عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وقتل كذلك عبد الله بن مسلم بن عقيل وابن عمّه محمّد بن أبي سعيد بن عقيل (١). وقيل قتل : من بني عقيل مع الحسين عليه‌السلام جعفر الأكبر ومسلم وعبد الله الأكبر وعبد الرحمن ومحمّد بن عقيل (٢).

_______________________

(١) ابن كثير : البداية ٨ / ٢٠٦.

(٢) البلاذري : أنساب الأشراف / ٦٩.

١٤١
 &

بناته

أمّا بناته فيروى أنّ له ست بنات ، هنّ : أم هانئ ، وأسماء ، وفاطمة ، وأم القاسم ، وزينب أم النعمان لأمّهات أولاد ، ورملة وهي أخت محمّد بن عقيل لأمّه أم ولد حسب رواية ابن سعد (١) ، في حين جعلها البلاذري شقيقة مسلم وعبد الله الأصغر وعبيد الله ، وأم عبد الله ومحمّد لأمّهما حلية (٢) ، قيل : إنّها تزوّجت عمرو بن الحسن بن عليّ (٣) عليهم‌السلام وأنجبت منه ولداً اسمه محمّد (٤). وهذه أهم المعلومات التي حصلنا عليها حول رملة وزوجها ، وهي بعمومها فقيرة وغير وافية ، ولا يمكن الاطمئنان إلى وجود رملة وزوجها ، وربما هي أسماء وهميّة لا وجود لهما وخاصّة رملة ، فهي اسم من دون أثر ، وقد تعقّب الباحث سيرة ابنها محمّد ، فلم يجد ما يهديه إلى معرفة أمّه ، وكلّ الذي وجده هو ما يتعلّق بروايته للحديث.

_______________________

(١) الطبقات ٤ / ٤٢.

(٢) أنساب الأشراف / ٦٩.

(٣) ابن أبي طالب بن عبد المطلب خرج مع الإمام الحسين عليه‌السلام إلى كربلاء ، ووقع في السبي لصغر سنّه ، أمّه أم ولد ، وقد أنجب ابنه محمد ، الذي انقرض ولده ودرجوا ولم يبق منهم أحد ، وهذا يتعارض مع الأخبار الكثيرة التي نقلت عن محمّد بن عمرو وأولاده ، وفي الوقت نفسه رويت أخبار تفيد أنّ عمرو استشهد في يوم عاشوراء. ينظر أخباره في (أبو مخنف : مقتل / ٢٤٣ ، ابن حبّان : الثقات ٢ / ٣٠٩ ، الطبري : تاريخ ٤ / ٣٥٩ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤٥ / ٤٨٤ ، مراجع من العلماء : مجموعة وفيات / ١٢٧).

(٤) ابن خياط : طبقات / ٤٥٠ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٥ / ١٧ ، المزّي : تهذيب الكمال ٢٦ / ٢٠٣ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ٩ / ٣٢٩.

١٤٢
 &

وقيل : خمسة ، وهنّ : أم لقمان ، وأم هانئ ، وأسماء ، ورملة ، وزينب ، حيث خرجن يبكين قتلى الطف (١).

وقيل : إنّ زينب كانت أكبرهنّ وأوفرهنّ عقلاً (٢) ، وتزوّجت عمر الأكبر بن الإمام عليّ عليه‌السلام ، فأنجبت له محمّداً وأم موسى وأم حبيب (٣).

وروي أنّ عمر قد تزوّج أسماء بنت عقيل ، كما سنوضّحه.

وقد اختلفت الروايات حول الباكية من بناته على قتلى الطف ، فقيل : أسماء من فعلت ذلك ، حيث خرجت مع جماعة من النساء إلى قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولاذت وشهقت عنده ، ثمّ التفتت إلى المهاجرين والأنصار قائلة :

ماذا تقولون إن قال النبيّ لكم

يوم الحساب وصدق القول مسموع

خذلتم عترتي أو كنتم غيبا

والحقّ عندي ولي الأمر مجموع

أسلمتموهم بأيدي الظالمين فما

منكم له اليوم عند الله مشفوع

ما كان عنده غداة الطف إذ حضروا

تلك المنايا ولا عنهن مدفوع (٤)

ويبدو أنّ زينب هي أم النعمان وأم لقمان ، وربما حدث تصحيف في الاسم ، فهي الباكية بالأبيات هذه نفسها ، وقد اختلف الاسم فقط ، فقيل : أم لقمان خرجت حاسرة ومعها أخواتها وهي ناعية الحسين عليه‌السلام بقولها :

ماذا تقولون إذا قال النبيّ لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

_______________________

(١) الديلمي : ارشاد القلوب ٢ / ١٢٣ ، وينظر الأمين : لواعج الأشجان.

