عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

بقوله : « ... وأصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ما شرطوه كثيرون ، فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهد حنيناً ، ومعه اثنا عشر ألفاً سوى الأتباع والنساء ، وجاء إليه هوازن مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم وترك مكّة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً ، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين ، فهؤلاء كلّهم لهم صحبة ، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان ، وكذلك حجّة الوداع ، وكلّهم له صحبة ولم يذكروا إلّا هذا القدر مع أنّ كثيراً منهم ليست له صحبة ... » (١).

بعد كلّ هذا نستطيع القول : إنّ كلّ من رأى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمع حديثه ليس بالضرورة أن يكون صحابياً ! ثمّ ما قيمة الرؤية والسماع إن لم يلتزم بما رآه وسمعه ؟ فكلّ من رأى وسمع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يسر على سيرته فهو ليس صحابياً ! فالصحابي من رأى فعل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمع حديثه وسار على نهجه حتّى وفاته ، أمّا إذا سمع ورأى والتزم بذلك خلال فترة وجود النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قيد الحياة ، ثمّ عدل عن نهج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته ، فيكون قد تجرّد من الصحبة. وفي كتب السير والتاريخ والتراجم الكثير ممّن صحب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يلتزم بأوامره ونواهيه التي هي أوامر الله ونواهيه !!

وأشار الشوشتري إلى تعريف الصحابي بقوله : « ... لا ريب في أنّ الصحابي من لقي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مؤمناً به وموته على الإسلام ، وأنّ الإيمان والعدالة مكتسبان ... فالصحابي كغيره في أنّه لا يثبت إيمانه إلا بحجّة ، لكن قد جازف أهل السنّة كلّ المجازفة فحكموا بعدالة كلّ الصحابة من لابس منهم الفتن ومن لم

_______________________

(١) ابن الأثير : أُسد الغابة ١ / ١٢.

١٨١
 &

يلابس ، وقد كان فيهم المقهورون على الإسلام ، والداخلون على غير بصيرة ، والشكاك كما وقع من فلتات ألسنتهم كثيراً ، وكان فيهم شاربوا الخمر وقاتلوا النفس وسارقوا الرداء وغيرها من المناكير ، بل كان فيهم المنافقون ... ويدعون بالصحابة ولم يكونوا بالنفاق معروفين ولا متميزين ظاهراً ، قال الله سبحانه : (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ...) (١) ، بل كان فيهم من يبتغي له الغوائل ويتربّص به الدوائر ويمكر ويسعى في هدم أمره » ، وأشار في نهاية حديثه إلى اغتيال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على يد أناس يدعون صحابته (٢).

وكذلك روي عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يخاطب المسلمين بقوله : (إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أيّ قوم أنتم). قال عبد الرحمن بن عوف : نكن كما أمرنا الله ، فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أو غير ذلك تتنافسون ثمّ تتحاسدون ثمّ تتدابرون ثمّ تتباغضون) ، وفي رواية : (ثمّ تنطلقون في مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض) ، وهذا ذمّ من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه (٣) ! فهل يصح أن يقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هكذا عن صحابته إنْ لم يكن عارفاً بما يفعلون بعده ؟

بعد هذا العرض الموجز عن الصحبة وكيفية تحققها ندخل في إيراد المصاديق عن عقيل بن أبي طالب.

_______________________

(١) محمّد / ٣.

(٢) الصوارم المهرقة ١ / ٦.

(٣) الحلّي : نهج الحق / ٣٢١.

١٨٢
 &

فإذا كان الصحابي من سمع حديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قيل : إنّه روى أحاديث لكنها قليلة ، وهذا ما أشار إليه الحاكم بقوله : « كان من حقّ شرفه ونسبه أن نقرّب ذكره من إخوته وعشيرته وإنّما تأخّر لقلّة روايته للحديث » (١) ، وفي رواية : « إنّه قليل الحديث » (٢) ، حيث روي عنه أحاديث يسيرة ، روى عنه ابنه محمّد وحفيده عبد الله وموسى بن طلحة وعطار بن أبي رباح ومالك بن أبي عامر ، وأبو صالح ذكوان السمان والحسن البصري (٣) ـ وهناك اعتراض على سماع الحسن البصري منه (٤) وقد وثّقه العجلي (٥) ـ.

_______________________

(١) المستدرك ٣ / ٥٧٥.

(٢) ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٤٢٤.

(٣) ابن ماكولا ، إكمال ٦ / ٢٣٥ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٤ ، الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٣٠.

(٤) النووي : المجموع ١٦ / ٢٠٨.

(٥) معرفة الثقات ٢ / ١٤٥.

١٨٣
 &

ومن أحاديثه

الحديث الأوّل : ما نقله عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قضية الرفاء والبنين ، وقد نوقشت القضية وفنّدت في محلّها (١).

