موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ٣

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ٣

المؤلف:

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-503-1
ISBN الدورة:
964-319-500-7

الصفحات: ٢٨٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

سيفي وأنا في بيتي حتى تنجلي الظلمة ، ويطلع قمرُها ، فنسري مبصرين ، نقفوا آثار المهتدين ، ونتقي سبيل الحائرين.

قال عليّ : قد أذنت لك فكن من أمرك على ما بدا لك.

فقام عمّار فقال : معاذ الله يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيراً يغلبك من غلبتَه ويسبقك من سبقته ، أنظر ما ترى وما تفعل ، فأما أنا فلا أكون إلّا في الرعيل الأوّل.

فقال له المغيرة : يا أبا اليقظان إياك أن تكون كقاطع السلسلة ، فرّ من الضحل(١) فوقع في الرمضي(٢).

فقال عليّ لعمار : دعه فإنّه لن يأخذ من الآخرة إلّا ما خالطته الدنيا ، أما والله يا مغيرة إنّها المثوبة المؤبدة تؤدّي مَن قام فيها إلى الجنة ولما اختار بعدها ، فإذا غشيناك فنم في بيتك.

فقال المغيرة : أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني ، ولئن لم أقاتل معك لا أعين عليك فإن يكن ما فعلت صواباً ، فإياه أردت ، وإن خطأ فمنه نجوت ، ولي ذنوب كثيرة لا قبل لي بها إلّا الإستغفار منها»(٣).

فهذا الموقف كشف لنا حقيقة المغيرة ونواياه السيئة في مجانبة الحقّ الّذي هو مع عليّ عليه‌السلام بشهادة قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الثابت روايته عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة)(٤) ، وسيأتي بعد هذا مغادرته المدينة إلى مكة مع الناكثين والحاقدين من الأمويين.

______________________

(١) الضحل : الماء القليل على الأرض لا عمق له.

(٢) الرمضي : المطر يأتي قبل الخريف فيجد الأرض حارة محترقة.

(٣) الإمامة والسياسة ١ / ٤٦ ط سنة ١٣٢٨ هـ بمصر.

(٤) تاريخ بغداد ١٤ / ٣٢١ ، وقارن مستدرك الحاكم ٣ / ١١٩ ، ومجمع الزوائد ٩ / ٢٣٤ وغيرها.

٤١

وأمّا بالنسبة لرأي المغيرة الآخر : فهو غشٌ ومكرٌ ! أراد استعجال الفتنة لينفخ في رمادها ويوري نارها ، وقد أعترف هو بنفسه ! فقد مرّ بنا قوله : «نصحته فلم يقبل فغششته»(١).

وقد روى ابن أعثم في الفتوح ، والمسعودي في المروج أبيات شعر للمغيرة في ذلك وهي برواية المسعودي :

منحتُ عليّاً في ابن هند نصيحة

فردّت فلا يسمع لها الدهر ثانيه

وقلت له أرسل إليه بعهده

على الشام حتى يستقر معاويه

ويعلم أهل الشام أن قد ملكته

وام ابن هند عند ذلك هاويه

فلم يقبل النصح الّذي جئته به

وكانت له تلك النصيحة كافيه(٢)

وروى اليعقوبي في تاريخه قوله : «والله ما نصحت له قبلها ولا أنصح له بعدها»(٣).

فهذا هو المغيرة أزنى ثقيف ، وهذا مبلغ دينه في النصح لإمام المسلمين.

وأمّا رأي ابن عباس في تصويب رأي المغيرة أوّل مرة ، واعتبره نصيحة : فإن صح ذلك ، فهو من خلال منظوره الخاص في تلك الساعة ، وإلّا فقد تبيّن له بعدُ وجهُ الحقّ ، وأن الرأي الصواب ما كان رآه أمير المؤمنين عليه‌السلام.

وقد اعترف هو بذلك في ردّه على المغيرة بعد مدة فقد قال للمغيرة في مجلس معاوية : «كان والله أمير المؤمنين عليه‌السلام أعرف بوجوه الرأي ومعاقد الحزم

______________________

(١) راجع مروج الذهب ٢ / ٣٦٣ تحـ محمّد محي الدين عبد الحميد ، وتاريخ ابن الأثير ٣ / ٨٤ ط بولاق.

(٢) الفتوح ٢ / ٢٦٧ ط سنة ١٣٢٦ ، مروج الذهب ٢ / ١٦ ـ ١٧ ط البهية سنة ١٣٤٦.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٥٦.

٤٢

وتصريف الأمور من أن يقبل مشورتك فيما نهى الله عنه وعنّف عليه ، قال سبحانه : (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَـٰئِكَ حِزْبُ اللَّـهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(١) ، ولقد وقفك على ذكر مبين وآية متلوّة قوله تعالى : (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)(٢) وهل كان يسوغ له أن يحكّم في دماء المسلمين وفيء المؤمنين من ليس بمأمون عنده ولا موثوق به في نفسه ، هيهات هيهات هو أعلم بفرض الله وسنّة رسوله أن يبطن خلاف ما يظهر إلّا للتقيّة ، ولات حين تقيّة مع وضوح الحقّ وثبوت الجنان وكثرة الأنصار ، يمضي كالسيف المصلت في أمر الله مؤثراً لطاعة ربّه والتقوى على آراء أهل الدنيا»(٣).

