عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

معبد عن بعض أهله عن ابن عبّاس : « أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لأصحابه يوم بدر : (إنّي عرفت أنّ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كرهاً لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم من بني هاشم فلا يقتله ، من لقي العبّاس بن عبد المطلب عمّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يقتله ، فإنّما خرج مستكرهاً) ، قال : فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة : نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العبّاس ، والله لئن لقيته لألحمنّه السيف ، قال : فبلغت مقالته الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لعمر بن الخطاب : (يا أبا حفص) ، قال عمر : والله إنّه لأوّل يوم كنّاني فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأبي حفص (أيضرب عمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسيف) ، فقال عمر : دعني لأضرب عنق أبي حذيفة بالسيف ، فوالله لقد نافق ، قال : وندم أبو حذيفة على مقالته فكان يقول والله : ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ، ولا أزال منها خائفاً إلّا أن يكفّرها الله عزّ وجلّ عنّي بالشهادة ، فقتل يوم اليمامة شهيداً » (١).

الملاحظ على الرواية ، أنّ الوصية شملت رجالاً من بني هاشم وليس بني عبد المطلب كما أشارت إليه الرواية السابقة ، وخصّت منهم العبّاس ، ولم يطرأ لعقيل ذكرٌ ، على العكس من سابقتها التي وصفته بأنّه مربوط بحبل.

أمّا عن قول أبي حذيفة ، فمن حقّه أن يعترض على قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنْ صح ، فلقد قتل أبوه وأخوه وعمّه في بدر مع المشركين وهو مع المسلمين ، ولا يقتل المشركين من بني هاشم ! علماً أنّ وصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم تقل انّهم مسلمون ، بل قالت : (رجالاً من بني هاشم وغيرهم أخرجوا كرهاً) ، فلم يثبت إسلامهم حتّى يوصي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم.

فضلاً عن ذلك لم نعرف المقصود برجالات من بني هاشم ؛ أمّا كلمة

_______________________

(١) الطبقات ٤ / ١٠.

٢٢١
 &

(غيرهم) فبقيت مبهمة وغير معروف المقصود منها ، فيا ترى من هم المنصوص عليهم ؟

أمّا عن موقف عمر عندما أراد ضرب أبي حذيفة ، هل هذه شجاعة منه ؟ أي : هل أنّه أراد أن يبرز بطولته في حضرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في دم مسلم لمجرد أنّه تفوّه بكلام ؟ وقد تكرر هذا الموقف من عمر في أكثر من مرّة ! خاصّة عندما أشار على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتل الأسرى ـ كما سنوضّحه ـ ، وفي موقف سابق أراد أن يضرب عنق رجل لم يصلّ مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهل يريد أن يجرّب سيفه ؟! فالأجدر به أن يدّخر ذلك إلى يوم فرّ أصحاب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنه في أحد وحنين ... ! ! علماً أنّ التاريخ لم يسجل لعمر أيّ موقف بطولي في ميادين الوغى ، فهاتيك سيرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اقرأها واطّلع على تاريخ الرجل ، فما هذه الشجاعة مع رجل مات فيما بعد قتيلاً في اليمامة ؟!

٣ ـ رواية ابن هشام : عن محمّد بن إسحاق قال : حدّثني العبّاس بن عبد الله ابن معبد عن بعض أهله عن ابن عبّاس : « إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لأصحابه يومئذ : (إنّي قد عرفت أنّ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله ، من لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد (١) فلا يقتله ، ومن لقي العبّاس بن عبد المطلب عمّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يقتله ، فإنّه إنمّا أُخرج مستكرهاً) قال : فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة : نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العبّاس ، والله لئن لقيته

_______________________

(١) لقد بحثت عنه فلم أجد له ترجمة وافية ، وكلّ الذي وجدته ، ولدين له أحدهما الأسود والآخر المطلب ، وقيل : هو أحد الداخلين في دار الندوة مع إبليس للنظر في أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. (ابن سعد : الطبقات ٥ / ١٧٨ ، ٢٤٤ ، الحسكاني : شواهد ١ / ٢٧٩).

٢٢٢
 &

لألحمنّه السيف ، قال : فبلغت مقالته الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لعمر بن الخطاب : (يا أبا حفص) ، قال عمر : والله إنّه لأوّل يوم كنّاني فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأبي حفص ، (أيضرب عمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسيف ؟) فقال عمر : دعني لأضرب عنق أبي حذيفة بالسيف فوالله لقد نافق ، قال : وندم أبو حذيفة على مقالته فكان يقول : والله ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذٍ ، ولا أزال منها خائفاً إلّا أن يكفّرها الله عزّ وجلّ عنّي بالشهادة ، فقتل يوم اليمامة شهيداً » (١).

الملاحظ على روايتي ابن سعد وابن هشام أنّ أصلهما واحد وفروعهما مختلفة ، فقد أشارت رواية ابن سعد إلى الحفاظ على العبّاس فقط ؛ لأنّه أخرج مستكرهاً ، في حين أشرك معه أبو البختري في رواية ابن هشام الذي أشار إلى سبب الحفاظ على روح العبّاس بسبب إكراهه على الخروج ولم يشر إلى ذلك السبب مع أبي البختري ، أي : لماذا الحفاظ عليه ؟ وفي رواية ابن هشام كان اعتراض أبي حذيفة على العبّاس فقط من دون أن يعترض على أبي البختري ، فإذا نصّت الوصية ـ إن صحّت ـ على هؤلاء الاثنين لاعترض أبو حذيفة على كليهما ؟!

