🚖

موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ٢

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ٢

المؤلف:

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-502-3
ISBN الدورة:
964-319-500-7

الصفحات: ٣٥٨
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
📷

قال : فلمّا خرجنا من عنده دخل عليه مروان فأزاله عن رأيه ، فما لبثنا أن جاء أبي رسول عثمان بالرجوع إليه فلمّا رجع قال : يا خال أحبّ أن تؤخر النظر في الأمر الّذي ألقيت إليك حتى أرى من رأيي.

فخرج أبي من عنده ثمّ التفت إليّ فقال : يا بُني ليس إلى هذا الرجل من أمره شيء. ثمّ قال : اللّهمّ أسبق بي الفتن ولا تبقني إلى ما لا خير لي في البقاء إليه. فما كانت جمعة حتى هلك»(١).

١٠ ـ وروى الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات عن عبد الله بن عباس قال : «ما سمعت من أبي شيئاً قط في أمر عثمان يلومه فيه ولا يعذره ، ولا سألته عن شيء من ذلك مخافة أن أهجم منه على ما لا يوافقه ، فأنا عنده ليلة ونحن نتعشى إذ قيل هذا أمير المؤمنين عثمان بالباب ، فقال أئذنوا له ، فدخل فأوسع له على فراشه وأصاب من العشاء معه ، فلمّا رفع قام من كان هناك وثبتّ أنا ، فحمد الله عثمان وأثنى عليه ثمّ قال :

أمّا بعد يا خال فإني قد جئتك أستعذرك من ابن أخيك عليّ سبّني وشهر أمري وقطع رحمي وطعن في ديني ، وإني أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب إن كان لكم حقّ تزعمون أنكم غُلبتم عليه فقد تركتموه في يدي مَن فعل ذلك بكم ، وأنا أقرب إليكم رحماً منه ، وما لمت منكم أحداً إلّا عليّاً ، ولقد دعيت أن أبسط عليه فتركته لله والرحم وأنا أخاف أن لا يتركني فلا أتركه.

قال ابن عباس : فحمد أبي الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد يا بن أختي فإن كنت لا تحمد عليّاً لنفسك فإنّي لأحمدك لعليّ وما عليّ وحده قال فيك بل

_________________________

(١) أنساب الأشراف ١ ق ٤ / ٤٩٨.

٢٦١
📷

غيره ، فلو أنّك أتهمت نفسك للناس أتهم الناس أنفسهم لك ، ولو أنّك نزلت ممّا رقيت وأرتقوا ممّا نزلوا فأخذت منهم وأخذوا منك ما كان بذلك بأس.

قال عثمان : فذلك إليك يا خال وأنت بيني وبينهم. قال : أفأذكر لهم ذلك عنك ؟ قال : نعم ، وأنصرف. فما لبثنا أن قيل : هذا أمير المؤمنين قد رجع بالباب ، قال أبي : أئذنوا له فدخل فقام قائماً ولم يجلس وقال : لا تعجل يا خال حتى أوذنك. فنظرنا فإذا مروان بن الحكم كان جالساً بالباب ينتظره حتى خرج فهو الّذي ثناه عن رأيه الأوّل.

فأقبل عليَّ أبي وقال : يا بني ما إلى هذا من أمره شيء ، ثمّ قال : يا بني أملك عليك لسانك حتى ترى ما لابدّ منه. ثمّ رفع يديه فقال : اللّهمّ اسبق بي ما لا خير لي في إدراكه ، فما مرّت جمعة حتى مات رحمه‌الله»(١).

١١ ـ وروى البلاذري في أنساب الأشراف بإسناده عن صهيب مولى العباس : «ان العباس قال لعثمان : أذكّرك الله في أمر ابن عمك وابن خالك وصهرك وصاحبك مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد بلغني أنّك تريد أن تقوم به وبأصحابه. فقال : أوّل ما أجيبك به أنّي قد شفّعتك ، إنّ عليّاً لو شاء لم يكن أحد عندي إلّا دونه ولكن أبى إلّا رأيه.

ثمّ قال لعليّ : مثل قوله لعثمان فقال عليّ : لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت»(٢).

_________________________

(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ / ٣٩٧. وهذه الواقعة غير الّتي سبقتها وان عاصرتها زماناً ففي الاُولى كانت الشكوى في دار عثمان والعباس حاضر عنده. أمّا هذه فهي في دار العباس وعثمان حاضر عنده ، ولا مانع من تعدّدهما إذا عرفنا تخبّط السياسة يومئذ في معالجة مشاكل الناس وأستحواذ مروان على عثمان في تدبير أُموره.

(٢) أنساب الأشراف ١ ق ٤ / ٤٩٨ و ٤٩٩.

٢٦٢
📷

١٢ ـ روى الواقدي في كتاب الشورى عن ابن عباس رحمه‌الله قال : «شهدت عتاب عثمان لعليّ عليه‌السلام يوماً فقال له في بعض ما قاله : نشدتك الله أن تفتح للفرقة بأباً فلعهدي بك وأنت تطيع عتيقاً وابن الخطاب طاعتك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولستُ بدون واحد منهما ، وأنا أمسّ بك رحماً وأقرب إليك صهراً ، فإن كنت تزعم أنّ هذا الأمر جعله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لك ، فقد رأيناك حين توفي نازعت ثمّ أقررت ، فإن كانا لم يركبا من الأمر جَداً فكيف أذعنت لهما بالبيعة وبخعت بالطاعة ، وإن كانا أحسنا فيما وليا ولم أقصر عنهما في ديني وحسبي وقرابتي فكن لي كما كنت لهما.

