🚖

المسح على الرّجلين في الوضوء

السيّد علي الحسيني الميلاني

المسح على الرّجلين في الوضوء

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
ISBN: 964-319-266-0
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

هذا الرأي : وفيه نظر (١).

ويقول الصاوي في حاشية البيضاوي : وهو بعيد (٢).

وصاحب المنار يقول : وهو تكلّف ظاهر (٣).

فتكون هذه المناقشة أيضاً مردودة من قبلهم.

المناقشة الثالثة :

إنّ قراءة الجرّ ليست بالعطف علىٰ لفظ برؤوسكم ليدلّ قوله تعالىٰ في هذه الآية المباركة علىٰ المسح ، لا ، وإنّما هو كسر علىٰ الجوار.

عندنا في اللغة العربيّة كسر علىٰ الجوار ، ويمثّلون له ببعض الكلمات أو العبارات العربيّة مثل : هذا جحر ضبٍّ خربٍ ، يقال : هذا كسر علىٰ الجوار.

فليكن كسر ( وَأَرْجُلِكُمْ ) أيضاً علىٰ الجوار ، فحينئذ يسقط الاستدلال.

أورد هذه المناقشة : العيني في عمدة القاري ، وأبو البقاء في

_______________

(١) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ٢ / ٢٣٩.

(٢) الصاوي على البيضاوي ١ / ٢٧٠.

(٣) تفسير المنار ٦ / ٢٣٣.

٢١

إملاء ما منّ به الرحمن ، والآلوسي في تفسيره ، ودافع الآلوسي عن هذا الرأي.

ردّ المناقشة الثالثة :

لكنّ أئمّة التفسير لا يوافقون علىٰ هذا.

لاحظوا ، يقول أبو حيّان : هو تأويل ضعيف جدّاً (١).

ويقول الشوكاني : لا يجوز حمل الآية عليه (٢).

ويقول الرازي وكذا النيسابوري : لا يمكن أن يقال هذا في الآية المباركة (٣).

ويقول القرطبي قال النحّاس : هذا القول غلط عظيم (٤).

وهكذا يقول غيرهم كالخازن والسندي والخفاجي في حاشيته علىٰ البيضاوي وغيرهم من العلماء الأعلام.

فهذه المناقشة أيضاً مردودة.

_______________

(١) البحر المحيط ٣ / ٤٣٨.

(٢) فتح القدير ٢ / ١٦.

(٣) غرائب القرآن ٦ / ٥٣.

(٤) الجامع لأحكام القرآن ٦ / ٩٤.

٢٢

المناقشة الرابعة :

يقولون إنّ الآية بكلتا القراءتين تدلّ علىٰ المسح ، يعترفون بهذا ، فقراءة النصب تدلّ علىٰ المسح ، وقراءة الجر تدلّ علىٰ المسح ، لكن ليس المراد من المسح أنْ يمرّ الإنسان يده علىٰ رجله ، بل المراد من المسح المسح علىٰ الخفّين ، حينئذ تكون الآية أجنبيّة عن البحث.

إختار هذا الوجه جلال الدين السيوطي ، واختاره أيضاً المراغي صاحب التفسير.

ردّ المناقشة الرابعة :

لكن هذه المناقشة تتوقّف :

أوّلاً : علىٰ دلالة السنّة علىٰ الغَسل دون المسح ، وهذا أوّل الكلام.

ثانياً : إنّ جواز المسح علىٰ الخفّين في حال الإختيار أيضاً أوّل الكلام ، فكيف نحمل الآية المباركة علىٰ ذلك الحكم.

وفي هذه المناقشة أيضاً إشكالات أُخرىٰ.

٢٣

وتلخّص إلىٰ الآن : أنّهم اعترفوا بدلالة الاية المباركة بكلتا القراءتين علىٰ وجوب المسح دون الغسل ، اعترفوا بهذا ثمّ قالوا بأنّنا نعتمد علىٰ السنّة ونستند إليها في الفتوىٰ بوجوب الغسل ، ونرفع اليد بالسنّة عن ظاهر الكتاب.