ومن ذلك يتّضح أنّ الوصية ملفّقة ، فأدخل أسماءهم زوراً وبهتاناً ، ولم يرد فيها ذكر عقيل !!

وقد علّق ابن حجر على الرواية بأنّ فيها من لم يسمّ عن ابن عبّاس ، وأنّ المراد من كلمة (غيرهم) هو أبو البختري ، الذي قتله أبو اليسر ، وقيل : المجذر (٢).

_______________________

(١) السيرة النبوية ٢ / ٤٥٩ ، وينظر الطبري تاريخ ٢ / ١٥١ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٤ / ١٨٣ ، ابن كثير : البداية ٣ / ٣٤٨.

(٢) الإصابة ٥ / ٥٧٣.

٢٢٣
 &

أمّا عن سند الرواية ، فمطعون فيه من جهة ابن إسحاق ، إضافة إلى ذلك أنّها مقطوعة السند في العبّاس بن عبد الله بن معبد الذي رواها عن بعض أهله ، وكلّ الذي عرفنا عنه أنّه من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام (١) ، وذكره الطوسي في الرجال (٢) ، أي : أنّه رواها عن مجهول. وقد حاولنا معرفة موقف علماء الجرح والتعديل منه فلم نوفّق ، ولم نعثر على شيء من ذلك.

وقد أشكل ابن كثير على هذا السند (ابن إسحاق عن العبّاس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله ، عن ابن عبّاس) في رواية تخصّ إسلام أبي طالب بن عبد المطلب فقال : « وقد استدلّ بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة إلى أنّ أبا طالب مات مسلماً بقول العبّاس في هذا الحديث : يا بن أخي لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها ... والجواب عن هذا من وجوه ، أحدها : إنّ في السند مبهماً لا يعرف حاله وهو عن بعض أهله ، وهذا إبهام في الاسم والحال ، ومثله يتوقّف فيه لو انفرد » (٣). لكنه لم يجانب الحق والحقيقة ولم يعترض على السند نفسه ، الذي ورد في وصية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المراد منها الحفاظ على روح العبّاس (٤) ! وقد كشف عن نفسه وعن بغضه لأمير المؤمنين عليه‌السلام عندما ذهب إلى تكفير أبيه ، ومحبّته وولائه لآل العبّاس عندما حاول تبرئة جدّهم العبّاس من ذلك.

٤ ـ رواية ابن أبي عاصم : وقد اختصر الوصية بكلام موجز لم يذكر فيها التفاصيل السالفة ، ونصّت بالحفاظ على العبّاس بن عبد المطلب من دون عقيل الذي لم يطرأ اسمه فيها ! فقد نقل رواية ابن إسحاق عن العبّاس بن معبد عن

_______________________

(١) التفرشي : نقد الرجال ٣ / ٢١ ، الشبستري : الفائق ٢ / ١٨٩.

(٢) الطوسي : الرجال / ٢٤٨.

(٣) السيرة النبوية ٢ / ١٢٣.

(٤) ابن كثير : البداية ٣ / ٣٤٨ ، تفسير ٢ / ٣٣٩.

٢٢٤
 &

بعض أهله عن ابن عبّاس قوله : « إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال يوم بدر : (من لقي العبّاس فليكفّ عنه فإنّه خرج مستكرهاً) » (١).

خلاصة كلّ ذلك ، أنّ عقيلاً لم يكن له أيّ ذكر في الوصية ، وهذا الأمر إن دلّ على شيء إنمّا يدلّ على أنّ الوصية من موضوعات بني العبّاس ، وأنّ عقيلاً غير موجود في المعركة مع المشركين.

فأجاب السيّد طاهر الخطيب بقوله : « ... أعتقد أنّ الغاية من إكراه بني هاشم وإخراجهم من قبل قريش إلى بدر كان من طريق أن يكون حافزاً لغيرهم من قريش ؛ لأنّ قريشاً إذا نظرت إلى بني هاشم وهم عشيرة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأقرب الناس إليه يخرجون لحربه ويقفون ضدّ دعوته فقريش أولى بالخروج والحرب ؛ لأنّه الخصم لهم في العقيدة ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عالماً بخروجهم من ديارهم بالإكراه ، فأصدر أمراً يقضي بعدم قتل بني هاشم » (٢).

الغريب ! أنّ الروايات تتحدّث عن إكراه بني هاشم ، وعندما نريد معرفتهم لم نجد أحداً ، سوى العبّاس فقط ! أمّا عقيل فلم يكن حاضراً في المعركة ، ونوفل بحاجة إلى دراسة حتّى نقف على حقيقة أمره ، وهؤلاء من بني عبد المطلب.

وفي رواية : أنّ قريشاً أشاعت وأذاعت بأنّ من لم يخرج للمعركة نهدم داره ، فخرج عقيل والعبّاس ونوفل وهم كارهون (٣).

_______________________

(١) الآحاد ١ / ٢٦٨.

(٢) عقيل بن أبي طالب / ٥٨.

(٣) أبو حمزة الثمالي : تفسير / ١٨١ ، الطوسي : التبيان ٤ / ٤٣١ ، المجلسي : البحار ١٩ / ٢٧١ ، الطباطبائي : الميزان ٩ / ٢٤.

٢٢٥
 &

وهذه رواية مرفوضة ! فإذا كانوا مكرهين لِمَ أخذت منهم الفدية حسب زعم الروايات ؟!