كما أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام أوضح له في حينه أنه لم يخف عليه منظوره لصالح الدنيا فقد قال له : «وأمّا ما ذكرت من إقرارهم ـ يعني عمال عثمان ـ والله ما أشك أنّ ذلك خير في عاجل الدنيا لإصلاحها ، وأمّا الّذي يلزمني من الحقّ والمعرفة بعمّال عثمان ، فوالله لا أولّي منهم أحداً أبداً ، فإن أقبلوا فذلك خير لهم ، وإن أدبروا بذلت لهم السيف».

هذا كله إذا أعتمدنا روايات الطبري والمسعودي ومن وافقهما في أنّ ابن عباس صوّب رأي المغيرة في اثبات عمّال عثمان ، ولا أقل فمعاوية.

______________________

(١) المجادلة / ٢٢.

(٢) الكهف / ٥.

(٣) أنظر صفحة احتجاجاته على معاوية في الحلقة الثالثة نقلاً عن شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ / ١٠٦.

٤٣

لكنّا وجدنا عند البلاذري رواية هي أشبه بما يتمتّع به ابن عباس من مواهب وحصافة رأي تسمو بصاحبها عن ذلك الرأي الفج ، والبلاذري هو أقدم من الطبري والمسعودي ، فقد روى في كتابه أنساب الأشراف في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بسنده عن أبي مخنف وغيره : «قال المغيرة بن شعبة (لعليّ) : أرى أن تقرّ معاوية على الشام وتثبت ولايته ، وتولي طلحة والزبير المصرَين يستقيم لك الناس.

فقال عبد الله بن العبّاس : إن الكوفة والبصرة عين المال ، وإن ولّيتهما إياهما لم آمن أن يضيّقا عليك(١) وإن ولّيت معاوية الشام لم تنفعك ولايته ، فقال المغيرة : لا أرى لك أن تنزع ملك معاوية فإنّه لا يتهمكم بقتل ابن عمه ، وإن عزلته قاتلك فولّه وأطعني ، فأبى وقبل قول ابن عباس»(٢).

ولعل منشأ انتزاع الروايات السابقة في تحوير رأي ابن عباس من عدم تولية معاوية إلى توليته ، هو ما أخرجه البلاذري عن أبي مخنف وغيره : «قال عليّ لعبد الله بن عباس : سر إلى الشام فقد بعثتك عليها ، فقال ابن عباس : ما هذا برأي ، معاوية ابن عم عثمان وعامله ، والناس بالشام معه وفي طاعته ، ولست آمن أن يقتلني بعثمان على الظنّة فان لم يقتلني تحكّم عليّ وحبسني ، ولكن أكتب إليه

______________________

(١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ١ / ٧٧ : طلب طلحة والزبير من عليّ عليه‌السلام أن يوليهما المصرين البصرة والكوفة فقال حتى أنظر.

ثمّ أستشار المغيرة بن شعبة فقال له : أرى أن توليهما إلى أن يستقيم لك أمر الناس. فخلا بابن عباس وقال : ما ترى ؟ قال : يا أمير المؤمنين وان الكوفة والبصرة عين الخلافة وبهما كنوز الرجال ومكان طلحة والزبير من الإسلام ما قد علمت ولست آمنهما إن ولّيتهما أن يحدثا أمراً ، فأخذ برأي ابن عباس.

(٢) انساب الاشراف (ترجمة الامام) / ٢٠٩ تح المحمودي.

٤٤

فمنّه وعِدهُ ، فإذا استقام لك الأمر فابعثني إن أردت»(١). فإنّ قوله : «أكتب إليه فمنّه وَعِدهُ» لا يوحي بالإشارة إلى توليته وإبقائه على عمله ، ولو أوحى بذلك لما كان معنى لقوله : «فإذا استقام لك الأمر فابعثني إن أردت» ، بل غاية ما يدل عليه قوله : «فمنّه وعِدهُ» يعني مخادعة معاوية بالأماني والمواعيد ليطمع هو في مصانعة الإمام فيأخذ له البيعة من أهل الشام ، وإذا تمّ ذلك واستقام الأمر تيسّر إرسال عامل جديد كابن عباس مكانه.

تولية الإمام عمّاله على البلاد :

قال طه حسين : «فقد كان اختيار العمّال على الأقاليم أولَ شيء فكّر فيه عليّ بعد أن فرغ من بيعة أهل المدينة. وقد أختار عمّاله اختياراً حسناً ، فأرسل إلى البصرة عثمان بن حُنيف من أعلام الأنصار ، وأرسل أخاه سهل بن حُنيف إلى الشام ، وأرسل قيس بن سعد بن عُبادة إلى مصر. وهذا يدل على انه أراد ان يرضي الأنصار بهذا الأختيار فهو قد اختار منهم ثلاثة لهذه الأمصار الخطيرة : البصرة والشام ومصر. أمّا الكوفة فيروي بعض المؤرخين : أنه اختار لها عُمارة بن شهاب ، ولكنه لقي في طريقه من أهل الكوفة من ردّه إلى عليّ وأنذره بالموت إن لم يرجع ، وأنبأه بأن اهل الكوفة لا يرضون بغير أميرهم أبي موسى ، فرجع عمارة من حيث أتى»(٢).

وكذلك سهل بن حنيف فقد رجع من الطريق حيث لاقى خيل معاوية بتبوك فأرجعته.

______________________

(١) نفس المصدر / ٢٠٨.

(٢) عليّ وبنوه / ٢٥ ط دار المعارف.

