بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الوفاء
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٦٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠ الجزء ٣١ الجزء ٣٥ الجزء ٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨ الجزء ٣٩ الجزء ٤٠ الجزء ٤١ الجزء ٤٢ الجزء ٤٣ الجزء ٤٤ الجزء ٤٥ الجزء ٤٦ الجزء ٤٧ الجزء ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ الجزء ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ الجزء ٥٤ الجزء ٥٥ الجزء ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ الجزء ٦٠ الجزء ٦١   الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ الجزء ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ الجزء ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ الجزء ٧٠ الجزء ٧١ الجزء ٧٢ الجزء ٧٣ الجزء ٧٤ الجزء ٧٥ الجزء ٧٦ الجزء ٧٧ الجزء ٧٨ الجزء ٧٩ الجزء ٨٠ الجزء ٨١ الجزء ٨٢ الجزء ٨٣ الجزء ٨٤ الجزء ٨٥ الجزء ٨٦ الجزء ٨٧ الجزء ٨٨ الجزء ٨٩ الجزء ٩٠ الجزء ٩١ الجزء ٩٢ الجزء ٩٣ الجزء ٩٤   الجزء ٩٥ الجزء ٩٦   الجزء ٩٧ الجزء ٩٨ الجزء ٩٩ الجزء ١٠٠ الجزء ١٠١ الجزء ١٠٢ الجزء ١٠٣ الجزء ١٠٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحمّى نصيب كلّ مؤمن من النار .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من مرض سبعة أيّام مرضاً سخيناً كفّر الله عنه ذنوب سبعين سنة .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تكرهوا أربعة ، الرّمد فإنّه يقطع عروق العمى ، والزكام فإنّه يقطع عروق الجذام ، والسعال فإنّه يقطع عروق الفالج ، والدماميل فإنّها تقطع عروق البرص .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا وجع إلّا وجع العين ، ولا همَّ إلّا همُّ الدَّين .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحمّى تحطّ الخطايا كما تحطّ من الشجرة الورق .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من سبق العاطس بالحمد لله أمن من الشوص واللوص والعلوص .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما قال عبد عند امرىء مريض « أسئل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك » سبع مرّات ، إلّا عوفي .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من شكا ضرسه فليضع إصبعه عليه وليقرأ « وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ » (١) « قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ » (٢) « وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ » (٣) الآية .

وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا أتى مريضاً قال : أذهب الوسواس والباس ربّ الناس ، اشف وأنت الشافي ، لا شفاء إلّا شفاؤك .

وقيل : عاد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مريضاً فقال : أرقيك رقية علّمنيها جبرئيل ؟ فقال : نعم يا رسول الله . قال : بسم الله يشفيك من كلّ داء ، ولا يأتيك ، ومن شرّ النفّاثات في العقد ، ومن شرّ حاسد إذا حسد (٤) .

__________________

(١) الانعام : ٩٨ .

(٢) الانعام : ١٢٦ .

(٣) الاسراء : ١٠٥ .

(٤) زاد في المصدر : وما أرسلناك الا رحمة للعالمين . طب النبى : ١٩ ـ ٣٢ .

٣٠١
 &

بيان : « أصل كلّ داء » أي غالباً ، أو في تلك البلاد الغالب على أهلها البرودة « الجماعة » أي الاجتماع في الأكل ، والحمل على الصلاة بعيد ، وسيأتي التصريح بالأوّل . « من استعمل الخشبتين » أي الخلال والسواك « أمن من عذاب الكلبتين » أي لا يحتاج إلى إدخال الكلبتين في فمه لقلع أسنانه . « فإنّها ضجعة الناب » في أكثر النسخ « مضجعه » .

قال في القاموس : الضجع غاسول للثياب ، الواحدة بهاء . وفي بعض النسخ « مصحّة » وهو أظهر .

قوله « فليستقىء » أي فليتقيّأ . قال في النهاية : فيه « أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استقاء عامداً فأفطر » هو استفعل من القيء ، والتقيّوء أبلغ منه ، لأنّ في الاستقاء تكلّفاً أكثر منه ، وهو استخراج ما في الجوف تعمّداً .

ومنها الحديث « لو يعلم الشارب قائماً ماذا عليه لاستقا ما شرب منه » . وقال في النهاية : الأخشم الّذي لا يجد ريح الشيء ، وهو الخشام . قوله « مرضاً سخينا » أي حاراً شديداً مولماً .

قال في القاموس : ضرب سخين : مولم حارّ . وفي النهاية : فيه « شرّ الشتاء السخين » أي الحارّ الّذي لا برد فيه .

أقول : ويحتمل أن يكون بالثاء المثلّثة ، من قولهم « أثخن في العدوّ » : بالغ في الجراحة فيهم ، وفلاناً أوهنه . ومنه قوله تعالى « حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ » (١) أي غلبتموهم وكثر فيهم الجراح .

وقال في النهاية ، فيه « من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللوص و العلوص » الشوص وجع الضرس ، وقيل : الشوصة وجع في البطن من ريح تنعقد تحت الأضلاع . واللوص . وجع الاُذن . وقيل : وجع النحر . والعلوص : وهو وجع البطن وقيل التخمة ـ انتهى ـ .

__________________

(١) محمد : ٤ .

٣٠٢
 &

وأقول : إنّما أوردت جميع هذه الرسالة في هذا المقام مع أنَّ كثيراً من أجزائها يناسب أبواباً اُخرى لكون جميعها بمنزلة خبر واحد ، فأحببت اجتماعها في مكان واحد وعدم الاعتناء كثيراً بسندها وذكر الأجزاء بأسانيد اُخرى في محالّها .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « عليكم بالحزازمة » كذا في النسخ الّتي رأينا ، ولم أر ما يناسبه في روايات الفريقين ، وكونه من الاحتزام وهو شدّ الوسط بعيد لفظاً ومعنى ، وإن كان يناسب التفسير الّذي ذكره المستغفريّ .

