عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فيهم ـ يعني شيعتنا ـ فقد فتح الله أبصاركم وأعمى أبصار غيركم) (١).

ثالثاً : روي عن الكلبي عن أبي صالح عن أمير المؤمنين عليه‌السلام : (أنّها نزلت في عشرة أشخاص هم أبو بكر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن مالك وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الله بن مسعود) (٢).

وهذه الرواية عليها إشكال ! لأنّ الكلبي مطعون فيه (٣) ، أمّا أبو صالح ذكوان السمّان المدني مولى غطفان ، وكان أبو هريرة والسيّدة عائشة من شيوخه في الحديث (٤) ، ذكره ابن أبي حاتم في المجروحين (٥) ، وكان من محبّي عثمان بن عفان ، فإذا ذكره بكى (٦) ، ووثّقه العجلي (٧).

رابعاً : في رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : (نزلت فينا أهل بدر ، وأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين نزلت فيهم) (٨).

فإذا كانت نزلت في أهل بدر ، فهذا ينفي نزولها في عقيل وغيره ؛ لأنّه لم يكن مع الذين قاتلوا في بدر !

وقد أشكل الطباطبائي على تلك الروايات على ما فيها من الاختلاف في التطبيقات من الرواة ، والآية تأبى بسياقها على أن تكون نازلة في بعض

_______________________

(١) العياشي : تفسير ٢ / ٢٤٤ ، فرات الكوفي : تفسير / ٢٢٦ ، الحويزي : نور الثقلين ٣ / ٢٠.

(٢) الثوري : تفسير / ١٥٩.

(٣) ينظر مبحث نشأته وتربيته (الفصل الأوّل).

(٤) الذهبي : تذكرة الحفاظ ١ / ٨٩.

(٥) الجرح والتعديل ٣ / ٤٥.

(٦) ابن المبرد : بحر الدم / ٥٣.

(٧) معرفة الثقات ١ / ٤٥.

(٨) ابن جرير : جامع البيان ٨ / ٢٤٠ ، ١٤ / ٤٩.

٢٠١
 &

المذكورين مثل عمر وأبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وغيرهم ! كيف وهي من جملة آيات تقصّ ما قضاه الله وحكم به يوم خلق (آدم عليه‌السلام) وأمر الملائكة بالسجود له ؟ ثمّ قضى ما قضى ، ولا تعلّق لذلك بأشخاص مخصوصين (١).

وعلى الرأي القائل إنّها نزلت في بدر ، أشار الطباطبائي قائلاً : « وقوع الجملة في سياق هذه الآيات وهي مكية يأبى نزولها في بدر ، وقد وقعت الجملة أيضاً في قوله : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم ...) وهي أيضاً في سياق آيات أهل الجنّة وهي مكيـّة ، وروي أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبس أهل الجنّة بعد دخولهم الجنّة بعدما يجوزون الصراط حتّى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا فيدخلون الجنّة ، وليس في قلوبهم غلّ » (٢).

خامساً : روى ابن سعد روايات منسوبة لأمير المؤمنين عليه‌السلام ، منها : أنّ ابن جرموز (٣) جاء يستأذن الإمام عليّ عليه‌السلام فاستجفاه ، فقال له أصحابه : أمّا أصحاب البلاء فتجفوهم ، فقال عليّ عليه‌السلام : (بفيك التراب إنّي لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين أنزل فيهم الآية) ، وفي رواية أخرى قال عليه‌السلام : (إنّي لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير) (٤).

سادساً : عن معاوية الضرير ... : « دخل عمران بن طلحة (٥) على عليّ عليه‌السلام بعد ما فرغ من أصحاب الجمل فرحّب به ، وقال : (إنّي لأرجو أن يجعلني الله وإياك

_______________________

(١) الميزان ١٢ / ١٧٧.

(٢) الميزان ٨ / ١٣٩.

(٣) عمرو بن جرموز الذي قتل الزبير بن العوام على وجه الغيلة في معركة الجمل سنة ٣٦ هـ. (القمي : الكنى ١ / ٢٣٨).

(٤) طبقات ١ / ٢٣٨.

(٥) عمران بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ، وأمّه حمنة بنت جحش ابن رئاب من بني أُسد ابن خزيمة (ابن سعد : الطبقات ٥ / ١٦٦).

