عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

علي صالح رسن المحمداوي

عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة

المؤلف:

علي صالح رسن المحمداوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-77-5
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

المتمعّن في سلسلة سند الرواية يجد الآتي :

الحكم بن رافع أبو اليمان البهراني الحموي ، احتجّ الشيخان بحديثه ، يقال : إنّه رأى مالكاً ولم يسمع منه لما رأى عنده من الحجاب والفراش ، وهذا ليس من أخلاق العلماء حسب رأيه ، فقال عنه أبو حاتم : ثقة نبيل (١) وصدوق (٢) وشيخ صالح يقرأ القرآن (٣) ، ذكره ابن حبّان في الثقات (٤) ، وقال العجلي لا بأس به (٥) ، وثّقه ابن معين ، وضعّفه أبو زرعه (٦) في الوقت الذي روى فيه أنّه سمع شعيب (٧) ، رفض عليّ بن المديني سماعه من شعيب ، وأن أحاديث أبي اليمان تشبه أحاديث الدواوين (٨) ، وابن ماكولا فيه وهم (٩) ، توفّي في حمص سنة ٢٢٢ هـ (١٠).

أمّا إسماعيل بن عياش ، أبو عتبة العنبسي الحمصي أحد الأعلام ، وفد على المنصور فولّاه خزانة الثياب ، وكان محتشماً نبيلاً ، من العلماء العاملين ، ومن أوعية العلم ، إلّا أنّه ليس بمتقن لما سمعه من غير بلده ، كأنّه كان يعتمد على حفظه فوقع فيه خلل عن الحجازيين ، ولم يكن هناك شامياً أو حجازياً أحفظ

_______________________

(١) الذهبي : ميزان الاعتدال ١ / ٥٨٠.

(٢) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ١٢٩.

(٣) المزّي : تهذيب الكمال ٨ / ٥٣.

(٤) الثقات ٨ / ١٩٤.

(٥) معرفة الثقات ١ / ٣١٤.

(٦) المناوي : فيض القدير ٤ / ٥٤٢.

(٧) البخاري : التاريخ الكبير ٢ / ٣٤٤ ، الخوئي : معجم رجال الحديث ٧ / ١٩١.

(٨) الباجي : التعديل والتجريح ١ / ٥٣٠ ، ينظر المباركفوري : تحفة الأحوذي ٦ / ٤٧٠.

(٩) إكمال ٤ / ٥٤.

(١٠) ابن سعد : الطبقات ٧ / ٤٧٢.

١٠١
 &

منه ، يحتجّ به في الشاميين ، قيل : يحدّث من حفظه ، ولم يحمل معه كتاباً قط ، وقال عبد الله بن أحمد : كان يحفظ عشرة آلاف حديث فقال لي أبي أحمد بن حنبل : هذا مثل وكيع ، وقال الفسوي : كنت أسمعهم يقولون علم الشام عند إسماعيل ، وقال البخاري : في حديثه عن غير الشاميين نظر ، والنسائي ضعفه مع أنّه احتجّ به ، وإسماعيل هو القائل أنّه ورث عن أبيه أربعة آلاف دينار أنفقها في طلب العلم ، عاش ثمانين سنة ، وتوفّي على الأصحّ سنة ٢٨٢ هـ ، هذا ما أورده الذهبي في ترجمته له (١).

وقد أوصى أبو إسحاق الفزاري (٢) ، زكريا بن عدي (٣) بقوله : « اكتب عن بقية (٤) ما روي عن المعروفين ولا تكتب عنه ما روي عن غير المعروفين ، ولا تكتب عن إسماعيل بن عياش ، ما روي عن المعروفين ولا غيرهم » (٥).

وقد جعل النووي هذا الرأي مخالفاً لقول الجمهور من الأئمّة على حدّ زعمه ، وذكر ما قاله البخاري : ما روى عن الشاميين أصحّ ، فإذا حدّث عن أهل بلاده فصحيح ، وإذا حدّث عن أهل المدينة ، فليس بشيء ... ، ويقولون علم الشام عند إسماعيل بن عياش ... وتكلّم فيه قوم ، وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام ولا يدفعه دافع ، وأكثر ما تكلّموا قالوا : يغرب عن ثقات المكّيين والمدنيين ، وأمّا روايته عن أهل الحجاز فإنّ كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم ، وقال أبو حاتم : هو لين الحديث ، ولا أعلم أحداً كفّ عن حديثه إلّا أبا إسحاق

_______________________

(١) تذكرة الحفاظ ١ / ٢٥٣.

(٢) إبراهيم بن محمّد ، من العلماء الجهابذة النقاد من أهل الشام. (ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ١ / ٢٨١).

(٣) يكنى أبا يحيى مولى لبنو تيم الله ، رجلاً صدوقاً توفّي سنة ٢١٢ هـ. (ابن سعد : الطبقات ٦ / ٤٠٧).

(٤) هو بقية بن الوليد أبو محمّد الكلاعي وفيه طعون. (ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٢ / ٤٣٤).

(٥) مسلم : الصحيح ١ / ١٩ ، وينظر الجصّاص : الفصول ١ / ٤٥.

١٠٢
 &

الفزاري (١).

وقد روى عن أهل الحجاز والعراق أحاديث مناكير ، فإنّ روايته ضعيفة عنهم ، وإنّما حديثه عن أهل الشام ، وقال أحمد بن حنبل : إسماعيل أصلح من بقية ، ولبقية أحاديث مناكير عن الثقات (٢). وثّقه يحيى بن معين ، وقيل : عنده علم الشام (٣) ، وقال عنه وكيع : « قدم علينا إسماعيل بن عياش فأخذ منّي أطرافاً لإسماعيل بن أبي خالد فرأيته يخلط في أخذه (٤) ، والبيهقي إسماعيل ليس بالقوي (٥) ، والهيثمي إسماعيل فيه كلام (٦) وروايته عن الحجازيين ضعيفة (٧).