قال في النهاية : فيه نهى أن يصلّي الرجل بغير حزام . أي من غير أن يشدّ ثوبه عليه لئلّا تنكشف عورته ، ومنه الحديث : نهى أن يصلّي الرجل حتّى يحتزم . أي يتلبّب بشدّ وسطه . والحديث الآخر أنّه أمر بالتحزّم في الصلاة ـ انتهى ـ .

ومناسبته للمقام لأنّه حمل الخبر على مطلق شدّ الوسط ، ففيه مصلحة طبّيّة وإنّما فسّره بما قال لأنّ الحزازمة الّذين يفعلون ذلك لا هذا الفعل لكن في مجىء الحزازمة بهذا المعنى نظر . وقد يقال إنّه تصحيف المرازمة بالمهملة أولاً ثمّ المعجمة . قال في النهاية : فيه « إذا أكلتم فرازموا » المرازمة الملازمة والمخالطة ، أراد : اخلطوا الأكل بالشُكر ، وقولوا بين اللقم : الحمد لله . وقيل : أراد : اخلطوا أكلكم وكلوا ليناً مع خشن ، وسائغاً مع جشب .

وقيل : المرازمة في الأكل المعاقبة ، وهو أن تأكل يوما لحماً ويوماً لبناً ويوما تمراً ويوماً خبزاً قفاراً . يقال للإبل إذا رعت يوماً خلّة ويوما خمصاً قد رازمت ـ انتهى ـ .

وقال الإصبهانيّ في شرح المقامات الحريريّة : رزمت الشيء أي جمعته . ومنه الحديث « إذا أكلتم فرازموا » أي اجمعوا بين حمد الله والأكل ، ومنه المرازمة الّتي كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبّها ، وهي الجمع بين الخبز والعنب والائتدام به .

وأقول : التفسير لا يناسب هذا ، ولو فتحنا باب التصحيف يمكن أن يكون تصحيف

٣٠٣
 &

« الحضارمة » أي الحضرميّون نسبة إلى « حضر موت يمن » أو حضارمة مصر ، ويناسبه التفسير أيضاً ، فيكون مدحاً لهم وأمراً بمعاشرتهم وسكنى بلادهم ، أو « الخضارمة » بالمعجمتين .

قال في القاموس : الخضرم ـ كزبرج ـ : الجواد العطاء والسيّد الحمول ، و الجمع : خضارم وخضارمة . والخضارمة ـ بالمعجمتين ـ قوم من العجم خرجوا في بدء الإسلام فسكنوا الشّام .

٣٠٤
 &



( الرسالة الذهبية )

٣٠٥
 &



[ بسم الله الرحمن الرحيم ]



٩٠

( باب آخر )

* ( في الرسالة المذهبة المعروفة بالذهبية ) *

أقول : وجدت بخطّ الشيخ الأجل الأفضل ، العلّامة الكامل في فنون العلوم والأدب ، مروّج الملّة [ والدين ] والمذهب ، نور الدين عليّ بن عبد العالي الكركيّ ـ جزاه الله سبحانه عن الإيمان و [ عن ] أهله الجزاء السنيّ ـ ما هذا لفظه :

الرسالة الذهبيّة في الطبّ ، الّتي بعث بها الإمام عليُّ بن موسى الرضا عليه‌السلام إلى المأمون العبّاسيّ في حفظ صحّة المزاج وتدبيره بالأغذية والأشربة والأدوية .

قال إمام الأنام ، غرّة وجه الإسلام مظهر الغموض بالرويّة اللّامعة ، كاشف الرموز في الجفر والجامعة ، أقضى من قضى بعد جدّه المصطفى ، وأغزى من غزا بعد أبيه عليّ المرتضى ، إمام الجنّ والإنس أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا ، صلوات الله عليه وعلى آبائه النجباء [ النّقباء ] الكرام الأتقياء : اعلم يا أمير المؤمنين ـ إلى آخر ما سيأتي من الرسالة ـ .

ووجدت في تأليف بعض الأفاضل بهذين السندين : قال موسى بن عليّ بن

٣٠٦
 &

جابر السلامي ، أخبرني الشيخ الأجلّ العالم الأوحد سديد الدين يحيى بن محمّد بن علبان الخازن ـ أدام الله توفيقه ـ قال : أخبرني أبو محمّد الحسن بن محمّد بن جمهور .

وقال : هارون بن موسى التلعكبريّ ـ رضي الله عنه ـ حدّثنا محمّد بن هشام بن سهل ـ رحمه الله ـ . قال : حدّثنا الحسن بن محمّد بن جمهور ، قال : حدّثني أبي وكان عالماً بأبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا عليه‌السلام خاصّة به ، ملازماً لخدمته ، وكان معه حين حمل من المدينة إلى أن سار إلى خراسان واستشهد عليه الصلاة والسلام بطوس ، وهو ابن تسع وأربعين سنة .

قال : وكان المأمون بنيسابور ، وفي مجلسه سيّدي أبو الحسن الرضا عليه‌السلام وجماعة من المتطبّبين والفلاسفة ، مثل يوحنّا بن ماسويه ، وجبرئيل بن بختيشوع ، وصالح بن سلهمة (١) الهنديّ ، وغيرهم من منتحلي العلوم وذوي البحث والنظر ، فجرى ذكر الطبّ وما فيه صلاح الأجسام وقوامها ، فأغرق المأمون ومن بحضرته في الكلام وتغلغلوا في علم ذلك ، وكيف ركّب الله تعالى هذا الجسد وجميع ما فيه من هذه الأشياء المتضادّة من الطبائع الأربع ، ومضارّ الأغذية ومنافعها ، وما يلحق الأجسام من مضارّها من العلل .