(٢) النمازي : مستدرك ٤ / ٣١٧.

(٣) البلاذري : أنساب الأشراف / ١٩٢.

(٤) المفيد : الأمالي / ٣١٩ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٦٢.

١٤٣
 &

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي

منهم أُسارى ومنهم ضرجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي (١)

وفي رواية أنّ زينب بنت عقيل خرجت على الناس في البقيع تبكي قتلاها بقولها :

مـاذا تقولون إذا قال النبيّ لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بأهل بيتي وقد أضحوا بحضرتكم

منهم أُسارى وقتلى ضرجوا بدم

هل كان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

وقيل : إنّها تلت (٢) قوله تعالى : (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٣).

وقيل : إنّ فاطمة بنت عقيل رثت قتلى الطف ، ومنهم آل عقيل ، وقد حددتهم بأنّهم خمسة ، وأشارت إلى ذلك بقولها :

عين ابكي بعبرة وعويل

واندبي إنْ ندبتِ آل الرسول

ستة كلّهم لصلب علي

قد أصيبوا وخمسة لعقيل (٤)

وفي رواية ثانية ذكرها القندوزي أيضاً عن فاطمة بنت عقيل وهي ترثي قتلى الطف ، جعلت القتلى من صلب الإمام عليّ عليه‌السلام تسعة بدلاً من الستة ، وهذا

_______________________

(١) المفيد : الإرشاد ٢ / ١٢٤ ، المجلسي : البحار ٤٥ / ١٢٣ ، الأمين : لواعج / ٢١٦.

(٢) القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ١٩٩ ، ابن طاووس : اللهوف / ٩٩ ، ابن نما الحلّي : مثير / ٧٥ ، القندوزي : ينابيع المودّة ٣ / ٤٧.

(٣) الأعراف / ٢٣.

(٤) القندوزي : ينابيع المودّة ٣ / ١٥٣.

١٤٤
 &

واضح من قولها :

تسعة كلّهم لصلب عليّ

قد أصيبوا وخمسة لعقيل (١)

ويروى أنّها إحدى الفواطم اللاتي تقاسمن قطعة القماش التي أعطاها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للإمام عليّ عليه‌السلام فشققها بينهن : وهن فاطمة بنت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفاطمة بنت أسد ، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب ، وفاطمة بنت عقيل (٢).

وقد تزوّجت من عليّ بن يزيد حسب رواية البلاذري. وبدورنا بحثنا عن الأخير فوجدناه قد تزوّج وأنجب عبد الله ومحمّداً ومسلماً ، وأمّهم ابنة عقيل بن أبي طالب من زوجته أم ولد ، وكذلك أنجب بنتاً اسمها عبدة من زوجته ابنة عقيل ، هذا ولم تشر الروايات إلى اسم زوجته ، ولم تحدد من هي ابنة عقيل ، فقد اكتفت بما ذكرناه ، فهي فاطمة حتماً.

هذه كلّ الأخبار التي حصلنا عليها عن فاطمة ، وبهذا لا يمكن الاعتماد على وجودها ، ولم نعرف أمّها من هي ؟ ولا شيئاً عن وفاتها ؟ وهل خرجت مع إخوتها في واقعة كربلاء أم لا ؟ وتفاصيل كثيرة بقيت مجهولة للباحث سوى نتف وإشارات متفرّقة منسوبة إليها حيناً ومنسوبة إلى غيرها حيناً آخر (٣).

وعن أم القاسم بنت عقيل ، فقد بحثنا عنها ولم نجد شيئاً يذكر ، وهي في عداد المجاهيل ، وربما ألصقت به.