فقال عليّ عليه‌السلام : أمّا الفرقة فمعاذ الله أن أفتح لها بأباً وأسهّل إليها سبيلاً ، ولكني أنهاك عمّا ينهاك الله ورسوله عنه ، وأهديك إلى رشدك. وأمّا عتيق وابن الخطاب فان كانا أخذا ما جعله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لي فأنت أعلم بذلك والمسلمون ، وما لي ولهذا الأمر وقد تركته منذ حين.

فأمّا أن لا يكون حقي بل المسلمون فيه شرع فقد أصاب السهم الثغرة ، وأمّا أن يكون حقي دونهم ، فقد تركته لهم طبت به نفساً ، ونفضت يدي عنه استصلاحاً.

وأمّا التسوية بينك وبينهما فلست كأحدهما ، إنّهما وليا هذا الأمر فطلقا أنفسهما وأهلهما عنه. وعُمتَ فيه وقومك عوم السابح في اللجة ، فارجع إلى الله أبا عمرو وانظر هل بقي من عمرك إلّا كظم الحمار فحتى متى وإلى متى ؟ ألا تنهى سفهاء بني أمية عن أعراض المسلمين وأبشارهم وأموالهم ؟ والله لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان أثمه مشتركاً بينه وبينك.

٢٦٣
📷

قال ابن عباس : فقال عثمان : لك العتبى ، وافعل وأعزل من عمالي كلّ من تكرهه ويكرهه المسلمون. ثمّ أفترقا فصدّه مروان بن الحكم عن ذلك ، وقال يجتريء عليك الناس فلا تعزل أحداً منهم»(١).

١٣ ـ وروى الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات بسنده عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام قال : «أرسل إليَّ عثمان في الهاجرة فتقنعت بثوبي وأتيته ، فدخلت عليه وهو على سريره وفي يده قضيب وبين يديه مال دثر ، صُبرتان من وَرِق وذهب. فقال : دونك خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتني ، فقلت : وصلتك رحم إن كان هذا المال ورثته أو اعطاكه معطِ أو أكتسبته من تجارة. كنتُ أحد رجلين إما آخذ وأشكر ، أو أوفر وأجهد ، وإن كان من مال الله وفيه حقّ المسلمين واليتيم وابن السبيل ، فوالله ما لك أن تعطينيه ، ولا لي أن آخذه. فقال أبيت والله إلّا ما أبيت ، ثمّ قام إليَّ بالقضيب فضربني ، والله ما رددت يده حتى قضى حاجته ، فتقنعت بثوبي ورجعت إلى منزلي ، وقلت : الله بيني وبينك إن كنت أمرتك بمعروف ونهيت عن منكر»(٢).

١٤ ـ وروى الزبير بن بكار في كتاب الموفقيات عن ابن عباس رحمه‌الله قال : «صليت العصر يوماً ثمّ خرجت فإذا أنا بعثمان في أيام خلافته في بعض أزقة المدينة وحده ، فأتيته إجلالاً وتوقيراً لمكانه ، فقال لي : هل رأيت عليّاً ؟ قلت : خلّفته في المسجد ، فإن لم يكن الآن فيه فهو في منزله. قال : أمّا منزله فليس فيه فابغه لنا في المسجد ، فتوجهنا إلى المسجد ، وإذا عليّ عليه‌السلام يخرج منه.

_________________________

(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ / ٣٩٨ ط مصر الأولى.

(٢) نفس المصدر.

٢٦٤
📷

ـ قال ابن عباس : وقد كنت أمس ذلك اليوم عند عليّ فذكر عثمان وتجرّمه عليه ، وقال : أما والله يا بن عباس أن من دوائه لقطع كلامه وترك لقائه ، فقلت له يرحمك الله كيف لك بهذا ، فإن تركته ثمّ أرسل إليك فما أنت صانع ؟ قال : أعتلّ واعتلّ فمن يضرّني ؟ قال : لا أحد ـ

قال ابن عباس : فلمّا تراء يناله وهو خارج من المسجد ظهر منه من التفات والطلب للأنصراف ما أستبان لعثمان ، فنظر إليّ عثمان وقال : يا بن عباس أما ترى ابن خالنا يكره لقاءنا ؟ فقلت : ولِمَ وحقك ألزم وهو بالفضل أعلم. فلمّا تقاربا رماه عثمان بالسلام فردّ عليه ، فقال عثمان : إن تدخل فإياك أردنا ، وإن تمض فإياك طلبنا. فقال عليّ : أيّ ذلك أحببت قال : تدخل ، فدخلا وأخذ عثمان بيده فأهوى به إلى القبلة فقصر عنها وجلس قبالتها ، فجلس عثمان إلى جانبه ، فنكصت عنهما ، فدعواني جميعاً فأتيتهما.

فحمد الله عثمان وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثمّ قال : أمّا بعد يا بني خاليّ وابنيّ عمّي فإذ جمعتكما في النداء فاستجمعكما في الشكاية على رضائي عن أحدكما ووجدي على الآخر ، إنّي أستعذركما من أنفسكما وأسألكما فيأتكما وأستوهبكما رجعتكما ، فوالله لو غالبني الناس ما أنتصرت إلّا بكما ، ولو تهضّموني ما تعززت إلّا بعزّكما ، ولقد طال هذا الأمر بيننا حتى تخوّفت أن يجوز قدره ويعظم الخطر فيه. ولقد هاجني العدو عليكما وأغراني بكما ، فمنحني الله والرحم ممّا أراد ، وقد خلونا في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلى جانب قبره ، وقد أحببت أن تظهرا لي رأيكما وما تنطويان لي عليه وتصدقا فان الصدق أنجى وأسلم وأستغفر الله لي ولكما.