أمّا عبد الله بن محمّد بن عقيل ضعيف مقدوح فيه ، ولا يحتجّ بحديثه (٨) ، وذكره القمي في (جامع الخلاف) أنّه ضعيف عندهم (٩) ، وهو ضعيف عند أكثر أهل الحديث (١٠) وليس بذاك (١١) ، وفيه مقال ، ومختلف فيه (١٢) ، وسيّئ الحفظ يصلح حديثه للمتابعات ، فأمّا إذا انفرد فيحسن ، وأمّا إذا خالف فلا يقبل ، وقد

_______________________

(١) النووي : شرح مسلم ١ / ١٦.

(٢) النووي : شرح مسلم ١ / ١٦.

(٣) الجصّاص : الفصول ١ / ١٤٥ ، النووي : شرح مسلم ١ / ١٦ ، الذهبي : تذكرة الحفاظ ١ / ٢٥٤.

(٤) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ١ / ٢٢٠.

(٥) الزيلعي : نصب الراية ٢ / ١٩٤.

(٦) مجمع الزوائد ٢ / ٨٠٣.

(٧) الهيثمي : مجمع الزوائد ٢ / ١١٤ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ٧ / ٧٢٥ ، الألباني : إرواء الغليل ٢ / ٣٤٢.

(٨) الفاضل الآبي : كشف الرموز ٢ / ٤٤١.

(٩) جامع الخلاف / ٤٠٢.

(١٠) النووي : المجموع ١ / ٤٣٥.

(١١) النووي : المجموع ٢٤ / ٣٧٧.

(١٢) ابن حجر : تلخيص الحبير ١ / ٤١١ ، ٧ / ٢٦٥.

١٠٣
 &

خالف رواية نفسه (١) ، والمارديني ابن عقيل لم يكن بالحافظ ، وأهل العلم مختلفون في جواز الاحتجاج بروايته (٢).

ومن الجدير ذ|كره أنّ أحمد لم يذكر زواج عقيل من امرأة بصرية ، وهذا هو محل الخلاف الذي جعلنا نتحرّى عن صحّة الرواية ، بسبب كثرة الزوجات التي نسبت لعقيل ، فقيل : إنّه سافر إلى الشام وتزوّج فيه ، وفنّد ذلك. وقيل : إنّه تزوّج امرأة من البصرة في أثناء سفره لها ، وتزوج عمّة قاضي الموصل كما سنبطل القول في ذلك.

فالذي يدرس شخصية عقيل يجده وكأنّه أفنى حياته في السفر والتجوال ، وكثرة الزيجات ، علماً أنّ السفر في مواصلات تلك الفترة أمر في غاية الصعوبة ، خاصّة وأنّ سفره كان غريباً ، جاب أصقاع العراق من الكوفة والبصرة والموصل وتزوّج هناك ، ثمّ سافر إلى الشام ، فالسفر إلى هذه الأماكن أمرٌ لا يصدّق ، ولا يمكن لأحد أن يسافر إلى هذه الجهات إلّا بمواصلات القرن العشرين ، ولا يتمكّن أيّ إنسان أن يجوب تلك الأماكن وبمواصلات ذلك الزمن إلّا على بساط النبيّ سليمان عليه‌السلام.

وربما قائل يقول : إنّ السفر أمر طبيعي ، وإلّا كيف كان يسافر العلماء بحثاً عن الحقيقة وطلب العلم ، وأنّ مسألة المواصلات آنذاك لم تَحُلْ دون السفر ، كما أنّ طول عمره يوفّر له فرص السفر.

ولكن لماذا السفر ؟! وإلى من يسافر ؟! وماذا عن نفقات السفر وهو فقير

_______________________

(١) ابن حجر : تلخيص الحبير ٥ / ١٢٣.

(٢) الجوهر النقي ١ / ٢٣٧.

١٠٤
 &

الحال ؟! وعند من ينزل ؟! وهل يسافر وافداً متكسباً أم لسبب آخر ؟ ولابدّ من التساؤل أنّ أسفاره لماذا ؟ هل للتجارة والعمل أم لطلب العلم أم ماذا ؟ ولم يثبت ذلك. إذن لا توجد مبررات لسفره !

وقد نقل ابن أبي عاصم الحديث عن الحسن نفسه ولم يشر إلى زواج عقيل من امرأة بصرية ، فكلّ الذي قاله إنّه قدم العراق وتزوّج (١) ، فربما تكون هذه الزوجة من الكوفة أو غيرها إنْ صحّ زواجه.

ويرد على هذا إشكال لأنّ ذهابه إلى الكوفة كان لطلب المال لا لغرض الزواج كما سنوضّحه ، وكذلك الحاكم قال : إنّ عقيلاً قدم علينا فتزوّج امرأة وذكر الحديث (٢).

ويبطل الحديث ما ذكره الشوكاني عن صاحب كتاب (جامع الأصول) من أنّ المتزوّج هو الإمام عليّ عليه‌السلام وهو الذي صاهر بني جشم ، وعزاه إلى النسائي (٣). فقد أشار الرعيني بأنّه لا توجد كراهية لها عند المالكية (٤).

وما يسجّل على حديث الرفاء والبنين ورفض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حدّ زعمهم ، فهناك شواهد على بقائه في حياة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنْ صحت ، وفيها روايات ، منها :

أوّلاً : رواية الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) ، عن عليّ بن عبد العزيز ، عن الزبير بن بكّار عن محمّد بن حسن عن يعلى بن المغيرة عن ابن أبي رواد قال : « دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على خديجة وهي في مرضها الذي توفّيت فيه فقال لها : بالكره

_______________________

(١) الآحاد ١ / ٢٧٩.