٢٠٢
 &

من اللذين قال الله عنهم : (إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) (١)) قال : ورجلان جالسان على ناحية البساط فقالا : الله أعدل من ذلك تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانا في الجنّة ، فقال عليّ عليه‌السلام : (قوما أبعد أرض وأسحقها فمن هم إذاً إن لم أكن أنا وطلحة ؟!) ، ثمّ قال لعمران : (كيف أهلك من بقي من أمهات أولاد أبيك أمّا إنّا لم نقبض أرضكم هذه السنين ونحن نريد أن نأخذها مخافة أن ينتهبها الناس ، يا فلان اذهب معه إلى ابن قرظة (٢) فمره فليدفع أرضه وغلّة هذه السنين ، يا ابن أخي وائتنا في الحاجة إذا كانت لك) (٣). وهذه الرواية مطعون فيها من جهة أبي معاوية الضرير ، فهو مطعون فيه (٤).

سابعاً : عن ربعي بن حراش (٥) قال : « انّي لعند عليّ عليه‌السلام جالس إذ جاء ابن طلحة فسلّم على عليّ فرحّب به فقال : ترحّب يا أمير المؤمنين ، وقد قتلت والدي وأخذت مالي ! قال : (أمّا مالك فهو ذي متروك في بيت المال فاغد إلى مالك فخذه ، وأمّا قولك قتلت أبي فإنّي أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم ...) قال رجل من همدان : الله أعدل من ذلك ، فصاح عليه صيحة تداعى له القصر قال : (فمن إذاً إذا لم نكن نحن) (٦).

ثامناً : عن ابن عبّاس قال : « إنّ أوّل ما يدخل أهل الجنّة إليها تعرض لهم

_______________________

(١) الحجر / ٤٧.

(٢) لم نجد ترجمة له.

(٣) ابن سعد : الطبقات ٣ / ٢٤٤ ، الطبري : تفسير ١٤ / ٤٩.

(٤) سوف يأتي الكلام عنه في آخر هذا الباب.

(٥) ابن جحش بن عمرو بن عبد الله .. بن عبد بن مالك ، قيل : توفّي سنة ١٠١ هـ. (ابن سعد : الطبقات ٦ / ١٢٧).

(٦) الحسكاني : شواهد ١ / ٤١٥.

٢٠٣
 &

عينان ، فيشربون من إحداهما فيذهب الله ما في قلوبهم من غلّ ، ثمّ يغسلون من العين الأخرى ، فتشرق ألوانهم وتصفوا وجوهم ، وتجري عليهم نضرة النعيم ». وعن عليّ بن الحسين عليه‌السلام : (أنّها نزلت في أبي بكر وعمر وعلي عليه‌السلام والصحابة) ، يعني ما كان بينهم في الجاهلية من الغلّ. وإنّ القول الأوّل أصح ، يدلّ عليه سياق الآية (١).

تاسعاً : في رواية ثانية : ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وحمزة وجعفر وأبي ذر وسلمان وعمار والمقداد والحسن والحسين عليهما‌السلام » (٢).

عاشراً : عن الواحدي أنّه روى عن عليّ بن هشام بن كثير النوا قال : « قلت لأبي جعفر : إنّ فلاناً حدّثني عن عليّ بن الحسين عليهم‌السلام أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي ، قال : والله إنّها لفيهم نزلت وفيهم نزلت ، قلت : وأيّ غلّ هو ؟ قال : غلّ الجاهلية ، فلمّا أسلموا هؤلاء القوم وأجابوا أخذ أبا بكر الخاصرة ، فجعل الإمام عليّ عليه‌السلام يسخن يده ، فيضمخ يده خاصرة أبي بكر ، فنزلت هذه الآية » (٣).

ومنها قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ) (٤).

وقد فسّر الطوسي كلمتي (أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ) ، مشيراً إلى أنّ التأييد تمكين من الفعل على أتمّ ما يصح فيه ، فيقال : أيّده تأييداً وتّأيداً تّأيداً ، والأيد القوّة ،

_______________________

(١) القرطبي : تفسير ١٠ / ٣٣.

(٢) الحسكاني : شواهد ١ / ٤١٣.

(٣) أسباب النزول / ١٨٦ ، الحسكاني : شواهد ١ / ٤١٣.

(٤) الأنفال / ٦٢.

٢٠٤
 &

والمعنى قوّاه بالنصر من عنده بالمؤمنين الذين ينصرونه على أعدائه (١).

وفي أسباب نزولها عدّة وجوه ، منها :

أوّلاً : روى ابن شهر آشوب عن أبي معاوية الضرير عن الأعمش عن مجاهد في تفسير الآية : « أي : قوّاك بأمير المؤمنين عليه‌السلام وجعفر وحمزة وعقيل » (٢).

ثانياً : الصدوق عن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : (مكتوب على العرش : أنا الله لا إله إلّا أنا ، وحدي لا شريك لي ، ومحمّد عبدي ورسولي ، أيّدته بعليّ فأنزل الله عجل الله تعالى (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ) (٣) ، فكان النصر عليّ عليه‌السلام ودخل مع المؤمنين (٤).

