🚖

موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ٢

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

موسوعة عبد الله بن عبّاس - ج ٢

المؤلف:

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-502-3
ISBN الدورة:
964-319-500-7

الصفحات: ٣٥٨
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
📷

يصطحبه حتى في أسفاره وكان ابن عباس يوافيه في ليله ونهاره. وربما سَمّر عنده كما في المحاورة رقم (٧) من صفحة إحتجاجاته.

الحبر مع عمر في أسفاره :

والآن إلى معرفة شيء عن صحبتهما في السفر ، لأن السفر محكّ أخلاق الرجال ، فربّ أخوين متقاربَين حَضَرا يصطحبان في السفر يختلفان فيعودان متباعدَين. ورب بعيدَين حَضَرا جمع بينهما السفر فاصطحبا وأئتلفا فعادا متآخيَين ، وكلما طال السفر ظهرت دخائل النفوس أكثر ، ومهما تكرّر السفر تبيّن حال المتصاحبَين أظهر.

وإنّ صحبة ابن عباس لعمر في السفر طالت وتكررت ، لكثرة أسفار عمر للحج وللشام ، وخلال قراءة ما جرى بينهما في تلك الأسفار ، لم نجد تغييراً في الطباع فهما في السفر كما هما في الحضر. فربما أشتدّ أحدهما على الآخر حتى يُظنّ أن لا تلاقي بعده. وربّما لان وأطمأن أحدهما للآخر فباح له بسرّه وبثـّه ما يجده في نفسه.

أمّا أسفار عمر إلى الحجّ فانه حجّ بالناس جميع سنيّ خلافته إلا السنة الأولى فقد حجّ بالناس عبد الرحمن بن عوف بأمره. ولا يصح ما في الرياض النضرة من انه حج جميع سنيّه إلّا سنتين متواليتين(١). كما لا يصح ما في نور الأبصار عن ابن عباس قال : «حججت مع عمر احدى عشرة حجة ، إلّا أن يكون قد حج واحدة معه قبل ولايته»(٢).

_________________________

(١) الرياض النضرة ٢ / ٧٧.

(٢) نور الأبصار للشبلنجي / ٦٠ ط الميمنية سنة ١٣١٢ هـ.

١٠١
📷

قال ابن عمر : استعمل عمر على الحج عبد الرحمن بن عوف في السنة الّتي ولي فيها فحج بالناس ، ثم حجّ سنيّه كلها بعد ذلك بنفسه(١) ، وكانت تلك عشر حجج من سنة ١٤ هـ حتى سنة ٢٣ هـ وهي سنة مقتله كما أنه أعتمر في خلافته ثلاث مرات في رجب سنة ٢٠ هـ و ٢١ هـ و ٢٢ هـ(٢).

وفي إحدى سفرات الحج الأوائل كان سؤال ابن عباس عن المرأتين اللتين تظاهرا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التفسير (سورة المتحرم) بسنده عن ابن عباس رضي‌الله‌عنه يحدث أنه قال : «مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً فخرجت معه فلمّا رجعت وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له فوقفت له حتى فرغ ثم سرت معه فقلت يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أزواجه ؟ فقال : تلك حفصة وعائشة ، فقلت والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك ، قال : فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فاسألني فان كان لي علم خبرتُك به»(٣). ثم استمر عمر يحدّثه عن حالة المرأة في الجاهلية وما أنعم الله به عليها في الإسلام والحديث طويل فيه قصة حفصة وعائشة بالتفصيل(٤).

_________________________

(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٧٩ ط دار المعارف ، وقارن طبقات ابن سعد ٣ ق ١ / ٥٠٣ ط ليدن.

(٢) أنظر الطبقات لابن سعد ٣ ق ١ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤.

(٣) صحيح البخاري ٦ / ١٥٦ ط بولاق وقد سمى البخاري (سورة التحريم) سورة المتحرم كما ذكرنا أعلاه.

(٤) سيأتي مزيد تحقيق حول هذا الحديث في الحلقة الثانية (تاريخه العلمي) هل أخذ ابن عباس في التفسير من عمر ؟ قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية : (وفي ضمن هذين التمثيلين تعريض باُمي المؤمنين وهما حفصة وعائشة لما فرط منهما واتخذا بدلهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر) تفسير الرازي ٣٠ / ٤٩ ونحوه في روح المعاني للألوسي ٢٨ / ١٦٣.

١٠٢
📷

أمّا عن سفراته إلى الشام فقد سافر مع عمر أربع مرات ، وهي كما يلي :

قال الطبري : «وجميع ما خرج عمر إلى الشام أربع مرات ، فأمّا الأولى فعلى فرس ، وأمّا الثانية فعلى بعير ، وأمّا الثالثة فقصّر عنها لأن الطاعون مستعر ، وأمّا الرابعة فدخلها على حمار ، فاستخلف عليها وخرج»(١).

أمّا الأولى : فكانت سنة ١٥ هـ وذلك لفتح بيت المقدس ، فخرج معه كثير من المهاجرين والأنصار حتى انتهى إلى الجابية ، وكان قد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بها ليوم سمّاه لهم ، فتلقـّوه وقد ظهرت عليهم الإثرة فلبسوا الديباج والحرير ، فلمّا رآهم عمر نزل عن فرسه ورماهم بالحجارة وقال : سرَع ما لـُفتـّم عن رأيكم ، إياي تستقبلون في هذا الزيّ ، وإنما شبعتم منذ سنتين ، سرَع ما ندّت بكم البطنة ...