(٢) الحاكم : المستدرك ٣ / ٥٧٧.

(٣) نيل الأوطار ٦ / ٢٦٦.

(٤) مواهب الجليل ٥ / ٢٦.

١٠٥
 &

منّي ، ما الذي أرى منك يا خديجة ، وقد جعل الله في الكره خيراً كثيراً ، أما علمت أنّ الله زوّجني معك في الجنّة ، مريم بنت عمران ، وكلثم أخت موسى ، وآسية امرأة فرعون ، قالت : قد فعل الله ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فقالت : بالرفاء والبنين » (١).

وقد روى الهيثمي الحديث نفسه مشيراً إليه بأنّه منقطع الإسناد ، وفيه محمّد ابن الحسن بن زبالة وهو ضعيف (٢).

أمّا عن صاحب الرواية ، فهو الزبير بن بكّار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت ابن عبد الله بن الزبير بن العوام ، أدركه ابن أبي حاتم ولم يكتب عنه ، رغم أنّ أبيه كتب عنه (٣) لكنه امتنع لأسباب لم يذكرها. لكنها تبدو واضحة ، لعدم مصداقية رواياته ، مثل الرواية قيد البحث وغيرها من مناكيره ، هي التي جعلته لم يكتب عنه. ولأسباب أشار إليها الشيخ المفيد إجمالاً بقوله : « الزبير بن بكّار ، ولم يكن موثوقاً به فيما يذكره ، وكان يبغض أمير المؤمنين عليه‌السلام وغير مأمون فيما يدّعيه على بني هاشم » (٤).

وقد روى حديثاً عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال عنه الهيثمي : « ... رجاله رجال الصحيح خلا الزبير بن بكّار ، وهو ثقة ، وقد تفرّد به ... » (٥) ، والخوئي ناقلاً عن صاحب كتاب (معجم الأدباء) قوله : « إنّه أعلم الناس قاطبة بأخبار قريش وأنسابها ، وأنّه نقل عنه روايات يظهر منها بطلان مذهب العامة ، وحقيقة مذهب

_______________________

(١) المعجم الكبير ٢٢ / ٤٥١ ، ينظر ابن الأثير : أُسد الغابة ٥ / ٤٣٩ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ١٢ / ١٣٢.

(٢) مجمع الزوائد ٩ / ٢١٨.

(٣) الجرح والتعديل ٣ / ٥٨٥.

(٤) المسائل السروية / ٨٦.

(٥) مجمع الزوائد ٥ / ٣.

١٠٦
 &

الخاصة » (١) ، وقد روى عن الضعفاء مثل سفيان بن عيينة (٢).

وكان للسيّد ناصر الدين الهندي وقفة مع الزبير بن بكار ، حيث كفانا مهمّة البحث عنه ، فقد جمع آراء كثيرة عنه ، وأظهر عدم مصداقية الرجل ، حيث قدح به الحافظ الكبير أبو الفضل أحمد بن علي ... بن عنبر السليماني ، بأن ذكره في الضعفاء ، وأنّه منكر الحديث (٣) ، وقد اعترض الذهبي على ذلك مشيراً إلى أنّ الزبير إمام صاحب نسب ثقة قاضي مكة من أوعية العلم ، وبهذا لا يلتفت إلى ما قاله السليماني (٤) ، والمزّي جعله ثقة من أهل العلم (٥).

ثانياً : رواية الصدوق ، قال : « دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على خديجة وهي لما بها فقال لها : بالرغم منّا ما نرى بك يا خديجة فإذا قدمت على ضرائرك فأقرئيهنّ السلام فقالت : من هن يا رسول الله ؟ قال : مريم ابنة عمران ، وكلثم أخت موسى ، وآسية امراة فرعون ، قالت : بالرفاء يا رسول الله » (٦).

هذا الحديث لم يسنده الصدوق ، وأسنده ابن كثير عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عبّاس ، وجعل الحديث ضعيفاً (٧).

ثالثاً : قيل : إنّ الحديث لم يكن مع خديجة وإنّما مع عائشة ، وهذا ما أشار

_______________________

(١) معجم رجال الحديث ٨ / ٢٢٢.

(٢) سوف يأتي في آخر (الفصل الثالث).

(٣) إفحام الأعداء / ١٥٧.

(٤) ميزان الاعتدال ٢ / ٦٦.

(٥) تهذيب الكمال ٩ / ٢٩٦.

(٦) من لا يحضره الفقيه ١ / ١٤.

(٧) تفسير ٤ / ٤١٦.

١٠٧
 &

إليه الطبراني عن محمّد بن نوح بن حرب العسكري عن خالد بن يونس السمتي عن عبد النور بن عبد الله عن يونس بن شعيب عن أبي أمامة قال : « سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعائشة : أشعرت أنّ الله عزّ وجل زوّجني في الجنّة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وامرأة فرعون » (١) ؟ فيه خالد بن يوسف السمتي وهو ضعيف (٢) ، ويونس بن شعيب عن أبي أمامة منكر الحديث (٣).

الملاحظ على الحديث أنّه مطعون فيه ، بغض النظر عن سنده ، ففي المتن ما يدلّ على ذلك ، وذلك لأنّه غير متفق عليه ، مرّة الحديث مع السيّدة خديجة عليها‌السلام وأخرى مع عائشة ! وأيتهما كانت فليس من أخلاقه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخاطب زوجته وهي تحتضر بهذا المنطق ، ويخبرها بخبر كهذا ، فالأجدر أن يقوم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدعاء لها وقراءة القرآن وغير ذلك.

