🚖

الأسرة في المجتمع الإسلامي

عبّاس الذهبي

الأسرة في المجتمع الإسلامي

المؤلف:

عبّاس الذهبي


الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: مركز الرسالة
المطبعة: ستاره
ISBN: 964-319-365-9
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

كمجتمع صغير وبينها وبين المجتمع الكبير ، ومن هنا جاء في موعظة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للإمام علي عليه‌السلام : « ... يا عليّ ، أحسن خُلقك مع أهلك وجيرانك ومن تعاشر وتصاحبُ من الناس ، تُكتب عند الله في الدّرجات العُلىٰ » (١).

وفي جهة أخرىٰ فان سوء الخلق يغرس في محيط العائلة بذور الخلاف ، وينتج النفرة من البيت ، ويولّد الملل للأهل ، يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام : « سوء الخلق يوحش القريب ويُنفر البعيد » (٢) ويقول أيضاً في خطبته المعروفة بـ « الوسيلة » : « ومن ضاق خُلقه ملّه أهله » (٣). والملاحظ في ضوء النصوص الدينية أنها تركز علىٰ أربع خصال أخلاقية لها مدخلية كبرىٰ في توثيق وإدامة الحياة الزوجية وهي :

أ ـ الصبر الجميل :

وهو تحمل الزوجين لتصرفات أحدهما الآخر بدون بثّ الشكوىٰ للآخرين الذي يؤدي إلىٰ تدخلات تعيق مسير الحياة الزوجية ، علماً بأن هذا الصبر سوف يكسب الزوجين الثواب الجزيل ، قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبته الجامعة في المدينة قبيل رحيله : « .. ومن صبر علىٰ سوء خلق امرأته واحتسبه ، أعطاه الله تعالىٰ بكلِّ يوم وليلة يصبر عليها من الثواب ما أعطىٰ أيّوب عليه‌السلام علىٰ بلائه ، وكان عليها من الوزر في كلِّ يوم وليلة مثل رمل عالج.. ومن كانت له امرأة لم توافقه ولم تصبر علىٰ ما رزقه الله تعالىٰ وشقّت عليه وحملته ما لم يقدر عليه ، لم يقبل الله منها حسنة تتقي بها حرَّ النار ، وغضب الله عليها ما

________________

١) تحف العقول : ١٤ مواعظ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحكمه.

٢) غرر الحكم ح ٥٥٩٣.

٣) تحف العقول : ٩٧.

٦١

دامت كذلك » (١).

وقد ضرب أهل البيت عليهم‌السلام أروع الأمثلة علىٰ الصبر الجميل مع أهلهم وما ملكت أيمانهم ، فعن الإمام الصادق عليه‌السلام ، قال : « سمعتُ أبا جعفر عليه‌السلام يقول : إنّي لأصبر من غلامي هذا ومن أهلي علىٰ ما هو أمرّ من الحنظل.. (٢) ».

ب ـ العفّة وعدم الخيانة :

لاشكّ أن خلع حزام العفة من قبل الزوجين أو أحدهما موجب للخيانة التي سرعان ما تقوّض أركان الأسرة وتسيء إلىٰ سمعتها وتكسب أفرادها الإثم والعار.

والملاحظ أن الإسلام يذهب إلىٰ أن سقوط الزّوج في هاوية الرذيلة يؤدي إلىٰ سقوط الزوجة أيضاً في تلك الهاوية ، حسب قاعدة « كما تدين تدان » ، روىٰ الإمام علي عليه‌السلام : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « لا تزنوا فيذهب الله لذة نسائكم من أجوافكم ، وعفّوا تعفّ نساؤكم ، إنّ بني فلان زنوا فزنت نساؤهم » (٣).

ويروي الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قد أوحىٰ الله تعالىٰ إلىٰ موسىٰ عليه‌السلام : « .. لاتزنوا فتزني نساؤكم ، ومن وطىء فرش أمرىء مسلم وُطىء فراشه ، كما تدين تُدان » (٤).

ضمن هذا السياق نجد في النصوص الدينية استنكاراً شديداً للخيانة

________________

١) عقاب الأعمال ، للصدوق : ٣٣٩ باب يجمع عقوبات الأعمال.

٢) وسائل الشيعة ١١ : ٢٠٩ / ٥ من أبواب جهاد النفس.

٣) مكارم الأخلاق : ٢٣٨ من نوادر النكاح ، الفصل العاشر.

٤) عقاب الأعمال : ٣٣٨.

٦٢

الزوجية وتهديداً مغلَّظاً للأزواج الذين يخلعون ثوب الفضيلة ويوبقون أنفسهم بارتكاب الرذيلة ، ولهذا قال الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متوعّداً : « ... ومن فجر بامرأة ولها بعل تفجّر من فرجهما صديد واد مسيرة خمسمائة عام ، يتأذىٰ به أهل النّار من نتن ريحهما ، وكان من أشدّ الناس عذاباً .. (١) ».