وفي هذه المرّة طلب ابن عباس ليلة فأتي به فشكا إليه تخلّف عليّ بن أبي طالب عنه. قال ابن عباس : فقلت له : أو لم يعتذر إليك ؟ قال : بلى ، قلت : هو ما أعتذر به.

قال ـ ابن عباس ـ ثم أنشأ يحدثني فقال : إنّ أول من راثكم(٢) عن هذا أبو بكر ، إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة.

قال أبو الفرج الأصبهاني : «ثم ذكر قصة طويلة ليس من هذا الباب فكرهت ذكرها» (؟)(٣). ولا غرابة من أبي فرج الأموي الهوى والولاء الخائن المائن أن يحذف ما له مساسٌ بالخلافة تتمة لما جرى من كلام بين عمر وابن عباس ، ظناً منه أنه بتركه ذكر تمام القصة الطويلة ـ على حد تعبيره ـ ستر ما

_________________________

(١) تاريخ الطبري ٤ / ١٥٨ ط الحسينية ، ٣ / ٦٠٧ ط دار المعارف محققة.

(٢) راث بالأمر أبطأ به من التريث.

(٣) الأغاني ٩ / ٣٩ ط الساسي ، وشرح النهج لابن أبي الحديد ٤ / ٤٩٧ ط مصر الأولى.

١٠٣
📷

جرى ، ولم يفطن إلى أنّ ما ذكره من قول عمر : أول من راثكم عن هذا ـ أمر الخلافة ـ أبو بكر ، هو كاف في الدلالة على مضمون الحذف لمن ألقى السمع وهو شهيد.

وأمّا الثانية : فكانت سنة ١٧ هـ خرج عمر مغيثاً لأبي عبيدة بن الجراح حيث قصده الروم ومعه المسلمون بحمص فكتب إلى عمر يستنجده ، فخرج ومعه جمع من المسلمين وكان راكباً على بعير ـ كما قاله الطبري في تاريخه وزيني دحلان في سيرته ـ ولمّا وصل الجابية أتاه الخبر بالفتح وقدوم المدد عليهم(١).

وفي هذه المرّة كان حديث ابن عباس قال : خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته ، فانفرد يوماً يسير على بعيره فاتبعته ، فقال لي يا بن عباس أشكو إليك ابن عمك سألته أن يخرج معي فلم يفعل ، ولم أزل أراه واجداً فيم تظن موجدته ؟ قلت : يا أمير المؤمنين إنك لتعلم. قال : أظنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة ، قلت : هو ذاك إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد الأمر له. فقال : يا بن عباس وأراد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأمر له فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ؟

إنّ رسول الله أراد ذلك وأراد الله غيره ، فنفذ مراد الله ولم ينفذ مراد رسوله ، أو كلّ ما أراد رسول الله كان ؟

وهذه المحاورة مرّ شرح هذا القسم منها في حديث الكتف والدواة ، كما ستأتي بتمامها في صفحة احتجاجاته في الحلقة الثانية مع ذكر مصادرها.

وأمّا الثالثة : فكانت سنة ١٨ هـ خرج إلى الشام غازياً وكان راكباً على بغل وكان معه ابن عباس أيضاً حتى إذا وصل إلى سرغ ـ موضع في طريق الشام بين

_________________________

(١) تاريخ الطبري ٤ / ١٩٩ ط الحسينية حوادث سنة ١٧. وفي الفتوحات الاسلامية لزيني دحلان ١ / ٤٥ في حوادث سنة ١٨.

١٠٤
📷

المغيثة وتبوك ـ لقيه أمراء الأجناد وفيهم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة فأخبروه بالوباء وشدّته.

فدعا عمر بابن عباس وقال : اجمع لي المهاجرين الأولين. قال ابن عباس : فجمعتهم له فاستشارهم فاختلفوا عليه ـ وذكر شيئاً من أقوالهم ـ فلمّا رأى عمر اختلافهم قال : قوموا عني. ثم قال : اجمع لي الأنصار فجمعتهم له فاستشارهم فسلكوا طريق المهاجرين ، فكأنما سمعوا ما قالوا فقالوا مثله. فلمّا أختلفوا عليه ، قال : قوموا عني ، ثم قال : اجمع لي مهاجرة الفتح من قريش فجمعتهم له فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم اثنان وقالوا : ارجع بالناس فإنّه بلاء وفناء.

فقال عمر : يا بن عباس اخرج في الناس فقل : إنّ أمير المؤمنين يقول لكم إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. فأصبح عمر على ظهر وأصبح الناس عليه ، فلمّا اجتمعوا عليه قال : أيها الناس إنّي راجع فارجعوا ، ثم رجع إلى المدينة(١).

وفي هذه المرّة ـ فيما أظن قوياً ـ كان حديث ابن عباس مع عمر حيث يقول : كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة وعمر على بغل وأنا على فرس. فقرأ عمر آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب ، فقال : أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر.

فقال ابن عباس : فقلت في نفسي لا أقالني الله إن أقلته ، فقلت : أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين وأنت وصاحبك اللذان وثبتما وانتزعتما وأفرغتما الأمر منا دون الناس ؟!

فقال : إليكم يا بني عبد المطلب ، أمّا إنكم أصحاب عمر بن الخطاب ، فتأخرت وتقدم هنيهة فقال : سر لا سرتَ ، وقال : أعد عليّ كلامكَ. فقلت : إنّما

_________________________

(١) نفس المصدر.