٢٦٥
📷

قال ابن عباس : فأطرق عليّ عليه‌السلام وأطرقت معه طويلاً. أمّا أنا فأجللته أن أتكلّم قبله وأمّا هو فأراد أن أجيب عني وعنه ، ثمّ قلت له : أتتكلم أم أتكلم أنا عنك ؟

قال : بل تكلم عني وعنك.

فحمدت الله وأثنيت عليه ، وصليت على رسوله ثمّ قلت : أمّا بعد يا بن عمنا وعمتنا فقد سمعنا كلامك لنا وخلطك في الشكاية بيننا على رضاك ـ زعمت ـ عن أحدنا ووجدك على الآخر ، وسنفعل في ذلك فنذمّك ونحمدك ، اقتداء منك بفعلك فينا ، فانا نذمّ مثل تهمتك إيانا على ما أتهمتنا عليه بلا ثقة إلّا ظناً ، ونحمد منك غير ذلك من مخالفتك عشيرتك ، ثمّ نستعذرك من نفسك استعذارك إيانا من أنفسنا ، ونستوهبك فيأتك استيهابك إيانا فيأتنا ، ونسألك رجعتك مسألتك إيانا رجعتنا ، فإنا معاً أيّما حمدت وذممت منا كمثلك في أمر نفسك ، ليس بيننا فرق ولا اختلاف ، بل كلانا شريك صاحبه في رأيه وقوله ، فوالله ما تعلمنا غير معذّرين فيما بيننا وبينك ، ولا تعرفنا غير قانتين عليك ولا تجدنا غير راجعين اليك ، فنحن نسألك من نفسك مثل ما سألتنا من أنفسنا.

وأمّا قولك : لو غالبتني الناس ما أنتصرت إلّا بكما أو تهضّموني ما تعزّزت إلاّ بعزّكما ، فأين بنا وبك عن ذلك ونحن وأنت كما قال أخو كنانة :

بدا بخير ما رام نال وان يرم

نخض دونه غمرا من اللغر رائمه

لنا ولهم منا ومنهم على العدى

مراتب عزّ مصعدات سلالمه

وأمّا قولك في هيج العدو إياك وإغرائه لك بنا ، فوالله ما أتاك العدو من ذلك شيئاً إلّا وقد أتانا بأعظم منه فمنعناه ما أراد ما منعك من مراقبة الله والرحم ،

٢٦٦
📷

وما أبقيت أنت ونحن إلّا على أدياننا وأعراضنا ومروآتنا ، ولقد لعمري طال بنا وبك هذا الأمر حتى تخوّفنا منه على أنفسنا وراقبنا منه ما راقبت.

وأمّا مساءلتك إيانا عن رأينا فيك وما ننطوي عليه لك ، فإنا نخبرك ان ذلك إلى ما تحبّ لا يعلم واحد منا من صاحبه إلّا ذلك ، ولا يقبل منه غيره ، وكلانا ضامن على صاحبه ذلك وكفيل به ، وقد برّأت أحدنا وزكّيته وأنطقت الآخر وأسكته ، وليس السقيم منا ممّا كرهت بأنطق من البري فيما ذكرت ، ولا البري منا ممّا سخطت بأظهر من السقيم فيما وصفت ، فإما جمعتنا في الرضا وإما جمعتنا في السخط ، لنجازيك بمثل ما تفعل بنا في ذلك مكايلة الصاع بالصاع ، فقد أعلمناك رأينا وأظهرنا لك ذات أنفسنا وصدقناك ، والصدق ـ كما ذكرت ـ أنجى وأسلم ، فأجب إلى ما دعوت إليه ، وأجلل عن النقص والعذر مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وموضع قبره ، وأصدق تنج وتسلم ونستغفر الله لنا ولك.

قال ابن عباس : فنظر إليّ عليّ عليه‌السلام نظر هيبة ، وقال : دعه حتى يبلغ رضاه فيما هو فيه. فوالله لو ظهرت له قلوبنا وبدت له سرائرنا حتى رآها بعينه كما يسمع الخبر عنها بإذنه ما زال متجرّماً منتقماً ، والله ما أنا ملقى على وضمة ، وإني لمانع ما وراء ظهري ، وان هذا الكلام لمخالفة منه وسوء عشرة. فقال عثمان : مهلاً أبا حسن فوالله إنّك لتعلم ان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفني بغير ذلك يوم يقول وأنت عنده : إنّ من أصحابي لقوماً سالمين لهم وانّ عثمان لمنهم انّه لأحسنهم بهم ظناً وأنصحهم لهم حبّاً.

فقال عليّ عليه‌السلام : فصدّق قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفعلك ، وخالف ما أنت الآن عليه ، فقد قيل لك ما سمعت وهو كاف إن قبلت ، قال عثمان : تثق يا أبا الحسن ؟ قال : نعم أثق ولا أظنك فاعلاً.

٢٦٧
📷

قال عثمان : قد وثقت وأنت ممن لا يخفر صاحبه ولا يكذّب لقيله.

قال ابن عباس : فأخذت بأيديهما حتى تصافحا وتصالحا وتمازحا ، ونهضت عنهما فتشاورا وتآمرا وتذاكرا ، ثمّ افترقا : فوالله ما مرّت ثالثة حتى لقيني كلّ واحد منهما يذكر من صاحبه ما لا تبرك عليه الإبل ، فعلمت أن لا سبيل إلى صلحهما بعدها»(١).