وحينئذ ، تصل النوبة إلىٰ البحث عن السنّة ، والمناقشات في الآية ظهر لنا اندفاعها بكلّ وضوح ، فنحن إذن والسنّة.

٢٤

الاستدلال بالسنّة على المسح

وفي السنّة النبويّة ـ بغضّ النظر عن روايات أهل البيت ومافي كتاب وسائل الشيعة وغير وسائل الشيعة من روايات أهل البيت عليهم‌السلام ـ ننظر إلىٰ روايات أهل السنّة في هذه المسألة.

وفي كتبهم المعروفة المشهورة ، نجد أنّ الروايات بهذه المسألة علىٰ قسمين ، وتنقسم إلىٰ طائفتين ، منها ما هو صريح في وجوب المسح دون الغسل ، أقرأ لكم بعض النصوص عن جمعٍ من الصحابة الكبار ، وننتقل إلىٰ أدلّة القول الآخر.

الرواية الاُولىٰ :

عن علي عليه‌السلام : إنّه توضّأ فمسح علىٰ ظهر القدم وقال : لولا أنّي رأيت رسول الله فعله لكان باطن القدم أحقّ من ظاهره.

٢٥

هذا نصّ في المسح عن علي عليه‌السلام أخرجه أحمد والطحاوي (١).

الرواية الثانية :

عن علي عليه‌السلام قال : كان النبي يتوضّأ ثلاثاً ثلاثاً إلّا المسح مرّةً مرّة.

في المصنّف لابن أبي شيبة وعنه المتقي الهندي (٢).

الرواية الثالثة :

عن علي عليه‌السلام إنّه توضّأ ومسح رجليه ، في حديث مفصّل وقال : أين السائل عن وضوء رسول الله ؟ كذا كان وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

هذا في مسند عبد بن حميد وعنه المتقي الهندي (٣).

وهذا الخبر الأخير تجدونه بأسانيد أُخرىٰ عند ابن أبي شيبة وأبي داود وغيرهما ، وعنهم المتقي (٤) ، وبسند آخر تجدون هذا

_______________

(١) مسند أحمد ١ / ٩٥ ، ١١٤ ، ١٢٤ ، شرح معاني الاثار ٢ / ٣٧٢.

(٢) كنز العمال ٩ / ٤٤٤.

(٣) كنز العمال ٩ / ٤٤٨.

(٤) كنز العمال ٩ / ٤٤٨ ، ٦٠٥.

٢٦

الحديث الأخير في أحكام القرآن (١).

فأميرالمؤمنين عليه‌السلام يروي المسح عن رسول الله ، وهم يروون خبره وأخباره في كتبهم المعتبرة بأسانيد عديدة.

الرواية الرابعة :

عن ابن عبّاس : أبى الناس إلّا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلّا المسح.

رواه عبدالرزّاق الصنعاني وابن أبي شيبة وابن ماجة ، وعنهم الحافظ الجلال السيوطي (٢).

الرواية الخامسة :

عن رفاعة بن رافع عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يغسل وجهه ويديه إلىٰ المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلىٰ الكعبين.

وهذا نص صريح أخرجه أبو داود في سننه (٣) ، والنسائي في

_______________

(١) أحكام القرآن للجصّاص ١ / ٣٤٧.

(٢) الدر المنثور ٢ / ٢٦٢.

(٣) سنن أبي داود ١ / ٨٦.

٢٧

سننه (١) ، وابن ماجه في سننه (٢) ، والطحاوي (٣) ، والحاكم (٤) ، والبيهقي ، والسيوطي في الدر المنثور (٥).

قال الحاكم : صحيح علىٰ شرط الشيخين.

قال الذهبي : صحيح.

وقال العيني : حسّنه أبو علي الطوسي وأبو عيسىٰ الترمذي وأبو بكر البزّار ، وصحّحه الحافظ ابن حبّان وابن حزم.