الحديث الثاني : روى الحافظ الأصبهاني ، أحمد بن أبي سعيد بن إسحاق ابن إبراهيم المديني ، عن إسحاق بن إسماعيل ومحمّد بن عاصم ، عن القاضي أبي أحمد عن أبي بكر أحمد بن أبي سعيد بن إسحاق بن إبراهيم المديني عن إسحاق بن إسماعيل عن إسحاق بن سليمان عن أبي الجنيد عن جعفر بن أبي المغيرة عن عقيل بن مسلم عن عقيل بن أبي طالب قوله : « إنّ النبـيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمر ابن الخطاب : (إنّ غضبك عزّ ورضاك حكم) » (٢). وقد حاولنا أن نجد للقضية أصلاً في بقية المصادر ، فلم يتسن لنا ذلك.

وعن سند الرواية ، فهو مشوّش ومطعون فيه ، من جهة أشخاص غير معروفين ، ابتداءً من أوّل راوٍ لها وهو عقيل بن مسلم ، فهو مجهول الحال وغير معروف. وقد حاولت جاهداً أن أقف على حقيقة الرجل فلم أوفق ، وكلّ الذي وجدته هو ما ورد عن ابن عساكر قوله : « أبو مسلم عقيل بن مسلم الأسدي السمرقندي » (٣) ، وكذلك ما ذكره ابن ماكولا : « مسلم بن عقيل البرجمي كوفي روى عن عطية العوفي ، وروى

_______________________

(١) ينظر مبحث زوجاته (الفصل الثاني).

(٢) الأصبهاني : ذكر أخبار أصبهان ١ / ٩٧ ، المتّقي الهندي : كنز العمّال / ١٢ / ٥٥٦.

(٣) ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢٢ / ١٧١.

١٨٤
 &

عنه طاهر بن مدار » (١) ، وكفى هذا كلّ الذي ذكروه ، وهذا لا ينهض أنْ يكون دليلاً على وجوده. ويبقى تساؤل يمكن أن يطرح نفسه ، هل أنّ مفتعل الرواية أراد أن يوهم الناس بذكر عقيل بن مسلم ، ليجعله من ذرية مسلم بن عقيل بن أبي طالب ؟ فما ظنّك برواية مصدرها مجهول ؟!

ويدعم ذلك أنّ الشخص الذي نقل عنه ، وهو جعفر بن أبي المغيرة نقل عن سعيد بن جبير (٢) ، ولم ينقل عن عقيل هذا ! وهو كوفي كان ينزل قم (٣) ، وثّقه أحمد بن حنبل (٤) ، وأشار في موضع آخر فقال : « جعفر ليس بالمشهور ، وقد أسلم عليه » (٥) ، وهو تابعي دخل مكّة أيام عبد الله بن عمر مع سعيد بن جبير (٦) ، وذكره ابن مندة وقال : ليس بالقوي في سعيد بن جبير (٧) وقيل : صدوق (٨). ومن علامة ضعفه هو الشخص الراوي عنه ، وهو أبو الجنيد ، واسمه خالد بن الحسين ، ليس بثقة (٩) ، كان ببغداد وحديثه عن الضعفاء ، أو قوم لا يعرفون (١٠) مثل ابن أبي المغيرة ، وأورد ابن عدي مناكيره ، وفي جميعها حدّثنا

_______________________

(١) ابن ماكولا : إكمال ٦ / ٢٣٥.

(٢) ابن أبي شيبة : المصنّف ٣ / ١٦٨ ، ابن أبي الدنيا : التواضع / ١٩ ، الطوسي : الأمالي ٥٩٨.

(٣) ابن معين : تاريخ ٢ / ٢٨١.

(٤) العلل ٣ / ١٠٢ ، ابن شاهين : تاريخ / ٥٥.

(٥) ابن حنبل : العلل ٣ / ٢٨٣.

(٦) ابن حبّان : طبقات المحدّثين ١ / ٣٥٣.

(٧) ابن حجر : تهذيب التهذيب ٢ / ٩٣.

(٨) ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ١٦٤.

(٩) ابن معين : تاريخ ٢ / ٣٠٣ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٩ / ٣٥٤ ، ابن عدي : الكامل ٣ / ٤٠ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٤ / ٥١٢.

(١٠) الخطيب البغدادي : تاريخ ٨ / ٤١.

١٨٥
 &

أبو جنيد الضرير (١).

أمّا عن إسحاق بن إبراهيم ، فلم نستطع معرفته لوجود ثلاثة أشخاص بهذا الاسم. وقد حاولنا معرفته من خلال شيخه أبي الجنيد وتلميذه إسحاق بن إسماعيل اللذين وردا في الرواية ، فلم نوفّق ، وبهذا بقي لدينا في عداد المجاهيل.

والحال نفسها مع إسحاق بن إسماعيل ، فالأمر مختلف فيه ، فهناك ما يقارب أربعة أشخاص سمّوا بهذا الاسم : الأوّل : الطالقاني ثقة ، لكنّه تكلّم من سماعه عن جرير وحده (٢) ، والثاني : ابن نوبخ ، والثالث : النيسابوري من أصحاب الإمام العسكري عليه‌السلام ثقة ، كان ترد عليه التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل (٣) ، والرابع : السمرقندي (٤). هذا ، ولا نعرف من هو المقصود به ، علماً أنّ هذه التسمية كررت مرّتين في السند !

