موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ٣

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ٣

المؤلف:

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-503-1
ISBN الدورة:
964-319-500-7

الصفحات: ٢٨٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

والله سبحانه أعفى النساء من الدخول فيما هو من شأن الرجال ، فلم يكلفهنّ سياسة ولا إدارة ، ولا إثارة جماهير ، ولا تجييش جيوش ، ولا تأليباً على الخلفاء ، فإن باشرن شيئاً من هذا كان ذلك هو الفتنة عينها ، وكان المجتمع حينئذ يعالج داء دخيلاً في كيانه ينذر بالشر المستطير(١).

وقال عبد الكريم الخطيب : «والسيدة عائشة رضي‌الله‌عنها ان سخطها على عليّ وبغضها له هو المحرّك الأوّل لموقفها منه ولثورتها عليه.

ولولا أنها كانت تحمل لعليّ هذه الكراهية لما ألقت بنفسها في هذا الموقف الّذي لم يكن من شأن امرأة أن تقفه... ديانة أو عصبية ، فما عرف العرب امرأة تقود معركة كتلك المعركة وتدبّر لها ، وتتولى توجيه سيرها ، ورسم خطوطها ، والرجال كثير ، والأبطال لم يذهبوا بعد.

وما عرف في الإسلام مكان للنساء في ميدان القتال ، ولا صوت مسموع لهنّ في شؤون الحرب... فكيف بازواج الرسول وأمهات المؤمنين ؟...»(٢).

وقال : «إنّ هذا الموقف الّذي أتخذته أم المؤمنين من عثمان أوّلاً ومن عليّ ثانياً لم يكن مطلوباً ، بل ولا مقبولاً»(٣).

وقال : «نقول الواقع المؤلم والحقّ المرّ ، نقول على مضض وفي أسى وحزن...

وحسبنا أن نروي ما يتحدث به التاريخ ، بقيت أم المؤمنين وحدها تخوض المعركة وتقودها. وكان جملها ـ عسكر ـ هو الراية الّتي يقاتل الناس تحتها ، ويتساقطون حولها...»(٤).

______________________

(١) أنظر عائشة والسياسة / ٢٠٧.

(٢) عليّ بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة / ٣٤٩.

(٣) نفس المصدر / ٣٥١.

(٤) نفس المصدر / ٣٥٣.

١٦١

قال عبد الله عفيفي : «وإن يك عثمان قد مات مظلوماً ، فقد عاش من بعده عليّ مظلوماً ، ومن أشد مظلمته أن تؤلب أم المؤمنين عليه المسلمين ، وأن تقود الجنود إلى قتاله في وقعة الجمل»(١).

جانب من عملياتها القيادية :

لقد كانت بارعة في ادارة العمليات من داخل هودجها ، فصارت تحرّض المقاتلين حولها بما توزّعه عليهم من أوسمة الفخار الكلامية لتشدّ من عزائمهم وقد استحر القتل فيهم. فاستقطبت القبائل بمهارة لم يسبق أن رأوها أو سمعوها من قبل.

١ ـ فقد روى المؤرخون أنها أمرت الناس أن يلعنوا قتلة عثمان فلعنوا ، وضجوا بذلك ضجيجاً صكّ مسامع الجيش ، فسمع الإمام الضجة فسأل عنها ، فقالوا له : عائشة تدعو ويدعون معها بلعن قتلة عثمان وأشياعهم ، فأقبل هو يدعو ودعا من معه ويقول :

فلعن الله قتلة عثمان ، فوالله ما قتله غيرهم ، وما يلعنون إلّا أنفسهم ولا يدعون إلّا عليها(٢).

٢ ـ وروى المؤرخون أيضاً أنّها قالت : ناولوني كفاً من الحصاة ، فأخذت وحصبت وجوه أصحاب الإمام وصاحت بأعلى صوتها : شاهت الوجوه ـ كما صنع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم حنين مع المشركين ـ فناداها رجل

______________________

(١) المرأة العربية في جاهليتها واسلامها ٢ / ١١٧.

(٢) أنساب الأشراف (ترجمة الإمام) ٢ / ٢٤١ تحـ المحمودي ، وقارن الطبري ٤ / ٥١٤ ط دار المعارف.

١٦٢

من أصحاب الإمام : وما رميتِ إذ رميتِ ولكن الشيطان رمى(١) ثمّ جعل يقول شعراً :

قد جئت يا عيش لتعلمنا

وتنشري البرد لتهزمينا

وتفذفي الحصباء جهلاً فينا

فعن قليل سوف تعلمنا(٢)

٣ ـ وروى المؤرخون أيضاً : أنّها كانت تمنح أوسمة الفخار للمقاتلين لتبث فيهم روح الحماس والتضحية. فقد نظرت من يسارها فقالت : مَن القوم ؟ قال صبرة بن شيمان : بنوك الأزد ، فقالت : يا آل غسّان حافظوا اليوم ، فجلادكم الّذي كنّا نسمع به وتمثّلت :

وجالد من غسان أهل حفاظها

وكعب وأوس جالدت وشبيب

فكان الأزد يأخذون بعر الجمل يشمّونه ويقولون : بعر جمل أمّنا ريحه ريح المسك(٣).