١٥ ـ وروى الزبير بن بكار في كتاب الموفقيات عن عمه عن عيسى بن داود عن رجاله قال : «قال ابن عباس رحمه‌الله : لما بنى عثمان داره بالمدينة أكثر الناس عليه في ذلك فبلغه ، فخطبنا في يوم جمعة ثمّ صلّى بنا ثمّ عاد إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثمّ قال :

أمّا بعد فانّ النعمة إذا حدثت حدث لها حسّاد حسبها وأعداء قدرها ، وإنّ الله لم يحدث لنا نعماً ليحدث لها حسّاد عليها ومنافسون فيها ، ولكنه قد كان من بناء منزلنا هذا ما كان أرادة جمع المال فيه وضم القاصية إليه. فأتانا عن أناس منكم أنّهم يقولون أخذ فيأنا وأنفق شيأنا واستأثر بأموالنا ، يمشون خمراً ، وينطقون سراً ، كأنا غيّب عنهم ، وكأنّهم يهابون مواجهتنا ، معرفة منهم بدحوض حجتهم ، فاذا غابوا عنا يروح بعضهم إلى بعض يذكرنا ، وقد وجدوا على ذلك أعواناً من نظرائهم ومؤازرين من شبهائهم ، فبُعداً بُعداً ، ورغماً رغماً ، ثمّ أنشد بيتين كأنه يوميء فيهما إلى عليّ عليه‌السلام :

توقّد بنار أينما كنت وأشتعل

فلست ترى ممّا تعالج شافياً

تشط فيقصي الأمر دونك أهلُه

وشيكاً ولا تدعى إذا كنت نائياً

_________________________

(١) نفس المصدر ٢ / ٣٩٩.

٢٦٨
📷

ما لي ولفيئكم وأخذ مالكم ، ألست من أكثر قريش مالاً وأظهرهم من الله نعمة ؟ ألم أكن على ذلك قبل الإسلام وبعده ؟ وهبوني بنيت منزلاً من بيت المال أليس هو لي ولكم ؟ ألم أقم أموركم ، واني من وراء حاجاتكم ؟ فما تفقدون من حقوقكم شيئاً ؟ فلم لا أصنع في الفضل ما أحببت ؟ فلِمَ كنت إماماً إذاً ؟ ألا وإن من أعجب العجب انّه بلغني عنكم أنّكم تقولون : لنفعلن به ولنفعلن ، فبمن تفعلون ؟ لله آباؤكم ، أبنقد البقاع أم بفقع القاع ؟ ألست أحراكم إن دعا أن يجاب ؟ وأقمنكم إن أمر أن يطاع ؟ لهفي على بقائي فيكم بعد أصحابي ، وحياتي فيكم بعد أترابي ، يا ليتني تقدمت قبل هذا ، لكني لا أحبّ خلاف ما أحبّه الله لي عزوجل. إذا شئتم ، فانّ الصادق المصدّق محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد حدثني بما هو كائن من أمري وأمركم ، وهذا بدء ذلك وأوله ، فكيف الهرب ممّا حتم وقدّر ، أما انّه عليه‌السلام قد بشّرني في آخر حديثه بالجنة دونكم إذا شئتم فلا أفلح من ندم.

قال : ثمّ همّ بالنزول فبصر عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ومعه عمّار بن ياسر رضي‌الله‌عنه وناس من أهل هواه يتناجون فقال : أيهاً أيهاً أسراراً لا جهاراً ، أما والذي نفسي بيده ما أحنق على جرة ولا أوتى على ضعف مرة ، ولولا النظر لي ولكم والرفق بي وبكم لعاجلتكم فقد أغتررتم ، وأقلتم من أنفسكم ، ثمّ رفع يديه يدعو ويقول : اللّهمّ قد تعلم حبي للعافية فألبسنيها ، وإيثاري للسلامة فاتنيها.

قال : فتفرق القوم عن عليّ عليه‌السلام ، وقام عدي بن الخيار فقال : أتم الله عليك يا أمير المؤمنين النعمة وزادك في الكرامة ، والله لأن تُحسد أفضل من أن تحسد ، ولأن تُنافس أجل من أن تنافِس ، أنت والله في حبنا الصميم ومنصبنا الكريم ، إن دعوت أُجبت ، وأن أمرت أُطعت ، فقل نفعل وادع نجب. جُعلت الخيرة والشورى إلى أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليختاروا لهم ولغيرهم ، وانّهم ليرون مكانك

٢٦٩
📷

ويعرفون مكان غيرك ، فاختاروك منيبين طائعين غير مكرهين ولا مجبرين ، ما غيّرت ولا فارقت ولا بدّلت ولا خالفت ، فعلام يقدمون عليك ، وهذا رأيهم فيك ، أنت والله كما قال الأوّل :

اذهب إليك فما للحسود

طلابك تحت العثار

حكمتَ فما جُرت في خُلةٍ

فحكمك بالحقّ بادي المنار

فإن يسبعوك قسراً وقد

جهرتَ بسيفك كلّ الجهار

قال : ونزل عثمان فاتى منزله ، وأتاه الناس وفيهم ابن عباس فلمّا أخذوا مجالسهم أقبل على ابن عباس فقال : مالي ولكم يا بن عباس ؟ ما أغراكم بي وأولعكم بتعقّب أمري ؟ أتنقمون عليّ أمر العامة أتيت من وراء حقوقهم أم أمركم ، فقد جعلتهم يتمنون منزلتكم ، لا والله لكن الحسد والبغي وتثوير الشر وإحياء الفتن والله لقد ألقى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليَّ ذلك ، وأخبرني عن أهله واحداً واحداً ، والله ما كذبت ولا أنا بمكذوب.