وقد أورد ابن حجر ثلاث تراجم لثلاث شخصيات كلّ منهم سمّي إسحاق ابن إسماعيل : أوّلهما : مذحجي الأصل ، أبو يعقوب الرملي النحاس ، روى عنه النسائي ، وقال : « صالح » ، وفي موضع آخر قال : « لا أدري ما هو » ، وقال : « كتبت عنه ولم أقف عليه » ، والمزّي لم يقف على روايته ، وأبو نعيم حدّث بأحاديث من حفظه فأخطأ فيها ، والثاني : إسحاق بن إسماعيل بن العلاء ، وقيل : ابن عبد

_______________________

(١) ابن حجر : لسان ٢ / ٣٧٥.

(٢) ابن أبي الدنيا : الورع / ١٧.

(٣) الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ٨٠ ، البروجردي : طرائف ١ / ٢٨٢ ، وينظر العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٥٨.

(٤) الذهبي : تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٦٣.

١٨٦
 &

الأعلى الأيلي ، كنيته أبو يعقوب ، روى عن سفيان بن عيينه ، توفّي سنة ٢٠٨ هـ ، والثالث : إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ، أبو يعقوب نزيل بغداد يعرف باليتيم ، روى عن جرير وابن عيينة وغيرهم ، فيه كلام ضعّفه جرير ، توفّي سنة ٢٠٣ هـ ، وثّقه بعضهم (١).

أمّا أبو بكر أحمد بن أبي سعيد المديني فلم نجد ترجمة له ، أي أنّه غير معروف ، وقد تكرر مرّتين في السند ، في هذه المرّة نقل عن أبي أحمد القاضي ، والأخرى هو الذي نقل عنه الحافظ الأصفهاني.

أمّا أبو أحمد القاضي ، فهناك كثير ممّن سمّوا بهذا الاسم ، منهم : محمّد بن محمّد بن مكي بن يوسف الجرجاني قدم بغداد ، وروى بها عن محمّد بن يوسف كتاب الصحيح للبخاري ، قال ابن عساكر : « لم يحدّثنا عنه أحد شيوخنا البغداديين ، ولكن حدّثنا عنه أبو نعيم الأصفهاني ، وقد تكلّموا فيه وضعّفوه ، توفّي بأرجان سنة ٣٧٤ هـ (٢) ، وابن حبّان : أبو أحمد القاضي لم يك من أهل الضلالة (٣) ، ومنهم منصور ابن محمّد ، أبو أحمد القاضي الحنفي النيسابوري ، قدم بغداد حاجّاً وحدّث بها عن محمّد بن الحسن السراج ، وبشير بن أحمد الأسفراييني (٤) ، ومنهم محمّد بن أحمد ابن إبراهيم العسال ، أبو أحمد القاضي ، وهو شيخ أبي نعيم (٥) محمّد بن أحمد بن محمّد الحنفي » (٦).

_______________________

(١) تهذيب التهذيب ١ / ١٩٧ ، وينظر هامش (٢) من الصفحة نفسها.

(٢) تاريخ مدينة دمشق ٥٥ / ٢٠٩.

(٣) طبقات المحدّثين ١ / ٩٤.

(٤) الخطيب البغدادي : تاريخ ١٣ / ٨٦.

(٥) ابن أبي عاصم : الآحاد ١ / ٢.

(٦) الحاكم الحسكاني : شواهد ٢ / ٥٠١.

١٨٧
 &

أمّا عن متن الرواية ، فنحن لم نعرف المناسبة التي قال فيها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحديث في حقّ الرجل ! ثمّ متى كان الغضب عزّاً ؟! وما شكل العزّ الذي يأتي من الغضب ؟! فربما قصد من أدلى بهذه الرواية أن يشبّه الخليفة عمر رضي‌الله‌عنه بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! حيث استفاد من الرأي القائل إنّ كلّ حركات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسكناته رضاه وغضبه هي تشريع وحكم سماوي.

كما وردت رواية أخرى عند الطبري عن ابن حميد قوله : عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال : « كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي ، فمرّ رجل من المسلمين على رجل من المنافقين ، فقال له : « النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي وأنت جالس ؟ » فقال له : امض إلى عملك إن كان لك عمل ، فقال : « ما أظن إلّا سيمرّ عليك من ينكر عليك » ، فمرّ عليه عمر ... فقال له : « يا فلان ، النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي وأنت جالس ؟ » فقال له : مثلها ، فقال : هذا من عملي ، فوثب عليه فضربه حتّى انتهى ، ثمّ دخل المسجد فصلّى مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا انتقل صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام إليه عمر ، فقال : يا نبيّ الله مررت آنفاً على فلان وأنت تصلّي ، فقلت له : النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي وأنت جالس ؟ فقال : سر إلى عملك إن كان لك عمل ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (فهلّا ضربت عنقه) فقام عمر مسرعاً ، فقال : (يا عمر ارجع فإنّ غضبك عزّ ورضاك حكم ، إنّ لله في السماوات السبع ملائكة يصلّون ، له غنى عن صلاة فلان) ، فقال عمر : يا نبيّ الله وما صلاتهم ؟ فلم يرد عليه شيئاً ، فأتاه جبريل فقال : يا نبيّ الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء ؟ قال : (نعم) فقال : اقرأ على عمر السلام ، وأخبره أنّ أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزّة والجبروت ، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان الحي

١٨٨
 &

الذي لا يموت » (١).