قال : وأبو الحسن عليه‌السلام ساكت لا يتكلّم في شيء من ذلك . فقال له المأمون : ما تقول يا أبا الحسن في هذا الأمر الّذي نحن فيه هذا اليوم ، والّذي لا بدّ منه من معرفة هذه الأشياء والأغذية ، النافع منها والضارّ ، وتدبير الجسد ؟ فقال أبو الحسن عليه ‌السّلام : عندي من ذلك ما جرّبته وعرفت صحّته بالاختبار ومرور الأيّام ، مع ما وقفني عليه من مضى من السلف ، ممّا لا يسع الإنسان جهله ، ولا يعذر في تركه ، فأنا أجمع ذلك مع ما يقاربه ممّا يحتاج إلى معرفته .

قال : وعاجل المأمون الخروج إلى بلخ ، وتخلّف عنه أبو الحسن عليه‌السلام ، وكتب المأمون إليه كتاباً يتنجّزه ما كان ذكره مما يحتاج إلى معرفته من جهته على ما سمعه منه

__________________

(١) بلهمة ( خ ) .

٣٠٧
 &

وجرّبه من الأطعمة والأشربة وأخذ الأدوية والفصد والحجامة والسواك والحمّام والنورة والتدبير في ذلك .

فكتب الرضا عليه‌السلام إليه كتاباً نسخته : « بسم الله الرحمن الرحيم . اعتصمت بالله . أمّا بعد ، فإنّه وصل إليّ كتاب أمير المؤمنين فيما أمرني من توقيفه على ما يحتاج إليه ممّا جرّبته و [ ما ] سمعته في الأطعمة والأشربة وأخذ الأدوية والفصد والحجامة والحمّام والنورة والباه وغير ذلك ممّا يدبّر استقامة أمر الجسد ، وقد فسّرت له ما يحتاج إليه ، وشرحت له ما يعمل عليه ، من تدبير مطعمه ومشربه وأخذه الدواء وفصده وحجامته وباهه وغير ذلك ممّا يحتاج إليه من سياسة جسمه ، وبالله التوفيق . اعلم أنّ الله عزّ وجلّ لم يبتل الجسد بداء حتّى جعل له دواء » ـ إلى آخر ما سيأتي ـ .

اقول : وذكر الشيخ أبو جعفر الطوسيّ ـ قدس الله روحه القدّوسي ـ في الفهرست في ترجمة محمّد بن الحسن بن جمهور العمّيّ البصريّ : له كتب ، منها كتاب الملاحم ، و كتاب الواحدة ، وكتاب صاحب الزمان عليه‌السلام وله الرسالة المذهبّة عن الرضا عليه‌السلام أخبرنا برواياته كلّها إلّا ما كان فيها من غلوّ أو تخليط جماعة ، عن محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن جمهور .

ورواها محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن الحسن بن متّيل (١) ، عن محمّد بن أحمد العلويّ عن العمركيّ بن علي ، عن محمّد بن جمهور .

وذكر النجاشيّ أيضاً طريقه إليه هكذا : أخبرنا محمّد بن عليّ الكاتب ، عن محمّد بن عبد الله ، عن عليّ بن الحسين الهذليّ المسعوديّ قال : لقيت الحسن بن محمّد بن جمهور ، فقال لي : حدّثني أبي محمّد بن جمهور وهو ابن مائة وعشر سنين .

__________________

(١) قد ضبط العلامة في الخلاصة والايضاح : متيل بالميم المفتوحة والتاء المثناة فوقها المشددة ، والياء المثناة من تحت الساكنة . ويوافقه ما حكاه في التكملة عن كتاب ضوابط الاسماء . ولكن ضبطه ابن داود بضم الميم وتضعيف التاء المفتوحة والتاء المثناة من تحت . قال النجاشي : وجه من وجوه أصحابنا كثير الحديث . وصحح العلامة حديثه ، و هو لا يقصر عن توثيقه .

٣٠٨
 &

وأخبرنا ابن شاذان عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن سعد ، عن أحمد بن الحسين بن سعيد عن محمّد بن جمهور بجميع كتبه .

وقال محمّد بن شهر اشوب ـ قدّس سرّه ـ في كتاب معالم العلماء في ترجمة محمّد بن الحسن : له الرسالة المذهّبة عن الرضا عليه‌السلام في الطبّ ـ انتهى ـ .

وذكر الشيخ منتجب الدين في الفهرست أنّ السيّد فضل الله بن عليّ الراونديّ كتب عليها شرحاً سمّاه ترجمة العلويّ للطبّ الرضوي .

فظهر أنّ الرسالة كانت من المشهورات بين علمائنا ، ولهم إليه طرق وأسانيد لكن كان في نسختها الّتي وصلت إلينا اختلاف فاحش أشرنا إلى بعضها ، ولنشرع في ذكر الرسالة ثمّ في شرحها على الإجمال .

« اعلم يا أمير المؤمنين أنّ الله تعالى لم يبتل العبد المؤمن ببلاء حتّى جعل له دواء يعالج به ، ولكلّ صنف من الداء صنف من الدواء وتدبير ونعت ، وذلك أنّ الأجسام الإنسانية جعلت على مثال الملك ، فملك الجسد هو القلب (١) ، والعمّال العروق و الأوصال والدماغ ، وبيت الملك قلبه وأرضه الجسد ، والأعوان يداه ورجلاه و شفتاه وعيناه ولسانه واُذناه ، وخزانته معدته وبطنه ، وحجابه صدره .