الرواية السادسة :

عن عبدالله بن عمر ، كان إذا توضّأ عبدالله ونعلاه في قدميه ، مسح ظهور قدميه برجليه ويقول : كان رسول الله يصنع هكذا (٦).

الرواية السابعة :

عن عبّاد بن تميم عن عمّه : إنّ النبي توضّأ ومسح علىٰ

_______________

(١) سنن النسائي ١ / ١٦١.

(٢) سنن ابن ماجة ١ / ١٥٦.

(٣) الطحاوي ١ / ٣٥.

(٤) المستدرك ١ / ٢٤١.

(٥) الدر المنثور ٢ / ٢٦٢.

(٦) شرح معاني الآثار ١ / ٣٥.

٢٨

القدمين ، وإنّ عروة بن الزبير كان يفعل ذلك.

هذا الحديث رواه كثيرون من أعلام القوم ، فلاحظوا في شرح معاني الآثار (١) ، وفي الاستيعاب (٢) وصحّحه صاحب الاستيعاب.

وقال ابن حجر : روىٰ البخاري في تاريخه وأحمد وابن أبي شيبة وابن أبي عمرو والبغوي والباوردي وغيرهم كلّهم من طريق أبي الأسود عن عبّاد بن تميم المازني عن أبيه قال : رأيت رسول الله يتوضّأ ويمسح الماء علىٰ رجليه.

قال ابن حجر : رجاله ثقات (٣).

وروىٰ هذا أيضاً ابن الأثير في أُسد الغابة عن ابن أبي عاصم وابن أبي شيبة (٤).

الرواية الثامنة :

عن عبدالله بن زيد المازني : إنّ النبي توضّأ ومسح بالماء علىٰ رجليه.

_______________

(١) شرح معاني الآثار ١ / ٣٥.

(٢) الاستيعاب ١ / ١٥٩.

(٣) الإصابة في معرفة الصحابة ١ / ١٨٥.

(٤) أسد الغابة في معرفة الصحابة ١ / ٢١٧.

٢٩

ابن أبي شيبة في المصنَّف وعنه في كنز العمّال (١) ، وابن خزيمة في صحيحه وعنه العيني في عمدة القاري (٢).

الرواية التاسعة :

عن حمران مولىٰ عثمان بن عفّان قال : رأيت عثمان بن عفّان دعا بماء ، فغسل كفّيه ثلاثاً ، ومضمض واستنشق وغسّل وجهه ثلاثاً وذراعيه ، ومسح برأسه وظهر قدميه.

رواه أحمد والبزّار وأبو يعلىٰ وصحّحه أبو يعلىٰ (٣).

الرواية العاشرة :

ابن جرير الطبري بسنده عن أنس بن مالك : وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.

قال ابن كثير : إسناده صحيح (٤).

_______________

(١) كنز العمال ٩ / ٤٥١.

(٢) عمدة القاري في شرح البخاري ٢ / ٢٤٠.

(٣) كنز العمال ٩ / ٤٤٢.

(٤) تفسير ابن كثير ٢ / ٢٥.

٣٠

الرواية الحادية عشرة :

عن عمر بن الخطّاب.

أخرج ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ عنه حديثاً في المسح ، ولاحظ عمدة القاري (١).

الرواية الثانية عشرة :

عن جابر بن عبدالله الانصاري كذلك.

أخرجها الطبراني في الأوسط وعنه العيني (٢).

وهناك أحاديث وآثار أُخرىٰ لا أُطيل عليكم بذكرها ، وإلّا فهي موجودة عندي وجاهزة.

ومن هنا نرىٰ أنّهم يعترفون بذهاب كثير من الصحابة والتابعين إلىٰ المسح.

لاحظوا أنّه اعترف بذلك ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ، وابن العربي في أحكام القرآن ، وابن كثير في تفسيره ، هؤلاء كلّهم اعترفوا بذهاب جماعة من الصحابة والتابعين والسلف إلىٰ المسح ،

_______________

(١) عمدة القاري في شرح البخاري ٢ / ٢٤٠.

(٢) عمدة القاري في شرح البخاري ٢ / ٢٤٠.