جـ ـ تجنب القذف :

إنَّ الطعن في شرف أحد الزوجين ، ومهما كانت أسبابه ، هو أُسلوب خسيس وذنب كبير ، أوجب الله تعالىٰ علىٰ فاعله الحدّ في الدّنيا ، والعذاب الشديد في الآخرة ، فقد ورد عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « .. ومن رمىٰ محصناً أو محصنة أحبط الله عمله ، وجلده يوم القيامة سبعون ألف ملك من بين يديه ومن خلفه ، وتنهش لحمه حيّات وعقارب ، ثمَّ يؤمر به إلىٰ النّار » (٢).

وعن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّ : « قذف المحصنات من الكبائر ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول : ( لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .. » (٣).

والملاحظ أن الإسلام تشدد في مسألة الأعراض كما تشدد في مسألة الدماء ، ومن مصاديق ذلك أن القاذف الذي لم يأتِ بأربعة شهود ، أو لم يصرّح بصيغة اللعان إذا كان من الزوجين ، فسوف يتعرض للجلد الشديد ، ولا يتمكن من إسقاطه عن نفسه ، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام يقذف امرأته قال : « يجلد ». قلت : أرأيت إن عفّت عنه ؟ قال : « لا ، ولا كرامة » (٤).

________________

١) عقاب الأعمال : ٣٣٨.

٢) عقاب الاعمال ، الصدوق : ٣٣٥.

٣) علل الشرائع : ٤٨٠ / ٢ باب ٢٣١ العلة التي من أجلها حرم قذف المحصنات.

٤) من لا يحضره الفقيه ٤ : ٣٤ / ١ باب ١٠ دار صعب ط ١٤٠١ هـ.

٦٣

د ـ تجنب الغيرة :

الغيرة من الأسباب التي تدعو إلىٰ تنغيص الحياة الزوجية ، وتعكير صفوها ، لذلك لم يغفل الدين الإسلامي في توجهاته الأخلاقية عن هذه القضية ، فهو يدعو المرأة إلىٰ تجنب الغيرة وخاصة تلك التي تستند إلىٰ الأوهام والظنون السيئة أو التي تنطلق من بواعث نفسية ذاتية قد تكون من باب سوء الظن أو الحسد وتؤدي بالنتيجة إلىٰ الحاق الضرر بعلاقتها مع زوجها ، وفي هذا الصدد يقول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « غيرة المرأة كفر » (١).

ويرىٰ الإمام الباقر عليه‌السلام وفق نظرة معرفية ثاقبة أنّ : « غيرة النساء الحسد ، والحسد هو أصل الكفر ، إنَّ النساء إذا غرن غضبن ، وإذا غضبن كفرن ، إلّا المسلمات منهن » (٢).

وقد دلّنا الإمام الصادق عليه‌السلام علىٰ معيار معنوي نميّز من خلاله المرأة المتكاملة عن سواها ، وذلك من خلال إثارة غيرتها ، فعن خالد القلانسي قال : ذكر رجل لأبي عبدالله عليه‌السلام امرأته فأحسن عليها الثناء ، فقال له أبو عبدالله عليه‌السلام : « أغرتها ؟ قال : لا ، قال : فأغرها. فأغارها فثبتت ، فقال لأبي عبدالله عليه‌السلام : إنّي أغرتها فثبتت ، فقال : هي كما تقول » (٣).

وبالمقابل فإنّ الإسلام ينمي في الرجل خصلة الغيرة إذا كانت علىٰ عرضه وسمعة عائلته وكرامتها ، يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام : « غيرة الرجل إيمان » (٤) ومع

________________

١) نهج البلاغة ، ضبط صبحي الصالح : ٤٩١ حكمة ١٢٤.

٢) فروع الكافي ٥ : ٥٠٥ باب غيرة النساء من كتاب النكاح.

٣) فروع الكافي ٥ : ٥٠٤.

٤) نهج البلاغة ، ضبط صبحي الصالح : ٤٩١ حكم ١٢٤.

٦٤

ذلك فانه يحثه علىٰ تجنب الغيرة في غير موضعها ؛ لأنها قد تؤدي بالمرأة إلىٰ الاعجاب والكبر وغيرهما من الخصال الذميمة ، فمن وصايا أمير المؤمنين عليه‌السلام لابنه الامام الحسن عليه‌السلام : « .. وإياك والتغاير في غير موضع غيرة ، فإنَّ ذلك يدعو الصحيحة منهنَّ إلىٰ السقم.. » (١).