فقال ابن عباس : على رسلك يا أمير المؤمنين ، فوالله ما عهدتك جَهِراً بسرّك ولا مظهراً ما في نفسك فما الّذي هيّجك وثوّرك ؟ إنا لم يولعنا بك أمر ، ولم نتعقب أمرك بشيء ، أُتيت بالكذب وتُسوّق عليك بالباطل ، والله ما نقمنا عليك لنا ولا للعامة ، قد أوتيت من وراء حقوقنا وحقوقهم ، وقضيت ما يلزمك لنا ولهم ، فأمّا الحسد والبغي وتثوير الفتن وإحياء الشرّ فمتى رضيت به عترة النبيّ وأهل بيته ، كيف وهم منه واليه ، على دين الله يثورون الشر ؟ أم على الله يحيون الفتن ؟ كلا ليس البغي ولا الحسد من طباعهم ، فاتئد يا أمير المؤمنين وأبصر أمرك وأمسك عليك ، فان حالتك الأولى خير من حالتك الأخرى ، لعمري إن كنت

٢٧٠
📷

لأثيراً عند رسول الله وإن كان ليفضي إليك بسره ما يطويه عن غيرك ولا كذبت ولا أنت بمكذوب ، أخسىء الشيطان عنك ولا يركبك ، وأغلب غضَبك ولا يغلبك ، فما دعاك إلى هذا الأمر الّذي كان منك ؟

قال : دعاني إليه ابن عمك عليّ بن أبي طالب.

فقال ابن عباس : وعسى أن يكذب مبلّغك ؟

قال عثمان : إنّه ثقة.

قال ابن عباس : إنّه ليس بثقة من بلّغ وأغرى.

قال عثمان : يا بن عباس ألله انّك ما تعلم من عليّ ما شكوت منه ؟

قال : اللّهمّ لا ، إلّا أن يقول كما يقول الناس ينقم كما ينقمون ، فمن أغراك به وأولعك بذكره دونهم ؟

فقال عثمان : إنّما آفتي من أعظم من الداء الّذي ينصب نفسه لرأس الأمر وهو عليّ ابن عمك ، وهذا والله كلّه من نكده وشؤمه.

قال ابن عباس : مهلاً أستثن يا أمير المؤمنين قل إن شاء الله.

فقال : إن شاء الله ، ثمّ قال : إنّي أنشدك يا بن عباس الإسلام والرحم فقد والله غُلبت وابتليت بكم والله لوددت أن هذا الأمر كان صار إليكم دوني ، فحملتموه عني وكنت أحد أعوانكم عليه ، إذاً والله لوجدتموني لكم خيراً ممّا وجدتكم لي. ولقد علمتُ أن الأمر لكم ولكن قومكم دفعوكم عنه وأختزلوه دونكم ، فوالله ما أدري أرفعوه عنكم ، أم رفعوكم عنه ؟

قال ابن عباس : مهلاً يا أمير المؤمنين فانا ننشدك الله والإسلام والرحم مثل ما نشدتنا أن تطمع فينا وفيك عدواً ، وتشمت بنا وبك حسوداً ، ان أمرك إليك ما

٢٧١
📷

كان قولاً ، فإذا صار فعلاً فليس إليك ولا في يديك ، وانا والله لنخالفنّ إن خولفنا ولننازعنّ إن نوزعنا ، وما تمنيك أن يكون الأمر صار إلينا دونك إلّا أن يقول قائل منا ما يقوله الناس ، ويعيب كما عابوا.

فأمّا صرف قومنا عنا الأمر فعن حسدٍ قد والله عرفته ، وبغيٍ قد والله علمتَه ، فالله بيننا وبين قومنا.

وأمّا قولك : إنّك لا تدري أرفعوه عنا أم رفعونا عنه ، فلعمري إنّك لتعرف إنّه لو صار إلينا هذا الأمر ما ازددنا به فضلاً إلى فضلنا ، ولا قدراً إلى قدرنا ، وإنا لأهل الفضل وأهل القدر ، وما فضل فاضل إلّا بفضلنا ، ولا سبق سابق إلّا بسبقنا ، ولولا هدينا ما أهتدى أحد ، ولا أبصروا من عمىً ولا قصدوا من خور.

فقال عثمان : حتى متى يا بن عباس يأتيني عنكم ما يأتيني ، هبوني كنت بعيداً ما كان لي من الحقّ عليكم أن أراقب وأن أناظر ، بلى ورب الكعبة ، ولكن الفرقة سهّلت لكم القول فيّ وتقدّمت لكم إلى الإسراع إليَّ والله المستعان.

قال ابن عباس : مهلاً حتى ألقى عليّاً ثمّ أحمل إليك على قدر ما أرى.

قال عثمان : افعل فقد فعلت ، وطالما طلبت فلا أطلب ولا أجاب ولا أعتب.

قال ابن عباس : فخرجت فلقيت عليّاً وإذا به من الغضب والتلظي أضعاف ما بعثمان ، فأردت تسكينه فأمتنع ، فأتيت منزلي وأغلقت بابي وأعتزلتهما. فبلغ ذلك عثمان فأرسل إليَّ فأتيته وقد هدأ غضبه ، فنظر إليّ ثمّ ضحك وقال : يا بن عباس ما أبطأ بك عنا ؟ إنّ تركك العَود إلينا لدليل على ما رأيت عند صاحبك ، وعرفت من حاله فالله بيننا وبينه خذ بنا في غير ذلك.