٣١

وفي بداية المجتهد لابن رشد : ذهب إليه قوم ، أي المسح.

وأمّا رأي محمّد بن جرير الطبري صاحب التاريخ والتفسير ، فقد نقلوا عنه الردّ علىٰ القول بتعيّن الغسل ، وهذا القول عنه منقول في تفاسير : الرازي والبغوي والقرطبي وابن كثير والشوكاني في ذيل آية الوضوء ، وكذا في أحكام القرآن ، وفي شرح المهذّب للنووي ، والمغني لابن قدامة أيضاً ، وفي غيرها من الكتب.

وإلىٰ الآن ظهر دليل القول بالمسح من الكتاب والسنّة ، علىٰ أساس كتب السنّة ورواياتهم ، وظهر أنّ عدّة كثيرة من الصحابة والتابعين يقولون بتعيّن المسح ، ويروون هذا الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا فشل القوم من إثبات مذهبهم ـ الغسل ـ عن الكتاب والسنّة ماذا يفعلون ؟

القرآن لا يمكنهم تكذيبه ، لكنَّ الروايات يكذّبونها :

في روح المعاني للآلوسي : إنّ هذه الروايات كذب ...!! وسأقرأ لكم نصّ عبارته في روح المعاني.

أمّا ابن حجر العسقلاني ، ففي فتح الباري (١) يقول : نعم ، الكتاب والسنّة يدلّان علىٰ المسح وإنّ كثيراً من الصحابة قالوا

_______________

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١ / ٢١٣.

٣٢

بالمسح ، لكنّهم عدلوا عن هذا الرأي.

ومن أين يقول عدلوا ؟ لا يوضّح هذا ولا يذكر شيئاً !!

ومنهم من يناقش في بعض أسانيد هذه الاحاديث كي يتمكّن من ردّها ، وإلّا لخسر الكتاب والسنّة كليهما ، فهؤلاء مشوا علىٰ هذا الطريق ، وسأذكر بعضهم.

ومنهم الذين حرّفوا هذه الأحاديث ، الأحاديث الدالّة علىٰ المسح ، وجعلوها دالّة علىٰ الغسل ، وهذه طريقة أُخرىٰ ، سجّلت بعضهم وبعض ما فعلوا.

فمثلاً في إحدىٰ الروايات عن علي عليه‌السلام ، الرواية التي قرأناها ، كانت تلك الرواية دالّة علىٰ المسح ، فجعلوها دالّة علىٰ الغسل ، يقول الراوي : إنّ عليّاً مسح رجليه ، فحُرّف إلى : غسل رجليه ، فارجعوا إلىٰ كنز العمال (١) وقارنوا بين هذا الخبر في هذه الصفحة وبين رواية أحمد (٢) ، وأيضاً الطحاوي في معاني الآثار.

ومن ذلك أيضاً الحديث الذي قرأناه عن حمران مولىٰ عثمان ، فقد حرّفوه وجعلوه دالّاً علىٰ الغسل ، فبدل ما يقول إنّه مسح علىٰ

_______________

(١) كنز العمال ٩ / ٤٤٤.

(٢) مسند أحمد ١ / ٩٥.

٣٣

قدميه ، جعلوا اللفظ : غسل قدميه ، وهذا الحديث في مسند أحمد (١).

وأكتفي بهذا المقدار لأنّ هناك بحوثاً أُخرىٰ.

_______________

(١) مسند أحمد ١ / ٩٥.

٣٤

النظر في أدلّة القائلين بالغسل

ننتقل الآن إلىٰ دليل القائلين بالغسل من أهل السنّة.

أمّا من الكتاب ، فليس عندهم دليل.

قالوا : نستدلّ بالسنّة ، فما هو دليلهم ؟

إنّ المتتبع لكتب القوم لا يجد دليلاً علىٰ القول بالغسل إلّا دليلين :

الاوّل : ما اشتمل من ألفاظ الحديث عندهم على جملة : « ويل للأعقاب من النار » ، وسأقرأ نصّ الحديث ، فهم يستدلّون بهذا الحديث علىٰ وجوب الغسل دون المسح.