١٠٥
📷

ذكرت شيئاً فرددت عليه ولو سكتّ سكتنا. وستأتي المحاورة بتمامها في صفحة احتجاجاته في الحلقة الثانية مع ذكر مصادرها.

وأمّا الرابعة : فقد كانت بعد شهور من الطاعون الّذي أهلك خلقاً كثيراً ، ولمّا أرتفع الوباء والبلاء كتب أمراء الأجناد إلى عمر فيما بأيدهم من الأسلاب والمواريث فخرج ومعه ابن عباس أيضاً ، فدخل الشام على حمار له فقسّم المواريث والأرزاق وسدّ فروج الشام ورجع إلى المدينة في ذي القعدة(١) وقيل في ذي الحجة. وفي هذه السفرة كان العباس أيضاً قد خرج معه وله وصية يوصي بها عمر تنبئ عن غمز في سلوكية الحاكم قال له : أربعٌ من عمل بهنّ استوجب العدل : الأمانة في المال ، والتسوية في القِسمَ ، والوفاء بالعدة ، والخروج من العيوب ، نظـّف نفسك وأهلك(٢) فهذه الوصية لا تخلو من أيماءة غمز ونقد لتصرفات عمر.

ولابن عباس محاورة مع عمر في بعض أسفاره ـ ولعلها في أحدى سفرات الشام أيضاً ـ أخرجها الطبري عن ابن عباس قال : «خرجتُ مع عمر في بعض أسفاره فإنا لنسير ليلة وقد دنوت منه إذ ضرب مقدّم رحله بسوطه وقال :

كذبتم وبيت الله يُقتَل أحمدٌ

ولما نطاعِن دونه ونناضل

ونُسلمهُ حتى نصرَعَ حولَه

ونَذهَل عن ابنائنا الحلائل(٣)

ثم قال : استغفر الله ، ثم سار فلم يتكلم قليلاً ، ثم قال :

وما حملت من ناقة فوق رحلها

أبرّ وأوفى ذمةً من محمّد

_________________________

(١) نفس المصدر.

(٢) تاريخ الطبري ٤ / ٢٠٣ ط الحسينية ، و ٤ / ٦٤ ط محققة.

(٣) ديوان أبي طالب / ١١٠ بتفاوت.

١٠٦
📷

وأكسى لبُرد الخال قبل ابتذاله

وأعطى لرأس السابق المتجرّد(١)

ثم قال : استغفر الله يا بن عباس ما منع عليّاً من الخروج معنا ؟

قلت لا أدري ، قال : يا بن عباس أبوك عم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنت ابن عمه فما منع قومكم منكم ؟ قلت لا أدري ، قال : لكني أدري ، يكرهون ولايتكم (!) قلت : لِم ؟ ونحن لهم كالخير ، قال : اللّهمّ غفراً يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة ، فيكون بجحا بجحا(٢) لعلكم تقولون : أنّ أبا بكر فعل ذلك ، لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره ، ولو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم ، انشدني لشاعر الشعراء زهير قوله :

إذا ابتدرت قيس بن عيلان غايةً

من المجد من يسبق إليها يسوّد(٣)

فأنشدته وطلع الفجر فقال : اقرأ (الواقعة) فقرأتها ، ثم نزل فصلى وقرأ بالواقعة»(٤).

والآن وقد تبيّن بعد هذه القراءة فيما مرّ من النصوص أن العلاقة بين الرجلين كانت علاقة قوية ، دلت على قوة الحضور الفاعل والمؤثـّر لشخصية حبر الأمة لدى عمر بن الخطاب ، فهو عنده ومعه في الحضر والسفر ، بدءاً من مجلس الشورى الّذي يضم أشياخ الصحابة ومعهم ابن عباس وهو في سنّ أبنائهم ، ومروراً بحضوره المتكرّر في بيته ، فتارة يدخل عليه وقد ألقي له صاع

_________________________

(١) نسب الشعر إلى عدة شعراء قاربوا العشرة سيأتي ذكرهم مع المصادر في الحلقة الثالثة في احتجاجات ابن عباس مع عمر ، وقد قيل في البيت الأول هـو أصدق بيت قالته العرب.

(٢) البجح التعاظم والفخر.

(٣) ديوان زهير بشرح ثعلب / ٢٣٤ ط مصر.

(٤) تاريخ الطبري ٤ / ٢٢٢ ط محققة.

١٠٧
📷

من تمر يأكل منه كما مرت الإشارة إليه ، وأخرى يسهر عنده ليلاً ، وثالثة يستدعيه عمر ليلاً يصطحبه لبعض نواحي المدينة لحراستها ، وطوراً يأخذ معه إلى العالية ، أو مماشاته في سكك المدينة ، وانتهاءً بيوم مقتل عمر وقوة العلاقة لا تغيّر الثوابت.

لم تغيّر العلاقة الوطيدة في ثوابت الطرفين شيئا :

فلقد قرأنا كثيراً من الشواهد على عمق الصلة بين عمر وابن عباس ، ولكن لم يغير ذلك الاتصال الوثيق شيئاً من الثوابت عند الطرفين ، فكان في نفس كلّ منهما مرتكزات ثابتة لم تتغير بشيء من المواقف الظاهرة ، بل وربّما طفحت بعض آثارها عند ساعة غضبٍ أو إثارة استفزاز.