وأسماء بنت عقيل ، فقد ذكر البلاذري أنّها تزوّجت عمر بن عليّ بن أبي

_______________________

(١) ينابيع المودّة ٣ / ٤٨.

(٢) المازندراني : شرح أصول الكافي ٦ / ١٦٧.

(٣) المزّي : تهذيب الكمال ٩ / ٢٢٤ ، مصعب الزبيري : نسب قريش / ٨٥ ، الخطيب البغدادي : تاريخ ١٣ / ٤٥٦.

١٤٥
 &

طالب (١).

وعند الرجوع إلى شخصية عمر ، نرى روايات حول زوجاته ، منها :

رواية ابن سعد ، قال : « محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ، وأمّه أسماء بنت عقيل بن أبي طالب ، فولد محمّد بن عمر ، عمر وعبد الله وعبيد الله ، وكلّهم قد روي عنه الحديث ، وأمّهم خديجة بنت عليّ بن حسين بن عليّ عليهم‌السلام ، وجعفر ابن محمّد وأمّه أم هاشم بنت جعفر بن جعفر بن جعدة » (٢).

ورواية ابن خياط ، قال : « محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، أمّه أم عبد الله ، واسمها أسماء بنت عقيل » (٣).

ورواية العلوي ، قال : « وولد عمر بن عليّ بن أبي طالب ستة ، منهم : ثلاث نساء ، هنّ أم حبيب ، وأمّها أم عبد الله بنت عقيل ، وأم موسى ، وأم يونس ، وأمّهما أسماء بنت عقيل بن أبي طالب ، والرجال محمّد ... وأمّه أسماء بنت عقيل » (٤).

ورواية ابن ماكولا ، قال : « أسماء بنت عقيل بن أبي طالب كانت عند عمر ابن عليّ ... فولدت له محمّداً وفيه العقب ، وأم حبيب وأم موسى وعبد الله بن محمّد بن عقيل الأحول » (٥). يتّضح أنّ أم عبد الله هي أسماء ، وهي نفسها زينب.

إذن الروايات مختلفة حول أبناء وبنات أسماء من زوجها عمر ، ففي رواية

_______________________

(١) أنساب الأشراف / ٦٩.

(٢) الطبقات ٥ / ٣٢٩.

(٣) الطبقات ٥ / ٤١٧.

(٤) المجدي في أنساب الطالبين / ٢٤٤.

(٥) إكمال ٦ / ٢٣٥.

١٤٦
 &

ابن سعد أنّها ولدت محمّداً فقط ، وفي رواية ابن خياط أنّ أم محمّد هي أم عبد الله ، وأمّها أسماء بنت عقيل ، وفي رواية العلوي أنّ أم عبد الله بنت عقيل ، أنجبت أم حبيب من زوجها عمر بن عليّ ، وأنجب من أسماء بنت عقيل محمّداً وأم موسى وأم يونس ، في حين ورد في رواية ابن ماكولا أنّ أسماء ولدت محمّداً وأم حبيب وأم موسى وعبد الله بن محمّد بن عقيل ، وفيما يخصّ الأخير فهو من ذرية عقيل ، فالخلط في الأولاد والزوج يظهر منه أنّ زينب وأسماء هما شخصية واحدة.

أمّا عن زينب ، فقيل : هي زينب الصغرى ، ولم نجد عنها أخباراً يمكن الاطمئنان إليها ، وكلّ الذي وجدناه أنّها رثت قتلى الطف ، وهناك اختلاف حول المراثي التي قالتها.

فقد روى القاضي نعمان عن الزبير بن بكار قوله : « لمّا أتى أهل المدينة مقتل الحسين عليه‌السلام خرجت زينب بنت عقيل ... وهي زينب الصغرى ترثي أهلها ... وروى هذه الأبيات منسوبة إلى أسماء بنت عقيل » (١).

أمّا الصالحي الشامي فقد نقل هذه المراثي عن أبي بكر الأنباري منسوبة إلى زينب بنت عقيل ، وقد جعلها أخت الإمام الحسين عليه‌السلام ، مشيراً بقوله : « إنّ زينب بنت عقيل ... لمّا قتل أخوها الحسين عليه‌السلام أخرجت رأسها من الخباء وأنشدت رافعة صوتها » ، ثمّ أشار إلى أبيات الرثاء (٢). لعلّه أراد بأخت الحسين عليه‌السلام زينب بنت أمير المؤمنين عليهم‌السلام.