وعلّق الطباطبائي على ذلك بقوله : « ولفظ الآية لا يساعد على ذلك ، اللّهمّ إلّا أن يكون المراد بالاتّباع تمام الاتّباع الذي لا يشذّ عنه شأن من الشؤون ، ومن للتبعيض دون البيان إن ساعد عليه السياق » (٥).

ثالثاً : أشار بعض المفسّرين من أنّها نزلت في الأنصار (٦).

وخلاصة الأمر ، أنّ الآية تتعلّق بالنصر والمؤمنين ، فلا أحد يشك في أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام أوّل من ناصره ودافع عنه ، وأوّل المؤمنين ، فلا ريب أنّها

_______________________

(١) التبيان ٥ / ١٥١.

(٢) مناقب آل أبي طالب ١ / ٣٤٢.

(٣) الأنفال / ٦٢.

(٤) الصدوق : الأمالي / ٢٨٤ ، وينظر الحسكاني : شواهد ١ / ٢٩٢ ، ابن البطريق : خصائص الوحي / ١٩٠.

(٥) الميزان ٩ / ١٣٢.

(٦) الطبري : تفسير ١٠ / ٤٦ ، النحاس : معاني ٣ / ١٦٨ ، السيوطي : الدر ٣ / ١٩٩.

٢٠٥
 &

نزلت فيه وحده ، أو مع بقية المؤمنين ، ففي كلّ الأحوال إنّ الإمام عليّ عليه‌السلام مخصوص بذلك.

أمّا عن سند رواية ابن شهر آشوب : ففيه أبو معاوية الضرير ، هو محمّد ابن حازم التميمي الكوفي (١) ، فقد روى الحديث عن الأعمش ، وقيل : كان عنده رجل أعمى أحفظ من أبي معاوية للحديث (٢) ، وعدّه ابن حبّان مدلّساً (٣) ، وهو مضطرب الحديث في غير حديث الأعمش ، ولا يحفظ حفظاً جيّداً ، كما أنّه روى أحاديث منكرة (٤) ، وكيف لا يكون كذلك وهو القائل بأنّه حفظ عن الأعمش (١٦٠٠) حديث وعندما مرض نسي منها (٤٠٠) حديث ، وحفظ (١٢٠٠) منها (٥) ، وقال ابن حنبل بأنّ عليّ بن مزهر أثبت من أبي معاوية الضرير (٦) ، وإذا سئل عن حديث الأعمش ، قال : صار حديثه في فمي علقماً أو أمرّ منه لكثرة تردده (٧) حيث سمع من الأعمش (٢٠٠٠) حديث وعندما مرض نسي (٦٠٠) منها (٨) ، ورغم ذلك ذكره العجلي في الثقات (٩).

والأعمش ، اسمه سليمان بن مهران مولى بني كاهل (١٠) ، فقد اتّهمه ابن

_______________________

(١) الباجي : التعديل والتجريح ٢ / ٦٨٥.

(٢) ابن حنبل : العلل ١ / ٢٣٤.

(٣) مشاهير / ١٧٩ ، الثقات ٤ / ٣٠٢.

(٤) العلل ١ / ٣٧٩ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٧ / ٢٤٦ ، الباجي : التعديل والتجريح ٢ / ٦٨٥.

(٥) ابن معين : تاريخ ١ / ٢٧٦.

(٦) ابن حنبل : العلل ١ / ٣٨٢.

(٧) ابن حنبل : العلل ١ / ٣٦٢.

(٨) العجلي : معرفة الثقات ٢ / ٢٣٧.

(٩) معرفة الثقات ١ / ٤٣٢ وينظر الذهبي : تذكرة الحفاظ ٢ / ٥٢١.

(١٠) ابن سعد : الطبقات ٦ / ٣٤٢.

٢٠٦
 &

قتيبة بالكذب (١) ، وقيل : إنّه شيعي مهمل (٢) ، وكان يحدّث عن الضعفاء (٣) ، وهو نفسه اعترف بأنّه نسي لأبي صالح شيخه (١٠٠٠) حديث (٤) ، ورغم ذلك فقد وثّقه ابن معين (٥) ، علماً بأنّه حفظ (٤٠٠٠) حديث ، وقيل : ربما غلط في حديثه (٦).

_______________________

(١) تأويل مختلف الحديث / ١٣٨.

(٢) ابن داود : رجال / ١٠٦.

(٣) ابن معين : تاريخ ١ / ٢٦٧.

(٤) ابن عدي : الكامل ١ / ٦٣.

