الإمام علي بن الحسين عليه السلام دراسة تحليلية..

مختار الأسدي

الإمام علي بن الحسين عليه السلام دراسة تحليلية..

المؤلف:

مختار الأسدي


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مركز الرسالة
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-215-6
الصفحات: ١٢٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

الفصل الثاني

ظاهرة البكاء عند الإمام زين العابدين عليه‌السلام

بين البكاء والتباكي :

بين البكاء والتباكي الهادفين خيط رفيع لا يمكن تجليته واكتناه فلسفته إلّا بفهم الهدف من البكاء أولاً ، والتباكي ثانياً.

فإذا كان الهدف من البكاء هو تربية النفوس وتجلية الصدأ الذي يرين عليها جرّاء زحمة الحياة وقساوة العيش ، ومن ثم توجيه البكاء إعلامياً للتأثير علىٰ الناس كشكل من أشكال العمل السياسي أو الرسالي الهادف النبيل ، يأتي هنا ممدوحاً ومندوباً ، وهو غير الجزع والضعف والنفاق والرياء الذي له أهداف هابطة اُخرىٰ.

أي أنّه في الدائرة الاُولىٰ عاطفة نبيلة يمكن أن تنتزع من الإنسان دواعي قسوة القلب وغلظته وشدّته ، وتحيله أكثر شفافية وسماحة ورقّة من جهة ، وهو عمل تربوي لتوجيه النفوس وتربيتها وتهذيب مشاعرها وأحاسيسها من جهة اُخرىٰ.

وهكذا التباكي هو الآخر ، إمّا أن يكون تمثيلاً أجوف لا هدف وراءه ولا جدوىٰ منه ولا طائل ، وإمّا أن يكون مواساةً للباكي في صدق بكائه وتصديق انفعاله وتفاعله مع حدث ما أو مصيبة ما ، أو يكون مشاركةً إنسانية ووجدانية تواسي المبكى عليه في عظمة تضحيته ونبل إقدامه

٤١

وهيبة موقفه ، وبالتالي فإنّ الدائرة الاُولىٰ غير الثانية بالتأكيد..

ومن هنا نلمس الفرق بين الندبة المعروفة :

ويصيح واذلّاه أين عشيرتي

وسراة قومي أين أهل ودادي

وبين الاُخرىٰ التي تفجّر الدموع دماً

لا تطلبوا قبر الحسين بشرق أرضٍ أو بغربِ

فدعوا الجميع وعرجّوا فمشهده بقلبي

تفسير ظاهرة البكاء عند الإمام عليه‌السلام :

وكما ارتبك بعض المؤرخين في تفسير دور الإمام السجاد عليه‌السلام في ريادة مشروع المعارضة للسلطة الأموية ، وأخفقوا في تفسير مواقفه الدقيقة لبلورة الاتجاه المناهض لها ، ارتبك بعضهم الآخر في تفسير ظاهرة البكاء المعروفة لديه ، وراحوا يشرّقون حولها ويغرّبون أيضاً..

نعم ، اتجه بعضهم إلىٰ تحليل الظاهرة علىٰ أنها فجيعة ولدٍ بأبيه وأخوته فقط ، وبالتالي فانها لا تعدو كونها عاطفةً جياشةً لا يمكن التحكّم بانفجارها وتدفّقها في لحظات الانفعال الوجداني الذي لا يُكبح.. فيما اعتبرها آخرون أُسلوباً سياسياً ذكياً لاستنهاض الناس وتذكيرهم بالظلامة الكبيرة التي لحقت بأهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وبين هذا التفسير وذاك ، راح المؤرخون يحلّلون ويكتبون ويبحثون ، وكلّ من زاويته أو فهمه للبكاء والتباكي ، فمن حزين مفجوع ينفّس ببكائه عن غصّة وألم دفينين لا يستطيع منهما فكاكاً ، إلىٰ بكّاءٍ متباكٍ ينوي ببكائه وتباكيه إذكاء نار الغضب المقدس ضد الظالمين الذين تجرأوا علىٰ ابن بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه والصفوة من خيرة خلق الله بعد

٤٢

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..

ومن هنا فلا يستطيع المؤرخ أو المحلل السياسي تفسير ظاهرة البكاء لدىٰ الإمام السجاد تفسيراً علمياً رصيناً إلّا من خلال دراسة الظروف التي عاشها عليه‌السلام والفضاء الإعلامي والسياسي الذي كان يتنفّس فيه ، وإلّا شطّ به التحليل بين أقصىٰ اليمين وأقصىٰ اليسار ، وجنح في تفسير هذه الظاهرة وفق ظروف اُخرىٰ ، ربما نفسية أو اجتماعية ، أو سياسية ، هي في الحقيقة ، غير تلك التي يجب أن تفسّر من خلالها أو علىٰ ضوئها...