وروى ابن حنبل عن حجاج عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن الإمام عليّ عليه‌السلام قال : (لمّا قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك ، وكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتخبّر عن بدر ، فلمّا بلغنا أنّ المشركين قد أقبلوا سار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى بدر ـ وبدر بئر ـ فسبقنا المشركون إليها فوجدنا فيها رجلين منهم ، رجلاً من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط ، فأمّا القرشي فانفلت ، وأمّا مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول له : كم القوم ؟ فيقول : هم والله كثيرٌ عددهم شديدٌ بأسهم ، فجهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخبره كم هم فأبى ، ثمّ إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سأله كم ينحرون من الجزر ؟ فقال : عشراً في كلّ يوم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (القوم ألف ، كلّ جزور لمائة وتبعها).

ثمّ إنّه أصابنا من الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعوا ربّه عزّ وجل ويقول : (اللّهمّ إنّك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد).

قال : فلمّا أن طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله ، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلّى بنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحرّض على القتال ، ثمّ قال : (إنّ جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء (١) من الجبل) فلمّا دنا القوم منّا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (يا عليّ ناد لي حمزة) وكان أقربهم إلى المشركين من صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول لهم ، ثمّ قال رسول

_______________________

(١) الضلع جبل مستطيل من الأرض ليس بمرتفع في السماء ، وفي حديث ان ضلع قريش عند هذه الضلع الحمراء أي ميلهم ، والضلع الجزيرة في البحر ، والضلع الميل ، ضلع عن الشيء مال عنه. (ابن منظور : لسان ٨ / ٢٢٧).

٢٢٦
 &

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إن يكن في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر ، فجاء حمزة فقال : هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم : يا قوم إنّي أرى قوماً مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير ، يا قوم أعصبوها اليوم برأسي وقولوا : جبن عتبة بن ربيعة ، وقد علمتم أنّي ليس بأجبنكم.

فسمع ذلك أبو جهل فقال : أنت تقول هذا ، والله لو غيرك يقول هذا لأعضضته قد ملأت رئتك جوفك رعباً ، فقال عتبة : إياي تعير يا مصفر أسته ؟! ستعلم اليوم أينا الجبان.

قال : فبرز عتبة وأخيه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا : من يبارز ؟ فخرج فتية من الأنصار ستة ، فقال عتبة : لا نريد هؤلاء ولكن يبارزنا من بني عمّنا من بني عبد المطلب ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (قم يا عليّ وقم يا حمزة وقم يا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب) ، فقتل الله تعالى عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة وأسرنا سبعين ، فجاء رجل من الأنصار قصير بالعبّاس بن عبد المطلب أسيراً ، فقال العبّاس : يا رسول الله إنّ هذا والله ما أسرني ، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً على فرس أبلق ما أراه في القوم ، فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول الله ، فقال اسكت لقد أيّدك الله تعالى بملك كريم ، فقال عليّ عليه‌السلام : فأسرنا وأسرنا من بني عبد المطلب العبّاس وعقيلاً ونوفل بن الحارث) » (١).

الملاحظ على الرواية ، أنّ سندها مطعون فيه من جهة أبي إسحاق السبيعي (٢) ، هو المسؤول عن وضع سند الرواية ، فاختلق شخصية حارثة بن

_______________________

(١) المسند ، مسند العشرة / ٩٠٤ ، وينظر ابن كثير : البداية ٣ / ٣٣٩ ، السيرة ٢ / ٤٢٣ ، المتّقي الهندي : كنز العمّال ١٠ / ٣٥٩.

(٢) ينظر مبحث نشأته وتربيته (الفصل الأوّل).

٢٢٧
 &

مضرب ، وجعل منها حلقة وصل بينه وبين الإمام عليّ عليه‌السلام ، خشية أن يروي الحديث مرسلاً عن الإمام عليه‌السلام ، فهذا الرجل لم يرو عنه غير السبيعي (١) ، ذكره النووي أنّه حارثة بن مضرب العبدي الكوفي ، وهو ثقة من الطبقة الثانية ، وغلط من نقل عن المديني أنّه تركه حسب ما روي عن ابن حجر (٢) ، وثّقه ابن معين (٣) ، وقيل : حسن الحديث (٤) ، سمع عمر والإمام عليّ عليه‌السلام ، روى عنه أبو إسحاق ، ويقال : أنّ الشعبي روى عنه ، وهذا غير صحيح (٥) ، تركه ابن المديني (٦).

تجدر الإشارة هنا ، أنّ الرواية لم يكن لها أصول تاريخية أخرى فقد انفرد بها ابن حنبل ، وإنّها وردت عند أبي داود (٧).

أمّا عن متن الرواية ، فأصلها واحد وفروعها مختلفة ، فالرواية منقولة عن أمير المؤمنين عليه‌السلام لكنها اختلفت تبعاً للنقلة لها ، ففي رواية القاضي نعمان المشار إليها سابقا أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصى بالحفاظ على بني هاشم ، في حين لم يرد ذلك في هذه الرواية ! وذكر القاضي نعمان قصّة أسر عقيل ، في حين لم يرد ذلك في هذه الرواية ، وأنّ المأسور هنا هو العبّاس ! أمّا عقيل فقد حشر اسمه حشراً في الرواية ، فهو لم يحضر المعركة إطلاقاً ، وأنّ وضّاع الروايات حشروه زوراً وعدواناً.

_______________________

(١) ابن حنبل : العلل ٣ / ٣٣ ، ابن حبّان : الثقات ٤ / ١٨١ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ٢ / ١٤٥.