وقالت لمن عن يمينها : مَن القوم عن يميني ؟ قالوا : بكر بن وائل ، قالت : لكم يقول القائل :

وجاؤا الينا في الحديد كأنهم

من العزة القعساء بكر بن وائل

إنّما بأزائكم عبد القيس ، فاقتتلوا أشد من قتالهم قبل ذلك.

______________________

(١) لقد حرّفت الكلمة في بعض المصادر فذكرت بدلها الآية الكريمة قوله تعالى (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ رَمَىٰ) الأنفال / ١٧ ، راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ١ / ٨٥.

(٢) الفتوح لابن أعثم ٢ / ٣٢٥ ـ ٣٢٦ ط دار المسيرة ، وقارن كتاب الجمل للشيخ المفيد / ١٧٠ ط الحيدرية سنة ١٣٦٨ هـ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد ١ / ٨٥.

(٣) تاريخ ابن الأثير ٣ / ١٠٥ ـ ١٠٦ ط بولاق ، وشرح النهج لابن أبي الحديد ٢ / ٨١ ط مصر الأولى.

١٦٣

وأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت : مَن القوم ؟ قالوا : بنو ناجية ، قالت : بخٍ بخٍ سيوف أبطحية قرشية ، صبراً يا بني ناجية ، فإني أعرف فيكم شمائل قريش ، فجالدوا جلاداً يتفادى منه حتى قتلوا حولها جميعاً. (وبنو ناجية مطعون في نسبهم في قريش)

ثمّ أطافت بها بنو ضبّة فقالت : ويهاً جمرة الجمرات ، وكانت تقول : ما زال جملي معتدلاً حتى فقدت أصوات ضبّة.

وكان رجال منهم ـ كما مرّ عن الأزد ـ يأخذون بعر الجمل فيشمّونه ويقول بعضهم لبعض : ألا ترون إلى بعر جمل أمّنا كأنّه المسك الأذفر(١).

فلمّا رقّوا خالطهم بنو عدي بن عبد مناة وكثروا حولها فقالت : من أنتم ؟ قالوا : بني عدي خالطنا إخواننا ، فأقاموا رأس الجمل وضربوا ضرباً شديداً ليس بالتعذير ولا يعدلون التطريف(٢) ، وقتل بنو ضبة حول الجمل فلم يبق منهم إلّا من لا نفع عنده(٣).

٤ ـ وروى المؤرخون أيضاً عنها موقفاً خسرت فيه رجلاً من بني ضبّة كان آخذاً بزمام جملها ثمّ سرعان ما تركه وتحوّل إلى جيش الإمام. وذلك الموقف تفجّر من عمق لا وعيها ، إذ لم تستطع أن تخفي ما في نفسها من ضغن على الإمام حتى أفقدها صوابها.

فقد روى البيهقي بسنده عن الزهري فقال ـ بعد أن ذكر حديث نبح كلاب الحوأب لعائشة ـ : «فلمّا كان حرب الجمل أقبلت في هودج من حديد ، وهي تنظر من منظر قد صُيّر لها في هودجها.

______________________

(١) نفس المصدر.

(٢) تاريخ ابن الاثير ٣ / ١٠٦ ، وتاريخ الطبري ٤ / ٥١٦ ط دار المعارف.

(٣) شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ / ٨١.

١٦٤

فقالت لرجل من ضبّة وهو آخذ بخطام جملها ـ أو بعيرها ـ : أين عليّ بن أبي طالب ؟ قال : ها هو ذا واقف رافع يده إلى السماء ، فنظرت فقالت : ما أشبهه بأخيه.

قال الضبي : ومن أخوه ؟ قالت : رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم.

قال : فلا أراني أقاتل رجلاً هو أخو رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فنبذ خطام راحلتها من يده وتحوّل إليه»(١).

اعقروا الجمل :

حمى الوطيس وتصادمت المجنبتان ، ولاذ الناس بجمل عائشة ، وانّ الميمنتين والميسرتين تضربان ، في احداهما عمّار وفي الأخرى عبد الله بن عباس ومحمّد بن أبي بكر(٢).

فلمّا رأى عليّ عليه‌السلام أن الموت عند الجمل ، وأنّه ما دام قائماً فالحرب لا تُطفأ ، وضع سيفه على عاتقه وعطف نحوه ، وأمر أصحابه بذلك ومشى نحوه ، والخطام مع بني ضبّة ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، واستحر القتل في بني ضبّة ، فقتل مقتلة عظيمة ، وخلص عليّ عليه‌السلام في جماعة من النخع وهمدان إلى الجمل فقال لرجل من النخع اسمه بجير : دونك الجمل يا بجير ، فضرب عجز الجمل بسيفه ، فوقع لجنبه ، وضرب بجرانه الأرض وعج عجيجاً لم يسمع بأشد منه ، فما هو إلّا أن صُرع الجمل حتى فرّت الرجال كما تطير الجراد في الريح الشديدة الهبوب ، فنادى عليّ : أقطعوا أنساع الهودج ، واحتملت عائشة بهودجها ، وأمر بالجمل أن يحرق ثمّ يذرى في الريح وقال : لعنه الله من دابة ، فما أشبهه بعجل بني إسرائيل

______________________

(١) المحاسن والمساوي ١ / ٣٥ ط السعادة.

(٢) الإمامة والسياسة ١ / ٦٨ ط سنة ١٣٢٨ هـ.