وفي رواية ثانية : أنّ عمر بن الخطاب عندما خطب أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام ـ إن صحّ ـ قال : « رفئوني رفئوني (أي : قولوا لي بالرفاء والبنين) » (٤).

وتجدر الإشارة إلى علّة نهي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن القول بكلمتي الرفاء والبنين بالرغم من أنّ فيهما صيغة دعاء ، فالرفاء في اللغة هو الاتّفاق وحسن الاجتماع ، ويكون من الهدوء والسكون (٥) ، يقال : رفأت الثوب أرفؤه ، وقولهم بالرفاء والبنين ، أي : الالتئام والاجتماع وأصله الهمز ، وإن شئت كان معناه السكون والطمأنينة ، وقد يكون أصله

_______________________

(١) المعجم الكبير ٨ / ٢٥٩.

(٢) الهيثمي : مجمع الزوائد ٩ / ٢١٧.

(٣) ابن عدي : الكامل ٧ / ١٨٠ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٤ / ٤٨١.

(٤) وقد ناقشنا ذلك وفندناه في بحث مستقل بعنوان (أم كلثوم) (بحث منشور في مجلة آداب البصرة عام ٢٠٠٨ م).

(٥) الفراهيدي : العين ٨ / ٢٨١.

١٠٨
 &

غير الهمز (١).

وإنّ أصل كراهية الأمر ، أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما زوج فاطمة من أمير المؤمنين عليهم‌السلام قالوا لهم : بالرفاء والبنين ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لا بل على الخير والبركة) (٢) ، وإنّه قال لعبد الرحمن بن عوف حين أخبره بزواجه : (بارك الله لك) ، والحال نفسها مع جابر رضي‌الله‌عنه ، فيستحبّ أن يقال لكلّ واحد من الزوجين : بارك الله لكلّ واحد منكما في صاحبه وجمع بينكما ، فهو صيغة دعاء ومعناه الالتئام ولمّ الشمل (٣).

فإذا كان الأمر كذلك فلماذا الكراهة ؟! وفي بعض الروايات وصل الأمر حدّ النهي ! قيل : لأنّه من عادات الجاهلية ، ولهذا سنّ غيره (٤).

وهذا أمر مردود ! فالإسلام أقرّ كثيراً من عادات وتقاليد الجاهلية وطوّر بعضها وأضاف عليها وأصبحت شرعية ، لا نريد الدخول في تفاصيلها.

وقيل : نهى عنها لأنّها لم يكن فيها حمد وثناء ولا ذكر لله.

وقيل : لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذكر ، وإلّا فهو دعاء للزوجين بالالتئام والائتلاف فلا كراهية فيه.

وقيل : الذي يظهر أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كره اللفظ لما فيه من موافقة الجاهلية ؛ لأنّهم كانوا يقولونه تفاؤلاً لا دعاء.

_______________________

(١) ابن السكيت : ترتيب / ١٧٦ ، الجوهري : الصحاح ٦ / ٢٣٦.

(٢) المجلسي : البحار ٤٣ / ١٤٤ ، الحرّ العاملي : وسائل الشيعة ٢٠ / ٢٤٦ ، التبريزي : اللمعة البيضاء / ٢٧١.

(٣) النووي : مجموع ١٦ / ٢٠٥.

(٤) المجلسي : البحار ٤٣ / ١٤٤.

١٠٩
 &

فيظهر أنّه لو قيل بصورة الدعاء لم يكره كأن يقول : اللّهمّ ألّف بينهما وارزقهما بنين صالحين (١).

وما طرح أعلاه يوجد عليه إشكال ، فإذا كان فيه بغض للبنات ، فهناك من تعاليم الإسلام ما هو أبغض على هذا الزعم ، ففي قوله تعالى : (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ) (٢) ألم يمتعضن من هذا ؟! علماً أنّ من عادات العرب سواء قبل البعثة النبوية أم بعدها هو الحب للذكور من دون البنات.

وما ذكر من صيغة الدعاء (وارزقهما بنين صالحين) ، ولم يقل (ذرية صالحة) حتّى تشمل البنات ألا تغضب البنات من ذلك ؟!

وربما يعترض بعضهم على ما ذكرناه ، بشأن البنات وبغضهن ، فليس بالضرورة المقصود بالآية بغض البنات ، فالله لا يصدر عنه بغض ، وإنّما في ذلك منفعة ومصلحة تفهمها كلّ مسلمة ، فلا تتبغّض منه ، وقد يكون المراد من لفظة البنين الذكور والإناث.

أمّا عن قبيلة الزوجة التي تزوّجها عقيل :

فهي من بني جشم من البصرة ، فقد بحثت جاهداً لمعرفة هذه القبيلة ، وهل لها مضارب في البصرة ، فلم أجد لها جذوراً فيها. والذين ذكروا الرواية لم يحدّدوا أيّ بطن من بطون جشم ، سوى البلاذري فإنّه حدّد بني جشم بن سعد (٣) ، وقد حاولت معرفة أصل هؤلاء ، فلم أعرفه ، سوى ما ذكره كحالة من

_______________________

(١) النووي : مجموع ١٦ / ٢٠٨ ، الشوكاني : نيل الأوطار ٦ / ٢٦٦.

(٢) النساء / ١١.

(٣) أنساب الأشراف / ٧٠ ، الطبراني : المعجم الكبير ١٧ / ١٩٣.

١١٠
 &

أنّ جشم بن سعد بن زيد مناة من تميم ، وهم بطن من العدنانية (١) ، وذكر البكري أنّ بني جشم بن عامر بن قداد في بني عامر بن صعصعة (٢) ، وهذا الرأي له ما يؤيّده ، فقد أوردنا سابقاً أنّ عقيلاً تزوّج امرأة من بني عامر ، فربما هي الزوجة التي تزوّجها في البصرة إن صحّت.