فموقف عمر أزاء بني هاشم ـ ومنهم ابن عباس ـ لم يزل هو موقفه الأوّل وهو موقفه الأخير ، وهو استبعاد بني هاشم عن مراكز القوة في الدولة الإسلامية. بل وحتى مجرد الترشيح كما سنرى ذلك. كما أن موقف ابن عباس ـ وبني هاشم مثله ـ لم يزل هو موقفهم الأوّل والأخير يرون أنّهم أصحاب الحق في الخلافة ، وأن قريشاً ـ ومنهم عمر ـ اغتصبت حقهم.

وإذا تأملنا في تاريخ عمر أيام ولايته الّتي جاوزت عقداً من الزمن لا نجده فضّل أحداً على بني هاشم في العطاء ، كما نجد منه أحياناً وابلاً من الإطراء لهم والثناء عليهم ، ولكن كلّ ذلك لا يعني تغيير شيء من الثوابت عنده وما ذلك ـ إن صح التعبير ـ إلّا بعواطف نواشف أزاء ما هو الخلاف عليه وفيه ، إذ ليس لها أي تأثير على الصعيد العملي. فهو لم يرشّح أيّ إنسان منهم لأمر ولاية أو قيادة جيش أو سرية ، وحسبنا من حديثه ما ذكره محمّد بن سليمان : أن عمر سئل عن استعماله المؤلفة قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء ، وإعراضه عن تولية عليّ

١٠٨
📷

والعباس والزبير وطلحة. فقال : أمّا عليّ فأنبه من ذلك ، وإنما هؤلاء النفر من قريش ، فإنّي أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها الفساد (؟)(١) ، مع أنّ عمر كان يستعمل المنافق والفاجر ويقول استعين بقوته(٢) وثمة ما هو أصرح مقالة وأوضح دلالة. وذلك قول عمر لأصحاب الشورى روحوا إليَّ ، فلمّا نظر إليهم قال : قد جاءني كلّ واحد منهم يهزّ عفريته يرجو أن يكون خليفة ، أمّا أنت ياطلحة أفلست القائل إن قبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنكح أزواجه من بعده فما جعل الله محمّداً أحق ببنات أعمامنا منّا ، فأنزل الله تعالى فيك : (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا)(٣).

وأمّا أنت يا زبير فوالله ما لان قلبك يوماً ولا ليلة ، ومازلت جلفاً جافياً.

وأمّا أنت يا عثمان فوالله لروثة خير منك.

وأمّا أنت يا عبد الرحمن فأنت رجل عاجز تحب قومك جميعاً.

وأمّا أنت يا سعد فصاحب عصبية وفتنة.

وأمّا أنت يا عليّ فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم. فقام عليّ مولياً يخرج فقال عمر : والله إني لأعلم مكان رجل لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء.

قالوا : من هو ؟ قال : هذا المولي بينكم ، قالوا : فما يمنعك من ذلك ؟ قال : ليس إلى ذلك سبيل(٤).

_________________________

(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ٩ / ٢٩ ط محققة.

(٢) كنز العمال ٤ / ٦١٤ ، و ٥ / ٧٧١ ط مؤسسة الرسالة.

(٣) الأحزاب / ٥٣.

(٤) شرح النهج لابن أبي الحديد ٣ / ١٧٠ ط الأولى.

١٠٩
📷

وفي حديث له مع المغيرة بن شعبة قال : أما والله لولا دعابة فيه ما شككت في ولايته ، وان نزلت على رغم أنف قريش(١).

وما قوله لابنه عبد الله أقل دلالة ممّا سبق. فقد روى البلاذري في أنساب الأشراف : «إنّ عمر لمّا خرج أهل الشورى من عنده قال : إن ولـّوها الأجلح سلك بهم الطريق.

فقال عبد الله بن عمر : فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين ؟ قال أكره أن أتحملها حياً وميتاً»(٢).

ولقد دعا الناس إلى الرجوع إلى أناس سماهم عند احتياجهم في أمور دينهم ، فخطب قائلاً : «من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب ، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن جبل ، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ، ومن أراد المال فليأتني فأني له خازن»(٣).

فأنظر إلى هذه الكلمات القصيرة الّتي جعلت هؤلاء النفر الّذي سماهم هم مراجع للناس في القرآن والحلال والحرام والفرائض ، واحتجن لنفسه خزانة المال فهو بيده يعطي من يشاء مايشاء.

ومن اللافت للنظر أن النفر المسمّين كلهم من الأنصار فما بال المهاجرين ؟

أليس فيهم من يضارع هؤلاء فيما عندهم من مؤهلات علمية ودينية ؟

والجواب ليس فيهم من عيب ، وإن بقي السرّ في ضمير الغيب ، لكن مهما كان من السر المكتوم فقد كان من الواضح والمعلوم لدى جميع المسلمين من

_________________________

(١) العقد الفريد ٤ / ٢٨٢ ط لجنة التأليف والترجمة والنشر.

(٢) أنساب الأشراف ١ ق ٤ / ٥٠١ ط بيروت ، وأنظـر شرح النهج لابن أبي الحديد ٣ / ١٧٠ ط بيروت.

(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣ / ٢٧٢ ، وقال صحيح عليّ شرط الشيخين ولم يخرّجاه.