١٦٥

ثمّ قرأ (وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا)(١)»(٢).

قال المسعودي : «ولمّا سقط الجمل ووقع الهودج جاء محمّد بن أبي بكر فأدخل يده فقالت : من أنت ؟ قال : أقرب الناس منك قرابة ، وأبغضهم إليك ، أنا محمّد أخوك ، يقول لكِ أمير المؤمنين هل أصابك شيء ؟ قالت : ما أصابني إلّا سهم لم يضرني»(٣).

موقف الإمام مع صاحبة الهودج :

ثمّ جاء الإمام حتى وقف عليها فضرب الهودج بقضيب وقال : (يا حميراء ، رسول الله أمركِ بهذا ؟ ألم يأمركِ أن تقرّي في بيتك ؟ والله ما أنصفكِ الذين أخرجوكِ إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك ؟)(٤). قال السبط ابن الجوزي في التذكرة : «فلم تتكلم بكلمة»(٥).

وفي رواية الطبري عن حديث الزهري : «فقال لها : (استفززت الناس وقد فزّوا ، وألّبت بينهم حتى قتل بعضهم بعضاً) في كلام كثير ؟»(٦).

فيا ترى ما هو ذلك الكلام الكثير الّذي غصّ الطبري ورواته بذكره فابتلعه ؟! وأظن أنّ من ذلك الكلام الكثير ما جاء في رواية لدى البلاذري قال :

______________________

(١) طه / ٩٧.

(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد ١ / ٨٩.

(٣) مروج الذهب ٢ / ٣٧٦ تحـ محي الدين.

(٤) مروج الذهب ٢ / ٣٧٦ ، وفي الجمل للمفيد : قال لها يا شقيراء بهذا وصّاك رسول الله ، وقارن طبقات ابن سعد ٨ / ٥٠ تجد وصف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها أيضاً بالشقيراء ، فهي تسمى حميراء وشقيراء.

(٥) تذكرة الخواص / ٤٣.

(٦) تاريخ الطبري ٤ / ٥١٩ ط دار المعارف.

١٦٦

«وانتهى عليّ إلى الهودج فضربه برمحه وقال : (كيف رأيتِ صنيع الله بكِ يا أخت إرم) ؟ فقالت : ملكت فاسحج»(١).

وفي رواية أخرى عنده رواها بسنده عن ابن حاطب قال : «أقبلت مع عليّ يوم الجمل إلى الهودج وكأنّه شوك قنفذ من النبل ، فضرب الهودج ثمّ قال : (إنّ حميراء إرم أرادت أن تقتلني كما قتلت عثمان بن عفان)»(٢).

والآن فقد حصحص الحقّ فتبين أن ما رواه البلاذري هو من بعض ذلك الكلام الكثير الّذي غصت به ألسنة الرواة ـ ومنهم الطبري ـ فلم تبح به ، حفاظاً على مقام أم المؤمنين لديهم ، وتعتيماً على ما جرى منها على أمير المؤمنين وعلى أبنائها المؤمنين.

ولم أقف على وصف الإمام لعائشة بأخت إرم وحميراء إرم... في المصادر القديمة إلّا في رواية البلاذري ، وربما تجاهله الآخرون لما عرفوا من معناه ، فإنّ إرم كعلم وزناً ومعنى ، اسم موضع قريب من النباج بين البصرة والحجاز ، كانت فيه حرب أشعلتها امرأة اسمها الكلبة ماتت ودفنت هناك فنسب اليها الإرم وهو العَلَم ، ويوم إرم الكلبة من أيام العرب(٣) فشبّهها الإمام بتلك المرأة.

ولم أقف على ذكر لكلمة الإمام عليه‌السلام عند مَن ذكرها من الكتّاب المحدّثين سوى طه حسين فقد ذكرها في الفتنة الكبرى وزاد في آخرها تبادل الدعاء بالمغفرة بين الإمام وعائشة ، ولم يذكر لنا مصدره في ذلك ، وأحسب أنّ

______________________

(١) أنساب الأشراف ٢ / ٢٤٩ (ترجمة الإمام) تحـ المحمودي.

(٢) نفس المصدر ٢ / ٢٥٠.

(٣) معجم البلدان ١ / ١٥٧ ط صادر.

١٦٧

التزيّد بالدعاء كان منه تخفيفاً لوقع ضرب الهودج بالرمح ، وشدّة التوبيخ بتلك الكلمة فقد قال : «ويأتي عليّ مغضباً ، ولكنه على ذلك متماسك يملك نفسه ويضبطها أشد الضبط ، فيضرب الهودج برمحه ويقول : (كيف رأيت صنيع الله يا أخت إرم) ؟ فتقول : يا بن أبي طالب ملكت فأسحج ، فيقول عليّ : غفر الله لك ، وتجيب عائشة : وغفر لك»(١).