(٥) تاريخ / ٥٤.

(٦) ابن سعد : الطبقات ٦ / ٣٤٢.

٢٠٧
 &

ورود اسم عقيل في الحديث النبوي

ورد اسمه في الحديث النبوي الشريف في مواقف مختلفة مع أناس ضحّوا في سبيل الدعوة ، بحيث جعل من رفقاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين وهبهم الله له ، ومن ذلك :

الحديث الأوّل : ما رواه ابن عساكر بسند طويل انتهى إلى سفيان بن عيينة عن كثير النواء عن المسيب بن نجبة عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : (أعطي كلّ نبي سبعة رفقاء وأعطيت أنا أربعة عشر) ، وقيل لعلي عليه‌السلام : من هم ؟ فقال : (أنا وابناي الحسن والحسين وحمزة وجعفر وعقيل وأبو بكر وعمر وعثمان والمقداد وسلمان وعمار وطلحة والزبير) (١).

فالمعروف عن الإمام عليّ وابنيه عليهم‌السلام وعمّه وأخيه جعفر أنّهم قد أدّوا ما أدّوه في سبيل الإسلام ، أمّا عقيل ومن تبعه فما هي مواقفهم اتّجاه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يضعهم في مقام أئمّة معصومين ؟!

والأكثر من ذلك أنّ الرواية جمعت ما بين قاتل ومقتول ! فالمعروف أنّ طلحة والزبير خرجا على أمير المؤمنين عليه‌السلام وقاتلاه في واقعة الجمل ، وحصل ما حصل.

ثمّ هل من الإنصاف أن يكون طلحة والزبير وغيرهم بمنزلة أمير المؤمنين

_______________________

(١) تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٧ ، وللمزيد ينظر الحاكم : المستدرك ٣ / ١٩٩.

٢٠٨
 &

وابنيه عليهم‌السلام وعمّه وأخيه الذين سالت دماؤهم في سبيل الإسلام.

وبمعنى آخر ، هل نضع على قدم المساواة من سالت كلّ دمائه مع من لم تجري منه قطرة في سبيل الإسلام ، فأين العدل ؟!!

فلعلّ المراد بالأربعة عشر نجيباً الواردين في الحديث هم الاثنا عشر المعصومين عليهم‌السلام وحمزة وجعفر ، أمّا ما ذكر من أسماء فهي من حشو الرواة.

وقد نسج على منوال هذا الحديث صور أخر وأدخلت فيه أسماء كلّ من هبّ ودبّ !!

ـ الصورة الأولى : رواها ابن حنبل بسند فيه معاوية بن هشام عن سفيان عن سالم بن أبي حفصة قال : بلغني عن عبد الله بن مليل ، فغدوت إليه فوجدتهم في جنازة ، فحدّثني رجل عنه قال : « سمعت عليّاً عليه‌السلام يقول : (أُعطي كلّ نبي سبعة نجباء وأُعطي نبيكم أربعة عشر نجيباً ، منهم أبو بكر وعمر وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر) » (١).

وعنه في رواية أخرى وبنفس السند قال : « سمعت عليّاً عليه‌السلام يقول : (أُعطي كلّ نبي سبعة نجباء من أمّته ، وأُعطي ... منهم أبو بكر وعمر) » (٢).

الملاحظ على الرواية أنّها لم تذكر من النفر المشار إليهم إلّا الخليفتين عمر وأبا بكر وغيرهم ، وهؤلاء لم يؤدّوا ولو شيئاً قليلاً قياساً بالذي أدّاه حمزة وجعفر وعلي عليه‌السلام في أحداث الدعوة ، فلماذا اقتصر ابن حنبل على ذكرهم من دون غيرهم ، ولم يذكر اسم الرجل الذي حدّث عن عبد الله بن مليل ؟!

_______________________

(١) المسند ١ / ١٤٩.

(٢) ابن حنبل : المسند ١ / ١٤٢.

٢٠٩
 &

وقد أشكل الدارقطني على الحديث فذكره في علله قائلا : « هو حديث يرويه سالم بن أبي حفصة وكثير النواء عن عبد الله بن مليل ، واختلف عن كثير » (١).

ـ الصورة الثانية : روى ابن أبي عاصم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن الفضل ابن دكين عن فطر بن خليفة عن كثير بياع النواء قال : « سمعت عبد الله بن مليل يقول سمعت عليّاً يقول : وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إنّه لم يكن نبي إلّا أُعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء ، وإنّي أُعطيتُ أربعة عشر حمزة وأبو بكر وعمر وعلي وجعفر والحسن والحسين وعبد الله بن مسعود وأبو ذر وعمار بن ياسر والمقداد وسلمان) » (٢).