فحين نفهم مثلاً أنّ طائفةً كبيرةً من الناس كانت تجهل الدواعي والأسباب التي دفعت الإمام الحسين عليه‌السلام لخوض تلك المعركة غير المتكافئة ، يمكن أن نمسك بخيط واحد من خيوط التفسير العلمي لبكاء الإمام السجاد عليه‌السلام.

وحين ندرك أن الاِعلام الأموي كان يفسّر خروج الإمام الحسين عليه‌السلام ضد الطاغية يزيد بأنّه صراع علىٰ السلطة ، وأنه بخروجه إنّما شقّ عصا الطاعة وفرّق الجماعة ، وأن الصراع بين الحسين ويزيد إنّما هو صراع شخصي تفجّر بين عائلتين أو بيتين يعتدُّ كل منهما بتأريخه وأمجاده ، وهما البيت الاُموي والبيت الهاشمي ، ويعتقد كلّ منهما بوراثته لتراث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تكون الكارثة أكبر والرزيّة أدهىٰ علىٰ الإمام السجاد عليه‌السلام ، لأنّه سيواجه صعوبة بالغة في توضيح هذا المشتبك المؤلم ، ولو عِبر الدموع الغزيرة والنحيب المتواصل الذي أصبح إحدىٰ خصال نفسه الزكية ، وطابعاً لروحه الطاهرة.

ولما كان إعلام السلطة آنذاك هو الحاكم والمهيمن علىٰ عقول الناس وأفكارهم ، وللحدِّ الذي يواجه به أحدهم الإمام الحسين عليه‌السلام

٤٣

قائلاً (ياحسين ألا تتقي الله : تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الاُمة) (١).

وأكثر من ذلك حين يواجه المرء نداءات تخرج من هنا وهناك في أرض المعركة ، تقول (الزموا طاعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرَقَ من الدين وخالف إمام المسلمين) وفي رواية اُخرىٰ (أمير المؤمنين) (٢).

وحين يسمع عفوية ذلك الشيخ الكبير الذي لا يعرف من الامور شيئاً ، فراح يواجه السبايا عند دخولهم الشام بقوله : (الحمدُ لله الذي أهلككم وقتلكم وأراح البلاد من رجالكم وأمكنَ منكم أمير المؤمنين يزيد) (٣).

تكون الرزية أكبر علىٰ الإمام السجاد عليه‌السلام ، ويكون نشيجه هو المتنفّس الوحيد للتعبير عن الألم والمرارة ، وهو تحت مخالب اللئام وصليل سيوفهم وقعقعة رماحهم.

المواجهة أو الصبر :

في هذا الجو الاِعلامي الماكر ، ومن هذا الفضاء الملبّد بكل تهويمات التضليل ، والتكتم والتعتيم علىٰ أعظم ثائر وأعظم ثورة أرادت أن تعيد الحق إلىٰ نصابه ، وتستنهض الضمائر الميّتة وبتضحية قلّ نظيرها في التاريخ البشري انتصاراً للدين المضيّع والحدود المستباحة ، كان علىٰ الإمام السجاد أن ينتهج أحد خيارين :

_______________________

(١) راجع : تاريخ الطبري ٤ : ٢٨٩ ، والقول هذا منسوب إلىٰ يحيىٰ بن سعيد الذي أرسله أمير مكة لإرجاع الحسين وثنيه عن التوجه إلىٰ العراق.

(٢) تاريخ الطبري ٤ : ٣٣١.

(٣) الإمام السجاد / حسين باقر : ١٠٢.

٤٤

الأول : هو المواجهة العلنية الصريحة ، والتنديد المباشر باجراءات السلطة الحاكمة وفضحها ، أي إقدامه عليه‌السلام علىٰ عملية استشهادية اُخرىٰ تلحقه بأبيه وإخوته ، لا تكلّف خصومه أكثر من ضربة سيفٍ واحدة لا يتردّد عن القيام بها جلواز واحد من جلاوزة السلطة يتقرب بها إلىٰ الأمير ، دون أن يرفّ له جفن أو يحاكمه ضمير ، وفي أُمّة ميتة لم يبقَ فيها للدم حرمة ولا للتضحية معنىٰ أو صدىٰ.. وبالتالي إيقاف أو إنهاء الدور الرسالي المهمّ الذي يسعىٰ الإمام السجاد عليه‌السلام إلىٰ تحقيقه من خلال كشف تلك الغيوم وتبديدها...

والثاني : هو الصبر علىٰ ذلك الضيم أو الحيف الذي شمله مع عمّته العقيلة زينب عليها‌السلام وتمرير المرحلة بالعضّ علىٰ الجرح بنيّة مواصلة مراحل الكشف المطلوبة في كل عملية تغييرية يُراد لها أن تعيد الاُمّة المضللة إلىٰ وعيها ، أو تعيد الوعي إلىٰ الاُمّة المغلوبة علىٰ أمرها ، المسلوبة إرادتها المغيّب ضميرها ، وفي ذلك الهوس الإعلامي الصاخب ، والمناخ السياسي الملوّث.