فتبادل الدعاء بالمغفرة لم يرد في رواية البلاذري وهو الّذي سبق المؤرخين إلى رواية أخت إرم ـ كما تقدم ـ فمن أين أتى طه حسين بتلك الزيادة ؟

وكيف يتم تبادل الدعاء بالمغفرة ممّن وصفه مغضباً. وأحسبه لفّق بين رواية البلاذري المشعرة بمنتهى الغضب ، وبين مرويات علماء التبرير الذين أخذوا روايات سيف اعتماداً على شيخ المؤرخين الطبري فهو الّذي رواها ، قال : «فانتهى اليها ـ عائشة ـ عليّ فقال : أي أمّه يغفر الله لنا ولكم قالت : غفر الله لنا ولكم»(٢). وهذا ما رواه ابن الأثير(٣) والنويري(٤) وابن كثير(٥) وابن خلدون الّذي تزيّد في الرواية فقال : «وجاء إليها عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين مسلّماً فقال : كيف أنتِ يا أمّه ؟ قالت : بخير فقال : يغفر الله لك وجاء وجوه...»(٦) وسيأتي مزيد بيان عن هذا الخداع والتظليل.

______________________

(١) الفتنة الكبرى ٢ / ٥٣.

(٢) تاريخ الطبري ٤ / ٥٣٤.

(٣) تاريخ ابن الأثير ٣ / ١٠٩ ط بولاق.

(٤) نهاية الارب ٢٠ / ٧٩.

(٥) البداية والنهاية ٧ / ٢٤٤.

(٦) تاريخ ابن خلدون ٢ / ١٠٨٦ ط دار الكتاب اللبناني.

١٦٨

ونعود إلى طه حسين لنقول له : ما هكذا تورد يا سعد الإبل. كيف تصدّق أنّ عليّاً دعا لعائشة بالمغفرة وهي دعت له كذلك ، وأهدرا معاً تلك الدماء الّتي بلغت عشرات الآلاف حتى قالوا : كانت حصيلة الحرب ثلاثين ألفاً(١) ، (وفي حديث) جدة المعلّى أبو حاتم قالت : خرجنا إلى قتلى الجمل فعددناهم بالقصب فكانوا عشرين ألفاً(٢) !

فليس المقام مقام (عفا الله عما سلف) وبجرّة من القلم تبادلا الدعاء بالمغفرة ، وكأنّهما كانا تلاقيا على الشوق والمحبة بعد سفر نزهة أو حج. فإنّ ذلك كله من تضبيب علماء التبرير ، لتضييع معالم الجريمة وليلبسوا الحقّ بالباطل. وكيف يخفى على مسلم آمن بالله وبرسوله ما جاء عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ عليّاً مع الحقّ والحقّ معه(٣) ، ومن كان على الحقّ ومع الحقّ فلا يتأتى منه إلّا ما هو الحقّ ، وتابع عليّ يكون على الحقّ ومن ناوى عليّاً وحاربه(٤) فهو على الضلال قال الله سبحانه : (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)(٥).

______________________

(١) مرآة الجنان لليافعي ١ / ٩٧ / ٣٣ ألفاً.

(٢) تاريخ خليفة ابن خياط ١ / ١٦٦ تحـ أكرم ضياء العمري.

(٣) حديث (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام) ٣ / ١٢٠ ، وتاريخ بغداد ١٤ / ٣٢ ، ومجمع الزوائد ٩ / ١٣٥.

(٤) حديث (حربك حربي وسلمك سلمي) أخرجه ابن المغازلي في المناقب / ٥٠ ط المكتبة الإسلامية بتقديم السلم على الحرب. وذكره غير واحد بلفظ الحرب قبل السلم ، راجع مناقب الخوارزمي / ٨٦ ط حجرية ، وميزان الأعتدال للذهبي ١ / ٣٥ ، ولسان الميزان لابن حجر ٢ / ٤٨٣ ط حيدر آباد ، وشرح النهج لابن أبي الحديد ٤ / ٢٢١ و ٥٢٠ ط مصر الأولى ، وينابيع المودة / ٨١ ط اسلامبول وغيرها.

(٥) يونس / ٣٢.

١٦٩

وإلى القارئ شهادات أعلام المسلمين من أئمة المذاهب بأن عليّاً كان على الحقّ في قتاله أهل الجمل ومن حاربه كان باغياً ظالماً له :

من فمك أدينك :

١ ـ قال أبو حنيفة ـ إمام المذهب ـ : «ما قاتل أحد عليّاً إلّا وعليّ أولى بالحقّ منه ، ولولا ما سار عليّ فيهم ما علم أحد كيف السيرة في المسلمين ، ولا شك أنّ عليّاً إنّما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه ، وفي يوم الجمل سار عليّ فيهم بالعدل ، وهو علّم المسلمين ، فكانت السنّة في قتال أهل البغي»(١).

٢ ـ قال سفيان الثوري ـ من أئمة الحديث ـ : «ما قاتل عليّ أحداً إلّا كان عليّ أولى بالحقّ منه»(٢).

٣ ـ قال أحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ـ : «لم يزل عليّ بن أبي طالب مع الحقّ والحقّ معه حيث كان»(٣).

٤ ـ قال أبو منصور الماتريدي البغدادي : «أجمعوا ـ أهل السنّة ـ على أن عليّاً كان مصيباً في قتال أهل الجمل طلحة والزبير وعائشة بالبصرة ، وأهل صفين معاوية وعسكره»(٤).

٥ ـ قال النووي في شرح صحيح مسلم : «وكان عليّ هو المحق المصيب في تلك الحروب هذا مذهب أهل السنّة»(٥).

