ليست بذات أهمية لديهم آنئذٍ لو كانت.

وعلى كلّ حال ، فقد سبقنا العبّاس بن عبد المطلب ... إلى إساءة الظن بعمر من هذه الناحية ، وذلك حين فتح مكة حتّى أنّه ليقول له ـ حين أكثر في شأن أبي سفيان وأصرّ على قتله ـ : لا ، مهلاً يا عمر ، أما والله أنْ لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك عرفت أنّه من رجال بني عبد مناف !

٢٥٣
 &

ومنعهم حتّى من التفكير في الدخول في دين يكلّفهم بمباشرة قتل إخوانهم ، بل وقد يدفع ضعفاء النفوس من المسلمين إلى الارتداد ، إذا رأوا أنفسهم مكلّفين بقتل أحبائهم ... مع إمكان أن يقوم غيرهم بهذا الأمر » (١).

ومن الجدير ذكره ، نحن لا نتّفق معه حول رأيه الوارد سلفاً ، بخصوص موقف العبّاس من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودفاعه عنه ، فهذا لا يصحّ ، وقد برهنا على عدم صحّته.

وبعد أن فُرضت عليهم الفدية ، دفعها عنهم العبّاس بن عبد المطلب ؛ لأنّ عقيل كان فقيراً ، والفهري حليف العبّاس ، فلذلك أُلزم أن يدفع الفدية عنهما. وفي ذلك روايات ، منها :

ـ رواية البخاري ، عن عليّ بن عبد الله عن إسماعيل بن إبراهيم عن روح ابن القاسم عن محمّد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله رضي‌الله‌عنه قال : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لي : لو قد جاءنا مال البحرين ، قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا. فلمّا قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجاء مال البحرين قال أبو بكر : من كانت له عند رسول الله عدّة فليأتيني ، فأتيته ، فقلت : إنّ رسول الله قد كان قال لي : لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ، فقال لي : أحثه فحثوت حثية ، فقال لي : عدها ، فعددتها فإذا هي خمسمائة فأعطاني ألفا وخمسمائة ».

ـ وقال إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال : « أُتي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمال من البحرين ، فقال : انثروه في المسجد ، فكان أكثر مال أُتي به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ جاءه العبّاس فقال : يا رسول أعطني إنّي فاديت نفسي

_______________________

(١) الصحيح من سيرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٥ / ١١٨.

٢٥٤
 &

وفاديت عقيلاً ، قال : خذ ، فحثا في ثوبه ، ثمّ ذهب يقلّه فلم يستطع ، فقال : أؤمر بعضهم يرفعه اليّ ، قال : لا ، قال : فارفعه أنت عليّ ، قال : لا ، فنثر منه ، ثمّ ذهب يقلّه فلم يرفعه ، فقال : أؤمر بعضهم يرفعه عليّ ، قال : لا ، قال : فارفعه أنت عليّ ، قال : لا ، فنثر منه ثمّ احتمله على كاهله ثمّ انطلق ، فما زال يتبعه بصره حتّى خفى علينا عجباً من حرصه ، فما قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثمّ منها درهم » (١).

وفي موضع ثان ذكر البخاري الشقّ الثاني من الحديث فقط ، أي : ما رواه عن إبراهيم بن طهمان عن أنس (٢) وترك الشقّ الأوّل منه.

وما يسجّل على ما ذكره البخاري في سند الصورتين للحديث :

ففي الأوّل دمج الحديثين في صورة واحدة ، الأولى رويت عن جابر رضي‌الله‌عنه وهو صحابي أدرك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمع حديثه ، فصحّ النقل عنه ، والصورة الثانية نقلت عن أنس وهو صحابي أيضاً ، إذاً أصل الحديث ـ على فرض صدوره عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ صحابيان ، لكن الرواية مختلفة من صورة إلى أخرى طبقاً لما أوردناه !

وفيما يخصّ رواية جابر ، صوّرته وكأنّه يطلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدين ، فقضاه عنه أبو بكر بعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هذا ولا نعرف على ماذا استند في إعطاء المال له ؟! على أيّ مسوّغ شرعي أباح له أن يعطي من أموال المسلمين ؟ فإذا صحّ الحديث عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان يرجو أن تأتي أموال من البحرين ، لكن الأموال لم تأت في حينها ، وبهذا لم يكن لجابر حقّ في مطالبة أبي بكر ، الذي اعتبر نفسه المسؤول عن إيفاء ديونه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! ثمّ هل هو وريثه الشرعي ؟! فهناك من هو أحق مثل ابنته ،

_______________________

(١) الصحيح : الجزية والموادعة / ٢٩٢٩.

(٢) الصحيح : الصلاة ١ / ١٠٨.

٢٥٥
 &

وزوجها ! وعلى كلّ فإن أراد أن يعطيه حقّه فليعطه ، لكن ما معنى أن يعطيه ثلاثة أضعاف ! يا ترى ما الموجب لذلك ؟!