ـ الصورة الثالثة : الطبراني بسند طويل انتهى إلى سفيان بن عيينة عن كثير النواء عن أبي إدريس عن المسيب بن نجبة قال : « قال عليّ عليه‌السلام : (إنّ كلّ نبي أُعطي سبعة نجباء رفقاء وإنّا أُعطيتْ لنا أربعة عشر) ، قلنا لعليّ : من هم ؟ قال : (أنا وابناي وجعفر وحمزة وأبو بكر وعمر ومصعب بن عمير وبلال وسلمان وعمار وعبد الله بن مسعود) (٣). ولم يتمّ الأربعة عشر في هذا الحديث ، وإنّما ذكر اثني عشر فقط » !

ـ الصورة الرابعة : أورد البخاري الحديث مرتبكاً عن سعد أبي غيلان الشيباني سمع كثير النواء عن يحيى بن أم الطويل الثمالي عن عبد الله بن مليل قال : « قال عليّ عليه‌السلام : (قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أربعة عشر نجباء) » (٤).

_______________________

(١) العلل ٣ / ٢٦٢.

(٢) الآحاد ١ / ١٩. وينظر كتاب السنة / ٦٠٣ ، الخطيب البغدادي : تاريخ ١٢ / ٤٨٣ ، الحسكاني : شواهد ١ / ٤٨٩.

(٣) المعجم الكبير ٦ / ٢١٦.

(٤) التاريخ الكبير ٤ / ٦٣.

٢١٠
 &

ـ الصورة الخامسة : ذكر الخوارزمي نفس حديث عبد الله بن مليل ، وأضاف إليه العبّاس بن عبد المطلب مع النجباء (١).

وخلاصة ذلك : إنّ في كلّ صور الحديث لم يرد اسم عقيل ، سوى رواية ابن عساكر ، والظاهر أنّ كلّ راو يضع ما يحلو له من الأسماء ، ولهذا اختلفت من رواية إلى أخرى !

وسند الحديث فمطعون فيه ، تكلّم عنه الهيثمي فقال : « وذكر فيهم في بعض طرقه مصعب بن عمير ، وفيه كثير النواء ، وثّقه ابن حبّان ، وضعّفه الجمهور وبقية رجاله ثقات (٢) ، واعتبره الحاكم حسن الإسناد (٣) ، وعلى قول الحاكم اعتراضات ، منها : أنّ كثير النواء فيه طعون ، وهو كثير بن إسماعيل ضعيف (٤) ، وفيه ذموم كثيرة (٥) ، وسمّي كثير النواء ؛ لأنّه يبيع نوى التمر الذي يستعمل علفاً للحيوان فاشتهر به » (٦).

وقد عدّه بعضهم من الشيعة ، مثل الذهبي بقوله : « شيعي جلد ... مفرط التشيّع » (٧). وعلى هذا الرأي اعتراض ، فهو لم يكن شيعياً ولم يحسب على الشيعة ، وما ذهب إليه الذهبي هو رأي خاطئ ، ينقصه أن يعرف من هم

_______________________

(١) المناقب / ٢٨٩.

(٢) مجمع الزوائد ٩ / ١٥٧.

(٣) المستدرك ٣ / ١٩٩.

(٤) النسائي : الضعفاء / ٢٢٩ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٤٠٢ ، الثقفي : الغارات ٢ / ٢٨٨ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ١٠ / ١٦٠.

(٥) البحراني : الحدائق ١٣ / ٣٧٥.

(٦) الثقفي : الغارات ٢ / ٢٨٨.

(٧) ميزان الاعتدال ٣ / ٤٠٢ ، وينظر المباركفوري : تحفة الأحوذي ١٠ / ١٦.

٢١١
 &

الشيعة ؟! ولنا عتب معه ؛ لأنّه يرمي كلّ مذموم على طائفة الشيعة ، فإذا كان شيعياً فقد ذمّه الإمام الصادق عليه‌السلام ! وهذا ما رواه الطوسي عن أبي بصير قوله : « ذكر أبو عبد الله عليه‌السلام كثير النواء ، وسالم بن أبي حفصة ... فقال : (كذّابون مكذّبون ؟ كفّار عليهم لعنة الله) قال : قلت : جعلت فداك كذّابون قد عرفناها فما معنى مكذّبون ؟ قال : (كذّابون يأتوننا فيخبرونا أنّهم يصدّقونا وليسوا كذلك ، ويسمعون حديثنا فيكذبون به) » (١) ، وعن الإمام عليه‌السلام أيضاً قال : (اللّهمّ إنّي إليك من كثير النواء بريء في الدنيا والآخرة) (٢) ، وعن حنان بن سدير قال : « كنت عند أبي عبد الله أنا وجماعة من أصحابنا ، فقد ذكر كثير النواء ، قال : وبلغه عنه أنّه ذكره بشيء ، فقال لنا أبو عبد الله : (أما إنّكم إنْ سألتم عنه وجدتموه لغية) » (٣).