٢٧٢
📷

قال ابن عباس : فكان عثمان بعد ذلك إذا أتاه عن عليّ فأردت التكذيب عنه يقول : ولا يوم الجمعة أبطأت عنا وتركتَ العود إلينا ، فلا أدري كيف أردّ عليه ... اهـ»(١).

١٦ ـ وروى الزبير بن بكار أيضاً في الموفقيات عن ابن عباس رحمه‌الله قال : «خرجت من منزلي سحراً أسابق إلى المسجد وأطلب الفضيلة فسمعت خلفي حساً وكلاماً فتسمعته فإذا حس عثمان وهو يدعو ولا يرى أنّ أحداً يسمعه ويقول : اللّهمّ قد تعلم نيّتي فأعنّي عليهم ، وتعلم الذين أبتليت بهم من ذوي رحمي وقرابتي فأصلحني لهم وأصلحهم لي.

قال : فقصّرت من خطوتي واسرع في مشيته فألتقينا فسلّم فرددت عليه. فقال : انّي خرجت ليلتنا هذه أطلب الفضل والمسابقة إلى المسجد ، فقلت : إنّه أخرجني ما أخرجك ، فقال : والله لئن سابقت إلى الخير انّك لمن سابقين مباركين ، وإنّي لأحبكم وأتقرب إلى الله بحبكم.

فقلت : يرحمك الله يا أمير المؤمنين إنا لنحبّك ونعرف سابقتك وسنّك وقرابتك وصهرك.

قال : يا بن عباس فما لي ولأبن عمك وابن خالي ، قلت : أي بني عمومتي وبني أخوالك ؟ قال : اللّهم غفراً تسأل مسألة الجاهل ، قلت : إنّ بني عمومتي من بني خؤلتك كثير فأيهم تعني ؟ قال : أعني عليّاً لا غيره. فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ما أعلم منه إلّا خيراً ولا أعرف له إلّا حسناً.

قال : والله بالحري أن يستر دونك ما يظهره لغيرك ، ويقبض عنك ما يبسط به إلى سواك.

_________________________

(١) نفس المصدر.

٢٧٣
📷

قال : ورمينا بعمّار بن ياسر فسلّم فرددت عليه سلامه ثمّ قال : من معك ؟ قلت أمير المؤمنين عثمان. قال نعم وسلّم بكنيته ولم يسلّم عليه بالخلافة فردّ عليه.

ثمّ قال عمّار : ما الّذي كنتم فيه فقد سمعت ذرواً منه ؟ قلت : هو ما سمعت ، فقال عمّار : رب مظلوم غافل وظالم متجاهل. قال عثمان : أما إنّك من شناتنا وأتباعهم ، وأيم الله إنّ اليد عليك منبسطة ، وإنّ السبيل إليك لسهلة ، ولولا إيثار العافية ولمّ الشعث لزجرتك زجرة تكفي ما مضى وتمنع ما بقي.

فقال عمّار : والله ما أعتذر من حبي عليّاً وما اليد بمنبسطة ولا السبيل بسهلة ، إنّي لازم حجة ومقيم على سنّة ، وأمّا إيثارك العافية ولمّ الشعث فلازم لك ذلك ، وأمّا زجري فأمسك عنه فقد كفاك معلّمي تعليمي.

فقال عثمان : أما والله إنّك ما علمت من أعوان الشر الحاضين عليه الخذلة عند الخير والمثبطين عنه.

فقال عمّار : مهلاً يا عثمان فقد سمعتَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصفني بغير ذلك.

قال عثمان : ومتى ؟

قال يوم دخلت عليه منصرفه عن الجمعة وليس عنده غيرك وقد ألقى ثيابه وقعد في فضله فقبّلت صدره ونحره وجبهته.

فقال : يا عمّار إنّك لتحبّنا وإنا لنحبّك ، وانك لمن الأعوان على الخير المثبّطين عن الشرّ.

فقال عثمان : أجل ولكنك غيّرت وبدّلت.

قال : فرفع عمّار يده يدعو وقال : أمّن يا بن عباس : اللّهم مَن غيّر فغيّر به. ثلاث مرات.

٢٧٤
📷

قال : ودخلنا المسجد ، فأهوى عمّار إلى مصلاه ومضيت مع عثمان إلى القبلة فدخل المحراب وقال : تلبث عليّ إذا أنصرفنا .. فلمّا رآني عمّار وحدي أتاني فقال : أما رأيت ما بلغ بي آنفاً.

قلت : أما والله لقد أصعبتَ به وأصعب بك وان له لسنّه وفضله وقرابته.

قال : إنّ له ذلك ، ولكن لا حقّ لمن لا حقّ عليه. وانصرف ، وصلّى عثمان وأنصرفت معه يتوكأ عليّ. فقال : هل سمعت ما قال عمّار ؟ قلت : نعم فسرّني ذلك وساءني ، أمّا مساءته اياي فما بلغ بك وأمّا مسرّته لي فحملك واحتمالك. فقال : انّ عليّاً فارقني منذ أيام على المقاربة ، وان عماراً آتيه فقائل له وقائل ، فابدره إليه فإنّك اوثق عنده منه وأصدق قولاً فألق الأمر إليه على وجهه. فقلت : نعم وأنصرفت أريد عليّاً عليه‌السلام في المسجد فإذا هو خارج منه ، فلمّا رآني تفجّع لي من فوت الصلاة وقال : ما أدركتها ؟ قلت : بلى ولكني خرجت مع أمير المؤمنين ، ثمّ أقتصصت عليه القصة.

فقال : أما والله يا بن عباس إنّه ليقرف قرحة ليحورنّ عليه ألمها.