فاليدان عونان يقرّبان ويبعّدان ويعملان على ما يوحي إليهما الملك والرجلان تنقلان الملك حيث يشاء .

والعينان تدلّانه على ما يغيب عنه ، لأنّ الملك من وراء الحجاب لا يوصل إليه شيء إلّا بهما ، (٢) وهما سراجان أيضاً ، وحصن الجسد وحرزه الاُذنان لا يُدخلان على الملك إلّا ما يوافقه ، لأنّهما لا يقدران أن يدخلا شيئاً حتّى يوحي الملك إليهما فإذا أوحى الملك إليهما أطرق الملك منصتاً لهما حتّى يسمع منهما ، ثمّ يجيب بما يريد فيترجم عنه اللسان بأدوات كثيرة ، منها ريح الفؤاد ، وبخار المعدة ، ومعونة الشفتين

__________________

(١) هو ما في القلب ( خ ) .

(٢) باذن ( خ ) .

٣٠٩
 &

وليس للشفتين قوّة إلّا باللسان (١) ، وليس يستغني بعضها عن بعض . والكلام لا يحسن إلّا بترجيعه في الأنف ، لأنّ الأنف يزيّن الكلام كما يزيّن النافخ (٢) في المزمار وكذلك المنخران ، وهما ثقبتا (٣) الأنف ، يدخلان على الملك ممّا يحبّ من الرياح الطيّبة ، فإذا جاءت ريح تسوء على الملك أوحى إلى اليدين فحجبا بين الملك وتلك الرّيح .

وللملك مع هذا ثواب وعقاب ، فعذابه أشدُّ من عذاب الملوك الظاهرة القاهرة في الدنيا ، وثوابه أفضل من ثوابهم ! فأمّا عذابه فالحزن ، وأمّا ثوابه فالفرح ، وأصل الحزن في الطحال ، وأصل الفرح في الثرب والكليتين ، ومنهما عرقان موصلان إلى الوجه .

فمن هناك يظهر الفرح والحزن ، فترى علامتهما في الوجه . وهذه العروق كلّها طرق من العمّال إلى الملك ومن الملك إلى العمّال ، ومصداق ذلك أنّك (٤) إذا تناولت الدواء أدّته العروق إلى موضع الداء بإعانتها .

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الجسد بمنزلة الأرض الطيّبة ، متى تعوهدت بالعمارة والسقي من حيث لا يزداد في الماء فتغرق . ولا ينقص منه فتعطش ، دامت عمارتها ، و كثر ريعها ، وزكى زرعها ، وإن تغوفل عنها فسدت ، ولم ينبت فيها العشب ، فالجسد بهذه المنزلة .

وبالتدبير في الأغذية والأشربة يصلح ويصحّ ، وتزكو العافية [ فيه ] فانظر يا أمير المؤمنين ما يوافقك ، ويوافق معدنك ، ويقوى عليه بدنك ، ويستمرئه من الطعام فقدّره لنفسك واجعله غذاءك .

__________________

(١) في المصدر وبعض نسخ الكتاب : بالاسنان .

(٢) النفخ ( خ ) .

(٣) ثقبتان للانف ( خ ) .

(٤) أنه ( خ ) .

٣١٠
 &

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ كلّ واحدة من هذه الطبائع تحت ما يشاكلها ، فاغتذِ ما يشاكل جسدك ، ومن أخذ من الطعام زيادة لم (١) يغذه ومن أخذه بقدر لا زيادة عليه ولا نقص في غذائه نفعه . وكذلك الماء فسبيله أن تأخذ من الطعام كفايتك في أيّامه (٢) وارفع يديك منه ويك إليه بعض القرم (٣) ، وعندك إليه ميل ، فإنّه أصلح لمعدتك ولبدنك ، وأزكى لعقلك (٤) وأخفّ لجسمك (٥) .

يا أمير المؤمنين كل البارد في الصيف ، والحارّ في الشتاء ، والمعتدل في الفصلين على قدر قوّتك وشهوتك . وابدأ في أوّل الطعام بأخفّ الأغذية الّتي يغتذي بها بدنك بقدر عادتك وبحسب طاقتك ونشاطك . وزمانك الّذي يجب أن يكون أكلك في كلّ يوم عند ما يمضي من النهار ثمان ساعات أكلة واحدة ، أو ثلاث أكلات في يومين تتغدّى باكراً في أوّل يوم ، ثمّ تتعشّى ، فإذا كان في اليوم الثاني ، فعند مضيّ ثمان ساعات من النهار أكلت أكلة واحدة ولم تحتج إلى العشاء . وكذا أمر جدّي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌ عليّاً عليه‌السلام في كلّ يوم وجبة ، (٦) وفي غده وجبتين . وليكن ذلك بقدر لا يزيد ولا ينقص

وارفع يديك من الطعام وأنت تشتهيه ، وليكن شرابك على أثر طعامك من الشراب الصافي العتيق ممّا يحلّ شربه ، والّذي أنا واصفه فيما بعد .

ونذكر الآن ما ينبغي ذكره من تدبير فصول السنة وشهورها الرومية الواقعة فيها في كلّ فصل على حدة ، وما يستعمل من الأطعمة والأشربة وما يجتنب منه ، وكيفيّة حفظ الصحّة من أقاويل القدماء ونعود إلى قول الأئمّة عليهم‌السلام في صفة شراب يحلّ شربه ويستعمل بعد الطعام .

__________________

(١) في المصدر : لم ينفعه وضره .