وفي الحديث سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي الكوفي ، أبو محمّد مولى لبني عبد الله بن رويبة من بني هلال بن عامر بن صعصعة (٤) ، كان جده أبا عمران عاملاً من عمّال خالد القسري (٥) ، ذكره الشبستري في أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام بأنّه كوفي مكي أعور من كبار علماء وفقهاء ومحدّثي العامّة ، ويعدّونه من ثقاتهم ، ويقولون : تغيّر حفظه في أواخر أيامه ، وربما دلّس ، وكان حافظاً ومفسّراً (٦) ؛ أمّا عن تدليسه فقال عنه الذهبي : إنّه يدلّس عن الثقات ، ويخطئ في نحو عشرين حديثاً عن الزهري ، واختلط سنة ١٩٧ هـ

_______________________

(١) الرجال ٢ / ٢٩٦.

(٢) الطوسي : الرجال ٢ / ٥١٠.

(٣) ابن إدريس الحلّي : مستطرفات / ٥٦٦.

(٤) ابن سعد : الطبقات ٥ / ٤٩٧ ، الطوسي : الرجال / ٢٢٠.

(٥) النجاشي : الرجال / ١٩٠ ، ابن داود : الرجال / ١٠٤.

(٦) أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام ٢ / ٥٤.

٢١٢
 &

فمن سمع منه في تلك السنة فلا شيء (١) ، وحاول سبط ابن العجمي أن يحفظ مكانته مشيراً إلى تدليسه بأنّه لا يدلّس إلّا عن الثقات ، وكان أئمّة الحديث يقبلوا ذلك منه (٢) ؛ وذكره ابن حنبل في علله (٣) ، والترمذي ناقلاً عن عبد الرحمن بن مهدي قوله : « ألا تعجبون من سفيان بن عيينة لقد تركت جابر الجعفي لقبوله لما حكى عنه أكثر من ألف حديث ، ثمّ هو يحدّث عنه » (٤) ؛ وكان يحفظ سبعة آلاف حديث ، ولم يكن له كتب (٥) ، وربما هذا سبب أخطائه فمن لديه هذا الكم الهائل من الأحاديث لابدّ أن يخطئ أو يخلط بينها ، وقد يكون ذلك سبباً في ترك حديثه (٦) ، ورغم ذلك وثّقه ابن سعد وجعله ثبتاً حجّة ، توفّي عن عمر ٩١ سنة (٧) ، ولكبر السنّ أثره في إرباك حديثه.

والمسيب بن نجبة بن رباح بن عوف ، شهد القادسية والمشاهد كلّها مع أمير المؤمنين عليه‌السلام ، واستشهد يوم عين الوردة (٨) مع التوّابين الذين تابوا من خذلان الإمام الحسين عليه‌السلام ، فبعث برأسه إلى مروان بن الحكم فنصبه بدمشق (٩) ، من التابعين الكبار ورأسهم وزهّادهم الذين أفناهم الحرب (١٠) ، ذكره الطوسي

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٢ / ١٧٠.

(٢) التبيين لأسماء المدلّسين / ٢٧.

(٣) علل ١ / ٤٠.

(٤) العلل / ٤١١.

(٥) العجلي : معرفة الثقات ١ / ٤١٧.

(٦) السقاف : تناقضات ١ / ٥٨.

(٧) الطبقات ٥ / ٤٩٨.

(٨) وهي ناحية قرقيسيا ، موضع في الجزيرة العربية ، شهد مذبحة الأمويين لأنصار الإمام الحسين عليه‌السلام بعد استشهاده ، حيث خرجوا للمطالبة بالثأر للإمام سنة ٦٥ هـ ، فتمّت تصفيتهم. (ابن سعد : الطبقات ٤ / ٢٩٣ ، اليعقوبي : تاريخ٢ / ٢٥٧ ياقوت الحموي : معجم ٤ / ١٧٩).

(٩) ابن سعد : الطبقات ٦ / ٢١٦.

(١٠) الخوئي : معجم رجال الحديث ١٩ / ١٨٠.

٢١٣
 &

في رجاله (١) ، وابن حبّان في الثقات (٢) ، وغير هذا لم نجد ما يدلّ على تجريحه.