٤٥

وقال اليعقوبي في تاريخه : «وعزل عليّ عليه‌السلام عمّال عثمان من البلدان خلا أبي موسى الأشعري كلّمه فيه الأشتر فأقرّه ، وولى قثم بن العباس مكة ، وعبيد الله ابن العباس اليمن ، وقيس بن سعد بن عبادة مصر ، وعثمان بن حنيف البصرة.

قال : وأتاه طلحة والزبير فقالا : إنّه قد نالتنا بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جفوة فأشركنا في أمرك ، فقال : أنتما شريكاي في القوة والاستقامة ، وعوناي على العجز والأود.

قال : (وروى بعضهم) أنّه ولى طلحة اليمن والزبير اليمامة والبحرين ، فلمّا دفع اليهما عهديهما قالا له : وصلتك رحم ، قال : وأنتما وصلتكما ولاية أمور المسلمين واستردّ العهد منهما ، فعتبا من ذلك وقالا : آثرت علينا. فقال : لولا ما ظهر من حرصكما فقد كان لي فيكما رأي»(١).

وقال ابن اعثم في الفتوح : «ثمّ دعا بابن اخته جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي فعقد له عقداً وولّاه على بلاد خراسان ، وأمره بالمسير اليها ليفتح ما بقي منها.

ثمّ دعا بعبد الرحمن مولى بديل بن ورقاء الخزاعي فعقد له عقداً وأمره بالمسير إلى أرض الماهَينْ أميراً وعاملاً عليها ، ووجّه بعمّاله إلى جميع البلاد الّتي كانت تحت طاعته ، فسمع القوم وأطاعوا»(٢).

وذكر الواقدي في كتاب الجمل : «أنّ الإمام كتب إلى معاوية في أوّل ما بويع له : من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان : أمّا بعدُ فقد علمتَ إعذاري فيكم وإعراضي عنكم ، حتى كان ما لابدّ منه ولا دفع له ،

______________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٥٥.

(٢) الفتوح ٢ / ٢٦٨ ـ ٢٦٩.

٤٦

والحديث طويل ، والكلام كثير ، وقد أدبر ما أدبَر ، وأقبَلَ ما أقبَل ، فبايع مَن قِبَلكَ ، وأقبل الي في وفد من اصحابك»(١).

قال الطبري في تاريخه : «وكان رسول أمير المؤمنين إلى معاوية سبرة الجُهني ، فقدم عليه فلم يكتب معاوية بشيء ولم يجبه ، وردّ رسوله ، وجعل كلّما تنجّز جوابه لم يزد على قوله :

أدم إدامة حِصن أو خُداً بيدي

حرباً ضروساً تشبّ الجزلَ والضَرَما

في جاركم وابنكم إذ كان مقتله

شنعاءَ شيبّتِ الأصداغ واللَمَما

أعيا المسودُ بها والسيّدون فلم

يوجد لها غيرنا مولىً ولا حَكَما

وجعل الجهني كلما تنجّز الكتاب لم يزده على هذه الأبيات ، حتى كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر ، دعا معاوية برجل من بني عبس ، ثمّ أحد بني رواحة يدعى قبيصة ، فدفع إليه طوماراً مختوماً عنوانه من معاوية إلى عليّ. فقال : إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار ، ثمّ أوصاه بما يقول ، وسرّح رسول عليّ ، وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأوّل لغرّته فلمّا دخلا المدينة رفع العبسي الطومار كما أمره ، وخرج الناس ينظرون إليه ، فتفرقوا إلى منازلهم وقد علموا أن معاوية معترض ، ومضى حتى يدخل على عليّ ، فدفع إليه الطومار ففض خاتمه فلم يجد في جوفه كتابة ، فقال للرسول : ما وراءك ؟ قال : آمن أنا ؟ قال : نعم ، ان الرسل آمنة لا تقتل. قال : ورائي أني تركت قوماً لا يرضون إلّا بالقود ، قال : ممّن ؟ قال : من خيط نفسك...»(٢).

______________________

(١) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده ٣ / ١٤٩.

(٢) تاريخ الطبري ٤ / ٤٤٣ ط دار المعارف.

٤٧

وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : «لمّا بويع عليّ عليه‌السلام كتب إلى معاوية : أمّا بعد فإن الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة مني وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع ، فإذا أتاك كتابي فبايع لي وأوفد إليّ أشراف أهل الشام قبلك.

فلمّا قدم رسوله على معاوية وقرأ كتابه بعث رجلاً من بني عُميس وكتب معه كتاباً إلى الزبير بن العوام ، وفيه :

بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك أمّا بعد : فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الحلب ، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك اليها ابن أبي طالب ، فانه لا شيء بعد هذين المصرَين ، وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك ، فأظهرا الطلب بدم عثمان ، وادعوا الناس إلى ذلك ، وليكن منكما الجدّ والتشمير ، أظفركما الله وخذل مناويكما.

فلمّا وصل هذا الكتاب إلى الزبير سرّ به ، وأعلم به طلحة وأقرأه إيّاه ، فلم يشكّا في النصح لهما من قبل معاوية ، وأجمعا عند ذلك على خلاف عليّ عليه‌السلام»(١).