في حين أنّ القندوزي نسب الأبيات إلى زينب بنت عقيل ، حيث نقل عن

_______________________

(١) شرح الأخبار ٣ / ٥٤٧.

(٢) سبل الهدى ١١ / ٧٧.

١٤٧
 &

الواقدي قوله : « لمّا وصلت السبايا بالرأس الشريف للحسين عليه‌السلام المدينة لم يبق بها أحد وخرجوا يضجون بالبكاء ، وخرجت زينب بنت عقيل ... كاشفة وجهها ناشرة شعرها تصيح وا إخوتاه ، وا أهلاه ، وا محمّداه ، وا عليّاه ، وا حسيناه ، ثمّ قالت شعراً » (١).

يظهر من الرواية أنّ زينب كانت في المدينة ، ولم تخرج مع إخوتها إلى كربلاء ، ولم نعرف أسباب عدم خروجها.

وعندما شعر والي المدينة بخطر زينب بنت أمير المؤمنين عليهما‌السلام ؛ لأنّها ألبَّت الناس عليه حاول إبعادها من المدينة فرفضت ، فأشارت عليها زينب بنت عقيل بقولها : « يا ابنة عمّاه قد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوء منها ما نشاء فطيبي نفساً وقرّي عيناً وسيجزي الله الظالمين ، أتريدين بعد هذا هواناً ارحلي إلى بلد آمن » (٢).

ومهما يكن من شيء ، فقد اختلفت الروايات حول نسبة هذه الأبيات إلى صاحبها الأصلي ، قيل : هي لأم لقمان ، حيث روى الشيخ المفيد : أنّها لما سمعت نعي الحسين عليه‌السلام خرجت حاسرة عن رأسها ومعها أخواتها أم هانئ وأسماء ورملة وزينب بنت عقيل تبكي قتلاها بالطف وأنشدت هذه الأبيات (٣). في حين نسبها ابن شهر آشوب إلى زينب بنت عليّ عليه‌السلام ، وإلى الإمام زين العابدين عليه‌السلام ، وأبي الأسود الدؤلي ، وإلى أسماء بنت عقيل (٤). ونسبها البحراني مرّة إلى الإمام

_______________________

(١) ينابيع المودّة ٣ / ٤٧.

(٢) مراجع من العلماء : مجموعة وفيات / ٤٦٨.

(٣) المفيد : الإرشاد ٢ / ١٢٤ ، المجلسي : البحار ٤٥ / ١٦٤.

(٤) مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٦٢.

١٤٨
 &

زين العابدين عليه‌السلام ، وأخرى إلى أم لقمان بنت عقيل (١). أمّا ابن عساكر فقد نقل بهذا الخصوص روايتين إحداهما منقولة عن أبي بكر الأنباري نسبها إلى زينب بنت عليّ عليه‌السلام ، والأخرى عن الزبير بن بكار منسوبة إلى زينب الصغرى بنت عقيل (٢). وقد نسبها بعضهم إلى امرأة من بنات عبد المطلب ، حيث خرجت ناشرة شعرها واضعة كفّها على رأسها باكية وهي تردد هذه الأبيات (٣). وروى القندوزي رواية مفادها أنّ سبايا الحسين عليه‌السلام لما سير بهم إلى الشام ومعهم رأس الحسين عليه‌السلام نزلوا على أوّل منزل وكان خراباً فوضع الرأس الشريف وإذا هاتف يردد هذه الأبيات (٤).

_______________________

(١) العوالم / ٣٦٨.

(٢) تاريخ مدينة دمشق ٦٩ / ١٧٧ ، ينظر الصالحي : سبل الهدى ١١ / ٧٧.

(٣) المزّي : تهذيب الكمال ٦ / ٤٢٩ ، ابن كثير : البداية ٦ / ٢٦٠ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ٢ / ٣٠٥.

(٤) ينابيع المودّة ٣ / ٨٩.