١١٠
📷

أنصار ومهاجرين أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في عليّ عليه‌السلام : (أنا مدينة العلم وعليّ بابها) ، وقال : (عليّ عيبة علمي) ، ولم يرد مثل ذلك في حقّ أي إنسان آخر من الصحابة ، فلماذا لم ينوّه عمر بالرجوع إليه كما نوّه باُولئك النفر. مع انّه هو الّذي كان يفزع إليه عند عضل المسائل ويقول : «لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن» ، وكثيراً ما قال : «لولا عليّ لهلك عمر» ، فهو لا يجهل مقام الإمام العلمي ولكن لم ينوّه به. ويأمر بالرجوع إليه ، لأن التنويه بالرجوع إليه يستتبع الإقرار بحقه فيما يقول ويطلب من أمر الخلافة. وهذا ما لا تريده قريش ـ ومنهم عمر ـ ولتبقى معرفة الفضل له شيء ، والتنويه بذلك الفضل في الإرجاع إليه شيء آخر.

ولقد أخرج أحمد في فضائل الصحابة بسنده عن أبي هبيرة أنّ عمر بن الخطاب كان يقول : «من كان سائلاً عن شيء من القرآن فليسأل عبد الله بن عباس»(١).

هذا إن صح سنده فربما كان ذلك يوماً ما في حديث خاص وليس في خطبة على الناس كما مر في شأن النفر الأنصار.

وهلمّ إلى مواقف أخر له مع ابن عباس ، وهي متأخرة زماناً عما سبق منها :

ما أخرج ابن سعد في الطبقات في ترجمة ابن عباس بسنده عن مجاهد قال : «سمعت ابن عباس يقول : خدمت عمر خدمة لم يخدمه إياه أحد من أهله ، ولطفت به لطفاً لم يلطف به أحد من أهله ، فخلوت معه ذات يوم في بيته ـ وكان يجلّني ويكرمني ـ فشهق شهقة ظننت أن نفسه سوف تخرج منها ، فقلت : أمن جزع يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا أجد لهذا الأمر أحداً. قلت : فأين أنت عن فلان ، وفلان ، وفلان ، وفلان ، وفلان ، وفلان ـ فسمّى له الستة أهل الشورى ـ فأجابه في

_________________________

(١) فضائل الصحابة / ١٨٩٣.

١١١
📷

كلّ واحد منهم بقول. ثم قال : انه لا يصلح لهذا الأمر إلّا قويّ في غير عُنف ، ليّن في غير ضعف ، جواد في غير سرف ، ممسك في غير بُخل ... أهـ»(١).

وهذا الخبر لا شك قد اعتراه تعتيم متعمد بكتمان أقوال عمر في كلّ من فلان وفلان الستة أصحاب الشورى كما لم يذكر لنا مجاهد ماذا كان رأي ابن عباس في تلك الأقوال. ولا نبرئ مجاهد من تبعة ذلك التكتم. ومهما يكن فثمة ما هو صريح الدلالة على استبعاد عمر لبني هاشم ـ ومنهم ابن عباس ـ عن كلّ ما يمكنّهم من ممارسة أي دور قيادي. فهلمّ الآن إلى حديث :

حضور الحبر مقتل عمر وآخر أيامه :

١ ـ روى ابن سعد في الطبقات والبخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون قال : «وما كان بيني وبينه ـ يعني عمر ـ حين طعن إلّا ابن عباس فأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه فصلّوا الفجر يومئذ صلاة خفيفة»(٢).

٢ ـ وفي حديث الطبري رواه عن المسور بن مخرمة قال : «فلمّا وجد عمر حر السلاح سقط وقال : أفي الناس عبد الرحمن بن عوف ؟ قالوا : نعم يا أمير المؤمنين هو ذا ، قال تقدم فصل بالناس. قال : فصلّى عبد الرحمن بن عوف وعمر طريح ...»(٣).

٣ ـ وفي رواية البخاري في صحيحه : «فتناول يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه»(٤).

_________________________

(١) طبقات ابن سعد ١ / ١٤٢ الطبقة الخامسة.

(٢) نفس المصدر ٣ ق ١ / ٢٤٤.

(٣) تاريخ الطبري ٤ / ١٩١ ط محققة.

(٤) فتح الباري ٨ / ٦٣.

١١٢
📷

٤ ـ ثم حُمل عمر إلى منزله وكان ممن حمله عبد الله بن عباس(١) ولم يزل عنده حتى أسفر الصبح وأفاق عمر من غشيته فقال : اخرج يا عبد الله بن عباس فسل من قتلني ؟ فخرج وسأل ثم عاد إليه فإذا هو يبدّ النظر فيه ـ أي يحدّق ـ يستأني خبر ما عنده فأخبره أنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة(٢).

٥ ـ ويبدو من بعض مرويّات ابن سعد في ذلك أنّ عمر كان يتهم في نفسه أناساً لم يكشف عن هويّاتهم فقال لابن عباس : اخرج إليهم ـ يعني المهاجرين والأنصار الذين اجتمعوا ببابه ـ فسلهم عن ملأ منكم ومشورة كان هذا الّذي أصابني ؟ فخرج ابن عباس فسألهم فقال القوم : لا والله ما علّمنا ولا أطلّعنا(٣) ، فقال عمر لابن عباس : قد كنت أنت وأبوك تحبّان أن تكثر العلوج بالمدينة ـ وكان العباس أكثرهم رقيقاً ـ فقال : إن شئت فعلتُ ـ أي إن شئت قتلنا ـ فقال : كذبت ، بعد ما تكلموا بلسانكم وصلّوا قبلتكم وحجوا حجكم(٤).

_________________________

(١) طبقات ابن سعد ٣ ق ١ / ٢٤٤.

(٢) نفس المصدر ٣ ق ١ / ٢٥١.

(٣) نفس المصدر ٣ ق ١ / ٢٥٢.