(٢) المجموع ١٤ / ٤٢.

(٣) تاريخ / ٩١ ، العجلي : معرفة الثقات ١ / ٢٨٠ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ٩ / ٣٨١.

(٤) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ٢٥٥.

(٥) البخاري : التاريخ الكبير ٣ / ٩٤.

(٦) الذهبي : ميزان الاعتدال ١ / ٤٤٦.

(٧) المسند ، باب الجهاد / ٢٢٩١.

٢٢٨
 &

كما ورد في رواية ابن حنبل تفصيلات كثيرة لم ترد في الرواية السابقة ، ومن هذه التفصيلات : قضية أسر اثنين من المشركين ، ومحاولة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معرفة عدد جيوش المشركين ، واستشفّ عددهم من خلال ما ينحرون يومياً ، وقد دلّت هذه الحادثة على المقدرة العسكرية العالية للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في حين ورد في رواية أخرى عدم مقدرته العسكرية إلى الحدّ الذي لم يعرف كيف يتصرّف بالأسرى فأشار عليه فلان وفلان !! ـ كما سنوضّحه ـ علماً أنّ الرواية لم تسمّ الشخصين الذين أسرا أحدهما قرشي والثاني مولى لعقبة بن أبي معيط.

وقد حاول صاحب الرواية إعطاء عتبة دور الكاره لقتال المسلمين ، فإن مرّ ذلك على السذج البسطاء كي يغيّروا نظرتهم عن الرجل ، فالله سبحانه حاكم عادل ، يعلم ما في الأرحام وما تخفي الصدور ، وهو العالم بنيّة عتبة ، فإذا كان كذلك ـ أي : أنّه كاره للحرب ـ فلماذا هو في طليعة القوم المشركين مثلما كان حمزة في طليعة القوم المؤمنين ؟ ولماذا هو من طلب مبارزة فرسان بني هاشم إن كان كارهاً لقتالهم ؟

وقد أورد أحمد بن حنبل رواية أخرى : عن أبي نوح قراد عن عكرمة بن عمار عن سماك الحنفي أبي زميل عن ابن عبّاس عن عمر قال : « لمّا كان يوم بدر ... نظر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيّف ، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة ، فاستقبل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القبلة ، ثمّ مدّ يده وعليه رداؤه وإزاره ، ثمّ قال : (اللّهمّ أين ما وعدتني ، اللّهمّ أنجز ما وعدتني ، اللّهمّ إنْ تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً) قال : فما زال يستغيث ربّه ويدعوه حتّى سقط رداؤه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداؤه فرداه ، ثمّ التزمه من ورائه ، ثمّ قال : يا نبي الله كفاك مناشدة ربّك فإنّه سينجز لك ما وعدك ، وأنزل الله

٢٢٩
 &

تعالى : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (١) ، فلمّا كان يومئذ والتقوا ، فهزم الله المشركين ، فقتل منهم سبعون رجلاً وأسر منهم سبعون رجلاً ، فاستشار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر وعليّاً وعمر ، فقال أبو بكر : يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان فأنا أرى أن تأخذ منهم الفداء ، فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفّار ، وعسى الله عزّ وجل أن يهديهم فيكونون لنا عضداً ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما ترى يا بن الخطاب ؟ فقال : قلت : والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكني أري أن تمكّني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه ، وتمكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتّى يعلم الله أنّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين هؤلاء صناديدهم وأئمّتهم وقادتهم.

فهوى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، فأخذ منهم الفداء ، فلمّا كان من الغد قال عمر : غدوت إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر وإذاهما يبكيان ، فقلت : يا رسول الله أخبرني ما يبكيك أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاءً بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ، قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الذي عرض عليَّ أصحابك من الفداء ، ولقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة ، وأنزل الله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ...) إلى قوله : (لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّـهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٢) من الفداء ، ثمّ أحلّ لهم الغنائم ، فلمّا كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء ، فقتل منهم سبعون ، وفرّ أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكسرت رباعيته ، وهشّمت البيضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ، فأنزل

_______________________

(١) الأنفال / ٩.

(٢) الأنفال / ٦٧ ـ ٦٨.

٢٣٠
 &

الله : (وَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا [إلى قوله] : إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١) بأخذكم الفداء » (٢).

ويسجّل على هذه الرواية بعض الملاحظات :

منها : أنّ في سندها أبا نوح قراد ، وهو عبد الرحمن بن غزوان الحراني (٣) ، مولى نصر بن مالك الخزاعي ، بغدادي ، قال عنه ابن معين : ليس به بأس ، صالح الحديث ، وقيل : صدوق (٤) ، وقيل : يحفظ وله مناكير ، وثّقه ابن المديني ، توفّي سنة ٢٠٧ هـ (٥). ومن مناكيره ما أورده الأميني في موضع التعرّض لحديث غريب رواه فذكر عن عبّاس الدوري قوله : « ليس في الدنيا أحد يحدّث بهذا الحديث ـ ليس الحديث الذي نحن بصدده ـ غير قراد ... وقد سمعه يحيى منه وأحمد لغرابته وانفراده » (٦) ووصفه أحمد أنّه رجلٌ عاقلٌ (٧).

وأمّا عكرمة بن عمار ، فمختلف في الاحتجاج به (٨) ، وقد ضعّفه ابن حزم فقال : « ... ضعيف روينا من طريقه خبراً موضوعاً ليس فيه أحد يتهم غيره » (٩) ، وفي موضع آخر قال : « ضعيف فلا حجّة فيه » (١٠) ، و « ضعيف جدّاً » (١١) ، « منكر

_______________________

(١) آل عمران / ١٦٥.