وقد وجدنا الضعف والركاكة ، بل نكران الحديث وغرابته في المنشأ وهو عبد الله بن مليل ، وهو مجهول (٣) ـ وقد اجتهدنا في البحث لعلّنا نجد ما يدلّ على توثيقه أو تجريحه فلم يتسن لنا ذلك ـ ، والفضل بن دكين غير مطعون فيه (٤).

الحديث الثاني : قيل : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام والعبّاس وعقيل : (أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم).

قال الصدوق : ذكر عقيل وعبّاس غريب في هذا الحديث لم أسمعه إلّا من محمّد بن عمر الجعابي (٥). وعلّق السيّد الخوئي على الحديث بأنّ فيه عبد الله بن محمّد الرازي ، وهو مجهول فلا اعتماد على روايته (٦).

وهذه لم تكن الرواية الغريبة التي رواها الصدوق ، فقد روى عن سلمان المحمّدي رضي‌الله‌عنه : أنّه رأى سبعة نفر يمشون وتظلّهم غمامة ، حتّى أقبلوا عليه وهي تظلّهم ، فإذا هم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين عليه‌السلام وأبو ذر والمقداد وعقيل وحمزة وزيد بن حارثة (٧). وقد ذكر في حاشية المصدر نفسه الذي نقل الخبر

_______________________

(١) الرجال / ٩٦.

(٢) الثقات ٥ / ٤٣٧.

(٣) الكوفي : مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٥٣٣ ، هامش (٢) للمحقق محمّد باقر المحمودي.

(٤) ينظر مبحث نشأته وتربيته (الفصل الأوّل).

(٥) عيون أخبار الرضا ٢ / ٥٩.

(٦) معجم رجال الحديث ١٠ / ٢٥٤.

(٧) إكمال الدين / ١٦٤ ينظر الفتّال : روضة الواعظين / ٢٧٧ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ١٩ ، الراوندي : الخرائج ٣ / ١٠٨١ ، المجلسي : البحار ٢٢ / ٣٥٨ ، علي خان : الدرجات الرفيعة / ٢٠٣ ، النوري : مستدرك الوسائل ١٣ / ٣٥٩.

٢١٤
 &

تعقيباً مفاده : أنّ الرواية وهم ؛ لأنّ إسلام عقيل قبل الحديبية ، وهو لم يشهد المواقف التي قبلها ، وقد أسر مع المشركين في بدر ، وكان حمزة استشهد يوم أحد ، وإسلام سلمان كان بقباء حين قدوم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مهاجراً ، فإن لم تقبل ذلك فلا أقل من حضوره في غزوة الأحزاب ، فإنّ المسلمين حفروا الخندق بمشورته ، فكيف يجمع بين حمزة وعقيل مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل إسلام سلمان ، ولعل عقيل تصحيف ، علماً أنّ الأمر في الخبر سهل ؛ لأنّه مرسل ، وهو يشبه القصص والأساطير (١) ؛ وما يضعف الرواية أنّها وردت من دون سند.

الحديث الثالث : روي أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : (إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وقرابتي ، قال : آل عقيل وآل جعفر وآل العبّاس) (٢).

وعن هذا الحديث ، فهناك ما هو أصحّ منه ، من أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام : (أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم) (٣).

خلاصة ما عرضناه من أدلّة : لم يظهر من خلال مناقشتها أنّه متأخّر الإسلام ، ولا هناك ما يفيد إسلامه المبكر ، سوى رواية حضوره في زواج الإمام من الزهراء عليها‌السلام ، وهذا إن صحّ يترتب عليه أثر ، أي : يترتب عليه هجرة إلى المدينة.

فضلاً عن ذلك أنّه من أسرة مسلمة ، فأبوه كمؤمن آل فرعون وحامي الدعوة ، وأمّه هي من ربّت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأخوه أمير المؤمنين عليه‌السلام أوّل الناس إسلاماً وإيماناً ، وجعفر من وصل جناح النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصلاة ، فإذا كانت نشأته

_______________________

(١) الصدوق : إكمال الدين / ١٦٤ (حاشية المحقّق).

(٢) ابن طاووس : الطرائف ١ / ١١٦.

(٣) ابن حنبل : مسند ٢ / ٤٤٢ ، المفيد : الاعتقادات / ١٠٥ ، الطوسي : الأمالي / ٣٣٦ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ١٨.

٢١٥
 &

وتربيته وسط هذه الأجواء ، فلماذا أسلم متأخّراً ؟!

إذن هو أسلم بإسلام أمّه وأبيه وإخوته !

وإذا كان ثمّة من يعترض على هذا الرأي ، ويقول : إنّه حضر بدر مع المشركين وأُسر فيها ، وأسلم بعد الأسر.