(٢) ابانه ( خ ) .

(٣) القرم ـ بالتحريك ـ : شهوة الطعام .

(٤) لعلمك ( خ ) .

(٥) على جسمك ( خ ) .

(٦) الوجبة ـ بالفتح ـ الاكلة الواحدة في اليوم .

٣١١
 &

( ذكر فصول السنة )

أمّا فصل الربيع فإنّه روح الأزمان (١) وأوّله « آذار » وعدد (٢) أيّامه ثلاثون يوماً ، وفيه يطيب الليل والنهار ، وتلين الأرض . ويذهب سلطان البلغم ، ويهيج الدم ، ويستعمل فيه من الغذاء اللطيف واللّحوم والبيض النّيمبرشت ، ويشرب الشراب بعد تعديله بالماء ، ويتّقى فيه أكل البصل والثوم والحامض ، ويحمد فيه شرب المسهل ويستعمل فيه الفصد والحجامة .

نيسان ثلاثون يوماً ، فيه يطول النهار ويقوى مزاج الفصل ، ويتحرّك الدّم وتهبّ فيه الرياح الشرقيّة ، ويستعمل فيه من المآكل المشويّة ، وما يعمل بالخلّ ولحوم الصيد ويعالج (٣) الجماع والتمريخ (٤) بالدهن في الحمّام ، ولا يشرب الماء على الريق ، ويشمّ الرياحين والطيب .

ايار أحد وثلاثون يوماً ، [ و ] تصفو فيه الرياح ، وهو آخر فصل الربيع ، و قد نهي فيه عن أكل الملوحات واللحوم الغليظة كالرؤوس ولحم (٥) البقر واللبن ، و ينفع فيه دخول الحمّام أوّل النهار ويكره فيه الرياضة قبل الغذاء .

حزيران ثلاثون يوماً ، يذهب فيه سلطان البلغم والدم ، ويقبل زمان المرّة الصفراوية (٦) ونهي فيه عن التعب وأكل اللحم داسماً (٧) والإكثار منه ، وشمّ المسك و

__________________

(١) الزمان ( خ ) .

(٢) عدة ( خ ) .

(٣) في المصدر وبعض نسخ الكتاب : يصالح .

(٤) التمريخ : التدهين .

(٥) لحوم ( خ ) .

(٦) الصفراء ( خ ) .

(٧) دائماً ( خ ) .

٣١٢
 &

العنبر ، وينفع فيه أكل البقول الباردة كالهندباء وبقلة الحمقاء ، وأكل الخضر كالخيار والقثّاء ، والشيرخشت ، والفاكهة الرطبة ، واستعمال المحمّضات ، ومن اللحوم لحم المعز الثنيّ والجَذَع (١) ، ومن الطيور الدجاج والطيهوج والدرّاج والألبان والسمك الطريّ .

تموز أحد وثلاثون يوماً ، فيه شدّة الحرارة وتغور المياه ، ويستعمل فيه شرب الماء البارد على الريق ، ويؤكل فيه الأشياء الباردة الرطبة (٢) ويكسر فيه مزاج الشراب ، وتؤكل فيه الأغذية اللطيفة السريعة الهضم ، كما ذكر في حزيران ويستعمل فيه من النَّور والرياحين الباردة الرطبة الطيّبة الرائحة .

آب أحد وثلاثون يوماً فيه تشتدّ السموم ، ويهيج الزكام بالليل ، وتهبّ الشمال ، ويصلح المزاج بالتبريد والترطيب ، وينفع فيه شرب اللبن الرائب (٣) و يجتنب فيه الجماع والمسهل ، ويقلّ من الرياضة ، ويشمّ من الرياحين الباردة .

أيلول ثلاثون يوماً ، فيه يطيب الهواء ، ويقوى سلطان المرّة السوداء ، ويصلح شرب المسهل ، وينفع فيه أكل الحلاوات وأصناف اللحوم المعتدلة كالجداء والحوليّ (٤) من الضّأن ، ويجتنب فيه لحم البقر ، والإكثار من الشواء ، ودخول الحمّام ، و يستعمل فيه الطيب المعتدل المزاج ويجتنب فيه أكل البطيخ والقثّاء .

تشرين الاول أحد وثلاثون يوماً ، فيه تهبّ الرياح المختلفة ، ويتنفّس فيه ريح الصبا ، ويجتنب فيه الفصد وشرب الدواء ، ويحمد فيه الجماع ، وينفع فيه أكل اللحم السمين والرّمان المزّ والفاكهة بعد الطعام ، ويستعمل فيه أكل اللحوم

__________________

(١) الجذع من البهائم صغيرها ، وفي بعض النسخ « الجداء » جمع الجدى وهو ولد المعز .

(٢) المرطبة ( خ ) .

(٣) راب اللبن اي خثر وأدرك .

(٤) أي ما أتى عليه حول .

٣١٣
 &

بالتوابل ، (١) ويقلّل فيه من شرب الماء ، ويحمد فيه الرّياضة .

تشرين الاخر (٢) ثلاثون يوماً ، فيه يقطع المطر الوسميّ ، (٣) وينهى فيه عن شرب الماء باللّيل ، ويقلّل فيه من دخول الحمّام والجماع ، ويشرب بكرةً كلَّ يوم جرعة ماء حارّ ، ويجتنب أكل البقول كالكرفس والنعناع والجرجير .

كانون الاول أحد وثلاثون يوماً ، يقوى فيه العواصف ، وتشتدّ (٤) فيه البرد وينفع فيه كلّ ما ذكرناه في تشرين الآخر ، ويحذر فيه من أكل الطعام البارد ، ويتّقى فيه الحجامة والفصد ، ويستعمل فيه الأغذية الحارَّة بالقوّة والفعل .