(٢) أحمد بن حنبل : المسند ، مسند العشرة / ٢١٦ ، ينظر مسلم : الصحيح ، الجهاد والسير / ٣٣٠٩ ، أبو داود : سنن ، الجهاد / ٢٣١٥ ، الترمذي : سنن ، تفسير / ٣٠٠٦ ، الطبري : تاريخ ٢ / ١٦٩ ، تفسير ١٠ / ٥٧.

(٣) العظيم آبادي : عون المعبود ٢ / ٣٣٤.

(٤) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥ / ٢٧٤.

(٥) الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ١ / ٦٣٩.

(٦) الغدير ٧ / ٢٧٥.

(٧) ابن المبرد : بحر الدم / ٩٧.

(٨) النووي : المجموع ٤ / ٣٦٠.

(٩) المحلّى ٧ / ٤٠٨.

(١٠) المحلّى ٩ / ٢٥٢.

(١١) المحلّى ١١ / ١٢٩.

٢٣١
 &

الحديث جدّاً روينا من طريقه حديثاً موضوعاً مكذوباً » (١) ، وظهر كذب رواية عكرمة ... ولا يخلو ضرورة هذا الخبر من أنّ عكرمة ... وضعه أو أخذ عن كذّاب وضعه فدلّسه هو إلى أبي زميل وكلتاهما مسقطة لعدالته مبطلة لروايته (٢) ، وأبو داود مضطرب الحديث (٣) ، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ، وقيل : ثقة (٤) ، وثّقه ابن معين (٥) ، وقال : « كان أميّاً وحافظاً » (٦) ، توفّي سنة ١٥٩ أو ١٦٠ هـ (٧) ، وأشار إليه الألباني بقوله : « والحقّ أنّ عكرمة هذا حسن الحديث لولا أنّ حديثه هذا منقطع » (٨) ، وأورده الذهبي في الضعفاء (٩) ، وقال : « الحديث ضعيف ، لا يصحّ إسناده ، وله علّتان ، الأولى : أنّه من رواية عكرمة ... عن يحيى بن أبي كثير ، وقد طعن العلماء في رواية عكرمة عن يحيى خاصّة ، وقال أبو داود : في حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ، وقيل : صدوق يغلط » (١٠). وذكره السقاف ، فقال : « ... ساق له مسلم حديثاً منكراً ، وهو الذي يرويه عن سماك الحنفي عن ابن عبّاس ، وقد حكم عليه بالوضع ، قلت : هو حكم صحيح لا غبار عليه » (١١).

_______________________

(١) ابن حزم : الأحكام ٦ / ٧٦٤.

(٢) ابن حزم : الأحكام ٦ / ٧٦٥.

(٣) سؤالات ٢ / ٣٨.

(٤) سؤالات ١ / ٣٧٨.

(٥) تاريخ ٢ / ١٠٠.

(٦) ابن معين : تاريخ ٢ / ٢٠٨.

(٧) ابن خياط : طبقات / ٥٢٦.

(٨) إرواء الغليل ٣ / ٢٧.

(٩) الألباني : إرواء الغليل ٨ / ٣١٨.

(١٠) الألباني : تمام المنّة / ٥٨.

(١١) دفع شبه التشبيه / ٥٣.

٢٣٢
 &

وسماك بن الوليد ، أبو زميل الحنفي ، كوفي أصله من اليمامة ، وثّقه أحمد وابن معين وأبو زرعة ، وقيل : صدوق لا بأس به (١) ، احتجّ به مسلم (٢) ، وقيل : إنّه ثبت متقن قدم البصرة ، فحدّثهم بها ، فكتب عنه العراقيون (٣) ، وسماك تابعي (٤).

وما يضعّف الرواية بشكل كبير ، أنّ ابن عبّاس نقل عن عمر ، والخبر يخصّ العبّاس ، فالأجدر به أن ينقل عن أبيه ؛ لأنّ الموضوع يخصّه !

وعن متن الرواية ، نقول : لا بأس أن يدعو النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربّه ويطلب منه النصر ، والغريب في صيغة الدعاء هذه أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يساوم ربّه إمّا أن ينصره وإمّا أن لا يعبد ، فهذه ليست من أخلاق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدعواته مهذّبة ، فيها لطف ، وليس مساومة ! والأغرب في الأمر أنّ أبا بكر طلب من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكف عن مناشدة ربّه ؛ لأنّه سوف يوفي بوعوده تّجاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكأنّ الله سبحانه قطع وعداً للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يحارب والنصر يكون حليفه بإذن الله ! علماً أنّ المسلمين خسروا بعض المعارك ، مثل : أحد وغيرها.

وقد ذكر في الرواية السابقة التي نقلناها عن ابن حنبل أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمسلمين أسروا اثنين من المشركين ، وسألوهم عن عدد المشركين ، وفي هذه الرواية لم يطرأ أيّ ذكر لذلك ، وإنّما الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي نظر إلى كثرة عدد المشركين من دون أن يخمّن كم عددهم من خلال عدد ما ينحرون !

_______________________

(١) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٢٨. وينظر ابن حبّان : الصحيح ٢ / ٢٢٢ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ٧ / ٣٨٨.

(٢) العظيم آبادي : عون المعبود ١٤ / ١١.

(٣) ابن حبّان : مشاهير / ١٩٩.