الملاحظ عن سند الرواية ، أنّ سعيد بن جبير لم يسم الرجل المسلم الذي مرّ على الرجل المنافق ! ولم يذكر اسم الأخير أيضاً ! فالكلام دار حول مجهولين ، وهذا أوّل بوادر ضعف الرواية ! ثمّ كيف عرف المسلم بأنّ هناك من ينكر على المنافق ؟ وفعلاً جاء عمر بن الخطاب وأنكر عليه فعلته ، عندما مرّ عليه وضربه !!

وهذا عليه إشكال لأسباب ، منها : لماذا ضرب عمر الرجل المنافق ؟ ألأنّه لم يصلّ خلف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فإنّ عمر نفسه لم يصلّ بعد ، وجاء متأخّراً عن الصلاة ! ثمّ من الذي خوّله أن يضرب الرجل ، وعلى ما استند في ذلك ؟ وأنّ الله نهى عن ذلك بقوله : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (٢) ، وبما أنّ الله نهى من أن يُكره أحد على الدخول في الإسلام ، فكيف طابت نفس عمر أن يضربه مع علمه بنهي الله سبحانه عن ذلك ؟

وربما يكون فعل ـ عمر إنْ صح ـ لا يكون من باب الإكراه في الدين ، فالرجل كما يظهر أنّه مسلم إلّا أنّه منافق أو متهاون في العبادة وأداء الصلاة ، وعمل عمر هنا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويحقّ للمسلم أن يجبر غيره على أداء الفرائض كالصلاة والصيام حتّى وإن كان ذلك بالقوّة ، فتارك الصلاة أو المتجاهر بالإفطار قد يعاقبان بالضرب أو الحبس.

لكن السؤال المطروح هنا : هل أنّ ذلك الرجل قام للصلاة بعد ضربه ؟ إذن

_______________________

(١) تفسير ١ / ٣٠٢ ، ينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٧ / ١٨٦ ، المتّقي الهندي : كنز العمّال ١٢ / ٥٩٨.

(٢) البقرة / ٢٥٦.

١٨٩
 &

ما الفائدة من ضربه إذا لم ينته عن فعله ، ولم يقم للصلاة ؟! فالرواية لم توضّح كون المنافق ارتدع وصلّى.

والسؤال الآخر : أين كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي ؟ أليس في الجامع ، إذن فالرجل المنافق كان جالساً في الجامع ، وإذا كان كذلك فلماذا حضر ولم يصلّ ؟ خاصّة وأنّ المنافق هو الذي يظهر خلاف ما يبطن ، أي : إظهار الإيمان وكتم الشرك. ولكن الرواية توضّح أنّ الرجل لم يكن منافقاً بدليل أنّه لم يكتم فعله ، فكان عليه أن يتظاهر بالصلاة كمنافق ! وإذا كان كافراً ، فلا يدخل المساجد الكفّار ، ولا يوجد ما يوجب عدم الصلاة ، فلماذا الحضور للجامع ، وأمام مرأى الصحابة ؟ فربما أمر أقعد الرجل ، أو أنّ الرواية لا تدخل العقل.

والسؤال الأخير : كيف للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يطلب ضرب عنقه ؟ هل لمجرد عدم الصلاة ؟!

فإنّ المسألة تحتاج إلى معالجات أُخر !! وبهذا يمكن القول إنّ الحديث موضوع لتبرير سياسة عمر القائمة على الشدّة ، إذ أراد الراوي أن يوضّح بأنّ عمر كان كذلك أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان يشيد به ويثني عليه.

أمّا عن كلام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما نقل له عمر الحادثة فقال : (هلّا ضربت عنقه) إن صحّ الكلام ، ربما أراد توبيخ عمر وليس الرضا عنه ! بدليل أنّ الأخير عندما همّ أن يضرب الرجل ثانية منعه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا كان المقصود هو مدح عمر فقد انقلب الأمر وبالاً عليه : لأنّه لم يلتزم بأحكام القرآن ، ولذلك منعه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! وبما أنّ الموقف كذلك وأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير راض عن عمر فكيف يقول له : (يا عمر غضبك عزّ ورضاك حكم) ؟! ثمّ لماذا جبرائيل عليه‌السلام قرأ على عمر السلام ؟ هل

١٩٠
 &

لأنّه لم يعمل بنصّ القرآن أم لأنّه سأل عن صلاة أهل السماء ؟!