كانون الاخر أحد وثلاثون يوماً ، يقوى فيه غلبة البلغم وينبغي أن يتجرّع فيه الماء الحارّ على الريق ، ويحمد فيه الجماع ، وينفع الأحشاء (٥) فيه مثلُ البقول الحارّة كالكرفس والجرجير والكراث ، وينفع فيه دخول الحمّام أوّل النهار ، و التمريخ بدهن الخيري وما ناسبه ، ويحذر فيه الحلو وأكل السمك الطريّ واللبن .

شباط ثمانية وعشرون يوماً ، تختلف فيه الرياح ، وتكثر الأمطار ، ويظهر فيه العشب ، ويجري فيه الماء في العود ، وينفع فيه أكل الثوم ولحم الطير والصيود والفاكهة اليابسة ، ويقلّل من أكل الحلاوة ، ويحمد فيه كثرة الجماع والحركة و الرّياضة .

صفة الشراب الّذي يحلّ شربه واستعماله بعد الطعام ، وقد تقدّم ذكر نفعه في ابتدائنا بالقول على فصول السنة وما يعتمد فيها من حفظ الصحّة .

وصفته أن يؤخذ من الزبيب المنقّى عشرة أرطال ، فيغسل وينقع في ماء صاف في

__________________

(١) جمع « تابل » وهو ما يطيب به الطعام كالفلفل والكمون .

(٢) الثاني ( خ ) .

(٣) أي المطر الربيع الاول ، لانه يسم الارض بالنبات .

(٤) كذا .

(٥) في بعض النسخ : « يقع الاحساء » والظاهر انه تصحيف .

٣١٤
 &

غمرة وزيادة عليه أربع أصابع ، (١) ويترك في إنائه ذلك ثلاثة أيّام في الشتاء وفي الصيف يوماً وليلة . ثمّ يجعل في قدر نظيفة ، وليكن الماء ماء السماء ، إن قدر عليه وإلّا فمن الماء العذب الّذي ينبوعه من ناحية المشرق ماءً برّاقاً أبيض خفيفاً ، وهو القابل لما يعترضه على سرعة من السخونة والبرودة ، وتلك دلالة على صفة (٢) الماء ويطبخ حتّى ينشف (٣) الزبيب وينضج ، ثمّ يعصر ويصفّى ماؤه ويبرد ، ثمّ يردّ إلى القدر ثانياً ويؤخذ مقداره بعود ويغلى بنار ليّنة غلياناً ليّناً رقيقاً حتّى يمضي ثلثاه ويبقى ثلثه .

ثمّ يؤخذ من عسل النحل المصفّى رطل ، فيلقى عليه ويؤخذ مقداره ومقدار الماء إلى أين كان من القدر ، ويغلى حتّى يذهب قدر العسل ويعود إلى حدّه ويؤخذ خرقة صفيقة فيجعل فيها زنجبيل وزن درهم ، ومن القرنفل نصف درهم ، ومن الدارچينيّ نصف درهم ، ومن الزعفران درهم ، ومن سنبل الطيب نصف درهم ، ومن الهندباء مثله ، ومن مصطكي نصف درهم ، بعد أن يسحق الجميع كلّ واحدة على حدة ، وينخل ويجعل في الخرقة ، (٤) ويشدّ بخيط شدّاً جيّداً ، وتلقى فيه وتمرّس الخرقة في الشراب بحيث تنزل قوى العقاقير الّتي فيها ، ولا يزال يعاهد بالتحريك على نار ليّنة برفق حتّى يذهب عنه مقدار العسل ، ويرفع القدر ويبرد ويؤخذ مدّة ثلاثة أشهر حتّى يتداخل مزاجه بعضه ببعض وحينئذ يستعمل .

ومقدار ما يشرب منه أوقية إلى أوقيتين من الماء القراح .

فإذا أكلت يا أمير المؤمنين مقدار ما وصفت لك من الطعام فاشرب من هذا الشراب مقدار ثلاثة أقداح بعد طعامك ، فإذا فعلت ذلك فقد أمنت بإذن الله تعالى يومك وليلتك من الأوجاع الباردة المزمنة كالنقرس ، والرياح ، وغير ذلك من أوجاع العصب و

__________________

(١) في المصدر وبعض نسخ الكتاب : أربعة أرطال .

(٢) خفة ( خ ) .

(٣) ينتفخ ( خ ) .

(٤) خرقة ( خ ) .

٣١٥
 &

الدماغ والمعدة وبعض أوجاع الكبد والطحال والمعاء (١) والأحشاء .

فإن صدقت بعد ذلك شهوة الماء فليشرب منه مقدار النصف ممّا كان يشرب قبله فإنّه أصلح لبدن أمير المؤمنين ، وأكثر لجماعه ، وأشدُّ لضبطه وحفظه ، فإنّ صلاح البدن وقوامه يكون بالطعام والشراب ، وفساده يكون بهما ، فإن أصلحتهما (٢) صلح البدن ، وإن أفسدتهما فسد البدن .

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ قوّة النفوس تابعة لأمزجة الأبدان ، وأنّ الأمزجة تابعة للهواء ، وتتغيّر بحسب تغيّر الهواء في الأمكنة . فإذا برد الهواء مرّة وسخن اُخرى تغيّرت بسببه أمزجة الأبدان ، وأثّر ذلك التغيّر في الصور ، فإذا كان الهواء معتدلاً اعتدلت أمزجة الأبدان ، وصلحت تصرّفات الأمزجة في الحركات الطبيعيّة كالهضم والجماع والنوم والحركة وسائر الحركات .