من هنا كان علىٰ الإمام أن يختار طريقاً أو منهجاً يحقّق له هذا الهدف الكبير دون المساومة علىٰ مبادئه أو التفريط بها ، أو القفز عليها ، فاختار طريق البكاء أولاً ، ثم طريق الدعاء الذي سنأتي علىٰ ذكره في الفصل اللاحق إن شاء الله.

ماذا حقق البكاء ؟

وعن طريق البكاء هذا المشفوع بالدعاء طبعاً ، استطاع الإمام عليه‌السلام أن يحقق الأغراض التالية :

٤٥

١ ـ تقريع أو استنهاض الضمير النابض في الاُمّة والذي لم يمت بعد ، أي مخاطبة الفطرة السليمة ، من خلال دموع ساخنة ونشيج صادق لا يمكن تفسيره ببساطة علىٰ أنّه مجرد عواطف فائرة علىٰ فجيعةٍ مرّت وكارثة حلّت ، لا سيّما وانه من إمام يعرف أكثر من غيره القضاء والقدر وحتمية الموت وطوارق السُنن...

٢ ـ استثمار جميع المواقف والمناسبات التي تُذكّر الناس بالجريمة الكبرىٰ التي ارتكبت بحق سبط النبي وسيد شباب أهل الجنة ، وعبر بكاء حارّ صادق يتفجّر أمام قصاب مثلاً يذبح شاته فيسقيها ماءً قبل ذبحها ـ كما مرَّ ـ أو أمام ضيف فقد عزيزاً فغسّله وكفّنه ـ كما ذكرنا ـ أو علىٰ مائدة إفطار يُقدّم فيها الماء للعطاشىٰ والضامئين ويكون شعارها مثلاً :

«شيعتي ما إن شربتم عذب ماءٍ فاذكروني

أو سمعتم بذبيح أو قتيل فاندبوني» !

وغير ذلك مما كان يذكّر بتجاوز الحدود ، وقساوة القلوب ، أي قلوب القتلة التي كانت كالحجارة أو أشدُّ قسوة ، وهذا يعني تركيز الشعور بالإثم الكبير الذي ارتكب في طفوف كربلاء والذي صار عنوانه : « اللهمَّ العن أُمّة قتلتك ، والعن أُمّة ظلمتك ، والعن أُمّة شايعت وبايعت علىٰ قتلك ، والعن أُمّة سمعت بذلك فرضيت به » !!

٣ ـ إيهام السلطة الحاكمة وعيونها وأزلامها ومرتزقتها أنّ المفجوع ليس لديه إلّا البكاء ، وأنّه ليس عملاً جُرمياً يبرّر للسلطة اتخاذ إجراءٍ قمعي لمواجهته ، فكيف إذا كان المفجوع باكياً فعلاً وليس متباكياً ، كما هو حال الإمام عليه‌السلام !!

٤ ـ وحين تختلط دموع البكاء مع تراب قبر المتوفّىٰ ، وهو ما كان يفعله

٤٦

الإمام حين كان يُطيل سجوده وبكاءه علىٰ التراب الذي احتفظ به من ثرىٰ قبر والده ومسحه بخاتمه الذي أصرّ علىٰ لبسه والمحافظة عليه مع الشعار المنقوش عليه والذي كان يردده عليه‌السلام : « خزي وشقي قاتل الحسين بن علي » (١) ، تكون رسالة البكاء أكثر تعبيراً وأمضىٰ أثراً في إذكاء الوجدان المعذّب والضمير الحي وتفجيرهما ضد الظلم والظالمين.

٥ ـ أما حين يمتزج البكاء مع الدعاء ، الذي سنأتي علىٰ ذكره ، وتتكامل لوحة الرفض المقدّس عبر العاطفة والفكر ، وعبر العقل والقلب ، يكون الهدف من البكاء أكثر تجليّاً وسطوعاً ، وهذا ما كان يُلاحظ عند الإمام عليه‌السلام وهو يخرُّ ساجداً علىٰ حجارة خشنة في الصحراء يوماً ويشهق شهيقاً مرّاً مردّداً : « لا إله إلّا الله حقاً حقّا.. لا إله إلّا الله تعبّداً ورقّا.. لا إله إلّا الله إيماناً وصدقا.. » ثمّ يرفع رأسه وإذا بلحيته ووجهه مخضبان بدموع عينيه ، فيقول له أحد أصحابه : أما آن لحزنك أن ينقضي ، ولبكائك أن يقلّ ؟! ويأتيه الجواب المارّ الذكر ، ليكون دالّة معبّرة عن حزنٍ ليس كمثله حزن ، وبكاء ليس كمثله بكاء...

إنّه بوضوحٍ كاملٍ حزنٌ علىٰ رمزٍ مقدّس بكت عليه أهل الأرض وملائكة السماء ، وليس حزن ولدٍ علىٰ أبيه قط ، وإنه حزنٌ علىٰ فجيعةٍ بدين ، أي أنّه حزن علىٰ دين مضيّع صيّره الصبيان لعبةً يعبث بها غلمان بني أمية ، ودمية تتلاقفها أكفُّ أحفاد أبناء الطلقاء...