وقال الطبري : «وأحبّ أهل المدينة أن يعلموا ما رأي عليّ في معاوية وانتقاضه ، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة ، أيجسر عليه أو ينكل عنه... فدسّوا إليه زياد بن حنظلة التميمي ـ وكان منقطعاً إلى عليّ ـ فدخل عليه فجلس إليه ساعة ثمّ قال له عليّ : يا زياد تيسّر ، فقال : لأي شيء ؟ فقال : تغزو الشام ، فقال زياد : الأناة والرفق أمثل ، فقال :

______________________

(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ١ / ٧٧ ، وستأتي أيضاً رواية عن الزبير بن بكار في الموفقيات أنّ معاوية كتب إلى جماعة آخرين يحرّضهم على الإعلان بالخلاف على الإمام والمطالبة بدم عثمان.

٤٨

ومن لا يصانع في أمور كثيرة

يُضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم

فتمثل عليّ وكأنّه لا يريده :

متى تجمع القلب الذكي وصارما

وأنفاً حميّا تجتنبك المظالم

فخرج زياد على الناس والناس ينتظرونه فقالوا : ما وراءك ؟ فقال السيف يا قوم ، فعرفوا ما هو فاعل ، ودعا عليّ محمّد بن الحنفية فدفع إليه اللواء ، وولّى عبد الله بن عباس ميمنته ، وعمر بن أبي سلمة ـ أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ـ ولّاه ميسرته ، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجراح ـ ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح ـ فجعله على مقدّمته ، واستخلف على المدينة قثم بن عباس(١) ولم يولّ ممّن خرج على عثمان أحداً.

وكتب إلى قيس بن سعد أن يندب الناس إلى الشام ، وإلى عثمان بن حنيف وإلى أبي موسى مثل ذلك ، وأقبل على التهيّؤ والتجهزّ ، وخطب أهلَ المدينة فدعاهم إلى النهوض في قتال اهل الفرقة.

وقال : إنّ الله عزوجل بعث رسولاً هادياً مهديّاً بكتاب ناطق ، وأمر قائم واضح ، لا يهلك عنه إلّا هالك ، وان المبتدعات والشبهات هنّ المهلكات إلّا من حفظ الله ، وإنّ في سلطان الله عصمة أمركم ، فأعطوه طاعتكم غير ملوّية ولا مستكرَه بها ، والله لتفعلنّ أو لينقُلنّ الله عنكم سلطان الإسلام ، ثمّ لا ينقله اليكم أبداً حتى يأرز الأمر اليها ، انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون أن يفرّقوا جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق ، وتقضون الّذي عليكم»(٢).

______________________

(١) لقد مرّ أنه استعمله على مكة.

(٢) تاريخ الطبري ٤ / ٤٤٥ ـ ٤٤٦.

٤٩

قال طه حسين : «ثمّ دعا عليّ أعلام الناس في المدينة وبينهم طلحة والزبير فأنبأهم بما ارتفع إليه من أمر معاوية ، وأنبأهم بأنها الحرب ، وبأنّ الخير في أن يميتوا الفتنة قبل أن تستشري ويعظم أمرها ، وفي أن يغزوا الشام قبل أن يغير عليهم أهل الشام ، وكأنه لم يجد من الناس جواباً مقنعاً ولا حماسة للحرب»(١).

ابن عباس مشيراً وقائداً ووزيراً في حكومة الإمام :

لقد مرّ بنا ذكره مشيراً في الحديث عن مشورة المغيرة ، ومرّ بنا قريباً تعيينه قائداً على الميمنة للجيش الّذي بدأ إعداده لمواجهة التمرّد بالشام. وسيأتي بقية الحديث عن ذلك الجيش وما جرى له. أمّا الآن فإلى معرفة بداية استيزار الإمام له.

قال ابن قتيبة : «وذكروا ان الزبير وطلحة أتيا عليّاً بعد فراغ البيعة فقالا : هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين ؟

قال عليّ : نعم على السمع والطاعة ، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان.

فقالا : لا ، ولكنّا بايعناك على أنا شريكاك في الأمر.

فقال عليّ : لا ، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة والعون على العجز والأودَ.

قال : وكان الزبير لا يشك في ولاية العراق وطلحة في اليمن ، فلمّا أستبان لهما أن عليّاً غير مولّيهما شيئاً ، أظهرا الشكاة ، فتكلم الزبير في ملأ من قريش فقال : هذا جزاؤنا من عليّ ، قمنا له في أمر عثمان حتى أثبتنا عليه الذنب ،

______________________

(١) عليّ وبنوه / ٢٧ ط دار المعارف.

٥٠

وسبّبنا له القتل وهو جالس في بيته ، وكَفي الأمر ، فلمّا نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا.

قال طلحة : ما اللوم إلّا أنا كنا ثلاثة من أهل الشورى ، كرهه أحدنا وبايعناه وأعطيناه ما في أيدينا ومنعنا ما في يده ، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا.

قال : فانتهى قولهما إلى عليّ ، فدعا عبد الله بن عباس ـ وكان استوزره ـ فقال له بلغك قول هذين الرجلين ؟ قال : نعم بلغني قولهما. قال : فما ترى ؟ قال : أرى أنّهما أحبّا الولاية ، فولّ البصرة الزبير ، وولّ طلحة الكوفة فإنهما ليسا بأقرب إليك من الوليد وابن عامر من عثمان.

فضحك عليّ ثمّ قال : ويحك إن العراقين بهما الرجال والأموال ، ومتى تملكا رقاب الناس ، يستميلا السفيه بالطمع ، ويضربا الضعيف بالبلاء ، ويقويا على القويّ بالسلطان ، ولو كنت مستعملاً أحداً لضرّه ونفعه لاستعملت معاوية على الشام ، ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي.