______________________

(١) مناقب أبي حنيفة للخوارزمي ٢ / ٨٣ ط حيدر اباد ، ومناقب أبي حنيفة للكردري بهامش المصدر السابق.

(٢) حلية الأولياء ٧ / ٣١.

(٣) تاريخ دمشق (ترجمة الإمام) ٣ / ٦٦ تحـ المحمودي.

(٤) التذكرة للقرطبي / ٤٩٥ ط دار المنار ـ تحذير العبقري من محاضرات الخضري ١ / ٢٢٨.

(٥) شرح صحيح مسلم ١٨ / ١١ ط ١٣٤٩ بمصر.

١٧٠

وقال في حديث عمّار تقتله الفئة الباغية : «قال العلماء : هذا الحديث حجة ظاهرة في أن عليّاً كان محقاً مصيباً»(١).

٦ ـ قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الإمامة : «أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي أهل الحديث والرأي منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المسلمين والمتكلمين : على أنّ عليّاً مصيب في قتاله لأهل صفين كما هو مصيب في أهل الجمل ، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له ، لكن لا يكفرون ببغيهم (؟)»(٢).

٧ ـ قال ابن العربي المالكي : «فكلّ من خرج على عليّ باغٍ ، وقتال الباغي واجب حتى يفيء إلى الحقّ وينقاد إلى الصلح ، وأنّ قتاله لأهل الشام الذين أبوا الدخول في البيعة ، وأهل الجمل ، والنهروان والذين خلعوا بيعته ، حق ، وكان حق الجميع أن يصلوا بين يديه ويطالبوه بما رأوا ، فلمّا تركوا ذلك بأجمعهم صاروا بغاة ، فتناولهم قوله تعالى : (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّـهِ)(٣)»(٤).

٨ ـ قال ابن الهمام الحنفي : «كان عليّ على الحقّ في قتال أهل الجمل وقتال معاوية بصفين»(٥).

٩ ـ قال ابن حجر العسقلاني : «كان الإمام عليّ بن أبي طالب على الحقّ ، والصواب في قتال من قاتله في حروبه الجمل وصفين وغيرهما»(٦).

______________________

(١) نفس المصدر / ٢٥٢.

(٢) التذكرة للقرطبي / ٤٩٤ ط دار المنار ، فيض القدير ٦ / ٤٦٦ ، وراجع نصب الراية للزيلعي ٤ / ٦٩ ، وتحذير العبقري ١ / ٢٢٨.

(٣) الحجرات / ٩.

(٤) أحكام القرآن ٢ / ٢٢٤.

(٥) فتح القدير ٥ / ٤٦١.

(٦) فتح الباري (كتاب استتابة المرتدين) ١٥ / ٣٢٨ ـ ٣٢٩ ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

١٧١

١٠ ـ قال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي : «وأمّا القول في البغاة عليه فهو على ما أذكره لك :

أمّا أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا ـ يعني المعتزلة ـ لا يحكم لأحد منهم إلّا بالنار لإصرارهم على البغي وموتهم عليه ، رؤساؤهم والأتباع جميعاً ، وأمّا الخوارج فإنهم مرقوا عن الدين بالخبر النبوي المجمع عليه ، ولا يختلف أصحابنا في أنهم من أهل النار.

وجملة الأمر أنّ أصحابنا ـ يعني المعتزلة ـ يحكمون بالنار لكلّ فاسق مات على فسقه ، ولا ريب في أن الباغي على الإمام الحقّ والخارج عليه بشبهة أو بغير شبهة فاسق»(١).

١١ ـ وقال ابن تيمية بعد ذكر حديث عمّار تقتله الفئة الباغية : «وهذا أيضاً يدل على صحة إمامة عليّ ووجوب طاعته ، وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة ، والداعي إلى مقاتله داع إلى النار ـ وإن كان متأولاً ـ وهو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال عليّ ، وعلى هذا فمقاتله مخطيء وإن كان متأولاً ، أو باغٍ بلا تأويل وهو أصح القولين لأصحابنا. وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليّاً ، وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين»(٢).

١٢ ـ قال الذهبي : «لا نرتاب أنّ عليّاً أفضل ممّن حاربه ، وأنّه أولى بالحقّ»(٣).

______________________

(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ١ / ٤.

(٢) مجموع فتاوي ابن تيمية ٤ / ٤٣٧.

(٣) سير أعلام النبلاء ٨ / ٢١٠.

١٧٢

١٣ ـ قال القرطبي المالكي : «فتقرّر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدين أنّ عليّاً رضي‌الله‌عنه كان إماماً وإنّ كلّ من خرج عليه باغٍ وأنّ قتاله واجب يفيء إلى الحقّ وينقاد إلى الصلح»(١).

١٤ ـ قال الآلوسي : «وصرّح بعض الحنابلة بأن قتال الباغين أفضل من الجهاد احتجاجاً بأنّ عليّاً كرّم الله تعالى وجهه اشتغل في زمان خلافته بقتالهم دون الجهاد»(٢).

١٥ ـ قال أبو بكر الجصاص الحنفي في أحكام القرآن : «قاتل عليّ ابن أبي طالب رضي‌الله‌عنه الفئة الباغية بالسيف ومعه من كبراء الصحابة وأهل بدر من قد علم مكانهم ، وكان محقاً في قتاله لهم لم يخالف فيه أحد إلّا الفئة الباغية الّتي قابلته وأتباعها»(٣).