أمّا السمعاني فأشار إلى بني جشم بقوله : « بني جشم بن الحارث بن سعد ابن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة » (٣) ، وابن أبي عاصم : أنّ بني جشم بن الحارث بن الخزرج بن الأوس بن عبد الأشهل (٤).

خلاصة الأمر ، إنّنا لم نجد لبني جشم سكن في البصرة ، والأصحّ أنّ ما أشير إليه من أنّ عقيلاً تزوّج في البصرة هي نفسها من عامر بن صعصعة ، وقد ناقشنا زواجه منها سابقاً.

٦ ـ قد انفرد البلاذري في رواية مفادها : « إنّ عقيلاً تزوّج ابنة سنان بن الحوتكة من بني سعد بن زيد مناة بن تميم ... » ثمّ ذكر الحديث (٥).

٧ ـ كذلك تزوّج من عمّة قاضي الموصل عقيل بن عبد الرحمن الخولاني ، وهذا ما ذكره الكوفي بقوله : « حدّثنا محمّد قال : حدّثنا أحمد بن محمّد بن يزيد عن المفضل بن دكين ومحمّد بن عبد الله الأسدي عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر عن عقيل بن عبد الرحمن الخولاني قاضي الموصل ، وكانت عمّته تحت عقيل بن أبي طالب قال : حدّثتني عمّتي قالت : دخلت على

_______________________

(١) الطبراني : المعجم الكبير ١ / ١٨٩.

(٢) الطبراني : المعجم الكبير ١ / ٦١.

(٣) أنساب ٢ / ٦٢.

(٤) الآحاد ٣ / ٤٠٥.

(٥) أنساب الأشراف / ٧٥.

١١١
 &

عليّ عليه‌السلام بالكوفة وهو جالس على برذعة حمار منتثلة قالت : فدخلت على امرأة له من بني تميم فعذلتها ولمتها وقلت لها : هذا بيتك ممتلئ ثياباً وأمير المؤمنين عليه‌السلام جالس على برذعة ... قالت : لا تلوميني فإنّا لا نخرج إليه ثوباً وتنكره إلّا وبعث به إلى بيت مال الله فأُلقي فيه !!! » (١).

وقد بحثت عن الخولاني هذا فلم أجد عنه شيئاً يذكر ، ولم أعرف متى تولّى قضاء الموصل ، في أيّ عصر ، ولم أعرف من هي زوجته إذا كان متزوّجاً ، ومن هم أولاده إذا كان عنده أولاد ، وما نعرف شيئاً عن صفاته ، وكلّ الذي وجدناه عن ترجمته هو عقيل ابن عبد الرحمن ، وأنّ عمّته كانت تحت عقيل بن أبي طالب ، روى عن الإمام عليّ عليه‌السلام وعن كعب وروى عنه أبو السفر ، وأبو إسحاق الهمداني (٢) ، وقد حاولت البحث عن عمّته من هي ، فلم أعرفها.

وأشارت الرواية أنّ عمّته هي التي رأت الإمام عليّ عليه‌السلام ، في حين أنّ ابن شهر آشوب ذكر أنّ عقيل الخولاني هو الذي رأى الإمام عليه‌السلام وليس عمّته (٣). هذا ما يخصّ المتن.

أمّا سند الرواية ، فمطعون فيه ، فمحمّد أوّل الرواة لم نستطع تحديده ، ولم نعرف أباه ونسبه حتّى نعرف موقف علماء الجرح والتعديل منه ، والحال نفسها مع أحمد بن محمّد بن يزيد ، لوجود ثلاثة أشخاص بهذا الاسم.

والفضل بن دكين مطعون فيه (٤).

ومحمّد بن عبد الله الأسدي لا يوجد ما يفيد توثيقه أو تجريحه ، فقد ذكره

_______________________

(١) الكوفي : مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٧٢ ، الطبرسي : مكارم الأخلاق / ١٣٣.

(٢) البخاري : التاريخ الكبير ٧ / ٥٣ ، ابن حبّان : الثقات ٥ / ٢٧٣ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٦ / ٢١٩.

(٣) مناقب آل أبي طالب ١ / ٣٦٦.

(٤) ينظر مبحث نشأته وتربيته (الفصل الأوّل).

١١٢
 &

ابن أبي حاتم فقال : « محمّد بن عبد الله الأسدي ، روى عن وابصة بن معبد ، روى عنه معاوية بن صالح سمعت أبي يقول بذلك » (١) ، وقيل : كان يصوم الدهر ، وكان إذا تسحّر برغيف لم يصدع ، فإذا تسحّر بنصف رغيف صدع من نصف النهار إلى آخره ، فإن لم يتسحّر صدع يومه أجمع ، توفّي سنة ٢٠٣ هـ (٢).

ويونس بن أبي إسحاق فيه غفلة شديدة ، وكانت فيه سخنة ، وقيل أحمد يضعّف حديث يونس عن أبيه ، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه : حديث مضطرب وصدّقه أبو حاتم ، إلّا أنّه قال : لا يحتجّ بحديثه (٣).

وأبو السفر ، سعيد بن يحمد ، وقيل : فيه أحمد الهذلي الثوري (ت ١١٣ هـ) ثقة من الثالثة ، لكنه قليل الحديث (٤) ، وثّقه ابن معين ، (٥) ويكفيه أنّه أموي النسب (٦) ، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ، وأنّه سمع أباه يقول : أبو السفر صدوق (٧).

_______________________

(١) الجرح والتعديل ٧ / ٣٠٩.