ثمّ أتى طلحة والزبير إلى عليّ فقالا : يا أمير المؤمنين إئذن لنا إلى العمرة ، فإن تقم إلى انقضائها رجعنا إليك وإن تسر نتبعك ، فنظر اليهما وقال : نعم والله ما العمرة تريدان ، إن تمضيا إلى شأنكما فمضيا»(١).

أقول : لقد مرّ بنا ما نقلناه عن البلاذري في حديث مشورة المغيرة قول ابن عباس : «إنّ الكوفة والبصرة عين المال ، وإن ولّيتهما إياهما لم آمن أن يضيّقا عليك» فكيف نصدّق برواية ابن قتيبة في تبدّل رأي ابن عباس في تولية الزبير وطلحة ، ولم يكن بين الموقفين ما يدعو إلى التغيير والتبديل ؟!

______________________

(١) الإمامة والسياسة ١ / ٤٧ ـ ٤٨ ط سنة ١٣٢٨ بمصر.

٥١

ولكن الأمر الّذي لا أشك فيه أن ابن عباس صار له مقام بارز بين أصحاب الإمام من الساسة في تصريف الأمور ، وهو الوحيد من بني هاشم الّذي أختصه الإمام عليه‌السلام من بينهم بالإستشارة والوزارة وستأتي شواهد على ذلك.

أمّا الآن فإلى :

قراءة في التاريخ :

فلنقرأ ـ قبل تاريخه الحضور الفاعل والمؤثّر ـ شيئاً عن بوادر الخلاف الّتي استهدفت خلافة الإمام أمير المؤمنين ، وتسليط الضوء على حجج المخالفين ، بدءاً من معاوية ثمّ طلحة والزبير وعائشة وسائر بني أمية وأشياعهم من الناكثين وأتباعهم من القاسطين. فإنّ قراءة ذلك هي جزء من قراءة تاريخ ابن عباس. الّذي شارك الإمام في السرّاء والضرَاء بدءاً من خلافته وحتى مقتله ، وبقي ابن عباس مستمراً في كفاحه من بعده كما كان له في حياته.

وإنّما قدمت ذكر معاوية على غيره من المخالفين الحانقين على الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، لأنّي وجدته أوّل من أعلن الخلاف وحرّض عليه ، فقد كتب الرسائل في ذلك إلى كلّ من طلحة والزبير وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر ابن كريز والوليد بن عُقبة ويعلى بن مُنيّة وهو اسم أمه ! وإنّما اسم أبيه أمية. وهو الّذي لقّنهم الحجة بطلب دم عثمان.

فلنقرأ ما قاله ابن أبي الحديد في شرح النهج : «وأنا أذكر في هذا الموضع خبراً رواه الزبير بن بكار في الموفقيات(١) ليعلم من يقف عليه أن معاوية لم يكن

______________________

(١) وهذا ممّا لم يرد في نسخة الموفقيات المطبوعة بتحقيق سامي مكي العاني. كما لم يستدركه فيما استدرك ممّا لم يرد ذكره في آخر الكتاب ، وقد استدركته عليه في نسختي مع موارد أخرى فاتته بلغت ثلاثة عشر مستدركاً حتى الآن.

٥٢

لينجذب إلى طاعة عليّ عليه‌السلام أبداً ، ولا يعطيه البيعة ، وأنّ مضادّته ومباينته إيّاه كمضادّة السواد للبياض لا يجتمعان أبداً ، وكمباينة السلب للإيجاب ، فإنها مباينة لا يمكن زوالها أبداً.

قال الزبير : حدثني محمّد بن محمّد بن زكريا بن بسطام ، قال : حدثني محمّد بن يعقوب بن أبي الليث ، قال : حدثني أحمد بن محمّد بن الفضل بن يحيى المكي عن ابيه عن جده الفضل بن يحيى عن الحسن بن عبد الصمد عن قيس بن عرفجة قال :

لمّا حصر عثمان أبرد مروان بن الحكم بخبره بريدَين أحدهما إلى الشام والآخر إلى اليمن وبها يومئذ يعلى بن منية ، ومع كلّ واحد منهما كتاب فيه : ان بني أمية في الناس كالشامة الحمراء ، وان الناس قد قعدوا لهم برأس كلّ محجّة وعلى كلّ طريق ، فجعلوهم مرمى العرّ والعضيهة(١) ، ومقذف القشب والأفيكة(٢) وقد علمتم أنها لم تأت عثمان إلّا كرهاً تجبذ من ورائها ، وإني خائف إن قتل أن تكون من بني أمية بمناط الثريا ، إن لم نصر كرصيف الأساس المحكم ، ولئن وهَى عمود البيت ليتداعين جدرانه ، والّذي عيب عليه إطعامكما الشام واليمن ، ولا شك أنكما تابعاه إن لم تحذرا ، وأمّا أنا فمساعف كلّ مستشير ، ومعين كلّ مستصرخ ، ومجيب كلّ داع ، أتوقع الفرصة ، فأثب وثبة الفهد ، أبصر غفلة مقتنصة ، ولولا مخافة عطب البريد وضياع الكتب لشرحت لكما من الأمر ما لا تفزعان معه إلى أن يحدث الأمر ، فجدّا في الطلب ما أنتما وليّاه ، وعلى ذلك فليكن العمل ان شاء الله. وكتب في آخره :

______________________

(١) العُرّ : الجرب ، والعضيهة الافك والبهتان.

(٢) القشب من الكلام الفري والقاشب الّذي يعيب الناس بما فيه ، والأفيكة : الكذب.