(٤) العجلي : معرفة الثقات ١ / ٤٣٧.

٢٣٣
 &

أمّا عن عدد الأسرى والقتلى ، وكأنّ الرواية حبكت بشكل بحيث يصعب الكشف عنها وتبيان أنّها موضوعة ، خاصّة التنسيق بين عدد قتلى الطرفين في معركة بدر وأحد فهي متكافئة ، ففي بدر قتل المسلمون سبعين مشركاً وحدث العكس في أحد ، وقد اعتبر ابن حنبل خسارة المسلمين في أحد هو قصاص من المسلمين الذين اشترطوا دفع الفدية لقاء إطلاق سراحهم ، وهذا واضح من قوله : « فلمّا كان يوم أحد عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء » فاعتبر الفدية عمل غير حسن من جانب المسلمين لذلك عوقبوا بمثلها ، فكسرت رباعية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكذا وكذا ، بعد أن فرّ أصحابه حسب زعم ابن حنبل !

وبهذا نحن نتساءل ، من الذي فرّ من أصحابه ؟!! وهل هذا يعني ذمّاً لهم ؟ وهل أنّ عمر وأبا بكر وعثمان فرّوا من المعركة ؟ فالمعروف أنّ حمزة استشهد فيها ، وعلياً عليه‌السلام هو الذي دافع عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى حين ما تمكّن من إنقاذ حياته ، وبعكسه لتمكّن المشركون من قتله ، خاصّة وهو جريح يذود بدمه الطاهر ، وقد عدّت هذه الحادثة عقوبة وقصاصاً أنزل بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! فالله سبحانه وتعالى أراد أن يجبر خاطر المشركين وحتّى يوازن كفّتي الميزان عوّضهم عن خسارتهم في بدر نصراً في أحد ! ولأنّ المسلمين فعلوا كذا في بدر أنزل الله بهم المصيبة في أحد ، حيث جاء ذلك في قوله تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا) إلى قوله : (إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) بأخذكم الفداء ، هذا هو الواضح من منطوق الرواية ؟!!

والغريب بكاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسؤال عمر عنه !! فهو لاحظه وصاحبه يبكيان فيقول : أخبروني ما الأمر ؟ إن وجدت بكاء بكيت ، وإلّا تباكيت. أعتقد كلام الراوي واضح قال : يبكيان ، فلماذا السؤال والتباكي ؟!

٢٣٤
 &

ومن العجيب ! أنّ الروايات تصف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكأنّه شخصية ضعيفة ، للمرّة الثانية ، فقد بكى عندما ظنّ أنّ عمّه أبا طالب سوف يخذله (١) وفي هذه الرواية ! علماً أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوي استمد قوّته من الله سبحانه وتعالى.

ويلاحظ أيضاً أنّ أصل الرواية واحد ، هو عمر ، لكن الرواية مختلفة ، فقد أشار ابن حنبل في روايته بأنّ عدد المسلمين الذين حضروا معركة بدر كانوا ثلاثمائة رجل ، في حين نقل مسلم عن ابن الخطاب أيضاً مشيراً أنّ عددهم كان ثلاثمائة وتسعة عشر ، وأضاف على الرواية قوله : « بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتدّ في أثر رجل من المشركين أمامه ، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم ، فنظر إلى المشرك أمامه فخرّ مستلقياً ، فنظر إليه ، فإذا هو قد خطم أنفه وشهق وجهه كضربة السوط فاخضرّ ذلك أجمع ، فجاء الأنصاري فحدّث بذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة ... » (٢).

الشخص الذي أسر عقيلاً :

وردت عدّة روايات في الكيفية التي أُسر فيها عقيل ، لكنها وردت من دون أسانيد ، حتّى يمكن التحقق من صحّتها ، فعلى سبيل المثال :

١ ـ رواية ابن هشام : قال : « عبيد بن أوس (٣) ، يقال له : مقرن ؛ لأنّه قرن أربعة

_______________________

(١) راجع المحمداوي : أبو طالب / ٤٢ ، ١٥٧.

(٢) مسلم : الصحيح ، الجهاد والسير / ٣٣٠٩.

(٣) ابن مالك بن زيد بن عامر ... بن ظفر الأنصاري ، وقيل بن مالك بن سواد ، وأمّه لميس بنت قيس بن القريم بن أمية ... بن سلمة بن الخزرج ، وكان له عقب فانقرضوا. (ابن سعد : الطبقات ٣ / ٤٥٣ ، ابن حجر : الإصابة ٤ / ٣٣٨).

٢٣٥
 &

أسرى في يوم بدر ، وهو الذي أسر عقيل بن أبي طالب يومئذٍ » (١).

الملاحظ على الرواية أنّها لم تسمّ الأشخاص الأربعة ، ولا كيفية أسرهم !

٢ ـ رواية ابن سعد : والتي يظهر منها أنّه غير متأكّد من صحّتها فأشار بقوله : « ويقولون إنّه ـ يعني عبيد بن أوس ـ الذي أسر العبّاس ونوفلاً وعقيلاً ، فقرنهم في حبل وأتى بهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له ... لقد أعانك عليهم ملك كريم ، وسمّاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقرناً ، وبنو سلمة يدعون أنّ أبا اليسر كعب بن عمرو (٢) أسر العبّاس ، وكذلك كان يقول أيضاً محمّد بن إسحاق ، وأجمع على ذكر عبيد في بدر موسى بن عقبة ومحمّد بن إسحاق ومحمّد بن عمر ، ولم يذكره أبو معشر ، وهذا عندنا منه وهم أو ممّن روى عنه ؛ لأنّ أمر عبيد بن أوس كان أشهر في بدر من أن يخفى » (٣).