هذا عن متن الرواية ، أمّا عن سندها :

فهي مقطوعة السند في سعيد بن جبير ، وهو تابعي لم يدرك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يسمع حديثه ، فمن أين أخذ الرواية وهي تتعلّق بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فالمفروض أنْ تروى عن طريق صحابي وليس عن طريق تابعي ! فهناك حلقة مفقودة في سلسلة السند ، استطاع أحد الوضّاع أن يعيدها للسند زوراً ، وهو إبراهيم بن رستم المروزي ، فقد تفنن في وضع السند ، فجعل من أنس بن مالك الوسيلة في ذلك ، فأصبحت سلسلة السند عن طريق سعيد بن جبير عن أنس بن مالك ! لكن أحد المحقّقين عن الأسانيد أنكر عليه فعلته ؛ لأنّ الحديث ورد عن سعيد مرسلاً ، ولم يوصله إلّا المروزي هذا ، وهو مطعون فيه ، فقيل : محلّه الصدق ، وثّقه ابن معين ، لكن ضعّفه ابن عدي ، وأبو حاتم ليس بذاك (١) ، ونقل الألباني عن الدارقطني ليس بالقوي ، وقيل : منكر الحديث (٢) ، يوجد له حديث أنكر هذا (٣) ، توفّي سنة ٢١١ هـ (٤).

أمّا عن جعفر بن أبي المغيرة ، وهو حلقة الوصل بين هذه الرواية والرواية السالفة ، حيث شكل القاسم المشترك في سلسلة سند الروايتين ، فهو مطعون فيه كما بيّناه.

أمّا عن يعقوب القمي ، هو ابن عبد الله بن سعد بن مالك بن هانئ بن عامر

_______________________

(١) الهيثمي : مجمع الزوائد ١ / ٣٢٧.

(٢) إرواء الغليل ١ / ٢٩٠.

(٣) ابن عدي : الكامل ١ / ٢٦٣.

(٤) البغدادي : هدية العارفين ١ / ١.

١٩١
 &

ابن أبي عامر ... الأشعري ، كنيته أبو الحسن ، من أهل قم نزل الري ، قوّاه النسائي ، لكن المنذري والدارقطني جعلاه ليس بالقوي (١) ، والشوكاني فيه مقال (٢) وغير ثقة (٣) ، ذكره الشبستري في أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام وقال : « محدّث لم يذكره أكثر أصحاب كتب الرجال والتراجم في كتبهم ، روى عنه محمّد بن عبد الحميد » (٤) ، ذكره ابن حبّان بأنّه شيخ متقن (٥) ، روى عنه جرير بن عبد الحميد ، كان إذا مرّ عليه يقول : « هذا مؤمن آل فرعون » (٦) ، قيل : إنّه محدّث فقيه وثّقه بعض العامّة ، ووصفوه بأنّه محدّث أهل قم ، وكان صدوقاً يهم ، وقال آخرون : ليس بالقوي ، توفّي سنة ١٧٣ هـ ، وقيل : سنة ١٧٤ هـ (٧) ، ذكره البرقي في أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام ، ولا يستبعد أن يكون هو ويعقوب بن عبد الله بن جندب شخصية واحدة ، علماً أنّه من أصحاب الإمام الرضا عليه‌السلام ، وقيل : من أصحاب الإمام الكاظم عليه‌السلام (٨) ، وأنّ يعقوب بن عبد الله بن جندب من رجال الشيخ الطوسي (٩) ، وقد عقّب البروجردي على أنّ ابن جندب هذا غير معروف ، ولا يعتدّ بحديثه (١٠).

أمّا محمّد بن حميد بن حيان التميمي الحافظ أبو عبد الله الرازي ت ٢٤٨ هـ ،

_______________________

(١) ابن حجر : فتح الباري ١٠ / ١١٦ ، مقدّمة فتح الباري / ٤٥٩.

(٢) نيل الأوطار ٤ / ٣٤٥.

(٣) ابن أبي عاصم : كتاب السنّة / ٣٣٢.

(٤) الفائق ٣ / ٤٥٨.

(٥) الثقات ٧ / ٦٤٥.

(٦) ابن حبّان : طبقات المحدّثين ٢ / ٣٤.

(٧) الشبستري : الفائق ٣ / ٤٥٧.

(٨) الخوئي : معجم رجال الحديث ٢١ / ١٥٢.

(٩) رجال / ٣٦٩ ، وينظر التفرشي : نقد الرجال ٥ / ٩٨.

(١٠ البروجردي : طرائف ١ / ٣٧٢.

١٩٢
 &

حافظ لكنه ضعيف (١) ، وليس بالقوي (٢) ، لم يحدد الهيثمي موقفه تجاهه ، فقد ضعّفه ومن ثمّ وثّقه ، وفي موضع آخر وثّقه وقال : فيه خلاف (٣) ، وابن حجر فيه مقال (٤) وأنّه حافظ ضعيف ، لكن ابن معين حسّن الرأي فيه (٥) قال عنه : ثقة كيّس ، لكن البخاري قال : فيه نظر ، وكذّبه الكوسج وأبو زرعة (٦) ، وفي رواية أوردها ابن عساكر ثمّ ضعّفها عن الإمام عليّ عليه‌السلام قال : « قال رسول الله : اتّقوا غضب عمر فإنّ الله يغضب إذا غضب » ، وهذا الحديث فيه أبو لقمان ، وهو ضعيف يروي المنكرات عن الثقات (٧).