ثالثاً : جانب الآداب :

ويتضمن آداب الدخول إلىٰ الاُسرة وآداب الجماع :

أ ـ آداب الدخول إلىٰ الاُسرة :

للإسلام في هذا الباب آداب حضارية ، يمكن اختصارها بالنقاط التالية :

١ ـ الدخول من الأبواب : قال تعالىٰ : ( .. وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا.. ) (٢). فالقرآن يُعلِّم المسلمين أدباً رفيعاً من أجل صيانة حرمة الاُسرة وعدم هتك ستر أفرادها ، إذ إن دخول البيوت من أبوابها يُبعد الشبهات والظنون السيئة التي يمكن أن تثيرها النفوس المريضة بما يسيء إلىٰ سمعة العائلة.

٢ ـ الاستئناس والسلام : قال تعالىٰ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (٣).

________________

١) تحف العقول : ٨٧.

٢) سورة البقرة : ٢ / ١٨٩.

٣) سورة النور : ٢٤ / ٢٧ ـ ٢٨.

٦٥

قال الطبرسي رحمه‌الله : روي عن أبي أيوب الأنصاري ، قال : قلنا يا رسول الله ، ما الاستئناس ؟ قال : « يتكلم الرجل بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة ويتنحنح علىٰ أهل البيت ».

وروي أن رجلاً قال للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استأذن علىٰ أمي ، فقال : « نعم ، قال : إنها ليس لها خادم غيري ، أفتستأذن عليها كلّما دخلت ، قال : اتحب أن تراها عريانة ؟ قال الرجل : لا ، قال : فاستأذن عليها ».

لا يجوز دخول دار الغير بغير إذنه ، وإن لم يكن صاحبها فيها ، ولا يجوز أن يتطلع إلىٰ المنزل ليرىٰ من فيه فيستأذنه ، إذا كان الباب مغلقاً ، لقوله عليه‌السلام : « إنّما جعل الاستئناس لأجل النظر » إلّا أن يكون الباب مفتوحاً ؛ لأنَّ صاحبه بالفتح أباح النظر.. ( وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ) أي فانصرفوا ولا تلجوا عليهم ، وذلك بأن يأمروكم بالانصراف صريحاً أو يوجد منهم ما يدل عليه ( هُوَ أَزْكَىٰ ) معناه : أن الانصراف أنفع لكم في دينكم ودنياكم ، وأطهر لقلوبكم ، وأقرب إلىٰ أن تصيروا أزكياء (١).

وضمن هذا السياق ، قال أمير المؤمنين عليه‌السلام لأصحابه : « إذا دخل أحدكم منزله فليسلِّم علىٰ أهله ، يقول : السلام عليكم ، فإن لم يكن له أهل فليقل : السلام علينا من ربّنا .. » (٢).

وينبغي الإشارة إلىٰ أن الإسلام يحرص أشد الحرص علىٰ رعاية حرمة الاُسرة ، ومن مصاديق ذلك أنّه كره التطلّع في الدور ، جاء عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنَّ الله تبارك وتعالىٰ كره التطلع في

________________

١) مجمع البيان ٥ : ٣٢ / ١٩ منشورات دار مكتبة الحياة ـ بيروت.

٢) الخصال ، للصدوق ٢ : ٦٢٦ / ٤٠٠.

٦٦

الدور » (١). كما أشار أمير المؤمنين عليه‌السلام في وصيته القيمة للحسين عليه‌السلام إلىٰ هذا الأمر بقوله : « من هتك حجاب غيره ، انكشفت عورات بيته » (٢).

ضمن هذا النطاق حث الإسلام المرأة علىٰ مراعاة الآداب عند غياب زوجها ، بأن لا تدخل بيته أحداً يكرهه ، وقد اعتبر ذلك حقاً للزوج علىٰ زوجته ، جاء في خطبة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجة الوداع أنه قال : « .. أيُّها الناس ، إنّ لنسائكم عليكم حقاً ، ولكم عليهنَّ حقاً ، حقكم عليهن أن لايوطئن أحداً فرُشكم ، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلّا بإذنكم.. » (٣).

ب ـ آداب الجماع :

ولقد وضع الإسلام للجماع آداباً خاصة ، تبدأ منذ دخول الرّجل علىٰ زوجته ، فقد جاء في وصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للإمام علي عليه‌السلام : « يا علي ، إذا أُدخلت العروس بيتك ، فاخلع خفّها حين تجلس ، واغسل رجليها ، وصُبّ الماء من باب دارك إلىٰ أقصىٰ دارك ، فإنك إذا فعلت ذلك أخرج الله من دارك سبعين ألف لون من الفقر ، وأدخل فيها سبعين ألف من الغنىٰ ، وسبعين لوناً من البركة ، وأنزل عليك سبعين رحمة ترفرف علىٰ رأس عروسك.. » (٤).