إنّه باختصار شديد ، رسالة صامتة شديدة اللهجة ، ودموع حرّىٰ ناطقة ، وبيان صارخ مشحون بعواطف البكاء النبيلة ممزوجة بثرىٰ تراب طاهر ، مشفوعاً بتأوّهات خالصة أرادت وتريد أن تواجه الظالم بأفصح

_______________________

(١) الكافي ٦ : ٤٧٤ / ٦ ، عيون اخبار الرضا ٢ : ٥٦.

٤٧

ما يكون التعبير عن الرفض والغضب المقدّس وأقدس ما يكون الإفصاح عن الثورة والتمرّد.

إنّه سلاح ماضٍ لكشف الجرم الكبير وفضحه والدعوة لقطع اليد التي نفّذته ، وأمام من ؟ وبدموع من ؟

بدموع الثائر المفجوع الذي لم يستطع الاستشهاد في اليوم العظيم ، لمرضٍ أقعده ، وعلَّة ما كان يستطيع الوقوف علىٰ قدميه بسببها ، فشاءت إرادة الله أن تحتفظ به ليكشف خيوط الجريمة الكبرىٰ وهو يبكي وينشج ويقول :

وهنّ المنايا أي وادٍ سلكته

عليها طريقي أو عليّ طريقها

وكلاً ألاقي نكبةً وفيجعةً

وكأس مرارّات ذعافاً أذوقها (١)

ثم يختتمها بدعاء دامع حزين : « يا نفس حتّامَ إلىٰ الدنيا سكونك ؟ وإلىٰ عمارتها ركونك ؟ أما اعتبرت بمن مضىٰ من أسلافك ؟ ومن وارته الأرض من أُلّافك ؟ ومن فجعتِ به من إخوانك ؟ ونُقل إلىٰ الثرىٰ من أقرانك ؟ فحتّامَ إلىٰ الدنيا إقبالك ، وبشهواتها اشتغالك وقد رأيتِ انقلاب أهل الشهوات ، وعاينتِ ما حلَّ بها من المصيبات... » (٢).

نعم ، إنّه البكاء الهادف ، والنشيج المدوّي ، والدموع الناطقة ، إنه

_______________________

(١) من ندبة طويلة له عليه‌السلام انظر الصحيفة الخامسة السجادية للسيد محسن الأمين دعاء (١٠٩). والبحار / المجلسي ٧٨ : ١٥٤. وينابيع المودّة / الحافظ القندوزي الحنفي : ٢٧٣. وكشف الغمة / الاربلي ٢ : ٣٠٩.

(٢) البلد الأمين / الكفعمي : ٣٢٠. والصحيفة ٤ : ٢٩.

٤٨

رسالة صامتة شديدة اللهجة صارخة الاحتجاج ، محبوكة المتن ، متينة السند.. إنّه بكاء أفقه أهل زمانه وأعلمهم وأورعهم وأتقاهم ، حفيد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وابن سبطه ، المفجوع بقتله ، الشاهد علىٰ دمه ، حامل رسالته ومبلّغ أمانته ووصيه ووريثه والداعي إلىٰ حقّه.. إنّه بكاء علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم‌السلام.

٤٩

٥٠

الفصل الثالث

ظاهرتا العبادة والدعاء عند الإمام عليه‌السلام

التفسير المبتور للظاهرتين :

لم يكن تفسير المؤرخين لظاهرتي العبادة والدعاء للإمام زين العابدين عليه‌السلام بأوفر حظاً من تفسيرهم لظاهرة البكاء المارّة الذكر.. ؛ إذ اقتصر بعضهم علىٰ تفسيرهما بكونهما حالة من الاعتزال والانكسار النفسي الذي يحلُّ عادة بالمصدومين والمفجوعين بسبب هول الصدمة أو الفجيعة التي مرّوا بها أو مرّت بهم...

ويفسرها آخرون بأنّها نوع من العزاء والسلوىٰ والتصوّف ، حيث ينكفىء أصحابها علىٰ أنفسهم في طقوس خاصة وانزواء واعتكاف لا علاقة له بالناس والمجتمع وهمومهم وآلامهم...

وبين هذين التفسيرين المتيسّرين اللذين يمران علىٰ الاُمور بظواهرها ولا يغوصان في أعماقها ، يأتي تفسير مبتور ثالث يؤكد أنّ دعاء الإمام وعبادته لم يكونا يتعديان مناقبية مثالية علوية عظيمة ، وفضيلة وكرامة من فضائل وكرامات أهل هذا البيت الطاهر ، وحيث ينظر إلىٰ المنقبة والكرامة علىٰ أنّها أسمىٰ ما يمكن أن يوصف بها الإنسان المغيّر في زمن التداعيات السياسية والصراع الفكري والحضاري..