١٤٩
 &
١٥٠
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEAqil-Ben-Abi-Talebimagespage0151.png

١٥١
 &
١٥٢
 &

أدلّة القائلين بتأخرّ إسلامه

من المعروف أنّ الدعوة الإسلامية ابتدأت بتلك الثلّة القليلة من المسلمين التي تمخّض عنها اجتماعهم بعد نزول قوله تعالى : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(١) ، وما فعله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما عمل وليمة لعشيرته وقومه حضر فيها كثير من بني هاشم ، وقد تصدّى أبو طالب للحديث في أثناء ذلك عندما دعاهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للدخول في الإسلام ، وقد سجّلت بعض المواقف للمؤيّد والمعارض ، ومن خلال ذلك لم يسجّل لعقيل أيّ موقف(٢).

وهذا يمكن أن يعدّ الدليل الأوّل ، حيث غُيّب دوره تماماً وكأنّه غير موجود !

الدليل الثاني : لم يظهر دوره على مسرح الأحداث إلّا عندما تذمّرت قريش من دعوة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذهبوا يشكون ذلك إلى عمّه أبي طالب ، فأرسل عقيلاً ليحضر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا ما أشار إليه ابن إسحاق عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن موسى بن طلحة ، قال : أخبرني عقيل بن أبي طالب ، قال : « جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا : إنّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا فانهه عنّا ، فقال : يا عقيل انطلق فاتني بمحمّد ، قال : فانطلقت إليه فاستخرجته من

_______________________

(١) الشعراء / ٢١٤.

(٢) للتفاصيل ينظر المحمداوي : أبو طالب / ١١.

١٥٣
 &

خنس (١) » (٢).

فلم يظهر من الرواية ما يفيد إسلامه أو عدمه ، وإنّما كان دوره دور المبلّغ للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّ عمّه يريده لا غير ، وهذا لا يترتب عليه أثر.

ومن الجدير بالذكر ، أنّ هذه الرواية الوحيدة التي وردت لدى ابن إسحاق فيما يخصّ عقيل ! وممكن لهذه الملاحظة أن تدحض الروايات التي تخصّ عقيلاً مما نسبوه إلى ابن إسحاق.

والرواية مجروحة من جهة طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيدالله ت ١٤٦ هـ ، قيل : له أحاديث صالحة (٣) ، وثّقه العجلي (٤) ، وأبو زرعة صالح (٥) ، وبالمقابل ذكره النسائي في الضعفاء وقال : إنّه ليس بالقوي (٦) ، وأبو داود ليس به بأس (٧) ، ذكره ابن حبّان وقال « .. طلحة بن يحيى ... التيمي القرشي ، عداده في أهل الكوفة ، يروي عن عمّه موسى بن طلحة وعمّته عائشة ... كان يخطأ ... قيل : إنّه رأى ابن عمر ، وليس عليه اعتماد » (٨) ، وقيل : إنّه أدرك عبد الله بن جعفر (٩) ، له

_______________________

(١) قيل : كبس بيت صغير ، وقيل : غار في الجبال. (ابن منظور : لسان ٦ / ١٩٠ ، الزبيدي : تاج ٤ / ٢٢٩).

(٢) السير والمغازي / ١٥٠ ، وينظر البخاري : تاريخ ٧ / ٥٠ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ٥٧٧ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٦٦ / ٣١٥ ، ابن كثير : البداية ٣ / ٥٥ ، السيرة النبوية ١ / ٤٦٣.

(٣) ابن سعد : الطبقات ٦ / ٣٦١.

(٤) معرفة الثقات ١ / ٤٨١.

(٥) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٤٧٨ ، ينظر ابن حجر : تهذيب التهذيب ٥ / ٢٥.

(٦) الضعفاء / ١٩٨.

(٧) سؤلات ١ / ١٦٠.

(٨) الثقات ٦ / ٤٨٧ ، ينظر مشاهير / ٢٥٨.

(٩) ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢٥ / ١٣٣.

١٥٤
 &

أحاديث منكرة (١) ، وذكر الذهبي أنّ البخاري أنكر حديثه (٢) ، وأنّه نقل الرواية عن عمّه موسى بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان (٣) المتوفّي في الكوفة سنة ١٠٣ هـ ، وقيل : سنة ١٠٤ هـ ، ثقة كثير الحديث (٤) ، قيل : أنّه رجل صالح (٥) ، تابعي خيّرٌ (٦) ، لم يوثّقه المحقّق السبزواري (٧). إذن الرواية مرسلة ! لأنّ الراوي لم يدرك عقيلاً ، المتوفّي في حدود سنة خمسين هجرية (٨).