وقال الإمام الصادق عليه‌السلام لأحد أصحابه : « إذا أُدخلت عليك أهلك فخذ بناصيتها ، واستقبل بها القبلة ، وقُلْ : اللّهمَّ بأمانتك أخذتها ، وبكلماتك

________________

١) مكارم الأخلاق : ٢٣٤.

٢) تحف العقول : ٨٨.

٣) تحف العقول : ٣٣.

٤) أمالي الصدوق : ٤٥٥ مؤسسة الأعلمي ط ٥.

٦٧

استحللت فرجها ، فإن قضيت لي منها ولداً فاجعله مباركاً سوياً ، ولا تجعل للشيطان فيه شركاً ولا نصيباً ».

ومن كتاب النجاة المروي عن الأئمة عليهم‌السلام : « إذا قرب الزفاف يُستحب أن تأمرها أن تصلي ركعتين ، وتكون علىٰ وضوء إذا أُدخلت عليك ، وتصلي أنت أيضاً مثل ذلك ، وتحمد الله ، وتصلي علىٰ النبي وآله.. وتقول إذا أردت المباشرة : اللّهمَّ ارزقني ولداً واجعله تقياً ذكياً ليس في خلقه زيادة ولا نقصان ، واجعل عاقبته إلىٰ خير. وتسمي عند الجماع » (١).

فالملاحظ أن السيرة العطرة تُسدي نصائحها القيمة للزوجين عند المباشرة ، وتكشف في الوقت عينه عن العلل والآثار المترتبة عليها ، والتي يمكن تصنيفها والاشارة إليها في الفقرات التالية :

١ ـ تجنب الجماع في أوقات معينة : جاء في وصية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للإمام علي عليه‌السلام : « لا تجامع امرأتك في أول الشهر ووسطه وآخره ، فإن الجنون والجذام والخبل يُسرع إليها وإلى ولدها.

ثم قال : يا علي ، لا تجامع امرأتك بعد الظهر ، فإنّه إن قضى بينكما ولد في ذلك الوقت يكون أحول.. » (٢)

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا علي ، وعليك بالجماع ليلة الاثنين ، فإنّه إن قضىٰ بينكما ولد يكون حافظاً لكتاب الله ، راضياً بما قسم الله عزَّوجلَّ لـه.

________________

١) من وصية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للإمام علي عليه‌السلام / مكارم الأخلاق : ٢٠٨ ـ ٢١٢الفصل العاشر : في آداب الزفاف والمباشرة.

٢) مكارم الأخلاق : ٢٠٩.

٦٨

يا علي : إن جامعت أهلك في ليلة الثلاثاء ، فقضىٰ بينكما ولد ، فإنّه يُرزق الشهادة.. » (١).

٢ ـ تجنب الجماع في أماكن معينة : قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا علي ، لا تجامع امرأتك تحت شجرة مثمرة ، فإنه إن قضىٰ بينكما ولد يكون جلّاداً ، أو قتّالاً ، أو عريفاً » (٢).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا علي ، لا تجامع أهلك علىٰ سقوف البنيان ، فإنّه إن قضىٰ بينكما ولد يكون منافقاً ، مرائياً ، مبتدعاً » (٣).

وروي عن الإمام الصادق عليه‌السلام : « لا تجامع في السفينة ، ولا مستقبل القبلة ولا مستدبرها » (٤).

٣ ـ تجنب الجماع في أوضاع معينة : قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا علي ، لا تجامع امرأتك من قيام ، فإن ذلك من فعل الحمير ، وإن قضىٰ بينكما ولد كان بوّالاً في الفراش ، كالحمير تبول في كل مكان » (٥).

٤ ـ تجنب الجماع في حالات معينة : قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من جامع امرأته وهي حائض فخرج الولد مجذوماً أو أبرص فلا يلومنَّ إلّا نفسه » (٦).

________________

١) المصدر السابق : ٢١١.

٢) المصدر السابق : ٢١٠.

٣) مكارم الأخلاق : ٢٠٩ ـ ٢١١.

٤) المصدر السابق : ٢١٢.

٥) المصدر السابق : ٢١٠.

٦) مكارم الأخلاق : ٢١٢.

٦٩

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً : « يا علي ، لا تجامع أهلك إذا خرجت إلىٰ سفر مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن ، فإنّه إن قضىٰ بينكما ولد يكون عوناً لكلِّ ظالم » (١).

٥ ـ تجنب الكلام عند الجماع والنظر : فمن وصايا أمير المؤمنين عليه‌السلام : « إذا أراد أحدكم غشيان زوجته فليقلَّ الكلام ، فإنَّ الكلام عند ذلك يورث الخرس ، ولا ينظرنَّ أحدكم إلىٰ باطن فرج المرأة فإنّه يورث البرص.. » (٢).