فقلت : إن له سنّه وسابقته وقرابته وصهره.

قال : إن ذلك له ولكن لا حقّ لمن لا حقّ عليه. قال : ثمّ رهقنا عمّار فبشّ به عليّ وتبسّم في وجهه وسأله ، فقال عمّار : يا بن عباس هل ألقيت إليه ما كنا فيه ؟ قلت : نعم ، قال : أما والله إذاً لقد قلت بلسان عمّار ونطقت بهواه. قلت : ما عدوت الحقّ جهدي ، ولا ذلك من فعلي وانك لتعلم أيّ الحظين أحبّ إليَّ ، وأيّ الحقين أوجب عليّ.

قال : فظن عليّ انّ عند عمّار غير ما ألقيت إليه ، فأخذ بيده وترك يدي ، فعلمت إنّه يكره مكاني فتخلّفت عنهما وأنشعب بنا الطريق فسلكاه ولم يدعني ،

٢٧٥
📷

فأنطلقت إلى منزلي ، فاذا رسول عثمان يدعوني فأتيته ، فأجد ببابه مروان وسعيد ابن العاص في رجال من بني أمية ، فأذن لي وألطفني وقرّبني وأدنى مجلسي ثمّ قال : ما صنعت ؟ فأخبرته الخبر على وجهه وما قال الرجل وقلت له وكتمته قوله إنّه ليقرف قرحة ليحورنّ عليه ألمها ، إبقاءً عليه وإجلالاً له ، وذكرت مجيء عمّار وبشّ عليّ له وظن عليّ أن قِبلَه غير ما ألقيت عليه ، وسلوكهما حيث سلكا. قال : وفعلا ؟ قلت : نعم. فأستقبل القبلة ثمّ قال : اللّهم ربّ السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أصلح لي عليّاً وأصلحني له ، أمّن يا بن عباس ، فأمّنت ، ثمّ تحدثنا طويلاً وفارقته وأتيت منزلي ... اهـ»(١).

١٧ ـ ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة وابن عبد ربه في العقد الفريد : «وكان عليّ كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان أرسل أبنه الحسن إليه ، فلمّا أكثر عليه قال له : إنّ أباك يرى أنّ أحداً لا يعلم ما علم ، ونحن أعلم بما نفعل ، فكفّ عنّا ، فلم يبعث عليّ ابنه في شيء بعد ذلك.

وذكروا انّ عثمان صلّى العصر ثمّ خرج إلى عليّ يعوده في مرضه ومروان معه ، فرآه ثقيلاً ، فقال : أما والله لولا ما أرى منك ما كنت أتكلم بما أريد أن أتكلّم به ، والله ما أدري أيّ يوميك أحبّ إليَّ أو أبغض ؟ أيوم حياتك ؟ أو يوم موتك ؟ أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتاً يعدّك كهفاً ، ويتخذك عضداً ، ولئن متّ لأفجعنّ بك ، فحظّي منك حظّ الوالد المشفق من الولد العاقّ ، إن عاش عقّه ، وان مات فجعه ، فليتك جعلت لنا من أمرك لنا علماً نقف عليه ونعرفه ، إما صديق مسالم ، وإما عدو مُعاني ، ولا تجعلني كالمختنق بين السماء والأرض ، لا يرقى بيد

_________________________

(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ / ٣٩٦.

٢٧٦
📷

ولا يهبط برجل ، أما والله لئن قتلتك لا أصيب منك خَلَفاً ، ولئن قتلتني لا تصيب مني خلفاً ، وما أحب أن أبقى بعدك.

قال مروان : إي والله وأخرى إنّه لا ينال ما وراء ظهورنا حتى تكسّر رماحنا وتقطع سيوفنا ، فما خير العيش بعد هذا. فضرب عثمان في صدره وقال : ما يدخلك في كلامنا ؟

فقال عليّ : إنّي والله في شغل عن جوابكما ولكني أقول كما قال أبو يوسف (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)»(١).

١٨ ـ ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد : وقال عبد الله بن العباس : أرسل إليّ عثمان فقال لي : إكفني ابن عمك. فقلت : إن ابن عمي ليس بالرجل يُرى له ولكنه يرى لنفسه فأرسلني إليه بما أحببت. قال : قل له فليخرج إلى ما له بينبع فلا أغتمّ به ولا يغتمّ بي ، فأتيت عليّاً فأخبرته ، فقال : ما اتخذني عثمان إلّا ناضحاً ثمّ أنشد يقول :

فكيف به أنّى أداوي جراحَه

فيَدوى فلا مُلّ الدواء ولا الداء

أما والله أنّه ليختبر القوم ، فأتيت عثمان فحدثته الحديث كلّه إلّا البيت الّذي أنشده وقوله أنّه ليختبر القوم. فأنشد عثمان :

فكيف به أنّى أداوي جراحَه

فيَدوى فلا مُلّ الدواء ولا الداء

وجعل يقول : يا رحيم أنصرني ، يا رحيم أنصرني.

قال : فخرج عليّ إلى ينبع فكتب إليه عثمان حين أشتد الأمر : أمّا بعد فقد بلغ السيل الزُبى ، وجاوز الحزام الطبيين ، وطمع فيّ من كان يضعف عن نفسه.

_________________________

(١) الإمامة والسياسة ١ / ٣٠ ، والعقد الفريد ط لجنة التاليف والترجمة والنشر بمصر ، والآية من سورة يوسف / ١٨.