ولئن كان في هذا التفسير بعض حق ولكنه ليس الحق كلّه ، لاسيّما وإن

٥١

ما ينتظر من أمثال الإمام السجاد عليه‌السلام هو أكبر من المناقبية والفضيلة والكرامة ، وإنّما العمل والجهاد والكفاح لمواصلة مشروع تغييري يكون أهل البيت عليهم‌السلام أجدر الناس وأولاهم بتبنّيه وتنفيذه في ظلمة ذلك الواقع الفاسد...

نعود ونذكّر بالأسباب والظروف التي أملت علىٰ الإمام السجاد هذا النوع من السلوك في فترة كان المجتمع الإسلامي الممزّق أحوج ما يكون إلىٰ التأمل والمراجعة وإعادة النظر بعيداً عن ضجيج السياسة الصاخب وأزلامها المسطحين المستهترين.

فماذا ترىٰ الإمام فاعلاً وهو يعيش أجواء كابوس خانق من الظلم والتعسف والاضطهاد يحمل لواءه عبدالملك بن مروان ، وخلفه ولاة قساة غلاظ كالحجاج وخالد القسري وبشير بن مروان ، يتوّجهم طاغية جبّار مستهتر لا يتردّد أن يمسك بالقرآن الكريم ويمزّقه ويخاطبه مهدداً :

تهدّدني بجبارٍ عنيد

وها أنا ذاك جبار عنيدُ

إذا لاقيت ربك يوم حشرٍ

فقل ياربّ مزّقني الوليدُ

وهذا يعني أن الإمام عليه‌السلام عاصر الفترة الاُولىٰ من حكم يزيد الأموي بكامل عنفها واستهتارها ، أعقبتها تسع سنين من الاضطرابات والفوضىٰ والصراع علىٰ السلطة بين الأمويين والزبيريين ، وما رافقها من ثورات شيعية وقتل وقتال لم تترك أحداً إلّا وناشته رذاذة أو شظية من شظايا تلك المرحلة الفظّة وصراعاتها ودمويتها وارتجاج المقاييس والقيم في فضائها العابث الصاخب...

٥٢

طريقان لا ثالث لهما :

ومن هنا كان أمام الإمام عليه‌السلام أحد طريقين : إمّا الاحتراق بهوس تلك الصراعات والضياع في خضمّ اصطكاك سيوف رجالها المتنافسين المتصارعين علىٰ الجاه والسلطة والمال.

وإمّا الابتعاد عن ذلك الهوس السياسي والصخب الدموي لحين انجلاء الغبرة ، والنأي بعيداً عن ذلك بالانشغال ببلورة الفكر الإسلامي المغيّر وإعداد النخبة الصالحة التي تذكّر بالصفوة المجزّرة من آل بيت المصطفىٰ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي لم يبقَ منها أحد سوىٰ هذا العبد الصالح المقصي البكّاء الحزين...

اختار الإمام الطريق الثاني بالتأكيد ، وراح يعدّ العدّة لإعداد المجموعة الصالحة المؤهّلة لحمل رسالة جدّه المصطفىٰ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلك الأجواء العابثة الملبّدة ، وكان عليه أن يُشعر السلطة الظالمة قبل غيرها ، أنه ابتعد عن معترك الصراع السياسي ، واعتزل الحياة العامّة ، منشغلاً بعبادة ربّه ، منصرفاً عن مشاغل الدنيا ومتاعبها.. فكان (أن ضربَ له بيتاً من الشعر خارج المدينة وتفرّغ فيه للعبادة والابتهال) (١).

الهدف الحقيقي :

ومن ذلك المكان النائي ، ومن تلك الخيمة المتواضعة وبهذا السلوك أو المنهج استطاع الإمام تحقيق الأهداف التالية :

١ ـ إشعار الناس والمجتمع أن العمل السياسي ليس هو وحده الكفيل بتشكيل النخبة المغيّرة القادرة علىٰ قيادة المشروع الإسلامي المغيّب من

_______________________

(١) الإمام زين العابدين / عبد الرزاق المقرّم : ٤٢.

٥٣

قبل السلطات الظالمة ، وخاصة في زمن ارتجاج المقاييس واهتزاز الثوابت لدىٰ القاعدة الجماهيرية الشعبية التي يعوّل عليها تنفيذ عملية التغيير المطلوبة هذه...

٢ ـ ترسيخ أو بناء مفهوم جديد للعلاقة مع الله تعالىٰ عبر الدعاء والمناجاة ، وإملاء الفراغ الروحي الناشئ عن حالات الإحباط وخيبة الأمل التي خلّفتها سياسة دموية عابثة تلفّعت بشعارات الإسلام ، ولكنّها لم تنتج إلّا الهوس والسعار ، والركض وراء الشهوات والملذّات وزوايا المتعة والمجون ، إذ نسمعه يناجي ربه قائلاً : « الهي ، كم من نعمة انعمت بها عليّ قلّ لك عندها شكري ، وكم من بليّة ابتليتني بها قلّ لك عندها صبري ، وكم من معصيةٍ أتيتها فسترتها ولم تفضحني ، فيا من قلَّ شكري عند نعمه فلم يحرمني ، ويا من قلّ صبري عند بلائه فلم يخذلني ، ويا من رآني علىٰ المعاصي فلم يفضحني.. » (١).