وهكذا نجد أن السيرة المطهّرة لم تغفل عن بيان آداب الجماع والعواقب المترتبة علىٰ أوضاعه وحالاته وأوقاته ، التي تنعكس ـ سلباً أو إيجاباً ـ علىٰ الأولاد سواءً في صحتهم وسلامتهم أو مستقبلهم ومصيرهم.

المبحث الثالث

عناية الإسلام بمراحل نشوء الطفل ونموّه

أولاً : مرحلة الحمل :

أولىٰ الإسلام هذه الفترة التي يكون الجنين فيها قابعاً في رحم أُمّه عناية خاصة ، ويتضح ذلك من خلال استعراض النقاط التالية :

أ ـ الاهتمام بغذاء الحامل :

فقد أرشد المرأة إلىٰ تناول الأغذية المفيدة التي تحافظ علىٰ صحتها وتنمي جنينها في جسمه أو عقله ، ومن الشواهد علىٰ ذلك قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « كلوا السفرجل وتهادوه بينكم ، فإنّه يجلو البصر وينبت المودّة في القلب ، وأطعموه حبالاكم ، فإنّه يحسّن أولادكم ، وفي رواية : يحسّن أخلاق أولادكم » (٣).

________________

١) مكارم الأخلاق : ٢١١ ـ ٢١٢.

٢) تحف العقول : ١٢٥ وصايا أمير المؤمنين عليه‌السلام.

٣) مكارم الأخلاق : ١٧١ ـ ١٧٢ الفصل العاشر.

٧٠

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً : « أطعموا نساءكم الحوامل اللبان ، فإنّه يزيد في عقل الصبي » (١).

وعن الإمام الرضا عليه‌السلام : « أطعموا حبالاكم اللبان ، فإن يكن في بطنهنَّ غلام خرج ذكي القلب عالماً شجاعاً ، وإن يكن جارية حسن خلقها وخُلقها ، وعظمت عجيزتها ، وحظيت عند زوجها » (٢).

ب ـ مراعاة الطهارة والوقت المناسب عند جماع الحامل :

ومن الشواهد علىٰ ذلك قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا علي إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلّا وأنت علىٰ وضوء ، فإنّه إن قضىٰ بينكما ولد يكون أعمىٰ القلب ، بخيل اليد » (٣) ، وعن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « لا تجامع في أول الشهر ولا في وسطه ولا في آخره ، فإنّه من فعل ذلك فليستعدّ لسقط الولد ، وإن تمَّ أوشك أن يكون مجنوناً .. » (٤).

جـ ـ مراعاة الحالة النفسية للحامل :

فهي في هذه الفترة مرهفة الحس وتعاني آلام الحمل ومضاعفاته ، ويمتلكها هاجس من الخوف المزدوج علىٰ حياتها عند تعسّر الولادة وعلىٰ سلامة جنينها وصحته ، ومن أجل ذلك تحتاج إلىٰ رعاية خاصة ، وتحمّل لبعض تصرفاتها من قبل الزوج ، قال الإمام الصادق عليه‌السلام : « من احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة ، أعتق الله رقبته من النار ، وأوجب له الجنة .. » (٥).

________________

١) مكارم الأخلاق : ١٩٤.

٢) مكارم الأخلاق : ١٩٤.

٣) مكارم الأخلاق : ٢١٠ في آداب الزفاف والمباشرة.

٤) مكارم الأخلاق : ٢١٢.

٥) مكارم الاخلاق : ٢١٦.

٧١

ثانياً : مرحلة الولادة :

وفي هذه الفترة التي تشهد ظهور الوليد إلىٰ الوجود ، يدعو الدين الإسلامي إلىٰ الاهتمام بالمرأة النفساء ، وتوفير الطعام المناسب لها ، خصوصاً وإنها قد تضطلع بوظيفة الإرضاع للطفل ، ومن هنا أوصىٰ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأزواج قائلاً : « أطعموا المرأة ـ في شهرها التي تلد فيه ـ التمر ، فإن ولدها يكون حليماً نقيّاً » (١).

كما يولي الإسلام عناية فائقة بالوليد منذ نعومة أظفاره ، ويتّضح ذلك من خلال النقاط التالية :

أ ـ تسمية المولود :

ويستحب تسميته بأحسن الأسماء ، لما للاسم الحسن من آثار تربوية تنعكس علىٰ نفسية الطفل ومكانته ، وقد ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال : « سمىٰ الصبي يوم السابع.. » (٢).

ولاشكّ أنّ اسم نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو خير الأسماء ، وكذلك أسماء أهل بيته الأطهار عليهم‌السلام وأسماء الرسل والأنبياء والصالحين ، ورد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه قال : « سمّوا أولادكم أسماء الأنبياء ، وأحسن الأسماء عبد الله وعبد الرحمن » (٣).

وعنه أيضاً : « من ولد له أربعة أولاد لم يُسمِّ أحدهم باسمي فقد

________________

١) مكارم الأخلاق : ١٦٩.