٢٧٧
📷

فإنّك لم يفخر عليك كفاخر

ضعيف ولم يغلبك مثلُ مغلّبِ

فأقبل إليَّ على أيّ أمر يك أحببت ، وكن لي أم عليّ ، صديقاً كنت أم عدواً :

فإن كنت مأكولا فكن خير آكل

وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق(١)

١٩ ـ روى الشريف الرضي في نهج البلاغة قال : «ومن كلام له عليه‌السلام قال لعبد الله بن عباس وقد جاءه برسالة من عثمان وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس بأسمه للخلافة ، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل. فقال عليه‌السلام :

يا بن عباس ما يريد عثمان إلّا أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغَرب ، اقبل وأدبر ، بعث إليَّ أن أخرج ثمّ بعث إليَّ أن أقدم ، ثمّ هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج ، والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً»(٢).

مظاهر الحب والبغض بين قريش وبين بني هاشم :

لا شك أن الحبّ والبغض لهما من المظاهر ما لا يخفى أثره مهما حاول صاحبهما الكتمان ومنها الرضا والسخط ، كما أن لهما نوازع نفسية تدفع بصاحبها إلى تلك المظاهر.

_________________________

(١) العقد الفريد ٤ / ٣٠٩.

وجاء في أنساب الأشراف ١ ق ٤ / ٥٦٨ تحـ إحسان عباس بيروت عن يحيى بن سعيد قال : كان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار فبعث عثمان عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب إلى عليّ بهذا البيت. وذكر في حديث أبي مخنف قال صلّى عليّ بالناس يوم النحر وعثمان محصور فبعث عثمان ببيت المزق ... وسيأتي تمام الحديث في محله.

(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد ٣ / ٢٨٢ ط مصر الأولى.

٢٧٨
📷

فمن كانت نوازعه خيّرة كانت مظاهره كذلك تدعو إلى الخير ـ والعكس بالعكس ـ.

وإذا أردنا أن نعرف مدى صحة ذلك عند بني هاشم وسائر الناس ومنهم قريش ، نجد لبني هاشم ضوابط أخلاقية من قبل الإسلام حددتها وثيقة حلف المطيبين ووثيقة حلف الفضول ، وزادت في توثيق عراها تعاليم الإسلام الّتي جاءهم بها النبيّ الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو منهم ، فكانت موازين الحبّ والبغض ـ كما في حديث ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً ـ قال : «عادِ في الله ، ووالِ في الله. فإنّه لا ينال ولاية الله إلّا بذاك ، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك»(١) ، وعلى ضوء ذلك كانت مظاهر حبّهم وسخطهم.

أمّا عن قريش سواء الحاكمين منهم والمحكومين ، عدا بني المطلب ـ كما مرّ ويأتي ، فإنّهم كانوا وبني هاشم يداً واحدة في الجاهلية وفي الإسلام ـ فإنّهم كانوا يبغضون بني هاشم بدءاً من الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومروراً بأقرب الناس إليه وانتهاءً بأحفاده وذراريه من بعده.

فالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاحب الخلق الرفيع آذوه في بدء الدعوة ولم يقف أذاهم حتى يوم وفاته ، وما حديث الكتف والدواة وبعث أسامة ولعن من تخلّف عنه من القارئ ببعيد.

ومع ذلك كلّه فقد كان يريدهم أن يكونوا كما أراد الله يسيروا على هديه فتركهم وسائر أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. فهو لهم من الناصحين ، ولكن قريشاً لا تحب الناصحين.

_________________________

(١) كنز العمال ١ / ٢٨٨ ط مؤسسة الرسالة في حلب.

٢٧٩
📷

ثمّ عليّ عليه‌السلام كذلك أحبّ لهم ما أحبّه لهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكنهم ما أحبّوه بل أبغضوه ، ولهم تبريرات سيأتي ذكرها ، وخذ بعدُ سائر وجوه بني هاشم كالعباس وابنه عبد الله وأضرابهما ، ممن أحبّوا لقريش الخير ولكن قريش كانت تكنّ لهم بغضها ، وتظهره حين توافيها الفرصة. فيعمل ذلك في تبدّل المظاهر ، فيكون السخط وتكون النقمة. والآن لابدّ لنا من معرفة دور الهاشميين في أيام عثمان من أحداثه ، فهو واحد من القرشيين ، وهو واحد من الخالفين فهل كان عليّ من الساخطين ومع الساخطين ؟

وهل كانت كذلك بقية الهاشميين ؟

سؤال يفرض نفسه حين نقرأ تناقضات قرشية مبعثرة هنا وهناك. وللإجابة على السؤال علينا أن نقرأ بعض ما مرّ في حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حول الموضوع ، فانّه من ذلك اليوم معه تجذرت الأصول ثمّ تنامت مع الزمن الفروع ، فأثمرت مُرّاً بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ولم يزل أهل البيت يتجرعون مرارة الإقصاء عن مراتبهم الّتي رتبهم الله فيها ، مع ما كان عليه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عطف وحنان على جميع الأمة وقريش منها ، ثمّ هو الّذي فضّلهم على سائر العرب. فكانوا يفخرون بذلك ، لكن قريشاً تأبى أن تخضع لبني هاشم فتقرّ لهم بالفضل عليهم. فإلى تلك النصوص :

أخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن عبد الله بن حارثة انّه قال : «لمّا قدم صفوان بن أمية بن خلف الجمحي قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (على من نزلتَ يا أبا وهب) ؟ قال : نزلت على العباس بن عبد المطلب.

قال : (نزلت على أشدّ قريش لقريش حبّاً)»(١).

_________________________

(١) طبقات ابن سعد ٤ ق ١ / ١٥.

٢٨٠