الدليل الثالث : أيّدت إحدى الروايات قضية كفره في تلك الفترة ! وهذا ما أشار إليه الكوفي بقوله : « حدّثنا محمّد ، قال : حدّثنا أبو عثمان القارئ ، قال : حدّثني الأصمعي عن نافع بن أبي نعيم ، قال : كان أبو طالب يعطي عليّاً قدحاً من لبن كي يصبّه على اللات ، فكان عليّ عليه‌السلام يتأخّر الرجوع حتّى يسمر ، فأنكر ذلك أبو طالب فبعث بعقيل فإذا هو يشرب اللبن ويبول على اللات فأخبر عقيل أبا طالب بذلك ، فأخذ أبو طالب القدح منه ودفعه إلى عقيل فكان يصبّه على اللات » (٩).

وهذه من روايات الآحاد ، والذي يتدبّرها يعرف سذاجة الوضع فيها ؛ لأنّ أبا طالب لم يسجد لصنم قط ، وإنّما كان مسلماً موحّداً على ملّة خليل

_______________________

(١) ابن حجر : تهذيب التهذيب ٥ / ٢٥.

(٢) الكاشف في معرفة من له رواية ١ / ٥١٥.

(٣) ابن سعد : الطبقات ٥ / ١٦١ ، ابن خياط : طبقات / ٢٦١.

(٤) ابن سعد : الطبقات ٥ / ١٦٣.

(٥) العجلي : معرفة الثقات ٢ / ١٢.

(٦) العجلي : الثقات ٢ / ٣٠٦.

(٧) ذخيرة المعاد ٢ / ٣٣٢.

(٨) ينظر مبحث وفاته (الفصل الخامس).

(٩) مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٦٦.

١٥٥
 &

الرحمن عليه‌السلام (١). ثمّ لماذا يعطي القدح للإمام عليّ عليه‌السلام رغم علمه بإسلامه ؟! فالأجدر به أن يعطيه لعقيل منذ البداية ، فهذه خرافة مقروءة من عنوانها.

أمّا عن سند الرواية ، ففيه محمّد بن أبي الضيف المكي (٢) المخزومي ، واسمه زيد حجازي مولى بني مخزوم (٣) ، وقيل : اسمه زياد بن سعد بن ضميرة (٤) الضمري السلمي ، ويقال : زياد بن سعد بن ضميرة حجازي ، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح (٥) ، وأورد ابن حجر كثرة الاختلافات في اسمه ، وهو من أتباع التابعين (٦).

وخلاصة ما تقدّم لم نجد ما يدلّ على توثيقه أو تجريحه.

وأبو عثمان القاري ، وهو عبد الله بن عثمان بن خثيم ت ١٣٢ هـ من القارة حليف بني زهرة ، كان ثقة وله أحاديث حسنة (٧) ، وثّقه العجلي (٨) ، وضعّفه العقيلي مشيراً بأنّه يحدّث الرجل بالحديث ولا يحدّث بحديثه كلّه ، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدّثان عنه (٩) ، وقيل : ما به بأس صالح الحديث (١٠) ،

_______________________

(١) ينظر المحمداوي : أبو طالب / ١١ ـ ١٧.

فقد بحثت جاهداً لعلّي أجد للرواية أصولاً في بقية المصادر ، فلم يتسن لي ذلك.

(٢) المزّي : تهذيب الكمال ٢٤ / ٤٥٤ ، الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ١٨٢.

(٣) ابن حجر : تهذيب التهذيب ٩ / ٢٠٨ ، ينظر تقريب التهذيب ٢ / ٨٩.

(٤) الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ١ / ٤١٠.

(٥) الجرح والتعديل ٣ / ٥٣٥.

(٦) تهذيب التهذيب ٣ / ٣١٨.

(٧) ابن سعد : الطبقات ٥ / ٤٨٨ ، المزّي : تهذيب الكمال ١٥ / ٢٧٩.

(٨) معرفة الثقات ٢ / ٤٦.

(٩) الضعفاء ٢ / ٢٨١.