٢) مكارم الأخلاق : ٢٢٧.

٣) مكارم الأخلاق : ٢٢٠ في فضل الأولاد.

٧٢

جفاني » (١).

ب ـ الأذان والاقامة :

من أجل اسماع الطفل اسم الله تعالىٰ وتفتّح مداركه عليه ، ولإبعاد الشيطان عنه ، جاء في وصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجامعة : « يا علي ، إذا ولد لك غلام أو جارية ، فأذّن في أُذنه اليمنىٰ ، وأقم في اليسرىٰ ، فإنّه لا يضرّه الشيطان أبداً » (٢).

جـ ـ العقيقة وحلق الرأس :

وهما من السنن المؤكّدة ، وقد أوصىٰ الإمام الصادق عليه‌السلام أحد الآباء الذين رزقوا مولوداً قائلاً : « عقّ عنه ، واحلق رأسه يوم السابع ، وتصدّق بوزن شعره فضّة » (٣) ، وعنه عن آبائه عليهم‌السلام قال : « عق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الحسن والحسين عليهما‌السلام كبشاً يوم سابعهما ، وقطّعه أعضاء ، ولم يكسر منه عظماً ، وأمر فطبخ بماء وملح ، وأكلوا منه بغير خبز ، وأطعموا الجيران » (٤).

د ـ الختان :

وهي سنة مؤكدة تبعث علىٰ الطهارة ، وتساعد علىٰ نمو الطفل ، بدليل قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « اختنوا أولادكم لسبعة أيام فإنّه أطهر وأسرع لنبات اللحم.. » (٥).

________________

١) الكافي ٦ : ١٩ / ٦ باب الاسماء والكنىٰ.

٢) تحف العقول : ١٧.

٣) الكافي ٦ : ٢٧ / ١ باب انه يعق يوم السابع للمولود.

٤) مكارم الأخلاق : ٢٢٨.

٥) الكافي ٦ : ٣٤ / ١ باب التطهير.

٧٣

هـ ـ التحنيك :

وهو أن يُمضغ شيء كالتمر أو تربة الحسين عليه‌السلام أو ماء الفرات ويدار في فم الطفل ، وقد روىٰ جعفر الصادق عليه‌السلام عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنه قال : « نكوا أولادكم بالتمر ، هكذا فعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحسن والحسين عليهما‌السلام ».

وعن الإمام الصادق عليه‌السلام : « حنّكوا أولادكم بماء الفرات وبتربة الحسين عليه‌السلام ، فإن لم يكن فبماء السماء » (١) ويستحب أن يكون المحنّك من الصالحين.

ثالثاً : مرحلة الرضاع والحضانة :

وهي من المراحل المهمة في حياة الطفل إذ يحتاج فيها إلىٰ عناية فائقة ، فهو يولد ضعيفاً لا حول له ولا قوة ، ويعتمد علىٰ والديه وخاصة أمه في الحصول علىٰ غذائه وتنظيف بدنه ولباسه ، وسد حاجاته الاُخرىٰ.

ويعتبر حليب الاُمّ أفضل غذاء كامل للطفل في الأشهر الاُولىٰ من حياته ، لاحتوائه علىٰ المواد الضرورية للنمو والمناعة من الأمراض ، ثم إنَّ الاُمّ تزوّد وليدها عند الرضاع بغذاء معنويّ لابدّ منه لنموه الروحي ، ألا وهو الحنان والدفء العاطفي الذي تُسبغه عليه عند إرضاعه وحضانته.

ومن أجل ذلك أكدت الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم‌السلام علىٰ أهمية إرضاع الاُمّ لوليدها ، قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : « ما من لبن يرضع به الصبيّ أعظم عليه من لبن أُمّه » (٢).

________________

١) مكارم الأخلاق : ٢٢٩.

٢) الكافي ٦ : ٤٠ / ١ باب الرضاع.

٧٤

وفي حالة عدم تمكن الاُم من الإرضاع ـ لسبب ما ـ يتوجب علىٰ الأب أن ينتخب امرأة صالحة تشرف علىٰ ارضاعه ، قال الإمام علي عليه‌السلام : « انظروا من ترضع أولادكم ، فان الولد يشبُّ عليه » (١). ويتطلّب أن تتوفر في المرضعة مواصفات حددتها الروايات ، ويمكننا تصنيفها إلىٰ ما يلي :

أ ـ مواصفات جسمية :

كأن تكون حسنة الهيئة ، الإمام الباقر عليه‌السلام : « استرضع لولدك بلبن الحسان ، وإياك والقباح فان اللبن قد يعدي » (٢).

ب ـ مواصفات عقلية :

قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا تسترضعوا الحمقاء ، فإن الولد يشبُّ عليه » (٣).