وليس تعبيره باصفراره عليه‌السلام عند وضوئه وحين يقف بين يدي ربّه وقوله : « أتدرون بين يدي من سأقف ومن سأناجي » إلّا إشارة دقيقة وصادقة علىٰ هذا التواصل ، أو تعبيراً متيناً عن هذا الشدّ الرسالي العظيم...

ومثل ذلك قوله وهو متعلّق بأستار الكعبة ليلاً : « إلهي نامت العيون ، وعلت النجوم ، وأنت الملك الحي القيوم ، غلقت الملوك أبوابها ، وأقامت عليها حراسها ، وبابك مفتوح للسائلين... إلىٰ أن ينشد قائلاً :

يامن يجيب دعا المضطرِّ في الظُلم

يا كاشف الضرّ والبلوىٰ مع السقمِ

_______________________

(١) مناقب آل أبي طالب ٤ : ١٧٨.

٥٤

قد نام وفدك حول البيت قاطبةً

وأنت وحدك يا قيّوم لم تنمِ

أدعوك ربّ دعاءً قد أمرت به

فارحم بكائي بحقّ البيت والحرمِ

إن كان عفوك لا يرجوه ذو سرف

فمن يجود علىٰ العاصين بالنعمِ (١)

٣ ـ تذكير الناس بالله تعالىٰ واليوم الآخر ، وإيجاد بدائل لسعادة روحية غيّبها الصراع المادي والسياسي للسلطة الحاكمة ، وخلق أجواء حميمة لعلاقات صادقة وصفاء روحي قائم علىٰ الحبّ في الله والبغض في الله...

فنجده يجسّد ذلك الشعور في دعائه لجيرانه ومواليه ، وإخوانه العارفين بحقّه فيقول : « اللهمّ صلِّ علىٰ محمد وآله.. واجعلني اللهمّ أجزي بالإحسان مسيئهم ، وأعرض بالتجاوز عن ظالمهم ، واستعمل حسن الظن في كافّتهم ، وأتولىٰ بالبر عامتهم ، وأغض بصري عنهم عفة ، وألين جانبي لهم تواضعاً ، وأرقّ علىٰ أهل البلاء منهم رحمة ، وأسرّ لهم بالغيب مودة ، وأحبُّ بقاء النعمة عندهم نصحاً ، وأوجب لهم ما أوجب لحامّتي وأرعىٰ لهم ما أرعىٰ لخاصتي » (٢).

وهذا يعني أن السعادة الروحية يمكن أن تكون أعمق من السعادة المادّية ، وأن التنافس المحموم علىٰ المادّة يمكن تعويضه بسعادة روحية حميمة تقوم علىٰ العلاقات الدافئة الحبيبة بين الاِخوان المتحابين في الله

_______________________

(١) مناقب آل أبي طالب ٤ : ١٦٣ عن الاصمعي اللغوي النحوي صاحب النوادر والملح ، عن الكنىٰ والألقاب ٢ : ٣٧ ـ ٤٠.

(٢) الصحيفة السجادية الجامعة : ١٣١ دعاء رقم (٦٥).

٥٥

والمتآخين في حبّ الله ، وبعيداً عن مخالب التنافس المادي وأنيابه وسُعاره...

٤ ـ تسفيه أحلام الحكام الأمويين والتنديد بتكالبهم وتسابقهم علىٰ ملذّات الدنيا ، عبر إشعارهم بأن السعادة والكرامة لا يتأتّيان دائماً عبر المال والجاه والسلطة ، وإنّما عبر الزهد والسموّ والترفّع علىٰ الدنيا وحطامها ، بل إنّ السعادة الروحية أركز وأمتن ، وأجلّ في نفوس أهلها من السعادة المادية المعروفة.

سأل عبدالملك يوماً الإمام عليه‌السلام عن تواصل عبادته وكثرة انشغاله بها ، فأجابه عليه‌السلام قائلاً : « .. ولولا أن لأهلي عليّ حقاً ، ولسائر الناس من خاصتهم وعامتهم عليّ حقوقاً ، لا يسعني إلّا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتىٰ أؤديها ، لرميتُ بطرفي إلىٰ السماء ، وبقلبي إلىٰ الله ، ثمّ لا أردّهما حتىٰ يقضي الله علىٰ نفسي وهو خير الحاكمين .. » مذكّراً بحديث جدّه المصطفىٰ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين سُئل عن كثرة عبادته وقد غفر الله له من ذنبه ما تقدّم منه وما تأخر ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ » ! وقيل : إنّ عبدالملك بكىٰ وأبكىٰ من كان معه...

فضلاً عن إشعار أزلام السلطة أو إيهامهم بأنّه لا يعارضهم ولا يبغي غائلة بهم ، علّهم يخففون عنه عيون الشرطة والمرتزقة والمأجورين...