الحديث الثالث : ومن الأحاديث التي رواها عقيل قوله : « إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا أتاه الستة النفر من الأنصار جلس إليهم عند جمرة العقبة ، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته والمؤازرة على دينه ، فسألوه أن يعرض عليهم ما أوحي إليه ، فقرأ من سورة إبراهيم : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ) (٨) ، فرقّ القوم وأخبتوا حين سمعوا منه ما سمعوا وأجابوه » (٩).

الحديث الرابع : وقد أورد المتّقي الهندي في مسند عقيل عن أبي إسحاق السبيعي عن الشعبي عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن عمر عن عقيل ،

_______________________

(١) ابن أبي عاصم : كتاب السنّة / ٥٣.

(٢) المارديني : جواهر ١ / ٤.

(٣) مجمع الزوائد ٥ / ٤٧ ، ٩ / ٢٩٠.

(٤) فتح الباري ١ / ٣٦٨.

(٥) المباركفوري : تحفة الأحوذي ١ / ١٤٨.

(٦) المباركفوري : تحفة الأحوذي ١ / ١٥٨.

(٧) تاريخ مدينة دمشق ٤٤ / ٧٢.

(٨) إبراهيم / ٣٥.

(٩) الطباطبائي : الميزان ١٢ / ٧٩.

١٩٣
 &

ومحمّد بن عبد الله بن أخي الزهري عن الزهري : « أنّ العبّاس بن عبد المطلب مرّ بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يكلّم النقباء ويكلّمونه فعرف صوت صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. فنزل وعقل راحلته ، ثمّ قال لهم : يا معشر الأوس والخزرج هذا ابن أخي وهو أحبّ الناس إليّ فإنْ كنتم صدّقتموه وآمنتم به وأردتم إخراجه معكم فإنّي أريد أن آخذ عليكم موثقاً تطمئن به نفسي ولا تخذلوه ولا تغرّوه فإنّ جيرانكم اليهود وهو لكم » (١).

وعلى هذه الرواية بعض علامات الاستفهام ! منها يتعلّق بالسند ، ومنها بالمتن.

وفيما يخصّ المتن ، وهو معارضة العبّاس نفسه للدعوة الإسلامية ، فقد كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعو الناس في سوق ذي المجاز بقوله : (قولوا : لا إله إلّا الله تفلحوا) ، والعبّاس يسمع قوله ويرد عليه : « أشهد أنّك كذّاب » ! ولم يكتف بذلك ، بل أخبر أبا لهب فأقبلا يناديان : « أنّ ابن أخينا كذّاب فلا يغرّنكم عن دينكم » (٢). وجاء عن الإمام الصادق عليه‌السلام معارضة العبّاس للدعوة ، حيث أشار إلى هذا المعنى بقوله : (إنّ الله لمّا بعث رسوله محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أبونا أبو طالب المواسي له بنفسه والناصر له ... والعبّاس وأبو لهب يكذّبانه ويؤلّبان عليه شياطين الكفر ، وأبوكم ـ أبو العبّاسيين ، العبّاس بن عبد المطلب ـ يبغي له الغوائل ويقود إليه القبائل في بدر ، وكان في أوّل رعيلها وصاحب خيلها ورجلها المطعم يومئذ ... والناصب له الحرب) (٣). وروي أنّه نزل فيه قوله تعالى : (وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي

_______________________

(١) كنز العمّال ١ / ٣٢٦.

(٢) ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ٥٦ ، المجلسي : البحار ١٨ / ٢٠٣.

(٣) ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ٢٦١ ، المجلسي : البحار ٤٧ / ١٧٦ ، النوري : مستدرك الوسائل ١٧ / ٢٠٤.

١٩٤
 &

الآخِرَةِ أَعْمَى) (١) ، وقوله : (وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ) (٢).

أمّا أصل الحديث ، فقد روي عن أبي إسحاق السبيعي الشيعي ، ففيه طعون (٣). هذا ، ولا نعرف مدى صحّة هذه الطعون ، فربما طعن فيه ؛ لأنّه شيعي.

وعبد الملك بن عمير ، فقد كان مدلّساً (٤) ، وذكره أبو نعيم في الضعفاء ؛ لأنّه يروي المناكير (٥) ، ولم يوصف بالحفظ (٦) ، وقيل : إنّ أبا عوانة أوثق منه (٧) ، وقد اضطرب حديثه مع قلّة ما رواه ، حيث غلط في كثير من أحاديثه ، وقلّ ما روي عنه (٨) ، وقد اختلط وتغيّر حفظه قبل موته ، وقد أشار إلى ذلك الشيخ المفيد بقوله : « ... فمن أبناء الشام وأجلاف محاربي أمير المؤمنين عليه‌السلام المشتهرين بالتعصّب والعداوة له ولعترته ولم يزل يتقرّب إلى بني أمية بتوليد الأخبار الكاذبة ... والطعن في أمير المؤمنين حتّى قلّدوه القضاء ، وكان يقبل الرشى ويحكم بالجور والعدوان ، وكان متجاهراً بالفجور والعبث بالنساء » ، فمن ذلك أنّ الوليد بن سريع خاصم أخته كلثم بنت سريع إليه في أموال وعقار ، وكانت كلثم من أحسن نساء وقتها وأجملهن فأعجبته فوجّه القضاء على أخيها تقرّباً إليها وطمعاً فيها ، فظهر ذلك عليه واستفاض عنه ، وفيه قال هذيل الأشجعي (٩) :

أتاه وليد بالشهود يقودهم

على ما ادعى من صامت المال والخول

_______________________

(١) الاسراء / ٧٢.