(٢) الخطيب البغدادي : تاريخ ٣ / ٢١ ، القمي : الكنى ٢ / ٢٩٣.

(٣) النسائي : خصائص / ٣٧.

(٤) ابن سعد : الطبقات ٦ / ٢٩٩ ، ابن حبّان : مشاهير / ١٧٠ ، الثقات ٤ / ٢٩٣ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ٤ / ٥٤١.

(٥) الباجي : التعديل والتجريح ٣ / ١٢٤٦ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ٥ / ٧٠.

(٦) ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٢ / ١٠١.

(٧) ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٧٣.

١١٣
 &

أولاده

لم نستطع أن نقف على عدد أولاد عقيل كي نستطيع معرفة الذين استشهدوا يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ ، إذ اختلفت المصادر في وضع حدّ تقريبي لأولاده ، وهناك روايات وردت لدى بعض المؤرّخين ذكرت له أبناء وبنات كثيرون ، ومن هذه الروايات وأهمّها هي :

١ ـ رواية مصعب الزبيري ت ١٥٦ هـ ، قال : « وولد عقيل ... يزيد وبه يكنى وسعيداً لا بقية لهما ... وجعفراً الأكبر وأبا سعيد الأحول لا بقية لهما ... ومسلم ... وعبد الله الأكبر ... وعبد الله الأصغر ... وعبد الرحمن وعلياً الأكبر وجعفراً الأصغر ... وحمزة وعيسى وعثمان » (١).

٢ ـ رواية ابن سعد ت ٢٣٠ هـ ، قال : « وكان لعقيل بن أبي طالب من الولد يزيد وبه يكنّى وسعيد ... وجعفر الأكبر وأبو سعيد الأحول وهو اسمه ... ومسلم ابن عقيل ... وعبد الله بن عقيل وعبد الرحمن وعبد الله الأصغر ... لأم ولد وعلي لا بقية له ... وجعفر الأصغر وحمزة وعثمان لأمهات أولاد ومحمّد ورملة ... وأم هانئ وأسماء وفاطمة وأم القاسم وزينب وأم النعمان ... » (٢).

٣ ـ رواية البلاذري ت ٢٧٩ هـ ، قال : « عقيل ... فيكنّى أبا يزيد باسم ابن له ... وولد عقيل مسلماً وعبد الله الأصغر وعبيد الله وأم عبد الله ومحمّداً ورملة ...

_______________________

(١) نسب قريش ٣ / ٨٤.

(٢) الطبقات ٤ / ٤٢ ، وينظر أوّل مبحث زوجاته (الفصل الثاني).

١١٤
 &

وعبد الرحمن وحمزة وعلياً وجعفر الأصغر وعثمان وزينب وفاطمة تزوّجها عليّ بن يزيد ... من بني عبد المطلب ... وأسماء تزوّجها عمر بن عليّ بن أبي طالب وأم هانئ ... ويزيد وسعيد ... وأبا سعيد وجعفر الأكبر وعبد الله الأكبر ... فقتل من بني عقيل مع الحسين عليه‌السلام جعفر الأكبر ومسلم وعبد الله الأكبر وعبد الرحمن ومحمّد بن عقيل » (١).

٤ ـ رواية ابن حزم ت ٤٥٦ هـ ، أحصى اثني عشر ولداً له بقوله : « ولد عقيل ابن أبي طالب عبد الله وعبد الرحمن قتلا مع الحسين عليه‌السلام ومسلم القائم المقتول بالكوفة وعلي وحمزة وجعفر وسعيد وأبو سعيد وعيسى وعثمان ويزيد وبه كان يكنى ، لا عقب لواحد منهم ، ومحمّد وله العقب لا عقب لعقيل إلّا من محمّد ... » (٢).

٥ ـ رواية الذهبي ت ٧٤٨ هـ : حددهم ثمانية أولاد هم : مسلم ويزيد وسعيد وجعفر وأبو سعيد الأحول ومحمّد ، وعبد الرحمن وعبد الله (٣).

٦ ـ رواية العلوي ت ق ٩ هـ ، قال : « ولد عقيل .. ثمانية عشر ذكراً وهم يزيد وسعيد وأبان وعثمان وعبد الرحمن وحمزة وجعفر وعبد الله وعبد الله الأصغر وجعفر الأصغر وعلي وعلي الأصغر وعيسى ومحمّد ومسلم وأبو سعيد وعبد مناف.

أعقب من جملتهم ستة ، وأعقب عبد الرحمن المقتول بالطف سعيداً ، وأعقب عبد مناف هاشماً ، وأعقب مسلم قتيل الكوفة مسلماً وعبد العزيز وعبد الله قتيل الطف ، وأعقب عبد الله الأكبر محمّداً وعلياً وعقيلاً ومسلماً وعبد الرحمن ، وأعقب أبو سعيد الأحول قتيل الطف محمّداً قتل بالطف أيضاً وكلّ

_______________________

(١) أنساب الأشراف / ٦٩.

(٢) جمهرة / ٦٩.

(٣) سير أعلام النبلاء ١ / ١٥٨.

١١٥
 &

انقرض ، وعقبه من ولده محمّد وهو لأم ولد » (١).

وطبقاً لما ورد أعلاه فقد نسب له ولدان ، وهم :

أوّلاً : يزيد ، وبه يكنّى ، ليس له ذكر ـ وقد بحثت عنه فلم أجد له ذكراً ، وبقي مبهماً بالنسبة لنا ـ ومن المحتمل أنّه شخصية وهمية غير موجودة وإنّما ألصق بعقيل ، وهو كنيته فقط ، وليس بالضرورة أن يكون شخصية حقيقية ، ومن المستبعد أن يكنّى عقيل بهكذا كنية فهو هاشمي ، ولم يسمع عن هاشمى سمّى أو كنّى بهذه الكنية ، وهذه من مسمّيات بني أمية ، مثل يزيد بن معاوية ، ويزيد ابن المهلب وغيرها ، ربما هذه من الأمور التي افتريت عليه ، وهذه لها سابقة في التاريخ ، حيث أبوه أبو طالب ألصق به ولداً اسمه طالب من دون الاعتماد على حقيقة ثابتة ، فقد أثبت التحقيق العلمي عدم وجوده (٢) ، فليس من المستبعد أن يلصق بعقيل ما ألصق بأبيه من قبل.