(٤) فتح الباري ٨ / ٦٤ ، ولابن حجر توجيه غير وجيه لقول عمر لابن عباس (كذبت) فقال : هو على ما ألف من شدة عمر في الدين ، لأنه فهم من ابن عباس من قوله : إن شئت فعلنا أي قتلناهم فأجابه بذلك ، وأهل الحجاز يقولون : كذبت في موضع أخطأت (؟) وإنما قال له بعد أن صلوا لعلمه أن المسلم لا يحل قتله ، ولعل ابن عباس أراد قتل مـن لم يسلم منهم.

أقول : وليس لي إلّا أن أقول لابن حجر ـ على حد ممّا زعم من لغة أهل الحجاز ـ كذبت أي أخطأتَ فأيّ معنى لتحامل عمر على ابن عباس وأبيه وأنهما أحبّا أن تكثر العلوج في المدينة بينما كان العلج الّذي طعنه غلاماً للمغيرة بن شعبة ، فلماذا الحملة على ابن عباس لـو لم يكن في نفس عمـر ما يستفزه فيستوفزه ، وكل الحديث يبقى على ذمة الرواة.

١١٣
📷

٦ ـ وكان مستنداً في يوم من أيام طعنته إلى ابن عباس مع وجود ابنه عبد الله وقريبه سعيد بن زيد ـ وكانا عنده ـ فقال : «اعلموا أنّي لم أقل في الكلالة شيئاً ، ولم أستخلف بعدي أحداً ، وأن من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حرّ من مال الله»(١).

٧ ـ وأثنى عليه في يوم من أيامه الثلاثة قبل موته فقال له : «بأي شيء تثني عليَّ بالإمـرة أو بغيرها ؟ قال له : بكلّ. قال : ليتني أخـرج منها كفافاً لا أجـر ولا وزر ... والله لو أن لي ما في الأرض من شيء لافتديت به من هول المطـّلع»(٢).

٨ ـ وقال له : «أعقل عني ثلاثاً : الإمارة شورى ، وفي فداء العرب مكان كلّ عبدٍ عبد وفي ابن الأمة عبدان» وكتم ابن طاووس الثالثة(٣).

أقول : يبدو كتمان آخر الوصايا سنة متبعة لرواة السوء. لقد مرّ في حديث البخاري عن اخبار ابن طاووس كتمانهم لوصية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الثالثة في حديث الكتف والدواة ، فراجع.

٩ ـ قال ابن عباس : «قلت لعمر : لقد أكثرت التمني للموت حتى خشيتُ أن يكون عليك غير سهل عند أوانه فماذا سئمت من رعيتك إمّا أن تعيّن صالحاً أو تقوّم فاسداً ؟ قال يا بن عباس إنّي قائل قولاً فخذه إليك ، كيف لا أحب فراقهم وفيهم مَن هو فاتح فاه للشهوة من الدنيا إمّا لحقٍ لا ينويه وإمّا لباطل لا يناله ، والله لولا أن أسأل عنكم لبرئت منكم ، فأصبحت الأرض مني بلاقع ولم أقل ما فعل فلان وفلان»(٤).

_________________________

(١) طبقات ابن سعد ٣ ق ١ / ٢٤٨.

(٢) نفس المصدر ٣ ق ١ / ٢٥٥.

(٣) المصنف لعبد الرزاق ٥ / ٤٤٦ ، وقارن طبقات ابن سعد ٣ ق ١ / ٢٥٦.

(٤) شرح النهج لابن أبي الحديد ٣ / ١٠٥ ط مصر الأولى.

١١٤
📷

١٠ ـ قال ابن عباس : «كنت عند عمر فتنفس نفساً ظننت أن أضلاعه قد انفرجت. فقلت له ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين إلا همّ شديد ؟ قال : أي والله يا بن عباس إني فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي. ثم قال : لعلك ترى صاحبك لها أهلاً ؟ قلت وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه. قال : صدقت ، ولكنه امرؤ فيه دعابة ، قلت : فاين أنت من طلحة ؟ قال ذو البأو باصبعه المقطوعة قلت : فعبد الرحمن ؟ قال : رجل ضعيف لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته. قلت : فالزبير ؟ قال : شكس لقس يلاطم في البقيع في صاع من بُرّ ، قلت : فسعد بن أبي وقاص ؟ قال : صاحب سلاح ومقنب ، قلت : فعثمان ؟ قال : أوه ـ ثلاثاً ـ والله لئن وليها ليحملنّ بني أبي معيط على رقاب الناس ، ثم لتنهض إليه العرب فتقتله.

ثم قال : يا بن عباس انّه لا يصلح لهذا الأمر إلّا خصيف العُقدة ، قليل العزّة ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، يكون شديداً من غير عنف ، ليناً من غير ضعف ، سخياً من غير سرف ، ممسكاً من غير وكف ...

قال ـ ابن عباس ـ : ثم أقبل عليّ بعد أن سكت هنيهة وقال : أجرؤهم والله إن وليها أن يحملهم على كتاب ربّهم وسنّة نبيّه لصاحبك ، أما إن ولي أمرهم حملهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم»(١) ... إلى غير ذلك من الشواهد الّتي تدل على إصرار عمر على استبعاد بني هاشم.

وفي مسألة تقديم عبد الرحمن بن عوف للصلاة أوضح دلالة على ذلك. فإنّ عبد الرحمن بن عوف لم يكن أقرب مكاناً من ابن عباس حينئذ. فان رواية عمرو بن ميمون ـ وقد تقدمت أولاً ـ دلت على قرب ابن عباس المكاني ،

_________________________

(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ٣ / ١٠٦ ط مصر الاولى.