(٢) هود / ٣٢.

(٣) ينظر مبحث نشأته و تربيته (الفصل الاول).

(٤) ابن حبّان : الثقات / ١١٦ ، ابن العجمي : التبيين لأسماء المدلسين / ٣٩ ، ابن حجر : طبقات المدلسين / ٤١.

(٥) الضعفاء / ٩٣.

(٦) ابن حنبل : العلل ١/ ٢٤٩.

(٧) ابن المبرد : بحر الدم / ٢٠٢.

(٨) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥/ ٣٦٠ ، ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٦١٨.

(٩) هذيل بن عبدالله بن سالم ، شاعر كوفي معروف بالهجاء. (ابن حزم : جمهرة / ٢٤٩ ، الزركلي : الأعلام ٩/ ٧٢).

١٩٥
 &

يسوق إليه كلثماً وكلامها

شفاء من الداء المخامر والخبل

فما برحت تومي إليه بطرفها

وتومض أحيانا إذا خصمها غفل (١)

وهو الذي احتز رأس عبد الله بن يقطر (٢) بالكوفة ـ أحد أنصار الحسين عليه‌السلام ـ بعد أن رمى به من فوق القصر (٣) ، وفوق ذلك كلّه أنّه من أشياع بني أمية ، وكان يجهز على أصحاب الإمام الحسين عليه‌السلام وهم جرحى (٤) ، وهو من المقرّبين إلى ابن زياد ، وهو الذي رمى رأس الحسين عليه‌السلام في مجلس ابن زياد (٥). وبعد كلّ هذه المساوئ وثّقه بعضهم (٦) !!

أمّا الزهري ، فهو مطعون فيه ، وقد بيّنا ذلك سابقاً.

ـ كما روى عبد الله بن محمّد بن عقيل عن أبيه عن جدّه عقيل : « أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعلي : (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبي بعدي ») (٧).

ـ وبالسند المتقدّم نفسه عن عقيل قوله : « نازعت عليّاً وجعفر بن أبي طالب في شيء فقلت : والله ما أنتما بأحبّ إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منّي إنّ قرابتنا لواحدة ، وإنّ أبانا لواحد ، وإنّ أمّنا لواحدة ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أمّا أنت يا جعفر إنّ

_______________________

(١) الإفصاح / ٢٢٠ ، وينظر ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٧ / ٦٢.

(٢) كان رسول الإمام الحسين عليه‌السلام إلى ابن زياد ، الذي أمر به فرمي من فوق القصر مكشوفاً فوقع على الأرض وبه رمق فذبحه عبد الملك. (الفتّال : روضة الواعظين / ١٧٧).

(٣) الشيخ المفيد : الإرشاد ٢ / ٧١ ، الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ٥١٨.

(٤) القمي : كتاب الأربعين ١ / ٢٧٥ ، المجلسي : البحار ٢٣ / ١٦٢.

(٥) العجلي : معرفة الثقات ٢ / ١٠٥ ، الحنفي : نظم / ٢٢٠.

(٦) ابن معين : تاريخ ١ / ٢٠٠ ، العجلي : معرفة الثقات ٢ / ١٠٤ ، الخزار القمي : كفاية الأثر / ٣٢٨ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ٦٦٠.

(٧) ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٨ / ٧ ، ابن طاووس : الطرائف ١ / ٥٣.

١٩٦
 &

خلقك يشبه خلقي) » (١).

الحديث الخامس : روى الزهري عن محمّد بن عقيل عن أبيه عقيل ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام : (أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن نكاح المتعة في غزوة تبوك) (٢).

لا نريد أن ندخل في تفاصيل الموضوع خشية الإطالة والدخول في مطبّات ، لكن الذي نريد قوله : إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام لم ينه عن زواج المتعة ، وإنّ الذي حرّمها هو عمر بن الخطاب ، وكتب الشيعة شاهد صدق على بقاء المتعة لديهم إلى اليوم.

أمّا عن سند الحديث ، فنكتفي بتجريح الشيخ المفيد له ، فقد أشار إلى أنّ الحديث أرسله يحيى عن الحسن والمرسل لا حجّة فيه ، وأسنده الزهري وفيه طعن ، حيث قال عنه نافع : الزهري ساقط الحديث ، ونقّاد الأثر شديد التدليس ، والراوي عن محمّد بن مسلم ، إسماعيل بن يونس ، وهو ضعيف عند أصحاب الحديث ، فقال ابن معين : ليس بحجّة (٣).