ثانياً : جعفر الأكبر ، وقد اختلف في اسم أمّه أم البنين بنت الثغر (٣) ، وكذلك اختلف في اسمه اختلافاً بسيطاً ، فقيل : جعفر الأكبر قتل مع الحسين عليه‌السلام (٤) ، وفي رواية أبي مخنف سمّاه جعفر من دون لقب الأكبر ، وأنّ قاتله هو عبد الله بن عزرة رماه بسهم فقتله (٥) ، وفي رواية أخرى قتله بشر بن حوط الهمداني (٦) ، وعند الأصفهاني قتله عروة بن عبد الله الخثعمي (٧) ، وروي العلّامة المجلسي أنّ

_______________________

(١) المجدي في أنساب الطالبين / ٣٠٧.

(٢) ينظر المحمداوي : أبو طالب / ٢٤.

(٣) ينظر مبحث زوجاته (الفصل الثاني).

(٤) البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٠.

(٥) مقتل / ١٦٨ ، وينظر شمس الدين : أنصار الحسين عليه‌السلام / ١٣٣.

(٦) أبو مخنف : مقتل / ٢٤٠ ، ينظر الطبري : تاريخ ٤ / ٣٥٩ ، العسكري : معالم المدرستين ٣ / ١٤٤.

(٧) مقاتل الطالبيين / ٦١.

١١٦
 &

جعفر خرج للمعركة وهو يرتجز :

أنا الغلام الابطحي الطالبي

من معشر في هاشم وغالب

ونحن حقاً سادة الذوائب

هذا حسين أطيب الاطائب

من عترة البر التقي العاقب

وروي أنّه قتل خمسة عشر فارساً ، وقيل : رجلين (١).

يمكن أن يكون هناك مبالغة في كثرة عدد من قتل ؛ لأنّ الراوي لم يكن وقف عليهم وأحصاهم وذكر أسماءهم ، فالقول أنّه قتل رجلين هو أقرب للصحّة !

ثالثاً : سعيد بن عقيل ، اختلف فيه ـ فقد تحققت عنه كثيراً ، فوجدت الروايات مختلفة حوله ـ فمرّة يذكر بعنوان سعيد ولم يذكر عنه تفاصيل وفي الغالب يذكر باسم أبي سعيد ، وأخرى يلقّب بأبي سعيد الأحول ، فقد سمّاه ابن خياط سعيد ، ولم يذكر عنه أيّة معلومات سوى أنّه ذكر أنّ عبد الله بن مسلم بن عقيل أمّه رقية بنت محمّد بن سعيد بن عقيل (٢).

وذكره السيّد الخوئي قدس‌سره في معرض حديثه عن محمّد بن سعيد بقوله : « قال ابن داود من القسم الأوّل محمّد بن سعيد بن عقيل ... وقال ابن شهر آشوب : وروي أنّه قاتل محمّد بن سعيد الأحول بن عقيل فقتله لقيط بن إياس الجهني. وتقدّم بعنوان محمّد بن أبي سعيد بن عقيل » (٣). وهذا لا يصح ! لأنّها سوف تصبح

_______________________

(١) البحار ٤٥ / ٣٢.

(٢) الطبقات / ٤٢.

(٣) معجم رجال الحديث ١٧ / ١١٩.

١١٧
 &

ابنة ابن ابن عمّه ، أي : أنّ مسلم ابن عم جدّها سعيد بن عقيل ، وهذا لا يصح من حيث الفارق العمري ، وتنفي هذه الرواية رواية أخرى مفادها أنّ أم عبد الله بن مسلم رقية بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام (١).

إذن لم يكن هناك اتّفاق حول اسمه ، ومن الجدير بالإشارة أنّ المقتول بالطف هو محمّد بن أبي سعيد ولم يذكر بعنوان محمّد بن سعيد (٢).

وأنجب أبو سعيد ولداً اسمه محمّد قتل بالطف ، قتله لقيط بن إياس الجهني رماه بسهم فقتله (٣) ، وقد تزوّج محمّد فاطمة بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام وأمّها أم ولد وأنجبت له بنتاً اسمها حميدة (٤) ، في حين ذكره ابن عساكر عن الزبير بن بكار جعل فاطمة بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام زوجة أبي سعيد بن عقيل فولدت له حميدة (٥).

وفي الوقت الذي سمّي فيه قاتله بأنّه لقيط نسب إليه قاتل آخر ، وهذا ما أشار إليه شمس الدين بقوله : « غلام في أذنه قرطان قتله هاني بن ثبيت » (٦) ، وذكره الخوارزمي آخر الشهداء من بني هاشم في ترتيب الخوارزمي ... ، وذكر بعض أرباب المقاتل أنّ هذا الغلام هو محمّد بن أبي سعيد بن عقيل وأنّ قاتله

_______________________

(١) ابن سعد : الطبقات / ١٧٩ ، البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٠.

(٢) الطوسي : الرجال / ١٠٥ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٥٩ ، ابن طاووس : إقبال الأعمال ٣ / ٧٦ ، العسكري : معالم المدرستين ٣ / ١٤٤.