(١٠) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥ / ١١١ ، الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ١ / ٥٧٤.

١٥٦
 &

وأنّه من أهل الفضل والنسك والفقه والحفظ (١) ، كان يخطئ (٢) ، وأحاديثه ليست بالقويّة ، وقيل : حجّة (٣).

الملاحظ أنّ القاري متقدّم الوفاة على الأصمعي ، فالأجدر بالأخير أن يروي عن القاري !

وعن الأصمعي (٤) أبي سعيد البصري الباهلي المتوفّي ٢١٦ هـ (٥) ، والأصمعي نسبة إلى أحد أجداده (٦) المدعو عليّ بن أصمع الذي وقف جدّه بحضرة الحجّاج الثقفي فصاح : « أيّها الأمير إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّاً ، وإنّي فقير بائس ، وأنا إلى صلة الأمير محتاج ، فتضاحك الحجاج وقال ... وليتك موضع كذا » (٧) ، وتجدر الإشارة إلى أنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت أيام بني أمية تقرّباً إليهم ، فيظنّون أنّهم يرغمون به أنوف بني هاشم !

قيل : إنّ الأصمعي سنّي صدوق (٨) ، وصفه النووي بأنّه إمام مشهور من كبار

_______________________

(١) ابن حبّان : مشاهير / ١٤١.

(٢) ابن حبّان : الثقات ٥ / ٣٣.

(٣) ابن عدي : الكامل ٤ / ١٦٠.

(٤) هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن أصمع بن مظهر بن رباح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا ابن سعيد بن عبد بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان. السمعاني : الأنساب ١ / ١٧٨.

(٥) البخاري : التاريخ الكبير ٥ / ٤٢٨ ، التاريخ الصغير ٢ / ٣٠٨.

(٦) السمعاني : أنساب الأشراف / ١٧٧.

(٧) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٤٦ ، علي خان : الدرجات الرفيعة / ٨.

(٨) المباركفوري : تحفة الأحوذي ١٠ / ٨٤.

١٥٧
 &

أئمة اللغة المكثرين والمعتمدين منهم ، وكان من ثقات الرواة ومتقنيهم (١) ، ثقة (٢) ، سئل يحيى بن معين عن الأصمعي فقال : « لم يكن ممّن يكذّب ، وكان من أعلم الناس في فنّه » (٣). وهذا صحيح إلى حدّ ما ، فهو عالم في فنّه لكن اللغة فنّه ، وليس محدّثاً أو راوياً للأخبار ، وهذا ما أشار إليه ابن النديم عن المبرد قوله : « كان الأصمعي أنشد للشعر والمعاني ، وكان أبو عبيدة كذلك ويفضّل على الأصمعي بعلم النسب » (٤). وذكر السمعاني أنّ الأصمعي ليس فيما يروي من الحديث عن الثقات إذا كان دونه ثقة تخليط ، وكان ممّن أكثر الحكايات عن الأعراب (٥) ، وقليل الرواية للمسندات (٦) ، وكان بخيلاً يجمع أحاديث البخلاء ، كافأه هارون العبّاسي بمائة ألف (٧) ، وكان النمازي شديداً عليه فقال : « صاحب كتب خبيث ملعون ، يبغض أمير المؤمنين عليه‌السلام ؛ لأنّه قطع يد جدّه أصمع بن مظهر في السرقة ... » (٨).

أمّا نافع بن أبي نعيم ، فلم نجد له ترجمة ، وإنّ ما وجدناه هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ المدني مولى بني ليث ، أصله من أصفهان ، يأخذ عنه فيما يخصّ القرآن ، وليس في الحديث بشيء ، وثّقه ابن معين ، والنسائي ليس به بأس ، وذكره ابن حبّان في الثقات ، له نسخة عن ابن أبي الزناد ، وعن

_______________________

(١) شرح مسلم ١ / ٨٦.

(٢) ابن شاهين : تاريخ / ١٥٩ ، الشوكاني : نيل الأوطار ٥ / ٨٥.

(٣) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥ / ٣٦٣ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ١٧٦.

(٤) الفهرست / ٦١.

(٥) الأنساب ١ / ١٧٧ ، وينظر ابن حبّان : الثقات ٨ / ٣٨٩.