أمّا رواية أنس فقد نصّت على أنّ الأموال أتت في حياة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليس بعد وفاته كما في رواية جابر ، ولم يطرأ ذكر للأموال التي أعطاها أبو بكر لجابر ، في حين ذكرت رواية أنس أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نثرها في المسجد ولم يعط منها لأحد ، ثمّ ترك الأموال وذهب للصلاة وبعد فراغه منها ، وزع الأموال على من هبّ ودبّ ، حسب ما صوّرته الرواية. وهذا لا يصح إطلاقاً ! فهو يوزّع الأموال على مستحقيها ، وعندما جاء العبّاس طلب منه أن يعطيه ، فأعطاه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا يناقض رواية جابر من أنّ أبا بكر أعطى لجابر ، وهذا التناقض إن دلّ على شيء إنمّا يدلّ على ضعف الرواية !

وقد أشارت رواية أنس إلى أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد وزّع الأموال كلّها ، في حين تذكر رواية جابر أنّ أبا بكر أعطى لجابر فقط !

وقد ذكرت رواية أنس أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أعطى للعبّاس من الأموال ، وهذا يتعارض مع ما ذكره ابن إسحاق الذي تعرّض إلى أسر العبّاس من دون ذكر لعقيل في معرض حديثه عن قوله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّـهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (١) ، فكان العبّاس بن عبد المطلب يقول : « فيّ والله نزلت حين ذكرت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إسلامي وسألته أن يقاضي بالعشرين الأوقية التي أخذ منّي ، فأبى عليّ فعوّضني الله عشرين عبداً كلّهم تاجر يضرب بمالي مع ما أرجو من

_______________________

(١) الأنفال ٦٩ ـ ٧٠.

٢٥٦
 &

رحمته ومغفرته » (١). وقد علّق سهيل زكار ـ محقق سير ومغازي ابن إسحاق ـ بقوله : « يدلّ هذا على ميول عبّاسية للمؤلّف لم تكن في نسخته الأولى » (٢). إذن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعط ما أخذ منه من أموال بدر. هذا ما يخصّ متن الرواية.

ـ أحمد بن حنبل عن يزيد عن محمّد بن إسحاق عن من سمع عكرمة عن ابن عبّاس قال : « كان الذي أسر العبّاس بن عبد المطلب أبو اليسر بن عمرو ، وهو كعب ابن عمرو أحد بني سلمة ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كيف أسرته يا أبا اليسر ؟ قال : لقد أعانني عليه رجل ما رأيته بعد ولا قبل ، هيئته كذا هيئة كذا ، قال : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد أعانك عليه ملك كريم ، فقال للعبّاس : أفدِ نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن جحدم أحد بني الحارث بن فهر ، قال : فأبى ، فقال : إنّي كنت مسلماً قبل ذلك وإنّما استكرهوني ، قال : الله أعلم بشأنك إن يك ما تدّعي حقّاً فالله يجزيك بذلك ، وأمّا ظاهر أمرك فقد كان علينا فأفد نفسك ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أخذ منه عشرين أوقية ذهب ، فقال : يا رسول الله احسبها لي من فداي ، قال : لا ، ذاك شيء أعطاناه الله منك ، قال : فإنّه ليس لي مال ، قال : فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت عند أم الفضل وليس معكما أحد غيركما فقلتَ : إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا ولقثم كذا ، قال : فوالذي بعثك بالحقّ ما علم بهذا أحد من الناس غيري وغيرهما ، وإنّي لأعلم أنّك رسول الله » (٣).

والمتمعّن في الرواية يجد أنّها موضوعة لأسباب ، منها :

إنّ الذي أسر العبّاس هو أبو اليسر ، وفي رواية أخرى أسره مقرن ، وتكاد

_______________________

(١) السير والمغازي / ٣٠٧.

(٢) ابن إسحاق : السير والمغازي / مقدّمة المحقق / ١٤.

(٣) المسند ، مسند بني هاشم / ٣١٤٠ ، وينظر الطبري : تاريخ ٢ / ١٦٢.

٢٥٧
 &

تجمع الروايات على أنّ أبا اليسر هو الذي أسره وابن أخيه نوفل ، فقد ثبت أسرهما في المعركة ، أمّا عقيل فلم يؤسر في المعركة ، وهذا واضح من سياق كلام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أفد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث) ، فإذا كان المقصود عقيل ونوفل ، فالأصح من حيث اللغة أن يقول : ابني أخيك ، فالحديث في سياقه يدلّ على شخص واحد ، لذلك قال : ابن أخيك ، والمراد به نوفل بن الحارث ، وقد كرر ذلك مرّتين ، أمّا عقيل فحشر اسمه حشراً في القضية ، حيث لم يثبت اسم الشخص الذي أسره ، ولا ثبت عليه دفع الفدية ، وإن كلّ ما ورد هو عبارة عن افتراءات ليس لها من الصحّة شيء.