فهذه جملة من أقوال أئمّة أهل السنّة على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ، أدانوا مَن حارب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام سواء أهل الجمل أو صفين أو الخوارج ، فكلّهم بغاة ، وكان الحقّ معه في قتالهم ، والضلال معهم في قتاله.

فكان الأحرى بطه حسين ومَن على شاكلته أن يكون متحرراً من رواسب الموروث ، وينظر إلى رموز أهل الجمل وإلى عائشة خاصة نظرة جدّ ، ولا تأخذه بهرجة التبرير ، وتزييف الأعذار فهي خاصة تتحمل من مسؤولية الحرب بقدر نشاطها فيها ، ومواقفها لا تخفى.

وقال عبد الوهاب النجار في تاريخه : «أمّا عائشة أم المؤمنين فما كان لها أن تتولى كبر هذا الأمر ولا أن تطالب كما تزعم بدم عثمان ، فإنّ أولياء دم

______________________

(١) الجامع لأحكام القرآن ١٦ / ٣١٨ ط دار إحياء التراث العربي بيروت.

(٢) روح المعاني ٢٦ / ١٣٧.

(٣) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٤٠٠ افست دار الكتاب العربي بيروت.

١٧٣

عثمان كثيرون يفوت عدّهم الاحصاء (؟) وقد علمت أنّ معاوية بالشام غير وانٍ في أمره ولا متخاذل فيه وهو على العمل أقدر منها وأولى بعثمان وأمسّ به رحماً وأقرب قرابة وليست رحمها الله ممّن جعل الله لهم سلطان هذا الأمر ، ولولا وجودها في هذا الجيش لما كانت الفتنة في هذه الناحية ولم يكن لهم نظام ولا حميّة ، فكانت سبباً لاشتداد البلاء على المسلمين ومثاراً لأمور أنتجت الحزن والأسى»(١).

١٦ ـ وقال ناصر الدين الألباني ـ بعد نقله حديث الحوأب ـ : «إنّ الحديث صحيح الإسناد ولا إشكال في متنه... فإن غاية ما فيه أن عائشة رضي‌الله‌عنها لما علمت بالحوأب كان عليها أن ترجع ، والحديث يدل أنّها لم ترجع ، وهذا ممّا لا يليق أن ينسب إلى أم المؤمنين ، وجوابنا على ذلك : أنّه ليس كلّ ما يقع من الكُمّل يكون لائقاً بهم ، إذ لا عصمة إلّا لله وحده ، والسني لا ينبغي له أن يغال فيمن يحترمه حتى يرفعه إلى مصافّ الأئمة الشيعة المعصومين ، ولا نشك أن خروج أم المؤمنين كان خطأ من أصله ، ولذلك همّت بالرجوع حين علمت بتحقيق نبوءة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الحوأب ، ولكن الزبير رضي‌الله‌عنه أقنعها بترك الرجوع بقوله : عسى الله أن يصلح بك بين الناس ، ولا نشك أنّه كان مخطئاً في ذلك أيضاً ، والعقل يقطع بأنّه لا مناص من القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى(٢) ولا شك أنّ عائشة رضي‌الله‌عنها هي المخطئة لأسباب كثيرة وأدلة واضحة ، ومنها : ندمها على خروجها ، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها ، وذلك ممّا يدل على أنّ خطأها من الخطأ المغفور بل المأجور (؟)(٣).

______________________

(١) تاريخ الخلفاء الراشدين / ٤١٠.

(٢) سيأتي ان أحصائية القتلى تجاوزت الآلاف.

(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة ١ / ٧٧٥.

١٧٤

أقول : ولئن جانب الصواب في آخر كلامه ، لأنّه لم يتخلص من عقدة الموروث ، فقد كان غيره أشدّ غيرة على أمه لكنه أكثر صراحة وصرامة في لومه لها.

١٧ ـ قال عبد الكريم الخطيب : «وقد أحصى المحصون عدّة قتلى هذه الحرب من المسلمين فبلغ بها بعضهم أكثر من ثلاثين ألفاً»(١) ، بينما وقف بعضهم عند ستة آلاف ، فالطبري يروي في بعض رواياته أن عدد القتلى من الفريقين كانوا أكثر من ستة آلاف ، وابن أعثم يروي أن قتلى أصحاب عليّ كانوا سبعمائة ، أمّا أصحاب عائشة فكانوا تسعة آلاف ، وصاحب العقد الفريد يروي أنّ عدد قتلى أصحاب عائشة عشرون ألفاً ، وأنّ من قتل من أصحاب عليّ كانوا خمسمائة.

وأياً كان الخلاف في هذه المرويات ، فإنّ دماء غزيرة جرت في هذا الإلتحام ، وأرواحاً كثيرة طيبة أزهقت في تلك المعركة.

وما نريد أن نلقي تبعة كلّ هذا على أم المؤمنين رضي‌الله‌عنها ، فقد كانت دوافع جانبية كثيرة ، تحرّك هذه الحرب وتذكي ضرامها ، ولكن الّذي لا شك فيه أنّ زمام الموقف كلّه كان في يد السيدة عائشة. وأنّها لو أشارت بيدها إلى الجيش المجتمع حولها إشارة سلام وانصراف لما بقي أحد في أرض المعركة.