٥٣

وما بلغت عثمان حتى تخطّمت

رجالٌ ودانت للصغار رجال

لقد رجعت عوداً على بدء كونها

وإن لم تجدّا فالمصير زوال

سيبدي مكنون الضمائر قولُهم

ويظهر منهم بعد ذاك فعال

فإن تقعدا لا تطلبا ما ورثتما

فليس لنا طول الحياة مقال

نعيش بدار الذل في كل بلدةٍ

وتظهر منّا كابة وهزال

فلمّا ورد الكتاب على معاوية أذِّن في الناس : الصلاة جامعة ثمّ خطبهم خطبة المستنصر المستصرخ ، وفي أثناء ذلك ورد عليه قبل أن يكتب الجواب كتاب مروان بقتل عثمان وكانت نسخته :

وهب الله لك أبا عبد الرحمن قوة العزم وصلاح النيّة ، ومنّ عليك بمعرفة الحقّ واتباعه فاني كتبت إليك هذا الكتاب بعد قتل عثمان أمير المؤمنين ، وأيّ قتلة قُتل ، نحر كما ينحر البعير الكبير عند اليأس من أن ينوء بالحَمل ، بعد أن نُقبت صفحتُه بطيّ المراحل وسير الهجير ، وإني معلمك من خبره غير مقصر ولا مطيل : إنّ القوم استطالوا مدّته ، واستقلّوا ناصره ، واستضعفوا بدنه ، وأمّلوا بقتله بسَطَ أيديهم فيما كان قَبضَه عنهم ، واعصوصبوا عليه ، فظل محاصراً ، قد مُنع من صلاة الجماعة ورد المظالم ، والنظر في أمور الرعية ، حتى كأنه هو فاعل لما فعلوه ، فلمّا دام ذلك أشرف عليهم ، فخوّفهم الله وناشدهم ، وذكّرهم مواعيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم له ، وقوله فيه ، فلم يجحدوا فضله ولم ينكروه ، ثمّ رموه بأباطيل اختلقوها ، ليجعلوا ذلك ذريعة إلى قتله ، فوعدهم التوبة ممّا كرهوا ، ووعدهم الرجعة إلى ما أحبّوا. فلم يقبلوا ذلك ، ونهبوا داره ، وانتهكوا حرمته ، ووثبوا عليه فسفكوا دمه ، وانقشعوا عنه انقشاع سحابة قد أفرغت ماءها ، منكفئين

٥٤

قِبَلَ ابن أبي طالب انكفاء الجراد إذا أبصر المرعى. فأخلِق ببني أمية أن يكونوا من هذا الأمر بمجرى العيّوق إن لم يثأره ثائر ، فإن شئت ابا عبد الرحمن أن تكونه فكنه والسلام.

فلمّا ورد الكتاب أمر بجمع الناس ، ثمّ خطبهم خطبة أبكى منها العيون وقلقل القلوب ، حتى علت الرنّة ، وارتفع الضجيج ، وهمّ النساء أن يتسلّحن.

ثمّ كتب إلى طلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوّام ، وسعيد بن العاص ، وعبد الله بن عامر بن كريز ، والوليد بن عُقبة ويعلى بن مُنية ـ وهو اسم أمه ـ وإنّما اسم أبيه أمية.

فكان كتاب طلحة : أمّا بعد ، فإنك أقل قريش في قريش وترا ، مع صباحة وجهك وسماحة كفّك ، وفصاحة لسانك ، فأنت بأزاء من تقدّمك في السابقة ، وخامس المبشرين بالجنة ، ولك يوم أحد وشرفُه وفضلُه ، فسارع رحمك الله إلى ما تقلّدك الرعية من أمرها ممّا لا يسعك التخلّف عنه ، ولا يرضى الله منك إلّا بالقيام به ، فقد أحكمتُ لك الأمر قبلي ، والزبير فغير متقدم عليك بفضل ، وأيكما قدّم صاحبه ، فالمقدّم الإمام ، والأمر من بعده للمقدِّم له ، سلك الله بك قصد المهتدين ، ووهب لك رُشد الموفّقين والسلام.

وكتب إلى الزبير : أمّا بعد ، فإنك الزبير بن العوام ، ابن أبي خديجة وابن عمة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحواريّه ، وسلَفَه ، وصهر أبي بكر ، وفارس المسلمين ، وأنت الباذل في الله مهجته بمكة عند صيحة الشيطان ، بعثك المبعث ، فخرجت كالثعبان المنسلخ ، بالسيف المنصلت ، تخبط خبط الجمل الرديع(١) كلّ ذلك قوّة إيمان ، وصدق يقين ، وسبقت لك من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم البشارة بالجنّة ،

______________________

(١) الرديع : أي المردوع من ردعه إذا كفّه.

٥٥

وجعلك عمر أحد المستخلفين على الأمة ، واعلم أبا عبد الله ، إن الرعية أصبحت كالغنم المتفرّقة لغيبة الراعي ، فسارع رحمك الله إلى حقن الدماء ولمّ الشعث ، وجمع الكلمة ، وصلاح ذات البين ، قبل تفاقم الأمر وانتشار الأمة ، فقد أصبح الناس على شفا جرفٍ هارٍ عمّا قليل ينهار إن لم يُرأب ، فشمّر لتأليف الأمة ، وابتغ إلى ربّك سبيلا ، فقد أحكمت الأمر على مَن قِبَلي لك ولصاحبك على أن الأمر للمقدَّم ، ثمّ لصاحبه من بعده ، جعلك الله من أئمة الهدى ، وبغاة الخير والتقوى. والسلام.