الحديث السادس : ذكر ابن أبي عاصم أنّ عقيلاً تختّم في يمينه وقال : « تختّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يمينه » (٤) ، وعلّق بقوله : « غريب سنداً والمتن مشهور ومعروف من حديث عليّ عليه‌السلام أمّا عن عقيل فلم أجد من خرّجه » (٥).

وبعد عرض هذه الأحاديث التي رويت عنه ، هل تحققت صحبته أم لا ؟!!

_______________________

(١) ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٤ / ٢٢٧.

(٢) المفيد : خلاصة الإيجاز / ٣٢.

(٣) للتفصيل راجع خلاصة الإيجاز / ٣٢.

(٤) الآحاد ١ / ٢٧٩.

(٥) ابن أبي عاصم : الآحاد ١ / ٤٩.

١٩٧
 &

وخلاصة القول : نحن نعتقد بسلامة موقف الرجل ، ولم يكن له ذنب يؤاخذ عليه سوى أنّه ابن أبي طالب وأخو أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكلّ التهم التي حيكت ضدّه فهي لغرض الإطاحة بأخيه عليه‌السلام وأبيه والنيل منهما !

١٩٨
 &

ورود اسمه في أسباب النزول

ورد اسم عقيل في أسباب نزول بعض الآيات :

منها قوله تعالى : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) (١).

المراد من قوله : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم) ، أي : أزلنا عن صدور أهل الجنّة ما فيها من أسباب العداوة من الغلّ ، أي الحقد والحسد والتباغض والتنافس ، فالغلّ هو الحقد الذي ينغل في القلب ، ومنه الذي يجعل من العنق ، والغلول الخيانة التي يطوّق عارها صاحبها. أمّا عن قوله : (عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) ، فالسرير هو المجلس الرفيع ، موطأ للسرور ، وجمعه أسرّة ، وبعد أن نزع الله من قلوبهم الغلّ أصبحوا إخوانا متوادّين كائنين على مجالس السرور متقابلين متواجهين ينظر بعضهم بعضاً ، لا يرى الرجل قفا زوجته ، ولا هي كذلك ؛ لأنّ الأسرّة تدور بهم كيف شاؤوا حتّى يكونوا متقابلين في عموم أحوالهم ، وقيل : متقابلين في الزيارة (٢) ، متحابّين في الله بعضهم بعضا (٣) ، أي : عدم تتبّع أحدهم عورات إخوانه وزلّاتهم كما يفعل ذلك من في صدره غلّ وهو معنى لطيف (٤).

وقد اختلف في أسباب نزولها ، ففي ذلك عدّة آراء :

_______________________

(١) الحجر / ٤٧.

(٢) الطوسي : التبيان ٦ / ٨١١ ، الطباطبائي : الميزان ١٢ / ١٧٣.

(٣) ابن البطريق : خصائص الوحي / ٢٤٤.

(٤) الطباطبائي : الميزان ١٢ / ١٧٧.

١٩٩
 &

أوّلاً : نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وأخيه عقيل وجعفر وعمّه حمزة وأبي ذر وعمار والمقداد والحسن والحسين عليهما‌السلام (١).

وإذا صحّ نزول الآية في هؤلاء النفر ، هل كان في صدورهم غلّ ؟!! فهم من خيرة الصحابة ولهم مواقف مشرّفة في الذبّ عن حمى الإسلام ونشر الدعوة.

أمّا عن عقيل ، فلم تسجّل له المصادر التي اطّلعنا عليها أيّ شيء يذكر ، بل الذي حصل العكس ، فهو لم يشارك في حروب الدعوة إلى الإسلام إلّا بعد فتح مكّة ، بل أُسر في أحد المعارك مع الكفّار ، وترك أمير المؤمنين عليه‌السلام في أيام محنته ، وسافر إلى معاوية حسبما أشارت إليه الروايات ، ولم تسجّل له هجرة أسوة بباقي المسلمين.

وإذا صحّ ورود اسمه مع من نزلت فيهم فهو يدحض كلّ ما قيل فيه.

وفي رواية أبي هريرة عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : (يا رسول الله أنا أحبّ إليك أم فاطمة ؟ قال : فاطمة أحبّ إليّ منك وأنت أعزّ عليّ منها ، وكأنّي بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس ، وإنّ عليه أباريق عدد النجوم ، وأنت والحسن والحسين وحمزة وجعفر وفاطمة وعقيل في الجنّة إخوانا على سرر متقابلين ، وأنت معي وشيعتك ، ثمّ قرأ رسول الله الآية) (٢).

ثانياً : روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّها نزلت في شيعة آل البيت ، فقال عليه‌السلام : (والله ما عنى غيركم) يعني الشيعة ، وفي رواية أنّه عليه‌السلام قال : (أنتم والله التي نزلت

_______________________

(١) الحسكاني : شواهد التنزيل ١ / ٤١٣.

(٢) الطباطبائي : الميزان ١٢ / ١٧٦.

٢٠٠