ولكن ثبات أم المؤمنين في الميدان ووقوفها في أرض المعركة جعل الذين قاتلوا معها لا يقاتلون إلّا دفاعاً عنها ، وإلّا دفعاً لما قد يتعرض لها من سوء ، ولهذا فقد استماتوا في حمايتها(٢).

______________________

(١) مرآة الجنان لليافعي ١ / ٩٧ وبلغت القتلى يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفاً على ما ذكر أهل التواريخ.

(٢) عليّ بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة / ٣٥٥ ـ ٣٥٦.

١٧٥

١٨ ـ قال سعيد الأفغاني في كتابه عائشة والسياسة : «وأمّا السيدة عائشة فنقدها عثمان كان أشدّ عليه لما لها من الحرمة والإجلال ونفاذ الكلمة ، وقد عرف الأمويون وطلحة والزبير ما يكون لدعواهم من القوة إذا نهضت بها معهم عائشة ، وعرفوا ما تكنّ من الكره لخلافة عليّ ، فما زالوا يفتلون لها في الذروة والغارب حتى نهضت لما أنهضوها ، وحملت من هذه الفتنة نصيبها...».

ثمّ قال : «وأنا أقطع أنّ الأمور لم تكن لتصل إلى العاقبة السيئة الّتي رأيناها لو غابت عائشة عن فتنة الجمل ، لقد كانت السيدة لهذه الفتنة ـ من حيث لا تريد ـ روحها ، وكان مقامها فيها أقوى ما حفّز الجماهير على التطوع لها وعلى تهافتهم على الإستماتة بين يدي جمل عائشة...».

وقال : «هذا وقد أكثر لها الناصحون من اخواتها امهات المؤمنين وأصحاب رسول الله الأجلاء ، وعقلاء أهل المصرَين البصرة والكوفة ، فلم تستجب لنصح أحد ، ونفذ قضاء الله.

والله سبحانه أعفى النساء من الدخول فيما هو من شأن الرجال ، فلم يكلفهنّ سياسة ولا إدارة ولا إثارة جماهير ، ولا تجييش جيوش ، ولا تأليباً على الخلفاء ، فإن باشرن شيئاً من هذا كان ذلك هو الفتنة عينها ، وكان المجتمع حينئذٍ يعالج داءً دخيلاً في كيانه ينذر بالشر المستطير ، وسترى بعد قليل أنّ السيدة ذاتها حكمت على نفسها هذا الحكم ، ورأت أنّها أتت أمراً إدّاً لا يغتفر»(١).

______________________

(١) عائشة والسياسة / ٢٠٧.

١٧٦

فجميع هذه الأقوال تدفع ما ذكره طه حسين من تبادل الاستغفار ليسدل الستار على تلك المشاهد المروعة من القتلى والجرحى وما خلّفته الحرب من دمار. ولا غرابة إذن لو قرأنا إدانة عائشة ـ كما مرّ ـ وليس على من أدانها أيّ عتب حين يخاطبها :

فمنك البكاء ومنك العويل

ومنك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام

وقاتله عندنا من أمر

كما قال لها ذلك عمّار(١) وعلى هذا كان قول القائل :

أذنبت يا عائش في قتالك

أخالطه عافك جمّالك

فهل علينا بعد هذا إثم

اذا تركناك ومنك الظلم

وحسبنا منك أعترفت بالخطا

حين رأيت الأمر أمراً غلطا

١٩ ـ وقال محمّد بن اسحاق بن خزيمة : «عهدت مشايخنا يقولون : إنّا نشهد بأن كلّ من نازع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في خلافته فهو باغ. وبه قال ابن إدريس»(٢).

٢٠ ـ قال أبو منصور عبد القاهر البغدادي : «أجمع أهل الحقّ على صحة إمامة عليّ وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان ، وأنه كان محقاً مصيباً في التحكيم وفي قتال أصحاب الجمل وأصحاب معاوية بصفين»(٣).

______________________

(١) مروج الذهب ٢ / ٣٧١ تحـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(٢) معرفة علوم الحديث / ٨٤.

(٣) أصول الدين / ٢٨٦ ـ ٢٩٢.

١٧٧

٢١ ـ وقال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي : «وقاتل عليّ أهل البصرة يوم الجمل وقاتل معاوية بصفين وقاتل الخوارج بالنهروان ، استدل بذلك على قتال من خرج عن طاعة الإمام»(١).

٢٢ ـ وقال إمام الحرمين الجويني : «كان عليّ بن أبي طالب إماماً حقاً في توليته ومقاتلوه بغاة»(٢).

٢٣ ـ وقال الكاساني الحنفي : «قاتل سيدنا عليّ أهل حروراء بالنهروان بحضرة الصحابة تصديقاً لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لسيدنا عليّ : إنّك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل ، والقتال على التأويل هو القتال مع الخوارج ، ودل الحديث على إمامة سيدنا عليّ لأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شبّه قتال سيدنا عليّ بقتاله على التنزيل ، وكان رسول الله محقاً في قتاله على التنزيل ، فلزم أن يكون سيدنا عليّ محقاً في قتاله بالتأويل»(٣).