الثاني : ما يروونه في بيان كيفيّة وضوء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسأقرأ لكم بعض تلك الأحاديث.

إذن ، لا يدلّ علىٰ وجوب الغسل إلّا ما ذكرت من الأحاديث :

أوّلاً : ما اشتمل علىٰ « ويل للأعقاب من النار ».

٣٥

وثانياً : ما يحكي لنا كيفيّة وضوء رسول الله.

لاحظوا كتبهم التي يستدلّون فيها بهذين القسمين من الأحاديث علىٰ وجوب الغسل ، كلّهم يستدلّون ، أحكام القرآن لابن العربي ، فتح الباري ، تفسير القرطبي ، المبسوط ، معالم التنزيل للبغوي ، الكواكب الدراري في شرح البخاري ، وغير هذه الكتب ، تجدونهم يستدلّون بهذين القسمين من الحديث فقط علىٰ وجوب الغسل دون المسح ، وعلينا حينئذ أنْ نحقق في هذين الخبرين.

الاستدلال بحديث « ويل للأعقاب من النار » :

والعمدة هي رواية : « ويل للأعقاب من النار » ، وهي رواية عبدالله بن عمرو بن العاص ، هذه الرواية موجودة في البخاري ، وموجودة عند مسلم ، فهي في الصحيحين ، أقرأ لكم الحديث بالسند ، ولاحظوا الفوارق في السند والمتن :

قال البخاري : حدّثنا موسىٰ ، حدّثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن يوسف ابن ماهك ، عن عبدالله بن عمرو قال : تخلّف النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنّا في سفرة سافرناها ، فأدركنا وقد أرهقتنا العصر ـ أي صلاة العصر ـ فجعلنا نتوضّأ ونمسح علىٰ أرجلنا ، فنادىٰ بأعلىٰ صوته :

٣٦

« ويل للأعقاب من النار ، ويل للأعقاب من النار ، ويل للأعقاب من النار ». مرّتين أو ثلاثاً كرّر هذه العبارة.

هذا الحديث في البخاري بشرح ابن حجر العسقلاني (١).

وأمّا مسلم فلاحظوا : حدّثني زهير بن حرب ، حدّثنا جرير وحدّثنا إسحاق أخبرنا جرير ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن أبي يحيىٰ ، عن عبدالله بن عمرو قال : رجعنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من مكّة إلىٰ المدينة ـ هذه السفرة كانت من مكّة إلىٰ المدينة ـ حتّىٰ إذا كنّا بماء بالطريق تعجّل قوم عند العصر ، فتوضّؤوا وهم عجال ، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء [ وهذه القطعة من الحديث غير موجودة عند البخاري ، وهي المهم ومحل الشاهد هذه القطعة ] فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء ، فقال رسول الله : « ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء » (٢).

مناقشة الاستدلال بحديث « ويل للأعقاب من النار » :

نقول : عندما نريد أن نحقّق في هذا الموضوع ـ ولنا الحقّ أنْ نحقق ـ فأوّلاً نبحث عن حال هذين السندين وفيهما من تكلّم فيه ،

_______________

(١) فتح الباري في شرح البخاري ١ / ٢١٣.

(٢) شرح النووي علىٰ صحيح مسلم ٢ / ١٢٨ ، هامش ارشاد الساري.

٣٧

لكنّا نغضّ النظر عن البحث السندي ، لأنّ أكثر القوم علىٰ صحّة الكتابين.

إذن ، ننتقل إلىٰ البحث عن فقه هذا الحديث :

لاحظوا في صحيح البخاري : فجعلنا نتوضّأ ونمسح علىٰ أرجلنا فنادىٰ بأعلىٰ صوته « ويل للأعقاب من النار ، ويل للأعقاب من النار » لكنْ لابدّ وأنْ يكون الكلام متعلّقاً بأمر متقدّم ، رسول الله يقول : « ويل للأعقاب من النار » وليس قبل هذه الجملة ذكر للأعقاب ، هذا غير صحيح.