ومن الجدير ذكره أنّ رواية ابن سعد هذه وردت من دون سند ، وعبيد بن أوس قيل : فيمن شهد بدراً ، وقال البغوي : لا تُعرف له رواية ، وعقّب على ذلك ابن حجر بقوله : « هو قول ابن الكلبي ، والمعروف أنّ الذي أسر العبّاس هو أبو اليسر كعب بن عمرو ، فلعل عبيد أسر نوفلاً وعقيلاً فقرنهما » (٤).

أضف إلى ذلك ما ذكره ابن هشام أنّ عُبيداً قرن أربعة أسرى ، في حين

_______________________

(١) السيرة النبوية ٢ / ٥٠٩.

(٢) أبو اليسر كعب بن عمرو بن عبّاد بن عمرو بن تميم بن سوادة بن غانم بن كعب بن سلمة ، من أهل بدر شهد العقبة ، وهو الذي أسر العبّاس ، توفّي سنة ٥٥ هـ بالمدينة ، وهو آخر أهل بدر ، وكان رجلاً قصيراً ، ذا بطن. (الطبراني : المعجم الكبير ١٩ / ١٦٤ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ٤٩١ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ٢ / ٣٥٧ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ٩ / ٣١٦).

(٣) الطبقات ٣ / ٤٥٣.

(٤) ابن حجر : الإصابة ٤ / ٣٣٨.

٢٣٦
 &

جعلهم ابن سعد ثلاثة ، وأنّ أبا معشر لم يذكر حضور عبيد في بدر ، أمّا عن أنّه أسر أربعة ، فهذا غير ممكن ، أي : هل أنّه وجدهم مكتوفيّ الأيدي ومربّطين بحبال فاقتادهم من حبالهم ؟!

وقد أخرج أبو موسى ، أنّ عبيد بن أوس بن مالك بن سواد الأنصاري من الأوس ، ثمّ من بني سواد بن كعب شهد بدراً ، هو الذي أسر عقيلاً ، وقد اعترض ابن الأثير على ذلك فقال : « قد أخرج ابن مندة هذا ولم يسقط منه إلّا أسر عقيل ، ولعل أبا موسى اشتبه عليه حيث لم ينسبه ابن مندة فظنّه غيره وهو هو فلا وجه لاستدراكه ، لأنّه لم يستدرك كلّ من أسقط نسبه » (١).

وروى ابن حنبل : عن يزيد عن محمّد بن إسحاق عن من سمع عكرمة عن ابن عبّاس قال : « كان الذي أسر العبّاس بن عبد المطلب أبو اليسر بن عمرو ، وهو كعب بن عمرو أحد بني سلمة ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (كيف أسرته يا أبا اليسر ؟) قال : لقد أعانني عليه رجل ما رأيته بعد ولا قبل ، هيئته كذا هيئته كذا ، قال : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لقد أعانك عليه ملك كريم) » (٢).

المتمعّن في الرواية يجد أنّ الشخص الذي أسر العبّاس هو أبو اليسر ، فقد ثبت أنّ العبّاس كان أسيراً في المعركة أمّا عقيل فلم يؤسر فيها ، حيث لم يثبت اسم الشخص الذي أسره ، ولا ثبت عليه دفع الفدية ، وإن كلّ ما ورد هو عبارة عن افتراءات ليس لها من الصحّة شيء ، وقد انتحل وضّاع الروايات رواية ابن حنبل هذه ، فأضافوا اسمه مع العبّاس وجعلوه مع الأسرى.

وفي رواية أخرى لابن حنبل ، قال : « جاء رجل من الأنصار قصير بالعبّاس

_______________________

(١) ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٣٤٦.

(٢) أحمد بن حنبل : المسند ، مسند بني هاشم / ٣١٤٠ ، وينظر الطبري : تاريخ ٢ / ١٦٢.

٢٣٧
 &

ابن عبد المطلب أسيراً ، فقال العبّاس : يا رسول الله إنّ هذا والله ما أسرني ، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً على فرس أبلق ما أراه في القوم ، فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول الله ، فقال : (اسكت لقد أيدك الله بملك كريم) ، فقال عليه‌السلام : فاسرنا وأسرنا من بني عبد المطلب العبّاس وعقيل ونوفل » (١).

٣ ـ رواية الواقدي : عن موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه ، قال : وحدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قالا : أُسر من بني هاشم عقيل بن أبي طالب ، قال محمود : أسّره عبيد بن أوس الظفري ، وأسّر نوفل بن الحارث جبّار بن صخر (٢) وعتبة حليف لبني هاشم من بني فهر (٣).

من هذه الرواية ندرك أكاذيب الواقدي وميوله العبّاسية ، حيث إنّه لم يذكر العبّاس من ضمن الأسرى ، وأهمل شأنه !

هذا ولا نعرف هل المقصود بنوفل نوفل بن الحارث أم نوفل بن العدوية ؟ حيث روى ابن أبي الحديد عن الواقدي أنّ جبار بن صخر أسر يوم بدر نوفل ابن خويلد من بني أسد (٤) ، فهل أنّ الأمر اختلط على الواقدي أم أنّ جبّاراً أسر الاثنين معاً (٥) ؟

_______________________

(١) أحمد بن حنبل : المسند ، مسند العشرة / ٩٠٤.