٢٤ ـ وقال الزيلعي : «كان الحقّ بيد عليّ في نوبته فالدليل عليه قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمّار : تقتلك الفئة الباغية ، ولا خلاف انه كان مع عليّ وقتله أصحاب معاوية ، ثمّ قال : أجمعوا على أنّ عليّاً كان مصيباً في قتال أهل الجمل وهم طلحة والزبير وعائشة ومَن معهم ، وأهل صفين وهم معاوية وعسكره»(٤).

٢٥ ـ وقال ابن مفلح الحنبلي : «كان عليّ أقرب إلى الحقّ من معاوية ، وأكثر المصنّفين في قتال أهل البغي يرى القتال من ناحية عليّ ، ومنهم من يرى الإمساك».

______________________

(١) المهذب في الفقه الشافعي ٢ / ٢٣٤ ط مصر سنة ١٣٤٣.

(٢) الإرشاد في أصول الاعتقاد / ٤٣٣.

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١٤٠ أحكام المرتدين.

(٤) نصب الراية ٤ / ٦٩ (كتاب أدب القاضي).

١٧٨

٢٦ ـ وقال ابن هبيرة في حديث أبي بكرة في ترك القتال في الفتنة أي في قتل عثمان : «فأمّا ما جرى بعده فلم يكن لأحد من المسلمين التخلف عن عليّ. ولما تخلف عنه سعد وابن عمر وأسامة ومحمّد بن مسلمة ومسروق والأحنف ندموا ، وكان عبد الله بن عمر يقول عند الموت : إنّي لم أخرج من الدنيا وليس في قلبي حسرة إلّا تخلفي عن عليّ ، وكذا روي عن مسروق وغيره بسبب تخلّفهم»(١).

٢٧ ـ وقال محمّد بن الحسن الشيباني ـ تلميذ أبي حنيفة ـ : «لو لم يقاتل معاوية عليّاً عليه‌السلام ظالماً له متعدياً باغياً كنا لا نهتدي لقتال أهل البغي»(٢).

٢٨ ـ وقال الشافعي : «السكوت عن قتلى صفين حسن ، وان كان عليّ أولى بالحقّ من كلّ من قاتله»(٣).

لقد وضعت الحرب أوزارها :

خلّفت وراءها مخلّفات كثيرة ، فإن يكن النصر قد حالف جيش الإمام ، فقد خالف بين وجهات نظر أفراده. فثمة مسائل لم يكن المسلمون قد عرفوا حكمها من قبل ، إذ لم يبتلوا بقتال أهل القبلة ، إذن كيف لهم أن يعرفوها اليوم ، وبتعبير أدّق كيف يتهضمّونها وهذه المسائل ظهرت في ثلاثة محاور :

أوّلاً : إعلان العفو العام عن الجرحى والمنهزمين وغيرهم.

ثانياً : عدم الأسرى في هذه الحرب.

ثالثاً : عدم الغنائم إلّا ما قاتلوا به وعليه.

______________________

(١) الفروع ٣ / ٥٤٢ ـ ٥٤٣.

(٢) الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية ٢ / ٢٦.

(٣) أدب الشافعي ومناقبه / ٣١٤.

١٧٩

ولسنا نعرف مثلاً لذلك في أي عصر من العصور فقد أحتج جيش عليّ لأن غنائم معركته حرمت عليه ، وقال بعضهم : أحل لنا دمهم وحرم علينا أموالهم ، ولكن عليّاً لم يلق بالاً إلى هذا الاحتجاج فقد كان يضع مبادئ عليه أن يقرّها حتى ولو صادفت احتجاجاً أو اعتراضا(١).

وهذه الثلاثة هي السيرة الّتي تعلّمها المسلمون من الإمام عليه‌السلام ولولاه لم يعرفوا أحكامها.

أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب قال : «فكفّ عليّ يده حتى بدأوه بالقتال ، فقاتلهم بعد الظهر ، فما غربت الشمس وحول الجمل عين تطرف ممّن كان يذبّ عنه. فقال عليّ : لا تتموا جريحاً ، ولا تقتلوا مدبراً ، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن»(٢).

وأخرج أيضاً بسنده عن أبي البختري قال : «لمّا انهزم أهل الجمل قال عليّ : لا يطلب عبدٌ خارجاً من المعسكر ، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم ، وليس لكم أم ولد ، والمواريث على فرائض الله ، وأي امرأة قتل زوجها فلتعتد أربعة أشهر وعشراً.

قالوا يا أمير المؤمنين : تحلّ لنا دماؤهم ولا تحلّ لنا نساؤهم ، قال : فخاصموا. فقال : كذلك السيرة في أهل القبلة ، قال : فهاتوا سهامكم وأقرعوا على عائشة فهي رأس الأمر وقائدهم. قال : ففرقوا وقالوا نستغفر الله ، قال : فخصمهم عليّ»(٣).

______________________

(١) اليمين واليسار في الإسلام / ١٢١ لأحمد عباس صالح.

(٢) المصنف لابن أبي شيبة ١٥ / ٢٨٦ ط باكستان كراتشي ، سنن البيهقي ٨ / ١٨١ ط دار الفكر فتح الباري لابن حجر ١٦ / ١٦٨ ط الحلبي بتفاوت يسير.

(٣) المصنف لابن أبي شيبة ١٥ / ٢٦٣.

١٨٠