أمّا في لفظ مسلم : فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء فقال : « ويل للأعقاب من النار » وهذا هو اللفظ الصحيح.

إذن ، من هذا الحديث يظهر أنّ أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يغسلوا أرجلهم في الوضوء ، وإنّما مسحوا ، لكنّهم لمّا مسحوا لم يمسحوا كلّ ظهر القدم وبقيت الأعقاب لم يمسّها الماء ، فاعترض عليهم رسول الله ، لماذا لم تمسحوا كلّ ظهر القدم ، ولم يقل رسول الله لماذا لم تغسلوا ، قال : لماذا لم تمسحوا كلّ ظهر القدم.

لابد وأنّكم تشكّون فيما أقول ، ولا تصدّقون ، ولا توافقوني في دلالة الحديث على المعنى الذي ذكرته ، وتريدون أن آتي لكم بشواهد من القوم أنفسهم ، فيكون هذا الحديث دالّاً علىٰ المسح

٣٨

دون الغسل !! مع إنّهم يستدلون بحديث عبدالله بن عمرو بن العاص علىٰ وجوب الغسل دون المسح !! لاحظوا :

يقول ابن حجر العسقلاني بعد أن يبحث عن هذا الحديث ويشرحه ، ينتهي إلىٰ هذه الجملة ويقول : فتمسّك بهذا الحديث من يقول بإجزاء المسح.

ويقول ابن رشد ـ لاحظوا عبارته ـ : هذا الأثر وإنْ كانت العادة قد جرت بالإحتجاج به في منع المسح ، فهو أدلّ علىٰ جوازه منه علىٰ منعه ، وجواز المسح أيضاً مروي عن بعض الصحابة والتابعين (١).

رسول الله لم يقل لماذا لم تغسلوا أرجلكم ، قال : لماذا لم تمسحوا علىٰ أعقابكم ، يعني : بقيت أعقابكم غير ممسوحة ، وقد كان عليكم أن تمسحوا علىٰ ظهور أرجلكم وحتّىٰ الأعقاب أيضاً يجب أنْ تمسحوا عليها ، ويل للأعقاب من النار.

يقول صاحب المنار : هذا أصحّ الأحاديث في المسألة ، وقد يتجاذب الاستدلال به الطرفان.

أي القائلون بالمسح والقائلون بالغسل (٢).

_______________

(١) بداية المجتهد ١ / ١٦.

(٢) تفسير المنار ٦ / ٢٢٨.

٣٩

ولاحظوا بقيّة عباراتهم ، فهم ينصّون علىٰ هذا.

والحاصل : إنّ رسول الله لم يعترض علىٰ القوم في نوع ما فعلوا ، أي لم يقل لهم لماذا لم تغسلوا ، وإنّما قال لهم : لماذا لم تمسحوا أعقابكم « ويل للأعقاب من النار » وهذا نصّ حديث مسلم ، إلّا أنّ البخاري لم يأت بهذه القطعة ، فأُريد الاستدلال بلفظه علىٰ الغسل.

ولا أدري هل لم يأت بالقطعة من الحديث عمداً أو سهواً ، وهل أنّه هو الساهي أو المتعمّد ، أو الرواة هم الساهون أو المتعمّدون ؟

ولمّا كان هذا الحديث الذي يريدون أن يستدلّوا به للغسل ، كان دالاً علىٰ المسح ، اضطرّوا إلىٰ أن يحرّفوه ، لاحظوا التحريفات ، تعمّدت أن أذكرها بدقّة :

فالحديث بنفس السند الذي في صحيح مسلم الدالّ علىٰ المسح لا الغسل ، بنفس السند ، يرويه أبو داود في سننه ويحذف منه ما يدلّ علىٰ المسح (١).

وهكذا صنع الترمذي في صحيحه ، والنسائي في صحيحه ،

_______________

(١) سنن ابي داود ١ / ١٥.

٤٠