ولا نرىٰ أنفسنا مبالغين حين نقول : إنّ (زبور آل محمد) جاء مجموعة متماسكة من ذرىٰ رفيعة ينتقل عبرها الداعي من عالم مادي رمادي مظلم إلىٰ عالم معنوي مشرق نوراني شفاف ، يستلهم القارىء من كلماتها وألفاظها ومعانيها ونصوصها آفاقاً جديدة في المعرفة والعرفان ، حتىٰ ليُخيل للمرء أنّها كتلةً نورانية مشعّة تنبعث عنها طاقة هائلة من معانٍ

٥٦

وإشراقات يفجّرها الإمام ببيانه وبلاغته وصدق مناجاته ، ويحشدها حشداً علىٰ امتداد أدعية الصحيفة وكلماتها... وهو يقول : « إلهي اسكنتنا داراً حفرتَ لنا فيها حُفَر مكْرِها ، وعلّقتنا بأيدي المنايا في حبائل غدرها ، فإليك نلتجىء من مكائد خدعها ، وبك نعتصم من الاغترار بزخارف زينتها ، فإنّها المهلكة طلّابها ، المُتلفة حُلّالها ، المحشوّة بالآفات ، المشحونة بالنكبات.. إلهي فزهّدنا فيها وسلّمنا منها بتوفيقك وعصمتك ، وانزع عنا جلابيب مخالفتك ، وتولّ أمورنا بحسن كفايتك.. ».

٥ ـ كان لابدّ للإمام وهو يرىٰ انتشار وباء التكالب علىٰ الدنيا وشهواتها ، وانتشار ظواهر التحلّل والميوعة والفساد ، أن يبحث عن لقاح مضاد نافع لكبح تيار الانحلال هذا ، وتعليم الناس أنّ الدنيا ليست كلّ شيء وإنّما وراءها يوم آخر غيّبته السياسة ، وأنّ ذلك اليوم هو خير وأبقىٰ لمن ألقىٰ السمع وهو شهيد ، فكان عليه‌السلام يقتنص الفرصة تلو الفرصة لتأكيد هذا المعنىٰ في نفوس الناس.

روي عن الإمام الباقر عليه‌السلام واصفاً عبادة أبيه أنّه قال :

« لم يذكر أبي نعمة لله إلّا سجد ، ولا قرأ آية فيها سجدة إلّا سجد ، ولا دفع الله عنه سوء إلّا سجد ، ولا فرغ من صلاة إلّا سجد ، ولا وفّق لاصلاح بين اثنين إلّا سجد.. » (١).

ويُروىٰ عنه عليه‌السلام أنّه حين كان يخرج مع الناس في بعض المنازل كان يصلّي ويسبّح في سجوده ، ويبكي حتىٰ تبتلّ لحيته بدموع عينيه وهو يقول : « يامن تُحلُّ به عُقد المكاره ، ويا من يُفتأ به حدّ الشدائد ، ويا من يُلتمس منه المخرج إلىٰ روح الفرج. ذلّت لقدرتك الصعاب ، وتسبّبت بلطفك

_______________________

(١) معاني الأخبار / الصدوق : ٢٤.

٥٧

الأسباب ، وجرىٰ بقدرتك القضاء ، ومضت علىٰ إرادتك الأشياء ، فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة ، وبإرادتك دون نهيك منزجرة ، أنت المدعو للمهمّات ، وأنت المفزع في الملمّات ، لا يندفع منها إلّا ما دفعت ، ولا ينكشف منها إلّا ما كشفت... » (١).

وغير ذلك من تضرّع ومناجاة وتبتّل ، كانت لها أكبر الآثار في شدّ الناس بالله تعالىٰ وتذكيرهم بعظمته وجبروته ، وتحذيرهم من الكفر به وتجاوز حدوده... خاصة إذا كان مثالها مصداقاً عملياً للدعاء الصادق أو التبتّل الطاهر الذي لا يرجو صاحبه بدعائه وتبتّله ومناجاته إلّا رضا الله تعالىٰ وتحكيم دينه في دنيا الناس ، رأفةً بهم وحبّاً لهم ، وامتثالاً لقوله عزَّ من قائل : ( فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (٢).

مضامين دعائه عليه‌السلام :

وحتىٰ دعائه عليه‌السلام لم يسلم هو الآخر من النقد والتجريح من قبل السفهاء والمسطّحين ، فبعد أن اعتبره بعضهم إعتزالاً سلبياً ، وانكفاءً وابتعاداً عن هموم الناس وآلامهم ، راح آخرون يؤكدون علىٰ الجانب العرفاني فيه فقط ، ناسين أو متناسين أن دعاءه عليه‌السلام كان في معظمه رسالة مفتوحة ، إلىٰ الناس كل الناس ، بثّ لهم فيها شجونه وأهدافه ورسالته وعلىٰ كلِّ الأطر والأصعدة ، وعلىٰ طريقة (إياك أعني واسمعي يا جارة)...