١١٥
📷

ورواية المسور بن مخرمة ـ وقد تقدمت ثانياً ـ دلت على بُعد عبد الرحمن مكاناً حتى جعل يسأل عنه. وقد كان ابن عباس أولى أن يقدّمه للصلاة لأنه أقرأ من عبد الرحمن وهو أستاذه في القراءة ـ كما في حديث الفلتة ـ الّذي رواه البخاري في باب رجم الحبلى فقد جاء فيه : «إنّ ابن عباس كان يقرئ عبد الرحمن بن عوف وجماعة من المهاجرين»(١) ، فما دام ابن عباس هو الأقرأ لكتاب الله تعالى والرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول : (وليؤمكم أقرؤكم)(٢) ، وكان يقول ـ كما في حديث أبي مسعود ـ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)(٣).

وهذا حكم لا يجهله عمر مهما جهل من الأحكام غيره ، فقد كان في جملة المهاجرين الذين كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمهم من مكة حتى قدم المدينة لأنه كان أقرأهم ، وبقي يؤمهم بقباء وفيهم عمر بن الخطاب قبل أن يقدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم(٤) ، ثم هل غاب عن علم عمر قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كما رواه عثمان بن عفان ـ : (أفضلكم من تعلّم القرآن وعلّمه)(٥) ، ومن المتيقن كان ابن عباس هو الأفضل من عبد الرحمن بن عوف لأنّه كان معلّمه في القرآن والفرائض.

إذن فقد كان ابن عباس هو الأولى بأن يقدمه عمر للصلاة بالناس ، هذا إذا كنّا لم نتيقن حضـور الإمام عليّ عليه‌السلام ساعتئذ ، وإلّا فهو الأولـى من الجميع بالإمامة.

_________________________

(١) وبقي هو استاذه حتى آخر ايام حياته حين منع عثمان الناس من الدخول عليه فلم يكن يدخل عليه إلّا ابن عباس فيتعلم منه القرآن والفرائض كما في شرح النهج ١ / ٦٦.

(٢) أنظر سنن أبي داود ١ / ١٧٤.

(٣) نفس المصدر ١ / ١٧٣.

(٤) طبقات ابن سعد ٣ ق ١ / ٦١ ط ليدن أفست ، وصحيح سنن أبي داود ١ / ١٧٥.

(٥) وهذا أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب خيركم من تعلم القرآن وعلّمه ٧٥٢ ط الهند ، والترمذي ٤ / ٥٣ ، وعبد الرزاق في المصنف ٣ / ٣٦٧ ـ ٣٦٨.

١١٦
📷

أفلا يدّل ذلك العدول عن ابن عباس إلى عبد الرحمن على اصرار عمر أن لايولي هاشمياً مقاماً دينياً أو دنيوياً ؟! وستأتي شواهد تؤكد على ذلك في عملية الشورى.

ثوابت أهل البيت ومنهم ابن عباس :

ليس بخاف على الباحث موقف أهل البيت ـ ومنهم ابن عباس ـ في منظورهم إلى الخلافة وأنها من حق عليّ خاصة ، وأن أبا بكر وعمر استحوذا عليها ، كما في حديث لابن عباس مع عمر قال له ذلك صراحةً.

روى الحافظ ابن مردويه والراغب الأصفهاني عن ابن عباس قال : «كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة وعمر على بغل وأنا على فرس ، فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب ، فقال : أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر.

فقلت في نفسي : لا أقالني الله إن أقلته ، فقلت : أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين وأنت وصاحبك اللذان وثبتما وانتزعتما وأفرغتما الأمر منا دون الناس.

فقال : إليكم يا بني عبد المطلب ، أمّا إنكم أصحاب عمر بن الخطاب ، فتأخرت وتقدم هنيهة فقال : سر لا سرت وقال : أعد عليَّ كلامك.

فقلت : إنّما ذكرت شيئاً فرددتُ عليه جوابه ولو سكت سكتنا ...»(١)

ذكر اليعقوبي في تاريخه أمر توسعة عمر للمسجد الحرام وهدم بيت العباس لذلك وما جرى بينهما من كلام ثم قال : «وانصرف عمر بعد عشرين يوماً ، وكان العباس يسايره وتحت العباس دابة مُصعَب ، فتقدّمه عمر ثم وقف له

_________________________

(١) أنظر اليقين لابن طاووس / ٢٠٥ ، محاضرات الراغب ٢ / ٢١٣.

١١٧
📷

حتى لحقه فقال : قدمتك وما لأحد أن يتقدمكم معشر بني هاشم. ولكنكم قوم فيكم ضعف. قال : رآنا الله نقوى على النبوة ونضعف عن الخلافة»(١) ؟!

فبنو هاشم يرون أنّ حقهم مضاع وفيأهم مشاع. ومسألة الفيء والخمس كانت ذات أهمية خاصة لدى الشيخين ولدى أهل البيت على السواء ، فإن حرمان أهل البيت منهما يعني تجريدهم ممّا هو حق لهم وقد فرضه الله سبحانه لهم في كتابه لسد حاجاتهم المادية ، لذلك لم يبرح الطاعن منهم في ولاية الشيخين يذكر ذلك بألم ولو بعد حين.