(٣) أبو الفرج الأصفهاني : مقاتل الطالبيين / ٦٢ ، العلوي : المجدي في أنساب الطالبين / ٣٠٧ ، ابن طاووس : إقبال الأعمال ٣ / ٧٦ ، المجلسي : البحار ٤٥ / ٣٣.

(٤) ابن سعد : الطبقات ٨ / ٤٦٥ ، الطبرسي : إعلام الورى ١ / ٣٩٧ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٥ / ١٧ ، ٧٠ / ٣٦ ، المزّي : تهذيب الكمال ٣٥ / ٢٦١ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٢ / ٣٩٣.

(٥) تاريخ مدينة دمشق ٧٠ / ٣٦ ، المجلسي : البحار ٤٢ / ٩٣ ، النمازي : مستدرك ٨ / ٢٥٧.

(٦) بحثت عنه ولم أجد ترجمة له.

١١٨
 &

هاني بن ثبيت الحضرمي (١) ، أمّا القاضي نعمان فقال : إنّ قاتله هو لقيط بن إياس الجهني وأشار إلى مقتله بقوله : « محمّد بن أبي سعيد بن عقيل أمّه أم ولد قال حميد بن مسلم الأزدي : لمّا صرع الحسين عليه‌السلام خرج غلام مذعوراً يلتفت يميناً وشمالاً فشد عليه فارس فضربه ، فسألت عن الغلام ، قيل : محمّد بن أبي سعيد ، وعن الفارس لقيط بن إياس الجهني ، وقال هشام الكلبي : حدّثني هاني بن ثبيت الحضرمي ، قال : كنت ممّن شهد مقتل الحسين عليه‌السلام فوالله أنّي لواقف عاشر عشرة ليس منّا رجل إلّا على فرس ، وقد حالت الخيل وتضعضعت إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية عليه أزار وقميص وهو مذعور يتلفت يميناً وشمالاً ، فكأنّي أنظر إلى درّتين في أذنيه يتذبذبان كلّما التفت ، إذ أقبل رجل يركض حتّى إذا دنا منه مال عن فرسه ، ثمّ اقتصد الغلام فقطعه بالسيف ، قال هشام الكلبي : انّ هاني بن ثبيت الحضرمي هو صاحب الغلام وكنّى عن نفسه استحياءً أو خوفاً » (٢).

وهنا لابدّ من تساؤل يطرح نفسه أين أبوه ؟ لم يذكر له موقف في اليوم العاشر من المحرم ، فالعجيب سجّل موقف لغلام صغير ، ولم يذكر لأبيه أيّ شيء ! فهل أنّ أباه توفّي قبل واقعة الطف ، فلم يطرأ له ذكر فيها ؟ ـ هذا ما بحثنا عنه ولم نجد له إجابة ! ـ وإلّا كيف يفسّر خروجه للمعركة من دون أهله وهو غلام ، وربما جاء التركيز على الابن كونه غلاماً صغيراً كان خائفاً مذعوراً لصغره ولهول الواقعة ، وكان قتله بشكل مؤلم ومفجع ؟! بينما أبوه استشهد في القتال كغيره ، ويبدو أنّ خروجه بعد استشهاد أهله وذويه وبعد أن أُحرقت الخيام فذعرت النساء من ذلك فحتم عليه الخروج.

_______________________

(١) شمس الدين : أنصار الحسين عليه‌السلام / ١٣٦.

(٢) هامش إبصار العين / ٥١ ، الخوارزمي ٢ / ٤٧ ، الكامل ٤ / ٩٢.

١١٩
 &

رابعاً : مسلم بن عقيل الهاشمي ، يكنّى أبا داود (١) ، وكان أشجع ولد عقيل (٢) ، وأشبه ولد عبد المطلب بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣) ، وروي أنّ عقيل سافر إلى الشام ، وتزوّج من جارية هناك ، فولدت له مسلماً ، وهذه الرواية مرفوضة تماماً وفنـدت بالكامل (٤) ، أمّا عن ولادته فلم نجد شيئاً عنها.

وقد تزوّج رقية بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام فولدت له عبد الله وعليّاً ، وكذلك تزوّج امرأة من بني عامر بن صعصعة فأنجبت له مسلم بن مسلم ، وعبد الله لأم ولد ومحمّداً (٥).

إذن إنّه تزوّج ثلاث زوجات ، لكن الطبرسي أشار إلى زوجته رقية ، ولم يشر إلى بقية زوجاته ، وذكر أولاده ، وهم : عبد الله وعليّ ومحمّد ابني مسلم (٦) ، وذكرنا فيما سبق أنّه تزوّج رقية بنت محمّد بن سعيد بن عقيل ، وهذا وهم.

ومن الجدير ذكره أنّ التاريخ قد أهمل جوانب كثيرة من شخصيته وسلّطت الأضواء حول ذهابه إلى الكوفة وكيفية استشهاده وأغفلت جوانب كثيرة من حياته ، منها هل أنّه أكبر أولاد أبيه ؟ وربما قائل يقول : كيف يكون كذلك والرواية المرفوضة تقول : إنّ أباه تزوّج أمّه في الشام ، وأصبح عمره ثماني عشرة سنة واستشهد ؟! وكيف له بهذا العمر الصغير أن يتزوّج ثلاث

_______________________

(١) ابن حبّان : الثقات ٥ / ٣٩١.

(٢) البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٧.

(٣) البخاري : التاريخ الكبير ٧ / ٢٦٦.

(٤) ينظر مبحث زوجاته / خليلة (الفصل الثاني).

(٥) البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٠.

(٦) إعلام الورى ١ / ٣٩٧ ، المجلسي : البحار ٤٢ / ٩٣ ، النمازي : مستدرك ٤ / ١٨٥.

١٢٠