ولعلنا من قراءة سريعة لسطور وكلمات أدعيته المأثورة نكتشف سِفراً

_______________________

(١) الصحيفة السجادية / الإمام زين العابدين دعاء (٧).

(٢) سورة النور : ٢٤ / ٦٢.

٥٨

خالداً ـ سنأتي علىٰ ذكر بعض تفاصيله لاحقاً ـ من التربية والتهذيب والتصدّي والدعوة إلىٰ الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله واستحضار قيم الدين وتفعيل مضامينه وبثّ الروح في مواعظه وإرشاداته.

ولم يُخطئ من وصف (الصحيفة السجادية) للإمام زين العابدين عليه‌السلام بأنّها (زبور آل محمد) ، ولم يُجانب الصواب كثيراً من قرأ الإمام السجاد من زاوية التهجّد والعرفان وعلاقته عليه‌السلام مع السماء فقط ، فلعله عليه‌السلام أراد بتلك الأدعية ـ كما قلنا ـ كبح الانجرار الهابط إلىٰ وحل الأرض وطينها ، والوقوف أمام التيار المادي الجارف الذي روّجه وعزف عليه وأشاعه الإعلام الأموي المتلفّع بشعارات الدين زوراً وإفكاً...

ومن قراءة سريعة في هذه «الصحيفة الخالدة» يكتشف المرء عمق العلاقة بين الإمام زين العابدين وربّه ، وكيف انه غاص في أعماق النفس الإنسانية ، وراح يشدّ حبلها بحبل السماء الذي قطعته السياسة الأموية ، ومزّقت أوصاله تداعياتها ، وانحطاط رجالها وتهافتهم علىٰ الدنيا وحطامها..

نعم ، استطاع الإمام السجاد عليه‌السلام بهذا الاتجاه وبسبب الأجواء الخانقة التي أشرنا إليها تلميحاً أن يترك لنا سفراً خالداً في المناجاة والتبتّل والابتهال ، فأعاد موازنة العقل مع القلب ، والفكر مع الروح ، واستطاع بصدقه ودموعه وشجونه ولوعته أن يرسم لنا لوحةً صادقةً عن العرفان الهادف ، والتصوف الصادق ، والاتصال المسؤول الذي يهفو إلىٰ السماء ولا ينسىٰ الأرض ، ويسأل الله سعادة أهل الآخرة ، ولا ينسىٰ شقاء أهل الدنيا ، ويطلب رضا الخالق فيما يناشد ضمائر المخلوقين..

٥٩

نعم ، جاءت أدعية الإمام زين العابدين عليه‌السلام لمواجهة موجات الرخاء والهبوط التي تعرّض لها المجتمع الإسلامي في بداية الحكم الأموي ، فقام عليه‌السلام بما امتلكه من بلاغة فريدة وقدرة فائقة علىٰ استخدام اللغة ، وذهنية ربانية تفتّقت عن أعذب المعاني وأروعها في تصوير صلة الإنسان بخالقه وهيامه به ، وانشداده بالمبدأ والمعاد ، فأوجد من خلال الدعاء فضاءً روحياً عظيماً لابناء المجتمع الإسلامي استطاع بواسطته تثبيت الإنسان المسلم وشدّه بالسماء وخاصة حين تعصف به المغريات وتجرّه إلىٰ الأرض.

فكان عليه‌السلام يخطب الناس في مجلسه كل جمعة ، يعضهم ويزهّدهم في الدنيا ، وهو سيد الزاهدين ، ويُرغّبهم في الآخرة وهو أشدّ الراغبين ، ويقرع أسماعهم بتلك اللوحات الفنيّة البالغة التأثير التي مثّلت بحق العبودية الخالصة لله تعالىٰ ، فضلاً عن كونها عملاً اجتماعياً عظيماً فرضته ضرورة المرحلة التي كان يمرّ بها ، حتىٰ أضحت تلك الأدعية تراثاً ربانياً فريداً للسالكين طريق الله ، ومصدر عطاء وهداية لكلِّ من ينشد الحق ويرغب في معرفة الله حقّ معرفته ، إضافة إلىٰ كونها دروس أخلاق وتهذيب ، سيظل أهل الدنيا ينهلون من معينها العذب ما دام هناك صراع بين قوىٰ الخير وقوىٰ الشرّ ، أو بين مثابات الهدىٰ ومعسكرات الضلال...

وهكذا نسمعه عليه‌السلام في فصاحته وبيانه وبلاغته ، له في كل صباح ومساء دعاء ، وله في المهمّات دعاء ، وفي الاعترافات والظلامات دعاء ، وعند المرض والعافية دعاء ، وعند الشدّة والفزع دعاء ، وعند ذكر الموت وسماع الرعد والرهبة دعاء ، وفي استقبال شهر رمضان المبارك وتوديعه دعاء ، وعند ختم القرآن ويوم عرفة وأيام الأسبوع دعاء ودعاء ، وهكذا

٦٠