كما ورد النهي عن استرضاع المجنونة علىٰ ما سيأتي.

جـ ـ مواصفات دينية :

إذ نلاحظ أن الشريعة الإسلامية أكدت علىٰ كون المرضعة مسلمة صالحة ، وفي حال تعذّر ذلك فقد جوّزت استرضاع المرأة الكتابية ، ولكن بشرط منعها من شرب الخمر ، قال الإمام الصادق عليه‌السلام : « إذا أرضعن لكم ، فامنعوهنَّ من شرب الخمر » (٤).

د ـ مواصفات أخلاقية :

فقد نهىٰ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من استرضاع المرأة البغية لما له من آثار سلبية علىٰ

________________

١) الكافي ٦ : ٤٤ / ١ من يكره لبنه ومن لا يكره.

٢) الكافي ٦ : ٤٤ / ١٢.

٣) مكارم الأخلاق : ٢٣٧.

٤) الكافي ٦ : ٤٢ / ٣ باب من يكره لبنه ومن لا يكره.

٧٥

مستقبل الطفل ونشأته ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « توقوا علىٰ أولادكم من لبن البغية ، والمجنونة فإن اللبن يعدي » (١).

وقال الإمام الباقر عليه‌السلام : « لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحبُّ إليَّ من لبن ولد الزنا » (٢).

وعمّم الإمام الصادق عليه‌السلام هذا النهي ليشمل ابنة الزانية أيضاً ، قال « لا تسترضعها ولا ابنتها » (٣).

هـ ـ مدة الرضاعة :

لقد حدد القرآن الكريم مدة الرضاعة بسنتين ، قال تعالىٰ : ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ .. ) (٤).

رابعاً : مرحلة الفطام :

وفيها ينقطع الطفل عن الرضاع ، ويبدأ بتناول الطعام بنفسه أو بمساعدة أُمّه أو مربيته ، وعليه فإنه يحتاج إلىٰ رعاية خاصة ، تتطلب الاهتمام بمراعاة الشروط الصحية اللازمة لنظافة الطفل ، فعن الإمام الرضا عليه‌السلام قال : « قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اغسلوا صبيانكم من الغمر ، فإن الشيطان يشمّ الغمر فيفزع الصبي في رقاده ، ويتأذىٰ به الكاتبان » (٥).

________________

١) مكارم الأخلاق : ٢٢٣ في فضل الأولاد.

٢) الكافي ٦ : ٤٢ / ٥ باب من يكره لبنه ومن لا يكره.

٣) الكافي ٦ : ٤٢ / ١.

٤) سورة البقرة ٢ : ٢٣٣.

٥) علل الشرائع : ٥٥٧ باب ٣٤٤ من ج ٢ العلة التي من أجلها يغسل الصبيان من الغمر.

٧٦

كما أن الطفل في هذه المرحلة يميل بفطرته إلىٰ الحركة واللعب ، ويسعىٰ إلىٰ جلب الأنظار إليه من خلال المشاغبة أو المشاكسة ، لذا يتوجّب علىٰ الوالدين تحمّله وعدم القسوة عليه ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « احمل صبيك حتىٰ يأتي عليه ست سنين ، ثم أدّبه في الكتاب ستّ سنين ، ثم ضمّه إليك سبع سنين فأدّبه بأدبك ، فإن قبل وصلح ، وإلّا فخلّ عنه » (١).

ومن الضروري إفهام الصبي بعد مرحلة الفطام بوجود الله تعالىٰ من خلال تلقينه الوحدانية والصلوات علىٰ النبي وآله عليهم‌السلام ، عن عبدالله بن فضالة ، عن أبي عبدالله أو أبي جعفر عليهما‌السلام ، قال سمعته يقول : « إذا بلغ الغلام ثلاث سنين فقل له سبع مرات : قُلْ : لا إله إلّا الله.. » (٢).

وفي هذه الفترة يتوجب مراقبة صحة الطفل ووزنه ، وقد ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه وضع حدّاً يمكن من خلاله معرفة وتيرة نمو الطفل من خلال مراقبة طوله ، قال عليه‌السلام : « يزيد الصبي في كل سنة أربع أصابع بإصبعه » (٣).

ومن جانب آخر لابدّ في هذه المرحلة من تقبيل الطفل واشعاره بالحب له والاهتمام به ، قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أكثروا من قبلة أولادكم ، فإنّ لكم بكلِّ قبلةٍ درجة في الجنة مسيرة خمسمائة عام » (٤).

وينبغي الإشارة هنا إلىٰ استحباب التصابي للطفل ومناغاته ، لما لذلك من

________________

والغمر ـ بالتحريك : زنخ اللحم وما يتعلق باليد من دسمة.

١) مكارم الأخلاق : ٢٢٢.

٢) مكارم الأخلاق : ٢٢٣.

٣) مكارم الأخلاق : ٢٢٣.