لأنّ الله تعالى بنى الأجسام على أربع طبائع ، وهي : المرّتان والدم والبلغم وبالجملة حارّان وباردان ، قد خولف بينهما فجعل الحارّين ليناً ويابساً ، وكذلك الباردين رطباً ويابساً ، ثمّ فرّق ذلك على أربعة أجزاء من الجسد ، [ و ]على الرأس والصدر والشراسيف وأسفل البطن .

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الرأس والاذنين والعينين والمنخرين والفم والأنف من الدم ، وأنّ الصدر من البلغم والرّيح ، والشراسيف من المرّة الصفراء ، وأنّ أسفل البطن من المرّة السوداء .

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ النوم سلطان الدماغ ، وهو قوام الجسد وقوّته فإذا أردت النوم فليكن اضطجاعك أوّلاً على شقّك الأيمن ، ثّم انقلب على الأيسر وكذلك فقم من مضجعك على شقّك الأيمن كما بدأت به عند نومك .

وعوّد نفسك القعود من الليل ساعتين [ مثل ما تنام . فإذا بقي من الليل

__________________

(١) والامعاء ( خ ) .

(٢) فان أصلحته بهما صلح ، وان أفسدته بها فسد ( خ ) .

٣١٦
 &

ساعتان فادخل ] وادخل الخلاء لحاجة الإنسان ، والبث فيه بقدر ما تقضي حاجتك ولا تطل فيه ، فإنّ ذلك يورث داء الفيل .

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ أجود ما استكتَ به ليف الأراك ، فإنّه يجلو الأسنان ويطيّب النكهة ، ويشدّ اللثة ويسننها (١) ، وهو نافع من الحفر إذا كان باعتدال والإكثار منه يرقّ الأسنان ويزعزعها ، ويضعف اُصولها ، فمن أراد حفظ الأسنان فليأخذ قرن الايّل محرقاً وكزمازجاً وسعداً وورداً وسنبل الطيب وحبّ الاثل أجزاءً سواءً وملحاً أندرانيّاً ربع جزء فيدقّ الجميع ناعماً ويستنّ به فإنّه يمسك الأسنان ، ويحفظ اُصولها من الآفات العارضة .

ومن أراد أن يبيّض أسنانه فليأخذ جزءً من ملح أندرانيّ ومثله زبد البحر فيسحقهما ناعماً ويستنّ به (٢) .

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ أحوال الإنسان الّتي بناه الله تعالى عليها وجعله متصرّفاً بها فإنّها أربعة أحوال : الحالة الاُولى لخمس عشرة سنة (٣) ، وفيها شبابه و حسنه وبهاؤه ، وسلطان الدم في جسمه .

ثمّ الحالة الثانية من خمس وعشرين سنة إلى خمس وثلاثين سنة ، وفيها سلطان المرّة الصفراء وقوّة غلبتها على الشخص ، وهي أقوى ما يكون ، ولا يزال كذلك حتّى يستوفي المدّة المذكورة ، وهي خمس وثلاثون سنة .

ثمّ يدخل في الحالة الثالثة إلى أن تتكامل مدّة العمر (٤) ستّين سنة ، فيكون في سلطان المرّة السوداء ، وهي سنّ الحكمة والموعظة والمعرفة والدراية ، وانتظام الاُمور ، وصحّة النظر في العواقب ، وصدق الرأي ، وثبات الجأش في التصرّفات .

ثمّ يدخل في الحالة الرابعة . وهي سلطان البلغم ، وهي الحالة الّتي لا يتحوّل

__________________

(١) أي يسددها ، وفي المصدر وبعض النسخ « يسمنها » .

(٢) أي يستاك به .

(٣) زاد في المصدر : الى خمس وعشرين .

(٤) عمره ( خ ) .

٣١٧
 &

عنها ما بقي إلّا إلى الهرم ، ونكد عيش ، وذبول ، ونقص في القوّة ، وفساد في كونه (١) ونكتته أنّ كل شيء كان لا يعرفه حتّى ينام عند القوّة ، ويسهر عند النوم ، ولا يتذكّر ما تقدّم ، وينسى ما يحدث في الأوقات ويذبل عوده ، ويتغيّر معهوده ، و يجفّ ماء رونقه وبهائه ، ويقلّ نبت شعره وأظفاره ، ولا يزال جسمه في انعكاس و إدبار ما عاش ، لأنّه في سلطان المرّة البلغم ، وهو بارد وجامد ، فبجموده وبرده يكون فناء كلّ جسم يستولي عليه في آخر القوّة البلغميّة .

وقد ذكرت لأمير المؤمنين جميع ما يحتاج إليه في سياسة المزاج وأحوال جسمه وعلاجه .

وأنا أذكر ما يحتاج إلى تناوله من الأغذية والأدوية ، وما يجب أن يفعله في أوقاته . فإذا أردت الحجامة فليكن في اثنتي عشرة ليلة من الهلال إلى خمس عشرة ، فإنّه أصحّ لبدنك ، فإذا انقضى الشهر فلا تحتجم إلّا أن تكون مضطرّاً إلى ذلك . و هو لأنّ الدم ينقص في نقصان الهلال . ويزيد في زيادته .

ولتكن الحجامة بقدر ما يمضي من السنين : ابن (٢) عشرين سنة يحتجم في كلّ عشرين يوماً (٣) ، وابن الثلاثين في كلِّ ثلاثين يوماً مرّة واحدة ، وكذلك من بلغ من العمر أربعين سنة يحتجم في كلّ أربعين يوماً [ مرّة ] وما زاد فبحسب ذلك .