ثمّ أين العدل والانصاف أن يأخذ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الفدية من عبّاس عن نفسه وابني أخيه وحليفه عتبة ؟

ثمّ إنّ الرواية قالت : إنّه مسلم ، وبما أنّه كذلك فلماذا الفدية ؟! وقد أنكر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على العبّاس عندما قال له : إنّي كنت مسلماً قبل ذلك وإنّما استكرهوني ، قال : (الله أعلم بشأنك إنْ يك ما تدّعي حقّاً فالله يجزيك بذلك) ، المراد من ذلك أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير عارف بأنّ العبّاس مسلم ، لكنه بالمقابل كان يعرف ما في سريرة العبّاس !! خاصّة أمواله التي أودعها في مكة عند زوجته أم الفضل ، وكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حينها في المدينة ، إذن من أعلمه بذلك ؟ تبدو القضية متناقضة ! وهذا افتراء على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إن كان يعلم الغيب فلماذا لم يعرف هل أنّ العبّاس مسلم أم لا ؟ ولماذا لم يعرف كيف يفعل مع الأسرى في بدر لولا مشورة فلان وفلان.

وخلاصة كلّ ما تقدّم : أنّ العبّاس أسلم يوم بدر ولم يسلم قبل ذلك تبعاً لهذه الرواية ولقوله : « وإنّي لأعلم أنّك رسول الله ».

٢٥٨
 &

وأضاف الطبرسي عن العبّاس بن عبد المطلب قوله : « أشهد أنّك صادق ، وأن لا إله إلّا الله ، وأنّك عبده ورسوله ، والله لم يطّلع عليه أحد إلّا الله ، ولقد دفعت إليها في سواد الليل ، ولقد كنت مرتاباً في أمرك ، فأمّا إذا أخبرتني بذلك فلا ريب ، قال العبّاس : فأبدلني الله خيراً من ذلك ، لي الآن عشرون عبداً ، إنّ أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً ، وأعطاني زمزم ، وما أحبّ أنّ لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربّي » (١).

يظهر من الرواية أنّه أسلم حينما أُسر ، أمّا قبل ذلك فلم يكن مسلماً !

ويؤيّد ذلك ما رواه الأصفهاني بقوله : « عمّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج يقاتله ببدر فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري ، فأتى به رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخذ فداءه ، فقسّمه بين المسلمين » (٢).

وقيل : أسلم قديماً وكان يكتم إسلامه.

وقيل : أسلم يوم بدر (٣).

وتجدر الإشارة بالقول إلى أنّ إسلامه وكتمه إسلامه قضية غير ناهضة ، كتبنا عنها فيما سبق.

ويؤيّد اشتراكه في بدر كافراً الإمام الصادق عليه‌السلام الذي أشار إلى هذا المعنى بقوله : (... وأبوكم ـ يعني أبو العبّاسيين ـ يبغي له الغوائل ، ويقود إليه القبائل في بدر ، وكان في أوّل رعيلها ، وصاحب خيلها ، ورجلها المطعم ... والناصب له

_______________________

(١) جوامع الجامع ٢ / ٣٩.

(٢) مقاتل الطالبيين / ٤٢ ، ينظر المجلسي : البحار ٤٤ / ٦١.

(٣) الطبري : ذخائر العقبى / ١٩١ ، الصالحي : سبل الهدى ١١ / ٨٩.

٢٥٩
 &

الحرب) (١).

وبرواية الكليني قال : (... فجيء بالعبّاس ، فقيل له : أفد نفسك وأفد ابن أخيك ، فقال : يا محمّد تتركني أسأل قريشاً في كفّي ، فقال : أعط ممّا خلفت عند أم الفضل وقلت لها : إن أصابني في وجهي هذا شيء فأنفقيه على ولدك ونفسك ، فقال : يا بن أخي من أخبرك بهذا ؟ فقال : أتاني به جبرائيل عليه‌السلام من عند الله عزّ وجلّ ، فقال : ومحلوفه ما علم بهذا أحد إلّا أنا وهي أشهد أنّك رسول الله ... فرجع الأسرى كلّهم مشركين إلّا العبّاس وعقيل ... وفيهم نزلت هذه الآية : (قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّـهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ (٢))) (٣).

_______________________

(١) ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ٢٦١ ، المجلسي : البحار ٤٧ / ١٧٦ ، النوري : مستدرك الوسائل ١٣ / ٢٠٤.

(٢) الأنفال / ٧٠.

(٣) الكافي ٨ / ٢٠٢ ، ينظر العياشي : تفسير ٢ / ٦٨ ، القمي : تفسير ١ / ٢٦٩ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٣ ، الحويزي : نور الثقلين ٢ / ١٦٨.

٢٦٠