(٦) الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ١٧٦.

(٧) الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ١٧٩.

(٨) مستدرك ٦ / ٣٧٧.

١٥٨
 &

الأعرج ، والمزّي : « لم أر في أحاديثه شيئاً منكراً ، وأرجو أنّه لا بأس به » توفّي سنة ١٦٩ (١). وهذا لا يصح النقل عنه لانقطاع السند فيه ، فالحادثة وقعت في بداية الدعوة ، وتحديداً في حياة أبي طالب المتوفّي في السنة العاشرة من البعثة (٢).

إذن هناك رواة أسقطوا من السند ، وهذا يضعفها ، بل يجعلها مرفوضة تماماً.

الدليل الرابع : قيل : إنّ عقيلاً والعبّاس بن عبد المطلب كانا حاضرين في أثناء حصار الشعب إلّا أنّهما كانا على دين قومهما ، وهذا ما أشار إليه ابن أبي الحديد بقوله : « ... انّ بني هاشم عندما حصروا في الشعب بعد أن منعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قريش ، كانوا صنفين مسلمين وكفّاراً ، فكان عليّ عليه‌السلام وحمزة بن عبد المطلب مسلمين ... وكان من المسلمين المحصورين في الشعب مع بني هاشم عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ، وهو إن لم يكن من بني هاشم إلّا أنّه يجري مجراهم ؛ لأنّ بني المطلب وبني هاشم كانوا يداً واحدة ، لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام ، وكان العبّاس رحمه الله في حصار الشعب معهم إلّا أنّه كان على دين قومه ، وكذلك عقيل بن أبي طالب وطالب بن أبي طالب ... وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وابنه الحارث بن نوفل بن الحارث ، وكان شديداً على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبغضه ويهجوه بالأشعار ، إلّا أنّه لا يرضى بقتله ... محافظة على النسب » (٣).

_______________________

(١) تهذيب الكمال ٢٩ / ٢٨٢.

(٢) ينظر المحمداوي : أبو طالب / ١٧٥.

(٣) شرح نهج البلاغة ١٤ / ٦٤.

١٥٩
 &

وهذه الرواية عليها إشكال ، حيث لم نجد لعقيل والعبّاس أيّ دور يذكر ! ثمّ لماذا يدخلون الشعب وهم كفّار ؟!

وما قيل : إنّ الحصار فرض على بني هاشم كافرهم ومؤمنهم ، فهذا رأي خاطئ وغير مقبول ، وإذا صحّ فلماذا لم يُحاصر أبو لهب وغيره ؟ وإذا دخل كفّار بني هاشم في الشعب هذا معناه العداء لهم بسبب خلافات أُخَر لا علاقة لها بالإسلام ، وهذا وهم ؛ لأنّ الخلاف عقائدي يتعلّق بالإسلام من جهة والوثنية من جهة أخرى.

وهذه الرواية من بدع بني العبّاس أرادوا تأصيل دور أبيهم في الدفاع عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متناسين أنّها انقلبت وبالاً عليهم ، حيث كشفت عن إسلام العبّاس بن عبد المطلب المتأخّر !

وإذا كان الحصار على بني هاشم فما ذنب عبيدة بن الحارث أن يكون معهم في الشعب ؟! وقد أشار صاحب الرواية إلى ذلك ، لأنّه يجري مجراهم ، أي : لأنّه مسلم ، وهذا هو الصحيح ، فالحصار شمل المسلمين دون المشركين ، وذلك لأنّهم دخلوه برغبتهم بقصد حماية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما أضيف من أسماء الكفّار إلى قائمة النازلين في الشعب فهذه من روايات أهل البدع والضلال ، وإلّا ما ذنبهم يتحمّلون المعاناة من الجوع والعطش وغيره ! وقد حاولنا أن نجد الرواية في بقية المصادر فلم نوفق ، ولم نجد لها سلسلة سند.

وقد فات على منتحل الرواية أن يعرف أنّ الداخلين في الشعب كلّهم مسلمون لم يكن فيهم كافر ، دخلوه بإرادتهم حفاظاً على نبيّ الرحمة صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعندما رأت قريش تصلّب موقف أبي طالب في الدفاع عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورأوا

١٦٠