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الحجامة إنّما تأخذ دمها من صغار العروق المبثوثة في اللحم ، ومصداق ذلك ما أذكره أنّها لا تضعّف القوّة كما يوجد من الضعف عند الفصد .

وحجامة النقرة تنفع من ثقل الرأس ، وحجامة الأخدعين تخفّف عن الرأس والوجه والعينين ، وهي نافعة لوجع الأضراس .

وربما ناب الفصد عن جميع ذلك ، وقد يحتجم تحت الذقن لعلاج القلاع في الفم

__________________

(١) في المصدر : تكونه ، واستنكر كل شيء كان يعرف من نفسه حتى ينام عند القوم .

(٢) في المصدر : فابن .

(٣) زاد فيه : مرة .

٣١٨
 &

ومن فساد اللثة وغير ذلك من أوجاع الفم ، وكذلك الحجامة بين الكتفين تنفع من الخفقان الّذي يكون من الامتلاء والحرارة ، والذي يوضع على الساقين قد ينقص من الامتلاء نقصاً بيّناً ، وينفع من الأوجاع المزمنة في الكلى والمثانة والأرحام ، و يدرّ الطمث ، غير أنّها تنهك الجسد .

وقد يعرض منها الغشي (١) الشديد ، إلّا أنّها تنفع ذوي البثور والدماميل .

والّذي يخفّف من ألم الحجامة تخفيف المصّ عند أوّل ما يضع المحاجم ثمّ يدرج المصّ قليلاً قليلاً ، والثواني أزيد في المصّ من الأوائل ، وكذلك الثوالث فصاعداً ، ويتوقّف عن الشرط حتّى يحمرّ الموضع جيّداً بتكرير المحاجم عليه ، ويلين المشراط على جلود ليّنة ، ويمسح الموضع قبل شرطه بالدهن .

وكذلك الفصد يمسح الموضع الّذي يفصد فيه بالدهن ، فإنّه يقلّل الألم ، و كذلك يليّن المشرط والمبضع بالدهن عند الحجامة ، وعند الفراغ منها يليّن الموضع بالدهن . وليقطر (٢) على العروق إذا فصد شيئاً من الدهن ، لئلّا يحتجب فيضرّ ذلك بالمفصود .

وليعمد الفاصد أن يفصد من العروق ما كان في المواضع القليلة اللحم ، لأنّ في قلّة اللّحم من العروق قلّة الألم .

وأكثر العروق ألماً إذا فصد حبل الذراع والقيفال ، لاتّصالهما بالعضل وصلابة الجلد ، فأمّا الباسليق والأكحل فإنّهما في الفصد أقلّ ألماً إذا لم يكن فوقهما لحم .

والواجب تكميد موضع الفصد بالماء الحارّ ليظهر الدم ، وخاصّة في الشتاء فإنّه يليّن الجلد ، ويقلّل الألم ، ويسهّل الفصد . ويجب في كلّ ما ذكرناه من إخراج الدم اجتناب النساء قبل ذلك باثني عشرة (٣) ساعة .

ويحتجم في يوم صاحٍ صافٍ لا غيم فيه ولا ريح شديدة ويخرج من الدم بقدر

__________________

(١) الغشوة البدنية ( خ ) .

(٢) ولينقط ( خ ) .

(٣) باثنتي عشرة ( خ ) .

٣١٩
 &

ما ترى (١) من تغيّره ، ولا تدخل يومك ذلك الحمّام ، فإنّه يورث الداء . وصبّ (٢) على رأسك وجسدك الماء الحارّ ، ولا تفعل ذلك من ساعتك .

وإيّاك والحمّام إذا احتجمت ، فإنّ الحمّى الدائمة يكون فيه ، (٣) فإذا اغتسلت من الحجامة فخذ خرقة مرغرى (٤) فألقها على محاجمك ، أو ثوباً ليناً من قزّ أو غيره ، وخذ قدر حمّصة من الترياق الأكبر واشربه (٥) إن كان شتاء وإن كان صيفاً فاشرب السكنجبين العنصليّ ، وامزجه بالشراب المفرّح المعتدل ، وتناوله أو بشراب الفاكهة .

وإن تعذّر ذلك فشراب الاُترج فإن لم تجد شيئاً من ذلك فتناوله بعد عركه ناعماً تحت الأسنان ، واشرب عليه جرع ماء فاتر .

وإن كان في زمان الشتاء والبرد فاشرب عليه السكنجبين [ العنصليّ ] العسليّ فإنّك متى فعلت ذلك أمنت من اللقوة والبرص والبهق والجذام بإذن الله تعالى وامتصّ من الرمّان المزّ ، فإنّه يقوّي النفس ، ويحيي (٦) الدم ، ولا تأكل طعاماً مالحاً بعد ذلك بثلاث ساعات ، فإنّه يخاف أن يعرض من ذلك الجرب .

وإن كان (٧) شتاء فكل من الطباهيج إذا احتجمت ، واشرب عليه من الشراب المذكّى الّذي ذكرته أوّلاً ، وادّهن بدهن الخيريّ أو شيء من المسك وماء ورد ، (٨) وصبّ منه على هامتك ساعة فراغك من الحجامة .

وأمّا في الصيف فإذا احتجمت فكل السكباج والهلام والمصوص أيضاً والحامض

__________________

(١) يرى ( خ ) .

(٢) واصبب ( خ ) .

(٣) في المصدر وبعض نسخ الكتاب : يكون منه .

(٤) فيه : من قز .

(٥) من هنا الى قوله « العنصلي » غير موجود في المصدر .

(٦) في المصدر : يجلي .

(٧) فيه : وان شئت فكل .

(٨) في بعض النسخ « ماء بارد » وفي المصدر « ماء الورد » .

٣٢٠