وكتب إلى مروان بن الحكم : أمّا بعد فقد وصل إلي كتابك بشرح خبر أمير المؤمنين ، وما ركبوه به ونالوه منه ، جهلاً بالله وجرأة عليه ، واستخفافاً بحقّه ، ولأمانيّ لوّح الشيطان بها في شَرَك الباطل ليدهدههم(١) في أهويات الفتن ، ووهدات الضلال ، ولعمري لقد صدق عليهم ظنّه ، ولقد اقتنصهم بأنشوطة فخّه ، فعلى رسلك أبا عبد الله ، يمشي الهوينى ويكون أوّلاً ، فإذا قرأت كتابي هذا فكن كالفهد لا يصطاد إلّا غيلة ، ولا يتشازر(٢) إلّا عن حيلة ، وكالثعلب لا يفلِتُ إلّا روغانا ، واخف نفسك منهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمس الأكفّ ، وامتهن نفسك امتهان من ييأس القوم من نصره وانتصاره ، وابحث عن أمورهم بحث الدجاجة عن حبّ الدخن عند فقاسها ، وأَنغِل(٣) الحجاز فإني منغلٌ الشام. والسلام.

وكتب إلى سعيد بن العاص : أمّا بعد ، فإن كتاب مروان ورد عليّ من ساعة وقت النازلة ، تقبل به البُرد بسير المطيّ الوجيف(٤) تتوجس توجّس الحيّة الذكر

______________________

(١) أي : ليرديهم.

(٢) التشازر : النظر بمؤخر العين.

(٣) أي احملهم على الضغن والعداوة.

(٤) الوجيف : السريع في سيره.

٥٦

خوف ضربة الفأس ، وقبضة الحاوي(١) ومروان الرائد لا يكذب أهله ، فعلامَ الإفكاك يا بن العاص ، ولات حين مناص ، ذلك أنكم يا بني أمية عمّا قليل تسألون أدنى العيش من أبعد المسافة فينكركم من كان منكم عارفاً ، ويصد عنكم من كان لكم واصلاً متفرّقين في الشِعاب تتمنون لمظة(٢) المعاش ، ان أمير المؤمنين عُتب عليه فيكم ، وقُتل في سبيلكم ففيم القُعود عن نصرته والطلب بدمه ، وأنتم بنو أبيه ، ذوو رَحمه وأقربوه وطلّاب ثأره ، أصبحتم متمسكين بشظف معاشٍ زهيد ، عما قليل يُنزع منكم عند التخاذل وضعف القوى ، فإذا قرأت كتابي هذا فدبّ دبيب البُرء في الجسد النحيف ، وسِر سير النجوم تحت الغمام ، واحشد حشد الذرّة(٣) في الصيف لانحجارها في الصَّرَد ، فقد أيدتكم بأسدٍ وتيم وكتب في الكتاب :

تالله لا يذهب شيخي باطلاً

حتى أبير مالكاً وكاهلاً

القاتلين الملك الحلاحلا

خير مُعدّ حسباً ونائلا(٤)

وكتب إلى عبد الله بن عامر : أمّا بعد ، فإن المنبر مركَب ذلول ، سهل الرياضة ، لا ينازعك اللجام ، وهيهات ذلك ، إلّا بعد ركوب أثباج المهالك ، واقتحام أمواج المعاطب ، وكأني بكم يا بني أمية شعارير(٥) كالأوارك تقودها الحُداة ، أو كرُخم الخندمة(٦) تذرق خوف العُقاب ، فثب الآن رحمك الله قبلَ أن

______________________

(١) الّذي يرقى الحية ويقبض عليها.

(٢) اللمظة واللماظة ، اليسير من السمن تأخذه بإصبعك.

(٣) صغار النمل.

(٤) الشعر لأمرئ القيس الكندي ديوانه / ١٣٤ جمع السندوبي.

(٥) الشعارير : المتفرقون ، والأوارك النوق الّتي تلزم الأراك فترعاه فهي تتفرق لتتبع الأراك.

(٦) اسم موضع فيها مأوى الرُخم تختفي فيه من العُقاب.

٥٧

يستشري الفساد وندب(١) السوط جديد ، والجرح لما يندمل ، ومن قبل استضراء الأسد ، والتقاء لحييه على فريسته ، وساور الأمرَ مساورة الذئب الأطلس كسيرة القطيع ، ونازل الرأي وأنصب الشَرك ، وارم عن تمكّن ، وضع الهناء مواضع النقب(٢) واجعل اكبر عدّتك الحذَر ، وأحدَّ سلاحك التحريض ، واغض عن العوراء ، وسامح اللجوج ، واستعطف الشارد ، ولاين الأشوس ، وقوّ عزم المريد ، وبادر العقبة ، وازحف زحف الحيّة ، واسبق قبل أن تُسبق ، وقم قبل أن يُقام لك ، واعلم أنّك غير متروك ولا مَهمل ، فإني لكم ناصح أمين. والسلام.