٤) روضة الواعظين : ٣٦٩.

٧٧

أثر كبير علىٰ نموّه العاطفي وحلّ عقدة لسانه ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتصابىٰ للحسن والحسين عليهما‌السلام ويُركبهما علىٰ ظهره.

وكانت فاطمة الزهراء عليها‌السلام تناغي الحسن عليه‌السلام وتقول :

أشبه أبـاك يا حسن

واخلع علىٰ الحق الرسن

واعبد إلهـاً ذا منن

ولا تـوال ذا الإحن

وتناغي الحسين عليه‌السلام وتقول :

أنت شبيهٌ بأبي

لست شبيهاً بعلي (١)

وفي خاتمة المطاف نجد في حديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعوة صادقة لحبّ الأطفال والرحمة بهم ، والوفاء لهم ، والصدق معهم ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أحبّوا الصبيان وارحموهم ، فإذا وعدتموهم ففوا لهم ، فإنّهم لا يرون إلّا أنكم ترزقونهم » (٢).

________________

١) في رحاب أئمة أهل البيت عليهم‌السلام ، للسيد محسن الأمين ٣ : ٥ سيرة الحسن عليه‌السلام.

٢) مكارم الأخلاق : ٢٥٢.

٧٨

الفصل الثالث مقارنة بين المنهج الإسلامي والمنهج المادي في بناء الاُسرة

إذا أمعنا النظر إلىٰ المنهج الإسلامي في بناء الاُسرة وعقدنا مقارنة بينه وبين المنهج المادي ، نستطيع أن نستخلص عدة فروق جوهرية بين المنهجين ، من حيث طبيعة كل منهج والخصائص التي يتصف بها ، والآثار الناجمة عنه ، وهي قضية جديرة بالاهتمام والدراسة حتىٰ يزول الغبش عن عيون الذين انبهروا بمناهج الغرب واخذوا يسيرون في ركبه ولو علىٰ حساب دينهم وقيمهم ، ويضيق المجال هنا عن الغوص في التفاصيل ، وحسبنا أن نستعرض الخطوط العامة الفاصلة بين المنهجين ، والتي تتمثل بالنقاط التالية :

أولاً : الصبغة الدينية :

لا شكّ بأنّ الصبغة الدينية هي من أبرز ما يتميز به المنهج الإسلامي في مجال الاُسرة ، فمن المعلوم أن التشريع الإسلامي ـ عموماً ـ وما يتعلق منه بالاُسرة علىٰ وجه الخصوص إلهي المصدر ويتمثل بالوحي ، أما المنهج المادي فهو من صنع البشر أنفسهم ، الذين لا يمكنهم الانسلاخ عن طبائعهم البشرية ، وعليه

٧٩

فهو يعكس مصالحهم ، وينسجم مع أهوائهم وشهواتهم ، ويكون ـ في غالب الأحيان ـ قاصراً وعرضة للتبدل الدائم.

ولما كان الدين يشكل قطب الرحىٰ في توجهات الإسلام الاجتماعية نجد التأكيد علىٰ التماثل الديني بين الزوجين عند تكوين الاُسرة. فالإسلام ـ كما هو معلوم ـ يُحرّم زواج المسلمين من عبدة الأوثان والأصنام من أتباع الديانات الوضعية ، أي الذين يعبدون الشمس والقمر والأشجار وما إلىٰ ذلك ، فكل هؤلاء أشركوا مع الله إلهاً سواه ، قال تعالىٰ : ( وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا .. ) (١).

فلم يبح الإسلام زواج المسلم من مشركة ؛ لأنّ الزواج سكينة ومودة ، ولا يمكن أن يتحققا مع الاختلاف الشاسع في الاعتقاد ، ثم إن هكذا زواج سوف يؤثر علىٰ دين الأولاد ، الذين هم مسلمون تبعاً لأبيهم ولكن وجودهم بجنب أُمهم المشركة سوف يؤدّي إلىٰ زعزعة عقائدهم وقيمهم.

من جانب آخر لا يسمح الإسلام للمسلمة بالزواج من غير المسلم حتىٰ ولو كان من أهل الكتاب ، وذلك لأنّ الزواج يقتضي قيمومة الرجل علىٰ زوجته ، ولا يجوز شرعاً أن يكون للرجل الكافر سلطان علىٰ المرأة المسلمة ، لقوله تعالىٰ : ( .. وَلَن يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) (٢).

واللافت للنظر أن الإسلام يجوّز للرجل الزواج من الكتابية ـ علىٰ الرأي القائل بجوازه ـ وذلك لأنّ المرأة غالباً ما تتأثر بأدب زوجها وديانته ، ولو أنّ

________________

١) سورة البقرة : ٢ / ٢٢١.

٢) سورة النساء : ٤ / ١٤١.

٨٠