لقد روى السيوطي في الدر المنثور عن ابن المنذر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : «سألت عليّاً رضي‌الله‌عنه فقلت : يا أمير المؤمنين أخبرني كيف كان صنع أبي بكر وعمر رضي‌الله‌عنهما في الخمس نصيبكم ؟

فقال : أمّا أبو بكر رضي‌الله‌عنه فلم تكن في ولايته أخماس ، وأمّا عمر رضي‌الله‌عنه فلم يزل يدفعه إليّ في كلّ خمس حتى كان خمس السوس وجند يسابور فقال : وأنا عنده هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس وقد أحلّ ببعض المسلمين واشتدت حاجاتهم. فقلت : نعم ، فوثب العباس بن عبد المطلب فقال : لا تعرّض في الّذي لنا.

فقلت : ألسنا أحق من أرفق المسلمين وشفـّع أمير المؤمنين ؟

فقبضه ، فوالله ما قبضناه ولا قدرت عليه في ولاية عثمان ...»(٢).

وروى ذلك البيهقي في السنن وابن أبي شيبة في المصنف وفي آخر الحديث قول عليّ عن العباس : (وكان رجلاً داهياً)(٣).

_________________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٢٧.

(٢) الدر المنثور ٣ / ١٨٦ ط أفست الإسلاميةً.

(٣) السنن الكبرى ٩ / ٣٤٣ ، المصنف ١٢ / ٤٧٠ ط باكستان.

١١٨
📷

روى البيهقي عن عبد الرحمن بن أبي يعلى قال : «لقيت عليّاً عند أحجار الزيت فقلت له بأبي أنت وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس ؟ ... قال عليّ : إنّ عمر قال : لكم حق ولا يبلغ علمي إذا كثر يكون لكم كله ، فإن شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم. فأبينا عليه إلّا كله ، فأبى أن يعطينا كله»(١).

وهلم لنقرأ ماذا عن ابن عباس في ذلك :

روى الذهبي عن ابن عباس يقول : «كان عمر عرض علينا أن يعطينا من الفيء(٢) بحق مايرى أنّه لنا من الحق ، فرغبنا عن ذلك وقلنا : لنا ما سمّى الله من حق ذي القربى وهو خمس الخمس فقال عمر : ليس لكم ما تدّعون أنّه لكم حق ، إنّما جعل الله الخمس لأصناف سماهم ، فأسعدهم فيه حظاً أشدهم فاقة وأكثر عيالاً ، قال فكان عمر يعطي من قبل منا من الخمس والفيء نحو ما يرى أنّه لنا ، فأخذ ذلك منا ناس وتركه ناس»(٣).

وروى الفسوي عن سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول : «الخمس لنا ولكن ظُلمنا فقال أبو مريم ـ وهو معي ـ صدق»(٤).

وأخرج أحمد في مسنده عن يزيد بن هرمز : «أن نجدة الحروري حين خرج من فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى لمن تراه ؟ قال : هو لنا لقربى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قسمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم ، قد كان عمر عرض علينا منه شيئا رأيناه دون حقنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله ، وكان الّذي

_________________________

(١) السنن الكبرى ٦ / ٣٤٤ (مسند الشافعي باب الفيء).

(٢) الفيء : ما أخذ من أموال الكفار بغير حرب ولم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.

(٣) سير أعلام النبلاء ١ ـ ٢ / ٤٩١ ط دار الفكر بيروت.

(٤) المعرفة والتاريخ للفسوي ٣ / ٦٨.

١١٩
📷

عرض عليهم أن يعين ناكحهم وأن يقضي عن غارمهم وأن يعطي فقيرهم ، وأبى أن يزيدهم على ذلك»(١).

وثمة مكاتبات من نجدة بن عويمر الخارجي إلى ابن عباس يسأله فيها عن عدة مسائل ، ومنها مسألة الخمس وجواب ابن عباس فيها يطفح بالألم ، ويعبّر عن الشعور بالاحباط لما لحقهم من حيف.

ولم تكن مسألة الخمس هي الأولى والأخيرة في مسائل عن ابن عباس الّتي كان ينعاها على الحاكمين ، فثمة مسائل فقهية كانت له آراء تختلف مع آرائهم كمسألة المتعة والعول في الفرائض ودية الأصابع وميراث البنت وغيرها ممّا يأتي الحديث عنها في الحلقة الثالثة (فقهه).

وحتى حديث الشورى وما جرى لها وفيها من تحضير ، نجد الهاشميين ـ ومنهم ابن عباس طبعاً ـ مستبعدين عنها تماماً ، وأنهم يرون في تسمية الإمام ضمن النفر الذين عيّنهم عمر هي حبكة بحنكة ، وهذا هو منظور أهل البيت ، وليس بخافٍ على الباحث أن عمر كان يريد الأمر لعثمان إمّا رداً لجميله السابق حين كتب اسمه في عهد أبي بكر وأبو بكر مغشي عليه هذا على أحسن تقدير ، وإلّا فمن أين لحاديه يحدو به ويسمى الأمير بعده عثمان.

أخرج المحب الطبري في الرياض النضرة عن حارثة بن مضرب قال : «حججت مع عمر فكان الحادي يحدو : إن الأمير بعده عثمان»(٢). وهذا عين ما رواه البلاذري أيضاً في أنساب الأشراف(٣).

_________________________

(١) مسند أحمد ١ / ٣٢٠.

(٢) الرياض النضرة ٢ / ١١٦.

(٣) أنساب الأشراف ١ / ٤٩٤ من القسم الرابع تحـ احسان عباس بلفظ (إنّ الأمير بعده ابن عفان).

١٢٠