وكتب في أسفل الكتاب :

عليك سلام الله قيس بن عامر

ورحمته ما شاء أن يترحّما

تحية من أهدى السلام لأهله

إذا شطّ داراً عن مزارك سلّما

فما كان قيس هلكه هلك واحدٍ

ولكنه بنيان قومٍ تهدّما(٣)

وكتب إلى الوليد بن عُقبة : يا بن عُقبة كن الجيش ، وطيب العيش أطيب من سفع سموم الجوزاء عند اعتدال الشمس في أفقها ، ان عثمان أخاك أصبح بعيداً منك ، فاطلب لنفسك ظِلّا تستكنّ به ، إني أراك على التراب رَقودا ، وكيف بالرقاد بك ؟ لا رقاد لك ، فلو قد أستتبّ هذا الأمر لمريده ألفيت كشريد النعام ، يفزع من ظلّ الطائر ، وعن قليل تشرب الرنَق ، وتستشعر الخوف ، أراك فسيحَ الصدر ، مسترخيَ اللبَبَ ، رخوَ الحِزام ، قليل الأكتراث ، وعن قليل يُجتثّ أصلَك ، والسلام.

______________________

(١) وندب السوط أثره في البدن.

(٢) الهناء القطران يطلى به البعير ، والنقب هو أوّل الجَرب.

(٣) الأبيات لعبدة بن الطيّب يرثي قيس بن عاصم المنقري ـ الشعر والشعراء / ٧٠٧.

٥٨

وكتب في آخر الكتاب :

أخترتَ نومك إن هبت شآمية

عند الهجير وشرباً بالعشيّات

على طلابك ثأراً من بني حَكَمٍ

هيهاتَ من راقد طلّاب ثارات

وكتب إلى يعلى بن أميّة :

حاطك الله بكلاءته ، وأيّدك بتوفيقه ، كتبت إليك صبيحة ورد عليّ كتاب مروان بخبر قتل أمير المؤمنين ، وشرح الحال فيه ، وإنّ أمير المؤمنين طال به العُمر حتى نقصت قواه ، وثقلت نهضتُه ، وظهرت الرعشة في أعضائه ، فلمّا رأى ذلك أقوام لم يكونوا عنده موضعاً للإمامة والأمانة وتقليد الولاية ، وثبوا به ، والّبوا عليه ، فكان أعظم ما نقموا عليه وعابوه به ، ولايتك اليمن وطولِ مدّتك عليها ، ثمّ ترامى بهم الأمر حالاً بعد حال ، حتى ذبحوه ذبح النطيحة(١) مبادَرا بها الفوت ، وهو مع ذلك صائم معانقٌ المصحف ، يتلو كتاب الله ، فيه عظُمت مصيبة الإسلام ، بصهر الرسول ، والإمام المقتول ، على غير جُرم سفكوا دمه ، وانتهكوا حرمته ، وأنت تعلم أن بيعته في أعناقنا ، وطلب ثاره لازم لنا ، فلا خير في دنيا تعدل بنا عن الحقّ ، ولا في أمرة توردُنا النار ، وان الله جل ثناؤه لا يرضى بالتحذير في دينه ، فشمّر لدخول العراق.

فأمّا الشام فقد كفيتُك أهلَها ، وأحكمتُ أمرَها ، وقد كتبتُ إلى طلحة بن عبيد الله أن يلقاك بمكة حتى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة ، والطلب بدم عثمان أمير المؤمنين المظلوم ، وكتبت إلى عبد الله بن عامر يمهّد لكم العراق ، ويسهّل لكم حزونة عِقابها(٢).

______________________

(١) النطيحة : الشاة المنطوحة.

(٢) العِقاب : بالكسر جمع عقبة المرقى الصعب من الجبال.

٥٩

واعلم يا بن أمية أنّ القوم قاصدوك بادئ بدء لاستنطاف ما حوته يداك من المال ، فاعلم ذلك واعمل على حسبه إن شاء الله ، وكتب في أسفل الكتاب :

ظلّ الخليفة محصوراً يناشدهم

بالله طَورا وبالقرآن أحيانا

وقد تألّف أقوامٌ على حَنقَ

عن غير جُرم وقالوا فيه بهتانا

فقام يذكرهم وعد الرسول له

وقوله فيه إسراراً وإعلانا

فقال كفّوا فإني معتبٌ لكمُ

وصارفٌ عنكم يَعلى ومرونا

فكذّبوا ذاك منه ثم ساوَره

من حاص لَبّته ظلماً وعدوانا(١)

قال : فكتب إليه مروان جواباً عن كتابه :

أمّا بعد : فقد وصل كتابك ، فنعم كتاب زعيم العشيرة ، وحامي الذمار ، وأخبرك أن القوم على سنَنَ استقامة إلّا شظايا شعب ، شتّتَ بينهم مقولي على غير مجابهة ، حسب ما تقدّم من أمرك ، وإنّما كان ذلك رسيس(٢) العصاة ، ورمي أخدر من أغصان الدوحة ، ولقد طويت أديمهم على نغل يحلم(٣) منه الجلد ، كذبت نفس الظان بنا ترك المظلمة وحبّ الهجوع ، إلّا تهويمة الراكب العجل ، حتى تُجذ جماجم وجماجم جذّ العراجين المهدّلة حين إيناعها ، وأنا على صحة نيتي وقوة عزيمتي وتحريك الرَحمِ لي ، وغليان الدم مني غيرُ سابقك بقول ، ولا متقدّمك بفعل ، وانت ابن حرب ، طلّاب الترات ، وآبى الضيم.

______________________

(١) حاص لبّته : حام حولها ، واللبّة موضع القلادة من الصدر.

(٢) الرسيس : الشيء الثابت يريد ان ذلك دأبهم وعادتهم.

(٣) الحَلَم : دودة تقع في الجلد فتأكله.

٦٠