نقول : إنّه لم يحضر فيها ، ولا في كلّ الحروب ، ولم يشارك فيها لعلّة ما !

وإذا كان بزعم بعضهم أسلم بعد بدر بدليل مشاركته فيها.

فليعلموا أنّه لم يشارك المسلمين حروبهم مع المشركين حتّى بعد إسلامه ، وما ذكر من حضوره في مؤتة وحنين وغيرها فهذا افتراء لم يكن قائماً على أساس قوي ، حيث تهاوت هذه الروايات ، وخرّت على عروشها أمام النقد العلمي الصحيح.

٢١٦
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEAqil-Ben-Abi-Talebimagespage0217.png

٢١٧
 &
٢١٨
 &

موقفه من معارك المسلمين

معركة بدر

روي أنّه اشترك في بدر مع المشركين وأسّر مع العبّاس بن عبد المطلب ، وأسلموا بعد الأسر (١) ، ونسبت وصية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصى فيها بالحفاظ على أرواح بني هاشم الذين خرجوا لقتال المسلمين ؛ لأنّهم أُخرجوا كارهين ، وهذه الوصية في عدّة صور ، منها :

١ ـ رواية القاضي نعمان : عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قوله : (لمّا أن كانت ليلة بدر أصابنا وعك من حمّى ، وشيء من مطر ، فافترق الناس يستترون تحت الشجر ، فنظرت إليهم من الليل ، فلم أر غير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم يزل قائماً يصلّي والناس نيام حتّى انفجر الصبح ، فصاح الصلاة عباد الله ، فأقبل الناس إليه من تحت الشجر ، فصلّى بهم ، فلمّا انفتل أقبل عليهم فذكر فضل الجهاد ورغّبهم فيه ، ثمّ قال لهم : (إنّ بني عبد المطلب قوم أخرجوا كرهاً ولم يريدوا قتالكم ، فمن لقي منكم أحداً فلا يقتله إن قدر عليه وليأسره ، وليأت به أسيراً) قال : فلمّا انهزم القوم ، وقتل من قتل ، وأُسر من أُسر منهم ، نظرت فإذا عقيل في الأسرى ، مشدودة يده إلى عنقه بنسعة (٢) ، فصددت عنه ، فصاح بي : يا عليّ يا بن أم ، أما والله لقد رأيت مكاني ، ولكنك عمداً تصدّ عنّي

_______________________

(١) الطبرسي : إعلام الورى / ٧٦.

(٢) حبل من الجلود مظفور. السيوطي : الديباج ٤ / ٢٨٣.

٢١٩
 &

قال عليّ عليه‌السلام : فلم أجبه بشيء ، وأتيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : يا رسول الله هل لك في أبي يزيد ... فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (انطلق بنا إليه) ، فمضينا نمشي نحوه ، فلمّا رآنا قال : يا رسول الله إن كنتم قتلتم أبا جهل فقد ظفرتم ، وإلّا فأدركوه ما دام القوم يحدثان قرحتهم ، فقال : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (بل قتله الله يا عقيل)) (١).

المتمعّن في الرواية يجد أنّها وردت من دون سلسلة سند ! فقد نقلها القاضي نعمان ت ٣٦٣ هـ مباشرة عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وإنّ الوصية لم تصرّح بأسماء بني عبد المطلب الذين أُخرجوا للقتال كرهاً ؛ وإذا صحّت الوصية ، وكان عقيل من ضمن المشمولين في الوصية فلماذا أدار الإمام عليه‌السلام وجهه عن عقيل ؟!

وهناك تناقض في الرواية ، بما أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصى بالحفاظ على أرواح بني عبد المطلب ، وأعلمَ قومه أنّهم أُخرجوا كارهين لقتالهم ، فلماذا يوصي بأسرهم ؟! أليس من الأجدر أن يوصي بعدم التعرّض لهم لأنّهم مسلمين ؟!

وعن موقف الإمام عليّ عليه‌السلام ، لماذا يصدّ بوجهه عن أخيه وهو الناقل لوصية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فما معنى الصدود ؟ ألم يظهر من ذلك أنّ عقيلاً كان كافراً في هذه الأثناء ؟ وإذا كان مسلماً فلماذا يصدّ عنه ؟!

وإذا صحّت الوصية ، فلماذا أخذ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الفدية عن أسرى بني عبد المطلب ـ كما سنوضحه لاحقاً ـ ؟!

وقد اختلفت هذه الرواية عن ثانية تالية.

٢ ـ رواية ابن سعد : نقلها ... عن ابن إسحاق حدّثني العبّاس بن عبد الله بن

_______________________

(١) شرح الأخبار ٣ / ٢٣٩ ، ينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٣.

٢٢٠