(٢) ابن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة ، وأمّه عتيكة بنت خرشة بن عمرو بن عبيد بن عامر بن بياضة ، ويكنّى أبا عبد الله شهد المشاهد كلّها مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفّي سنة ٣٠ هـ بالمدينة. (ابن سعد : الطبقات ٣ / ٥٧٦ ، الطبراني : المعجم الكبير ٢ / ٢٦٩ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ٢٢٣ ، النووي : المجموع ٤ / ٢٩٢).

(٣) المغازي ١ / ١٣٨ ، ينظر ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٤ / ٢٠٠ ، المجلسي : البحار ١٩ / ٣٥٤.

(٤) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٤ / ١٨٢ ، ينظر ابن حبّان : الثقات ١ / ١٧٤.

(٥) وقد تمّت مراجعة الواقدي ولم نجد الرواية.

٢٣٨
 &

٤ ـ رواية ابن سعد (الثانية) : وقد أجرى تحريفاً على رواية الواقدي المشار إليها وبنفس السند عن محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود ابن لبيد قال : حدّثنا عبيد بن أوس مقرن من بني ظفر قال : « لمّا كان يوم بدر أسرت العبّاس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفاً للعبّاس فهرياً فقرنت العبّاس وعقيلاً ، فلمّا نظر إليهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمّاني مقرناً ، وقال : أعانك عليهما ملك كريم » (١).

وفي رواية ابن سعد أنّه أسر العبّاس وعقيل ونوفل ، عبيد بن أوس مقرن من بني ظفر قال : « لمّا كان يوم بدر أسّرت العبّاس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب » وفي هذه الرواية أنّه أسّر العبّاس وحليفه الذي لم يفصح عن اسمه ، وعقيل.

أمّا عن سند رواية الواقدي ، ففيها محمّد بن صالح ، يوجد مجموعة أشخاص سمّوا بهذا الاسم ، لكن ألقابهم مختلفة ، منهم النيلي ، وهو مجهول وفيه اشتباه (٢) ، والعدوي ليس له ترجمة (٣) ، وابن جعفر البغدادي من ساكني البصرة والجزيرة ، ضعيف لا يحتج به ، وليس له أصل جيد ، ولا يبني عليه أحدٌ خيراً (٤) ، والتمّار ليس بالقوي (٥) ، وقيل : إنّ التمّار مدني ثقة (٦) ، والتمّار هذا سمّاه ابن أبي حاتم : محمّد بن صالح بن دينار مديني ، وثّقه أحمد بن حنبل ، وقيل :

_______________________

(١) الطبقات ٤ / ١٢.

(٢) الأردبيلي : مجمع الفوائد ٢ / ١١٥.

(٣) الهيثمي : مجمع الزوائد ١ / ١٧٢.

(٤) الدارقطني : سؤالات / ٩٥.

(٥) السبكي : السيف الصقيل / ١٤٤ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٥١٨.

(٦) العجلي : معرفة الثقات ٢ / ١٤١.

٢٣٩
 &

شيخ ليس بالقوي (١) ، وأنّه يروي المناكير عن المشاهير ، ولا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد (٢) ، وربما هذه الرواية من مناكيره ، وروى حديثاً مرسلاً (٣).

وعن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري المدني ، من صغار التابعين ، وثّقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة وابن سعد والبزار وآخرون ، لكن ضعّفه عبد الحق وغيره (٤) ، وقد روى البيهقي في الدلائل من مرسل عاصم بن عمر (٥) ، وكذلك المتقي الهندي (٦) ، وقد حاول سبط ابن العجمي دفع تهمة التدليس عنه فقال : « ذكر الحاكم في المستدرك حديثاً في الزكاة عن قيس بن سعد بن عبادة منقطع ... وعاصم لم يدرك قيساً ، وإذا كان كذلك فقد تقدّم أنّ هذا إرسال ظاهر ، وليس بتدلّيس على الأصح ، ولا ينبغي ذكره مع المدلّسين » (٧) ، وعدّه من سادات الأنصار ت سنة ١٢٩ هـ (٨) ، في حين أرّخ المباركفوري وفاته سنة ١٢٠ هـ وعدّه ثقة عالماً بالمغازي (٩) ، وذكره البخاري ولم يُشر إلى توثيقه أو تجريحه (١٠).

وفي سند الحديث محمود بن لبيد بن رافع ، ثقة قليل الحديث (١١) ، ذكره

_______________________

(١) الجرح والتعديل ٧ / ٢٨٧.

(٢) ابن حبّان : المجروحين ٢ / ٢٦٠.

(٣) الخطيب البغدادي : تاريخ ١ / ١٨٨.

(٤) ابن حجر : مقدّمة فتح الباري / ١٤٠ ، ينظر ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٦ / ٣٤٦.

(٥) ابن حجر : فتح الباري ٧ / ٣٩٧.

(٦) كنز العمّال ٧ / ١٢٧.

(٧) التبيين لأسماء المدلّسين / ٣٥.

(٨) ابن حبّان : مشاهير / ١١٥.

(٩) تحفة الأحوذي ١ / ٤٠٦.

(١٠) التاريخ الكبير ٦ / ٤٧٨.

(١١) ابن رافع بن امرئ القيس بن يزيد بن عبد الأشهل ، أمّه أم منظور بنت محمّد بن سلمة ... من بني حارثة من الأوس توفّي بالمدينة سنة ٩٦ هـ. (ابن سعد : الطبقات ٥ / ٧٧ ، العجلي : معرفة الثقات ٢ / ٢٦٦ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٨ / ٢٨٨).

٢٤٠